|
لا يزال
المشهد العربي يعرف تقلبات متعددة فمنذ سقوط الكتلة الشيوعية والعالم
يعرف مخاضا لما تستقر موازناته بعد وكتب على العالم العربي وهو في قلب
المعادلة الدولية أن يتلضى بنيران الصراعات الدولية، في سعي القوى
الكبرى إلى تحقيق مصالحها.
والحقيقة أن
احتدام الصراع في المنطقة العربية لا يعود فقط إلى كون المنطقة تحتل
موقعا استراجيا في الخارطة الدولية بل كذلك إلى طبيعة الشعوب العربية
المصرة على المقاومة والمتشبثة بحلم التحرر وتحقيق نهضتها. وفي هذا
الإطار يعرف العالم العربي انشطارات
متشعبة أهمها ما بين أنظمة الحكم والشعوب العربية وبعضها ما بين هذه
النخب.
فأنظمة الحكم
تعرت عن شرعيتها ولم يعد لها من ورق عنب تستر به عورتها وسقطت عنها كل
الشعارات فلا هي تحكم بشرعية التحرير ولا هي تحكم بشرعية الدفاع عن
الكيان القومي. بل صار أكثرها يسعى إلى مد اليد إلى الكيان الصهيوني
العنصري، كما لا يتوانى عن الركض إلى الاستجابة للراعي الأمريكي كي
يرضى عنها وهو لا يرضى. وقد أصبحت الأرض العربية سجونا ومعتقلات يعيث
فيها عملاء المخابرات الأمريكية مقابل سكوت أو انخفاض صوت
الديمبلوماسية الأمريكية عن تواصل الجرائم في حق الشعوب
العربية.
تحولت
شرعية حكم الدولة العربية وبشكل واضح في هذه المرحلة من شرعية قطرية أو
قومية، وان كانت على الورق، إلى شرعية إسرائيلية
أمريكية.
وفي مقابل
هذا المشهد القاتم تقدم لنا الشعوب العربية ونخبها صورة تنبئ عن
الطبيعة الحقيقية لشعوب المنطقة في تشبثها بحقوقها وإصرارها على
المقاومة بل والقدرة على تحقيق انتصارات وان كانت جزئية إلا أن
لها أثرا استراتيجيا إن حققت التراكم المطلوب في الزمان
والمكان.
وإذا ما
استثنينا تشويهات العنف الأعمى الذي تمارسه بعض التيارات العنيفة من
هذه الأمة والتي تقابل الإقصاء بالإقصاء والظلم بظلم اشد منه فان شعوب
المنطقة عبرت وتعبر عن قيم حضارية أعلى من قيم قوى الهيمنة والغصب التي
تدنس الأرض العربية. واليوم انقلبت المعادلة فلم يعد الغازي الأجنبي
قادرا على رفع شعار الإعمار والحضارة في وجه الأمة العربية بل إن
الجندي الأمريكي بدا فقيرا أمام قوى المقاومة الوطنية في العراق، فقيرا
أخلاقيا ومعرفيا وحضاريا. وكذلك وضع الجندي الإسرائيلي أمام المقاومة
الفلسطينية.
كما أصبحت
الأنظمة العربية عاجزة عن تجنيد النخب العربية في صفوفها ليكون الصف
المقاتل عنها ما خلا بعض أنصاف المثقفين
والتكنوقراطيين.
لقد فقد
الاحتلال الأجنبي قدرته على صنع خطاب يخترق به شعوب هذه الأمة وفقدت
أنظمة التسلط صوتها وسحرتها فما عادت قادرة على التحدث
لشعوبها.
وان من أول
شروط انتصار الأمم هو مدى قدرتها على إنتاج قيم أعلى وأرقى من قيم
القوى التي تصارعها. ولذلك فان وضع جيل هذه الأمة، بهذا المقياس، أحسن
حالا من وضع جيل آبائه الذي واجه آباء هؤلاء الذين يعتدون علينا اليوم
ولذلك فان هذا الجيل من هؤلاء الذين يعتدون على هذه الأمة اعجز من
آبائه عن تحمل الألم الذي تلحقه بهم مقاومة هذا الجيل.
وقد تم هذا
بعد تجربة الثمانينات والتسعينات التي جربت خلالها النخب العربية
صراعاتها السياسية وتحالفاتها مع الدولة لأجل حسم تلك الصراعات وتبين
للجميع أن الضحية الأول والأخير ليس طرفا من المجتمع دون الآخر بل
الجميع. صحيح أن هذا المسار لا يزال في بداياته وانه لا تزال بيد قوى
الهيمنة أوراق تعول على استعمالها مثلما تفعل في العراق من خلال نخب
بعض الحركات الإسلامية والعلمانية، إلا أن ما يقع بين النخب السورية
وما يقع بين النخب المصرية وما بدأت خطواته الجريئة في تونس يبشر
بمعادلة سياسية جديدة في المنطقة لا شك تحتاج إلى أن تقوم على ثقافة
جديدة تمكن من تأصيل الآلية الجديدة في التعامل مع الدولة القطرية
العربية ومع قوى الهيمنة الدولية. ولا شك انه وفي هذا الاتجاه تحتاج
النخب العربية إلى قراءة موضوعية لما مضى تمكنها من البناء المستقبلي
الصحيح وتؤسس لأواصر التخاطب والتحاور التي عملت الدولة على قطعها وعلى
حفر خنادقها وبناء ثكناتها. |