لماذا لا تتحول حركة 18 أكتوبر إلى مشروع تغيير؟

العدد السادس عشر
السنة الرابعة/ نوفمبر - ديسمبر 2005


محمد فوراتي

لم تأت الحركة التي بدأها ثمانية قياديون من المعارضة والمجتمع المدني التونسي منذ 18 أكتوبر الماضي من فراغ، فكلّ المؤشرات التي سبقت هذا الحدث كانت تشير إلى ضرورة حدوث شيء ما، تبعا للأحداث التي عاشتها البلاد، أو التي طبعت علاقة الحكم بالمعارضة وبمنظمات المجتمع المدني.

فبالإضافة إلى تواصل مأساة السجناء السياسيين أصبحت العلاقة بين الحكومة والمعارضة تتسم بالتشنّج والتأزم المتواصل منذ الانتخابات الرئاسية والتشريعية الماضية، التي أفرزت تواصل سيطرة التجمع الدستوري الديمقراطي على كل مقاليد الحكم، وإصراره على الانفراد بالسلطة، وعدم الإنصات لكل دعوات الإصلاح الصادرة عن المجتمع المدني والسياسي.

فإضافة إلى الحزب الديمقراطي التقدمي الذي أعلن انسحابه من الانتخابات الرئاسية نددت حركة التجديد والتكتل الديمقراطي من أجل والحريات بالظروف التي تمت فيها الانتخابات. كما قرر المؤتمر من اجل الجمهورية وحزب العمال الشيوعي التونسي وحركة النهضة مقاطعة هذه الانتخابات لغياب أبسط ضمانات الشفافية فيها.

وزاد من التوتر بين الفعاليات السياسية والحكومة توجيه دعوة لرئيس الوزراء الإسرائيلي لزيارة تونس للمشاركة في قمة المعلومات وهو ما أجج مشاعر الغضب لدى أوساط نقابية وشبابية كثيرة في المجتمع. كما تعددت مظاهر التوتر بين قطاعات المجتمع المدني والسلطة بدءا بالمحامين وهيئتهم بعد سجن المحامي محمد عبو وما تلا ذلك من تحركات للمحامين وصلت حدّ الاعتصام لمدة شهر كامل. وبسرعة شملت حركة التوتر الجامعيين حيث قاموا بإضراب إداري ممتنعين عن إصلاح امتحانات آخر السنة الماضية بسبب رفض مطالبهم في الحوار من قبل وزارة التعليم العالي. كما شمل التوتر القضاة حيث تطور الخلاف بينهم وبين وزارة العدل حدّ تنصيب لجنة للإشراف على جمعية القضاة وافتكاك مقرّ الجمعية من المكتب التنفيذي الشرعي وتعيين مؤتمر استثنائي يوم 4 ديسمبر، ثم توالت بعد ذلك الأحداث بمنع عقد مؤتمر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومؤتمر نقابة الصحافيين. كما أصيبت المفاوضات بين نقابات الاتحاد العام التونسي للشغل و الحكومة بالشلل و العسر نظرا لإصرار الحكومة على نسبة زيادة في الأجور لا تستجيب لتدهور المقدرة الشرائية للعامل والموظف التونسي و إصرار الطرف النقابي على تحقيق مكاسب حقيقية. ويتواصل سلم التدهور الاجتماعي، بتسريح العمال، والزيادة المتكررة في الأسعار، وتزايد أعداد العاطلين عن العمل وخاصة من الحاصلين على الشهادات العليا.

كل تلك الظروف وغيرها جعل الالتفاف حول حركة 18 أكتوبر كبيرا سواء كان ذلك على المستوى الوطني أو الدولي، فأوضاع المجتمع التونسي على عدة مستويات أصبحت مقلقة ومنذرة بانفجار اجتماعي أو ما شابه، ومن الأفضل للمعارضة كما للحكم المسارعة بالتغيير و الإصلاح قبل حصول مفاجآت لا يمكن للمجتمع أن يستفيد منها.

وفي انتظار حصول إصلاح حقيقي أو فرض هامش من الحريات فإن الساحة السياسية والاجتماعية والحقوقية التونسية وضعت أملا كبيرا على حركة 18 أكتوبر، علّها تكون نقطة البداية لتغيير حقيقي، وذلك نظرا للزخم الإعلامي الكبير الذي حققته والالتفاف الشعبي حولها من ناحية و لشرعية المطالب النضالية التي رفعتها من ناحية ثانية.

الحدّ الأدنى الديمقراطي

من نقاط القوة التي ميزت حركة 18 أكتوبر وجعلتها تقترب من حركة شعبية مطلبية هي مشاركة عدة فعاليات واتجاهات سياسية مختلفة لم تلتق منذ زمن بعيد تحت سقف واحد. ورغم وجود بعض الأصوات القليلة والنشاز التي حاولت الشدّ للوراء فإن أغلب القوى السياسية والنقابية والحقوقية إلتفت حول المطالب الثلاث التي سماها البعض "الحدّ الأدنى الديمقراطي" فكانت عبارة عن الميثاق الجديد الذي جمّع المعارضة التونسية وجعلها تعلن برنامجا نضاليا واقعيا وواضحا ومحرجا للحكم.

