عن العنف الاجتماعي والسياسي

الحالة التونسية كمثال

العدد السادس عشر
السنة الرابعة/ نوفمبر - ديسمبر 2005


أحمد قعلول

يتناول هذا المقال موضوع العنف من أجل فهم أسبابه ونتائجه الممكنة وذلك من خلال الحالة التونسية. فتونس اعتبرت ولفترة طويلة مستعصية عن العنف أكان ذلك نظرا لطبيعة المجتمع وثقافته السياسية التي أنتجت دولته الحديثة أو بالنظر لنوعية الحركة الإسلامية التي أطرت الصحوة الإسلامية إلى حدود التسعينات من القرن الماضي أو بسبب الضبط الأمني الذي تمارسه السلطة في تونس على مجتمع صغير من حيث المساحة والعدد ما يجعل ممارسة العنف خارج  أطر الدولة أمرا عسيرا على أن تونس تعرف منذ سنوات انتشارا لبعض مظاهر العنف داخل المجتمع إلى مستويات خطيرة لم تعرف لها البلاد مثيلا. يضاف إلى ذلك شيوع الحديث عن اتساع تيارات يتبنى بعضها ممارسة العنف كوسيلة للتغيير وللوصول إلى الهدف. في المقابل لم تعرف تونس إلى حد الآن على الأقل موجة من العنف السياسي سوى العنف الذي تمارسه الدولة على المجتمع وهذا ما يجعل الحالة التونسية مهمة للدراسة ذلك أن هذه الحالة وحسب ما يبدو في حالة تكون.

1) أريد في البداية أن أنبه إلى كون التفسير السببي للظواهر ليس دائما الوسيلة الأنسب لفهم واستيعاب الظواهر الاجتماعية، وذلك عائد إلى تعقد الظاهر الاجتماعية والإنسانية عموما وتعدد أسبابها واختلاف تأثيراتها بحسب السياق الذي تعمل فيه. إذ يمكن أن تكون أسباب ما مفسرة لنشوء ظاهرة ما إلا أن انتشار تلك الظاهرة واتساعها أو انحسارها وذبولها يمكن أن يعود لأسباب أخرى مختلفة. ولذلك يجب أن يتجنب الباحث التصور الشائع الذي يقول بأن زوال أسباب نشوء ظاهرة ما سيؤدي لا محالة لضمور واختفاء تلك الظاهرة. هذا بالإضافة إلى كون التفسير السببي يجعل وجود الظواهر مرتبطا بشروط خارجة عنها بينما يمكن أن توجد الظاهرة لشروط  ذاتية بغض النظر عن اختلاف أو معاندة الشروط الخارجية او بمعنى آخر ان تكون الظاهرة تعبيرة طبيعية من تعبيرات الحياة والاجتماع الإنساني مرتبطة بتعقد الظاهرة الإنسانية وتنوع تعبيراتها. على انه وبرغم علات التفسير السببي فإنه يبقى أداة للفهم يصعب الاستغناء عنها ولكن وجب الإشارة إلى علات هذه الأداة قبل البداية.

2) من المهم أيضا التنبيه إلى أن (وبنوع من التعميم) كل ممارسة اجتماعية تحتاج إلى خطاب يشرع لممارستها مهما كانت تلك الممارسة وخاصة إذا ما كانت فعلا مرفوضة داخل السياق الاجتماعي الذي تتنزل فيه بحيث تزيد الأعمال الفردية أو الجماعية حاجة إلى الخطاب الذي يشرع لها أو لنقل إلى الأيديولوجيا بقدر معاندة الواقع لها. من هنا نرى مثلا أن الاحتلال الذي غزا العالم العربي والإسلامي في المنتصف الأول من القرن الماضي جاء تحت اسم الاستعمار كما تأتي الهجمة الجديدة على العالم العربي والإسلامي تحت اسم الإصلاح أو إحلال الديمقراطية كما تمارس الصهيونية جرائمها تحت اسم الحق المقدس لليهود في ارض الميعاد ومقولة شعب بلا ارض وارض بلا شعب وكذلك يقع الاستبداد في العالم العربي باسم الديمقراطية وتحصين الحداثة من الخطر الأصولي والإرهاب إلى غير ذلك وكذلك الحديث عن العنف الذي تمارسه الجماعات المسلحة باسم الإسلام وباستعمال سلاح التكفير ومحاربة الصليبية وفتاوى من نوع تترس الظلمة بالمدنيين وجواز قتل مدنيين في مثل هذه الحالات إلخ... وهكذا فان العقل البشري عادة ما يبدع ويختلق صورا ذهنية وفكرية لإعادة تأويل الواقع كي يتمكن من التواصل مع الآخر وضمان حلفاء يؤمنون بخطابه ويشاركونه مصلحته إذ أن كل فعل إذ يقع فهو فعل اجتماعي وهو مكره بهذه الصفة على إيجاد أدوات خطاب ونسق من التأويل يمكنه من تحقيق ما يريد خيرا كان أم شرا وخاصة إذا كان شرا. وفي هذا الإطار فان الخطاب الديني والأيديولوجي هو من أنجع الأدوات التي تمكن هذه الممارسات من خطاب وتأويل تشريعي وليس هذا لعلة في الخطاب الأيديولوجي أو الخطاب الديني ولكن لما تتوفر عليه هذه المنظومات من قدرة على إشاعة خطاب يمس وجدان الجمهور كما يمس تصوراتهم وهو ما لا تتوفر عليه المنظومات الفكرية الأخرى.