إن وجود يساريين وإسلاميين وقوميين و ليبراليين ومستقلين ونقابيين في هذه الحركة سواء من الشخصيات المشاركة في الإضراب أو التي أعلنت مساندتها في إطار اللجنة الوطنية التي رأستها الجامعية سناء بن عاشور مثّل في حدّ ذاته عنصر شرعية لهذه الحركة. كما جعل الرأي العام الوطني والدولي يقتنع بجديتها النضالية إضافة إلى شرعية مطالبها. ومن المؤكد أن الأصوات القليلة التي حاولت إقصاء الإسلاميين أو مازالت تحاول ذلك بدعاوي زائفة هي عامل إحباط وجب تجاهله حتى لا يضيع الوقت في نقاشات عفا عليها الزمن.

ومن نافلة القول ومادامت هذه الحركة قد شدّت إليها الأعناق و للمحافظة على الزخم الذي حققته ومواصلة مسيرتها لا بدّ لها من أن تحافظ على وحدة الأطراف التي شاركت فيها، بل والعمل على دعمها بكل القوى الخيرة في بلادنا دون إقصاء أو إبعاد حتى تكون حركة كل التونسيين من أجل بديل ديمقراطي حقيقي، ومن أجل تحقيق الحرية التي كانت حلم أجيال تونسية متعاقبة.

ولعل الهيئة الوطنية للمتابعة والمنوط بعهدتها حسب البيان الختامي للمضربين توحيد الصف حول المطالب وفتح حوار وطني حول القضايا المشتركة هي من سيحمي هذا الأمل. فهذه الهيئة التي سيكون عملها مؤثرا و أهدافها واضحة عليها أن ترتفع بمجهوداتها فوق كل نعرات شخصية أو حزبية أو أيديولوجية. وأن تعمل من اجل المشروع الوطني الديمقراطي الذي فيه مصلحة الجميع والذي بدون تحققه لن يقع الخروج من النفق الذي بقيت تعاني منه البلاد طيلة الخمسين سنة الماضية.

مطالب قوية

 

 تمكن المضربون من خلال المطالب التي رفعوها من لفت أنظار الرأي العام الوطني والدولي وتحقيق عدة مكاسب ربما تتدعم في قادم الأيام. فالمطالب الثلاثة وهي حرية التنظم وحرية الصحافة وإنهاء مأساة المساجين السياسيين مثلت عنوان المرحلة الحالية من عمر المجتمع التونسي ولا يكاد تونسي واحد يختلف حول ضرورة تحقيق هذه المطالب في أسرع وقت ممكن.

 ففي الوقت الذي تتجه فيه المنطقة العربية برمتها إلى مزيد من الإصلاح وتحقيق هامش من الحريات مازلت عديد الأحزاب والجمعيات التونسية تنشط خارج مجال الاعتراف القانوني وترفض الحكومة التعامل معها أو تسلم ملفات تأسيسها. وهو الحال الذي ينطبق مثلا على المؤتمر من اجل الجمهورية وحركة النهضة وحزب العمال الشيوعي التونسي و حزب العمل الوطني الديمقراطي وحزب تونس الخضراء، كما ينطبق على المجلس الوطني للحريات و نقابة الصحفيين والجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين ومركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة وغيرهم من الجمعيات. بل أن غياب حرية التنظم يمسّ من حقوق الأحزاب والجمعيات القانونية التي اعترفت بها الدولة والتي تحاول أن تحافظ على استقلاليتها، حتى غدت الضغوط التي تسلط عليها أحيانا تضعها في خانة غير المعترف به. وينطبق الحال على حزبي التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات وعلى جمعيات الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وهيئة المحامين وجمعية القضاة، وهي منظمات عريقة لها تاريخ حافل بالنضال والاستقلالية. فحرية التنظم تكاد تكون مفقودة تماما رغم الحديث في الإعلام الرسمي عن أحزاب معارضة هي أقرب لأحزاب الموالاة و الحديث كذلك عن أكثر من 8000 جمعية وقع تفريخها حتى تكاد تحت الطلب وطبقا للمقاس.

أما مطلب حرية الصحافة فهو عنوان أساسي للمرحلة في غياب حركية إعلامية حقيقية بل أكاد أصفها بالتصحّر التام. وهو ما جعل المواطن التونسي يهاجر إلى الفضائيات و يهرب إلى الفضاء الافتراضي بحثا عن المعلومة أو بحثا عن فضاء يسمح له بالتعبير عن رأيه. ولازالت الصحف التي لا يقراها الناس توزع بطرق غريبة وتعيش على المواد الاشهارية التي توزعها وكالة الاتصال الخارجي حسب الولاء، والإبداع في الولاء. وبدون تحقيق حرية في المجال الإعلامي فإن الفساد سيعشش في كل زاوية و مظاهر العسف والظلم ستتواصل لأن أحد ضمانات المحاسبة والشفافية في مجتمع ديمقراطي هي الصحافة الحرّة.