في تعريف العنف

يجمع أغلب الباحثين في تعريفهم للعنف على كونه أداة ووسيلة لتحقيق أهداف ما، فردية أو جماعية، بمعنى أنه ليس عقيدة أو فكرا وإن استعمل فكرا وعقيدة لتشريع ممارسته. وهذا بخلاف التفسيرات التي ترى في العنف عقيدة أصيلة تفسرها منظومات فكرية أو دينية أو أيديولوجية. ومن هنا يتصارع الإسلاميون مثلا مع خصومهم الشيوعيين في تبادل تهم تبني العنف كعقيدة وكذلك يفعل الليبراليون تجاه الشيوعيين. والمرء إذا ما وقف عند هذه المقولات لن ينجو أحد ولا تيار من أن يوصم بالعنف إما عقيدة أو ممارسة وهذا أمر يدعونا إلى التوقف، إذ إن المتابع لما يقع في العالم لا يغفل عن كون كل هذه المنظومات السياسية أو الفكرية تورطت بدرجة أو بأخرى في العنف السياسي بجميع أنواعه أكان عنف الدولة أو العنف المقابل للدولة والمواجه لها أو العنف تجاه تركيبات المجتمع أو تجاه مجتمعات أخرى. والقصد من هذه الملاحظة القول إن الممارسة السياسية عموما محكومة بقوانين أعلى من القيم الأخلاقية التي عادة ما تبشر بها المنظومات الأيديولوجية سواء أكانت ذات خلفية دينية أو علمانية بحيث يمكن اعتبار قوانين الحكم والسلطة من مستوى قوانين الطبيعة البيولوجية على النحو الذي ذكره ابن خلدون في مقدمته[1]. تكمن أهمية الملاحظات السابقة في كون العنف ليس مرتبطا بعقيدة أو أيديولوجية ولكنه يمكن أن يصاحب كل العقائد والأيديولوجيات ومن هنا فان التفكير الذي ينحو إلى اتهام جماعة أو منظومة فكرية بالعنف بسبب خلفياتها الفكرية هو تفكير لا يراعي معطيات الواقع كما انه يتغافل عن حقيقة الظاهرة التي يرصدها بحديثه أو تحليله.

إذا سمحنا لأنفسنا بقبول هذه المقدمة أي الصبغة غير العقائدية للعنف وان استند على تأويلات عقائدية فكيف إذا يمكن فهم أو تفسير العنف؟

العنف إذن هو أسلوب يستعمل لتحقيق غرض ما ويتسم هذا الأسلوب بمجموعة من الصفات أولها استعمال القوة والملاحظ انه ولكثرة ارتباط العنف بممارسة القوة اصبح يمكن استعمال التعبيرين بالتناوب في مقامات مشتركة على أن المرء يجب أن يميز بين استعمال القوة والعنف إذ ليس كل استعمال للقوة عنفا وليس في كل عنف استعمال للقوة، ومن السمات الأخرى للعنف الإكراه ذلك أن الذي يمارس العنف يسعى لإكراه موضوع فعله على ما لا يريده. أما السمة الثالثة والأساسية للعنف فهي كونه اعتداء على الآخر أو على الذات. والاعتداء هو عموما تدخل في المجال الخاص لفرد أو مجموعة دون إذن منها ورغما عنها، فالممارسة العنيفة هي في الأصل ممارسة غير مشروعة، على انه يجدر التنبيه هنا هو أن غياب الشرعية عن الممارسة العنيفة نسبي إذ الشرعية مرتبطة بموضوع ممارسة العنف أي الجهة التي يمارس عليها العنف لا الجهة الممارسة له. كما انه يجدر التنبيه أنه لا يمكن اعتبار كل ممارسة للعنف ممارسة غير مشروعة مطلقا أو أنه الأسلوب الأنسب في اغلب الحالات إذ يصعب في عالم الممارسة رفض أسلوب ما بشكل مطلق أو قبوله بشكل مطلق على أن الإشكال في التعامل مع هذا الأسلوب يتركز خاصة في استعماله تجاه الذات أكانت هذه الذات فردية أو جماعية.

يمكن تصنيف العنف الى مجموعة من الأصناف فهناك العنف الفردي كما هناك العنف الجماعي وهناك العنف العشوائي كما هناك العنف المنظم.

يتخذ العنف المنظم طابعا نسقيا وقصديا إذ أنه يمارس من أجل خدمة مصالح مضبوطة ومحددة أما العنف العشوائي فانه يمكن أن يعبر عن حالات كبت وانفجار كما انه يمارس بصورة تلقائية غير مبرمجة وهو يفسر عادة بالتفاعلات الداخلية للظروف الذاتية والخارجية[2] وبينما يكون العنف المنظم موضوعيا بحيث لا يرد إلى وضع الأفراد فان العنف العشوائي يعبر عن حالات من التعويض وردة فعل مباشر تجاه موضوع القلق والضجر. كما إن هذا العنف نوع من تحويل للعدوانية من الموضوع الرئيسي والأساسي الذي تصعب مهاجمته لقوته وسلطته مثلا إلى موضوع آخر أقل قوة وأقل مقاومة. يمكن الحديث عن نوع آخر من العنف وهو العنف المرضي والذي يعبر عن حالة عصاب نفسي وهو ليس موضوع اهتمامنا في هذا المقال.

يمكن تقسيم العنف المنظم إلى عنف إجرامي وعنف سياسي:

فالعنف الإجرامي غير موجه لاشخاص كما أنه ليس أداتيا، وهو غير موجه للدفاع او لخلخلة او اقامة نظام قيمي معين، برغم انه وبشكل غير مقصود يمكن ان يساهم في ذلك. أما العنف السياسي فهو موجه للحفاظ على نظام قيمي أو سياسي معين، أو لتغييره واستبداله بنظام قيمي أو سياسي آخر. على ان التمييز بين أنواع العنف هذه لا يجب ان يؤخذ بحدية مطلقة ذلك ان حدودها يمكن ان تتداخل وتختلط كما أنها يمكن ان تتحول من نوع إلى آخر كما يمكن ان يستعمل نوع منها كتعلة لممارسة نوع آخر، كأن تستعمل الجريمة الاجتماعية من اجل ترسيخ عنف البوليس مثلا ما يفسح المجال للماسكين بالسلطة كي يغيروا المعايير الاجتماعية. كما يمكن ان تتحول العصابات الإجرامية إلى عصابات سياسية مناضلة. أو أن تتحول مجموعات العنف السياسي إلى مجموعات عنف اجتماعي، وأن تختلط الممارسة السياسية بالاجتماعية والاجتماعية بالسياسية، او يتخفى  العنف الاجتماعي تحت لافتة سياسية.

ماذا عن الحالة التونسية؟

في ما يخص الحالة التونسية، ما هي المؤشرات التي تبرر القول بوجود مجموعات تتبنى العنف او باحتمال ان تشهد تونس حالة من العنف السياسي الداخلي.

إن أهم مؤشر على احتمال نشوء العنف في تونس ليس وجود ممارسات لهذا العنف وانما انتشار الافكار التي تشرع له في صفوف فئات من الشباب التونسي وكذلك وجود عدد معتبر من الشباب التونسي الذي عبر عمليا عن تبنيه لتلك الافكار من خلال هجرته الى مناطق ممارسته مثل افغانستان او العراق، وتنذر بعض التقارير أن خمسة بالمائة من الشباب الأجانب المقاتلين في العراق هم من أصول تونسية هذا إلى جانب تكرار عمليات اعتقال شبكات ومجموعات توصف بالارهابية في عدد من الدول الأوروبية بعض عناصرها من الشباب التونسي. 