أما عن قضية السجناء السياسيين التي أصبحت محلّ إجماع وطني فهي قضيّة أسالت الكثير من الحبر و أصبحت ملفا ثقيلا على الحكم وعلى المعارضة حدّ السواء. وحلّها سوف يفتح الطريق لمعالجة الكثير من الملفات العالقة. فمن غير المعقول أن يتواصل عزل عدد من التونسيين عن العالم الخارجي لاكثر من 15 سنة في ظروف مأساوية تعتبر عارا على كل تونسي أن يسكت عنها. و اعتقادي ان الجميع يتضرر من تواصل هذه المأساة التي لا مبرر لها إلا التشفي والقتل البطيء. فالحكومة متضررة من تواصل هذا الملف على المستوى الدولي، فسمعة البلاد بسبب هذه القضية أصبحت في الحضيض وعلى لسان كل مسؤول حقوقي ومدافع عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم و حتى في الأوساط الديبلوماسية. أما المعارضة فهي متضررة أيضا في صورتها و عجزها عن الدفاع عن تونسيين تعرضوا للقهر والظلم، وهو ما يجعل مصداقيتها على المحكّ أمام المواطنين. ويبقى الشعب والوطن أكبر متضرر من تواصل هذا الملفّ الأسود لأن جزءا منه يتعرض للتهميش والقتل البطيء وهو ما يعرقل كل مشاريع التنمية الاقتصادية أو السياسية التي بدون مشاركة كل أبناء البلد في صناعتها ستكون هباء منثورا.
 

حرج حكومي
 

هذه المطالب الشرعية والعادلة والتي التفت حولها مختلف القوى الحية بالبلاد هي التي جعلت الكثير من الأحرار في العالم يتحسسون المأزق التونسي ويحاولون الوقوف إلى جانب المظلومين فيها. فلأول مرة يقع تسليط الضوء عبر الإعلام أو عبر التحركات الميدانية وتعدد لجان المساندة في الداخل والخارج على واقع الحريات في تونس بهذا الشكل. ولأول مرة تعبر شخصيات ومنظمات عالمية عن سخطها الواضح عن التدهور المستمرّ في واقع حقوق الإنسان التونسي. كما نسجّل لأول مرة دخول عدد من المفكرين والفنانين والشعراء العرب في لائحة المساندين للمجتمع التونسي في نضالاته من أجل الحريّة والديمقراطية، فقد أمضى عدد من كبار الشخصيات العربية أمثال المفكر برهان غليون والشاعر أدونيس والروائي إلياس خوري والكاتب محمد برادة والموسيقي مرسال خليفة وغيرهم عريضة تطالب تدعو جميع الأحرار في العالم إلى الوقوف إلى جانب الديمقراطيين في تونس.

هذا التضامن الدولي والالتفاف النخبوي والجماهيري حول حركة 18 أكتوبر، بالإضافة إلى التغطية الإعلامية الكبيرة التي صاحبت أيام الإضراب جعلت الحكومة في حرج شديد أمام الرأي العام الدولي على المستوى الرسمي وغير الرسمي. وتمثل هذا الحرج أساسا في المجهود الكبير الذي بذلته الحكومة للردّ على ما " أسمته الحملة الإعلامية المغرضة" أو محاولة القدح في المضربين وتكليف أقلام معينة بالكتابة في بعض المنابر تشويها للإضراب ودفاعا عن الطرف الرسمي. كما تمثل هذا الحرج أيضا في محاولة التخفيف من الضغوط ولكن بأسلوب ماكر مثل إطلاق سراح 40 سجين سياسي خلال عيد الفطر أو تكليف زكرياء بن مصطفى بالاستماع إلى الأحزاب السياسية وهو أطلقت عليه الصحافة اليومية بالمبادرة الرئاسية لدفع الحياة السياسية. ورغم أن هذه المحاولات بقيت أقرب إلى المناورة وتحتاج إلى وضوح فإنها كشفت عن المأزق الذي أصبحت تعيشه الحكومة والذي لابد له من مخرج. وعلى الحكومة إذا أرادت معالجة الملف أن تقبل الحوار بشكل جدي مع القوى والأحزاب والجمعيات الممثلة وان تبحث معها على أجندة لبداية إصلاح سياسي.

هكذا تبدوا ملامح حركة 18 أكتوبر كما عاشتها البلاد سلطة ومعارضة. وقد أحدثت هذه الحركة الشجاعة حراكا سياسيا كبيرا مآله إيجاد توازن بين السلطة والمجتمع. وعلى أعضاء هيئة المتابعة أن يراعوا في عملهم المقبل هذه النتائج التي تحققت كمكسب للحركة الديمقراطية التونسية. وان يكون عمل الهيئة منصبّا على تحقيق نتائج فعلية انطلاقا من أرضية المطالب الثلاثة التي رفعتها الحركة. كما أن المطلوب من كل القوى الملتفة حول حركة 18 اكتوبر المحافظة على وحدة الصف وحسن إدارة الحوار فيما بينها حول القضايا الخلافية، ومواصلة العمل التصاعدي حتى تحقيق الأهداف المرجوة من ذلك وحتى تتحول حركة أكتوبر إلى مشروع تغيير يجمع ولا يفرّق.

© aqlamonline 2005