إضافة إلى هذه المعطيات فان انتشار العنف الاجتماعي مؤشر في ذاته على احتمال تحول ذلك العنف إلى الساحة السياسية هذا دون ان نغفل عن التفسير السياسي لهذا العنف الاجتماعي وهو ما سنعرض إليه لاحقا في هذه المقالة. إنه إذا ما أخذنا بالملاحظة القائلة بإمكانية تحول العنف الاجتماعي إلى عنف سياسي وإذا ما نظرنا إلى ما يرد في العديد من التقارير حول هذه الظاهرة، فإن الوضع فعلا ينذر بانتشار الجريمة المنظمة والعشوائية في تونس. إن هذه مؤشرات لانطلاق عنف ضد الدولة خاصة وان النظام يقوم وبشكل دوري باعتقال العديد من الشباب الذين يتبنى بعضهم أفكارا قد تؤدي إلى تحول بعض المنحرفين اجتماعيا إلى تبنيها وبالتالي تحولهم من دائرة العنف الاجتماعي إلى دائرة العنف السياسي.

الجانب الآخر الذي يرشح الساحة التونسية بنشوء ظاهرة العنف السياسي هو ما وقع في عدد من الدول الاخرى بعد عودة من يسمون بـ"المجاهدين" إلى أرض الوطن ذلك ان المحارب عندما يعود الى بلاده يصعب عليه الاندماج من جديد في ساحة الفعل المدني والسلمي وعادة ما تطبعه تجربته القتالية كما تطبع أساليب فعله وردة فعله خاصة اذا ما تعرض الى الظلم. وقد بينت التجربة الجزائرية بعد الانقلاب الذي أوقف العملية الديمقراطية في بداية تسعينات القرن الماضي ودفع بآلاف الشباب إلى السجون والمعتقلات، ان عددا من العائدين من مثل تلك الساحات هم الذين شكلوا فيما المجموعات المسلحة وخاصة في مستوياتها القيادية. أضف إلى ذلك وجود علاقة مباشرة بين المجموعات المسلحة في الجزائر وعدد من الشباب التونسي الذي رأى فيها رحما يمكنه من تحقيق رغبته في الجهاد والاستشهاد هذا بغض النظر عن مدى اقتناع هذا الشباب بافكار تلك المجموعات قبل الدخول في علاقة معها. كل هذه المؤشرات تجعل تونس مقدمة ان بقيت الحالة على ما هي عليه على تكرار التجربة الجزائرية وان في اطار سيناروهات مختلفة. والسؤال هو لماذا انتشرت هذه التيارات؟ وما هي المناخات التي مثلت أرضية مناسبة تجعل هؤلاء الشباب والفئات الاجتماعية يعتبرون ان العنف هو الاسلوب الامثل للتعامل مع الاخر ولحل المشاكل السياسية التي تعاني منها البلاد؟

في أسباب العنف السياسي والاجتماعي

يميل أكثر المحللين الاجتماعيين وعلماء النفس إلى تفسير العنف برده الى الوضع النفسي أو الاجتماعي للفرد أو للفئة التي تمارسه وفي هذا الإطار فان هناك العديد من البحوث التي تناولت موضوع العنف من خلال وجهة النظر هذه على اني وفي هذه الورقة ساحاول تقديم تفسير سياسي لبروز العنف وملخص الحجة التي ساقدمها يتمثل في اعتبار العنف تعبيرا عن فشل السياسة علىمستوى السلطة الحاكمة وعلى مستوى المكونات الحزبية والمدنية للمجتمع.

هناك العديد من الفاعلين السياسيين في الساحة التونسية ولا شك ان السلطة والاحزاب والتيارات السياسية من اهم المؤثرين في هذه الساحة الا ان للخارج تاثيرا كبيرا في الوضع الداخلي وعلى المزاج العام للشعوب العربية التي من البين ان إحساسها القومي وانتماءها الحضاري لم تؤثر فيه كثيرا سياسات الدولة القطرية. وقد تجمعت على الاقل ثلاث قضايا كبرى تهم عموم المسلمين منها اثنتان تحتلان مركز اهتمام الشعوب العربية وهما القضية الفلسطينية والعراق أما الثالثة فنقصد بها أفغانستان.

وكي لا نطيل كثيرا في ما يخص الوضع الدولي فانه يمكن وبعجالة ان نقول ان العنف الذي يمارس على الأمة الإسلامية عموما وعلى العرب بالخصوص يستدعي وبشكل شبه آلي ردة فعل يكون العنف الاسلوب الوحيد المناسب لها خاصة اذا ما تحدثنا عن ذلك العنف الموجه تجاه القوات الغازية والذي يدخل في إطار المقاومة المشروعة. ومن المهم التنبيه في ما يخص المزاج الشعبي في تونس هو شدة حساسيته تجاه القضايا القومية، ولست هنا اسعى لتفسير هذه الحساسية ولكن يكفي ان ننبه الى ان الشارع التونسي لم يتحرك بنفس الحماس لقضاياه المحلية بينما انطلق بكل عنف للتعبير عن رفضه لما يقع من غصب للحقوق ومن اعتداءات على أشقائه في كل من فلسطين والعراق هذا بالإضافة إلى رفضه سياسات السلطة في التطبيع مع الكيان الصهيوني وفي هذا السياق يخبرنا المؤرخون ان الشعب التونسي انتفض منذ الثلاثينات ضد الكيان الصهيوني حتى قبل أن يتحول إلى دولة كما ان شبابه تطوع في موجات للجهاد في فلسطين بداية من حرب ثمان واربعين الى حد اليوم وان شعب تونس قدم ولا يزال يقدم شهداء في سبيل القضية الفلسطينية على ان قيود الدولة القطرية جاءت لتعطل هذا المد التلقائي ولذلك فان ما تعرفه تونس اليوم من اعتقال لعشرات الشباب الذين يريدون التطوع للمقاومة في العراق لا يفسر في رأيي بانتشار فكر ما يسمى بالسلفية الجهادية او غيرها من الايديولوجيات وانما يفسر بالمزاج العام للشعب التونسي وبحسه العروبي والإسلامي. على ان الدور الذي تقوم به بعض المجموعات المحسوبة على السلفية او ذات العلاقة بتنظيم القاعة له تاثير لاحق على تبني واقتناع ذلك الشباب بفكر القاعدة ذلك ان هذه التنظيمات هي الوحيدة التي تقدم التسهيلات اللوجستيكية لهؤلاء الشباب المتعطشين للدفاع عن كيانهم الجماعي الذي يعتدى عليه وهذا ما يجعل فكر هذه الجماعات اكثر قابلية للانتشار بسبب رفعها لشعار مطلوب على الساحة اي الدفاع عن الهوية القومية والإسلامية للشعوب العربية برغم كون تيار القاعدة لا يؤمن بالروح القومية للشعوب العربية بقدر ما يؤمن، مثله مثل بقية التيارات الإسلامية، بالأممية الإسلامية على أن التقاطع بين العروبة والاسلام يجعل التيار القاعدي من حيث لا يدري او يقصد أكثر جرأة في تعبيراته القومية العربية على الساحة ولهذا السبب فان هذا التيار وبسبب الخدمات التي يقدمها بشكل مباشر أو غير مباشر لهذه الشرائح من الشباب مؤهل ان يكون فكره موضوع اقبال وتبن. ويبدو ان المجتمع التونسي تتسع فيه بوتقة هذا الفكر الذي يؤطر المتعاطفين معه إلى حد الآن ضمن القضايا الاممية قبل القضايا القطرية. وفي هذا الاطار تكمن رمزية أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي مثلت، وبغض النظر عن موقفنا السياسي منها، تعبيرا عن انتقام من قوة ترى فيها فئات واسعة من الشعوب العربية والاسلامية سببا رئيسيا للبلاء والظلم الذي تعاني منه. وأحسب أن كثيرا من العرب والمسلمين لا يزالون يشاركون الإمام الخميني وصفه هذه القوة بـ"الشيطان الأكبر" الذي فشلت سياساته على الأرض، إلى حد الآن، في تقديم صورة مغايرة خاصة فيما يتعلق بالدعم اللامشروط للكيان الصهيوني أو في ما يحدث في العراق وفي أفغانستان.

المستوى الثاني من العامل الدولي هو صعود تيارات تنسب الى التيار السلفي تتبنى العنف كوسيلة للعمل وللتعامل مع الآخر وقد بينا ميزات وقدرات هذه التيارات عموما على نشر افكارها وعلى تعبئة الجماهير حولها، إضافة إلى مبادرة هذه التيارات والجماعات الى تقديم الخدمات اللوجستيكية للشباب المتطوعين لساحات القتال ما يمكنهعم من تعبئة هؤلاء ضمن رؤاهم وتأويلهم للواقع وضمن سلوكهم في التعاطي مع هذا الواقع الذي لا يجدي التعامل معه بغير العنف وسيلة لردع الظلم ومعاقبة من يتعاون مع الظالم وما يتولد عن كل ذلك من أحكام أخرى تطال قتل المدنيين من مسلمين وغيرهم تحت مقولات فقهية مثل التترس وغيرها.

في هوية الدولة القطرية: من المهم التنبيه في البداية إلى ان الدولة القطرية أصبحت تمثل عاملا معطلا للمشاعر القومية ما يجعلها تقف في صف "الاعداء" بالنسبة للذين يريدون ان يعبروا عن عواطفهم تلك بشكل عملي اذ بينما تمكن الشباب العربي والإسلامي في مرحلة الاحتلال وغياب الدولة القطرية من التحرك الحر لنصرة القضية الفلسطينية فان الدولة القطرية الحديثة وقفت حجر عثرة أمام هذه المشاعر خاصة وان شرعيتها السياسية وذلك باستثناء بعض الدول ذات المرجعية القومية تقوم على تعميق الروح القطرية على حساب الروح القومية والانتماء الحضارية للأمة الإسلامية بشكل عام. ويعتبر هذا العامل أحد أسباب الاحتقان في الشارع العربي وفي علاقاته بحاكميه كما انه احد اسباب الثورة عليه بنفس المستوى الذي يدعو تلك الشعوب إلى رفض السياسات الأمريكية والثورة عليها.

فشل الدولة في القيام بمهمتها

يعتبر ابن خلدون ان العمران البشري ضروري للإنسان الذي لا يقدر على المعاش وعلى الحفاظ على النوع إلا في إطار جماعة متعاونة ومتضامنة، الا انه يضيف في مقدمته ان هذا الاجتماع البشري يحتاج الى وازع يمنع اعتداء افراد ذلك الاجتماع على بعضهم البعض مبينا ان الوازع الاخلاقي والديني غير كاف لتحقيق هذه الحاجة ومبينا ان الوازع السلطاني هو الوازع الذي من شانه ضمان التعايش السلمي بين افراد المجموعة البشرية الواحدة كما انه الكفيل بحماية تلك المجموعة ضد الاعتداءات الخارجية. ويلخص ابن خلدون بهذه المقدمة مهمة السلطة الحاكمة في حفظ الأمن وباستعمال مصطلح الماوردي في الحفاظ على البيضة كشرط لإمكان العمران البشري ولذلك فان الدولة اذا لم تقم بحفظ الأمن والدفاع عن البيضة فقدت شرعيتها كسلطة يحتكم اليها الناس وينتظمون ضمن تشريعاتها. ومن البين ان الدولة القطرية العربية منها بالخصوص قد فشلت في القيام بهذه المهمة، بل هي اصبحت تعبر في كثير من الحالات عن مدى تغلغل النفوذ الأجنبي في البلاد العربية بحيث أصبح ينظر إليها كممثلة لذلك الاحتلال لا مقاومة لسلطانه، هذا على مستوى الدولة القطرية في علاقتها بالمنظومة الدولية. اما على مستوى الواقع الذاتي للدولة القطرية فيبدو انها قد فشلت كذلك، وبمستويات متفاوتة، في حفظ الأمن لأفرادها وكياناتها الجماعية بل لقد أصبحت في أحيان كثيرة تعتدي على المجتمع أفرادا وجماعات. فالدولة العربية في أغلب الأحوال لا تمثل وازعا يمنع الاعتداء ويحقق العدل بين أبناء الوطن الواحد بقدر ما تحولت إلى خصم للمجتمع وإلى معتد ضمن سلسلة الذين يعدون على المجتمعات العربية. وقد بين ابن خلدون ان الظلم مؤذن بخراب العمران وهذا يعني ان الدولة عندما تتحول الى ممارسة الظلم عوض اقامة العدل فان الرسالة التي تبثها لمن تنزع به نزوعاته العدوانية الى الاعتداء على غيره هو أن الوازع الذي يمكن ان يمنعه من ارتكاب ظلمه وجرائمه مفقود.

بالنسبة إلى الحالة التونسية، لقد بلغ الوضع حدا من الانحلال والخراب اصبحت الجهة الممثلة للدولة تحتكر فيه كل شيء تقدريبا بما في ذلك الإجرام. فأفراد العائلة الحاكمة في تونس والمرتبطون بهم بشكل أو بآخر هم أكثر الناس فسادا وأول من أشاع أساليب المحسوبية والنهب والرشوة واغتصاب حقوق الناس مباشرة ومداورة، وأصبحوا يعملون في المجتمع وفي ثرواته بأساليب عصابات المافيا وبحماية من مؤسسات الدولة. ولذلك فان الباحث السياسي أو المحلل النفسي أو الاجتماعي لا يحتاج الى الذهاب بعيدا كي يجد تفسيرا لانتشار الجريمة الاجتماعية المنظمة والعشوائية في المجتمع في ظل ثقافة تشيعها السلطة الحاكمة في تونس تعتبر السرقة والإجرام طرقا مناسبة للإثراء السريع وغير المشروع متخلية عن الخطاب والثقافة التي حكمت المرحلة البورقيبية التي رغم كل ما يمكن ان نقول فيها على المستوى السياسي الا انه لا يمكن ان نقارنها بما وصلت إليه تونس في المرحلة الراحلة من تفشي للفساد ومن انتشار للجريمة وخاصة منها الجريمة العنيفة.

إن العنف سواء أكان اجتماعيا أو سياسي إنما بعبر عن فشل الدولة في القيام بمهمتها وفي التعبير عن شرعيتها بما هي وازع يحقق الأمن ويمنع العدوان. وإن المرء إذ يرى في مشاعر وأعمال الدفاع عن الروح القومية تعبيرا ايجابيا في هذه الأمة فان العنف الموجه للذات لا شك تعبير سلبي يعبر عن فشل هذه الأمة إلى حد الآن في تصعيد نخب تحكمها وتحقق لها أمنها الاجتماعي والسياسي. صحيح أن هذا الفشل يعود في جانب منه إلى عوامل دولية تفرض على أنظمة الحكم نهجا سياسيا يراعي مصالح القوى الكبرى اكثر مما يراعي مصالح شعوبها في مستوياتها القطرية والقومية، إلا أن ذلك لا يعفي نخب هذه الأمة من مسؤوليتها في الاتحاد ضد الظلم والأخذ على يد الظالم بالأساليب المناسبة. وهذا الفشل يفتح الباب للعنف كي يكون الإجابة العملية على القهر الذي تعاني منه الأمة.

وإذا ما اعتبرنا، كما تقدم، أن العامل السياسي مؤثر في نشاة العنف الاجتماعي والسياسي فإن الفكرة تحتاج الى ان تمتد للبرهنة على دور بقية اللاعبين السياسيين في الساحة المحلية، أي مكونات المجتمع المدني، والسؤال هو كيف تكون هذه المكونات عاملا من عوامل انتشار العنف في المجتمع؟

الاجابة السريعة على هذا السؤال تتمثل في أن تخلي هذه الجماعات عن القيام بدورها بصفتها جهات ضغط ومعارضة للدولة بنفس الشكل الذي تتخلى فيه الدولة القطرية عن حماية البيضة أو الوطن أو المصالح الوطنية والقطرية فتكون بذلك سببا في بروز العنف، فان المعارضة عندما تفشل في إكراه السلطة الحاكمة على القيام بدورها أو على تغييرها تكون مشاركة في نشأة العنف واستشرائه بما أنها تسمح للسلطة بممارسة اعتدائها على المجتمع. وللمعترض أن يقول إن المعارضة المدنية والسياسية هي في الحقيقة ضحية لقمع الدولة فكيف تكون شريكا لها في هذا الأمر. وهذا صحيح خاصة في وضع تجد فيه السلطة المستبدة دعما كبيرا من القوى الخارجية كما هو واضح في الحالة التونسية، إذ تلقى السلطة في تونس دعما ماديا وسياسيا لا يتجاوزه في المنطقة إلا الدعم الذي يل