|
بوبكر
التايب (*)
أحداث عنف مؤلمة
اندلعت بفرنسا خلال الأسابيع الماضية خلفت أضرارا
مادية باهظة وأثارت جدلا
سياسيا واسعا حول أسبابها
العميقة والمباشرة، وحول الكيفيات
الأنسب لاحتوائها والوقاية ضد تكرارها في المستقبل في
فرنسا، وعدم امتدادها الى دول
أروبية أخرى.
واذا كان السبب
المباشر واضحا في ذاته كحادثة مؤلمة أو واقعة مؤسفة إلا أن رد الفعل
الغاضب لأولئك المئات من محرومي الضواحي الباريسية يبعث على الانشغال
والتساؤل حول المحركات العميقة لهذه الأعمال العنيفة.
من جهة أخرى فإن
رد وزير الأمن الفرنسي كان فضا غليظا يعكس في الغالب موقفا كان
مخزونا لديه وربما لدى غيره ضد فئة من الفرنسيين أو من المتواجدين
بالتراب الفرنسي سواء كانوا مقيمين بطريقة قانونية ام "حارقين" كما هي
الصيغة المستعملة من قبل منحدري شمال افريقيا لوصف غير المتحصلين على
وثائق اقامة قانونية.
يبدو أن أسبابا
غير مباشرة غير أنها عميقة، تتجاوز حادثة الوفاة التي حصلت للشابين
والتي تتشابه مع احداث سابقة وقعت بفرنسا وخارجها غير أنه لم يترتب
عليها ما ترتب على وفاة هذين الشابين، هي التي فجرت هذا السيل الهائل
من غضب الشوارع. هذه الأسباب يمكن ردها الى صنفين وليس الثاني في حقيته
الا نتيجة موضوعية للأول.
فأما الصنف
الأول من هذه الأسباب فيتعلق بمنظومة القيم والقوانين السائدة
بفرنسا. وهي منظومة تأسست حول مجموعة من الأفهام والتصورات للحقوق
والحريات والدولة والعمانية والدين والخاص والعام والفرنسي وعلاقته
بالآخر. ونشأ عن هذه الأفهام والتصورات استبداد في الداخل، داخل فرنسا،
من مثل اضطهاد الأقليات واستبداد في الخارج من مثل السياسيات
الاستعمارية في الماضي ودعم الاستبداديات
الإفريقية حاضرا.
وأما الصنف
الثاني من الأسباب، التي يمكن من خلالها فهم الأحداث وتحليلها، والتي
ليست في حقيقتها إلا نتاجا موضوعيا فيتمظهر في الجانبين الكمي والنوعي
للمهاجرين بفرنسا.
لقد مر على
انشاء الجمهورية الفرنسية وكذا على اعلان حقوق الإنسان والمواطن اكثر
من قرنين. خلال هذه المرحلة باشرت جمهورية الثورة، ضد الإقطاع والملكية
والفكر الديني، سياسات ثابتة ومنهجية ضد
مقولات ومضامين فلسفة الأنورا. فقد مثلت فرنسا بجمهورياتها الخمس أعتى
القوى الاستعمارية وذلك على مدار ما يربو عن قرنين من الزمن. كما أنها
تعتبر من أهم القوى الدولية الداعمة للاستبداد داخل الدول المتخلفة
والجمهورية في فرنسا تتوفر أيضا على، الى جانب اسبانيا وايطاليا، اسوأ
منظومة قوانين وسياسات في مجالي
الحقوق والحريات بأروبا الغربية وأمريكا الشمالية.
االجمهورية الفرنسية..
انتقادات قديمة
عكس انفعالات
هيجل الذي هلل بالثورة الفرنسية واعتبر الدولة على الصورة الفرنسية
"تحقّق العقل في التاريخ" بل أنه رحب حتى بالجيش الفرنسي في ألمانيا
فإن نقدا لاذعا وعميقا وجه منذ الأيام الأولى للثورة الفرنسية وقيمها
القائمة على ثقافة القطيعة . فهذه ملكة النمسا تراسل روّاد الثورة
ومنظريها معلنة أنها وإن كانت قد أعجبت بأفكارهم وشعاراته فأنها تستنكف
من أعمالهم وممارساتهم.
وهذا أدموند
بيرك الأنجليزي المحافظ والمغضوب عليه من طرف حزبه بسبب مساندته لحرب
الاستقلال الأمريكية عن التاج البريطاني يوجه نقدا عميقا وحادا لأفطار
الثورة الفرنسية مناهضا للمفهوم الفرنسي للقطيعة وواصفا الثورة
الفرنسية بكونها "فاجرة"
الى غير ذلك من الأوصاف ومدافعا عن منهج التغيير العميق والهادئ الجاري
في بريطانيا فيصبح بأفكاره تلك والتي نشرها في مؤلفه " تأملات حول
الثورة الفرنسية" مرجعا لبريطانيين وغبرهم.
وهذا ألكس دي
توكفيل القاضي الفرنسي الشاب الذي يسافر الى الولايات المتحدة
لدراسة أوضاع السجون هناك تشدّه مفاهيم جديدة للحرية والمساواة والدين
والعلمانية فينتقد بأناقة فلسفة الأنوار حيث قال "إني أفضل الشّكّ في
أنواري على أن أشكّ أن الدين والحرية متناقضان"
استبداد في
الداخل...
الاستبداد داخل
فرنسا الجمهورية قديم قدم الجمهورية والثورة وليس جديدا أو ضد
المهاجرين أو المواطنين من أصول غير فرنسية كما هي حال الأفارقة
اليوم.
فمنذ انطلاقتها
نصبت الثورة العلمانية المدنية والجمهورية بفرنسا المشانق والمقاصل
وتحدث زعماؤها، روبيس بيير وتيار اليعاقبة، بصراحة فجّة عن رغبتهم في
قطع الرؤوس، "رؤوس أعداء الثورة" غير أن سياسات المقصلة انقلبت على
عرّابها روبيس بيير نفسه فقطعت رأسه لتتبخر بذلك أحلام الحرية في فرنسا
في المهد وتتحول الى امبراطورية عسكرية تحت حكم نابليون بونابرت الذي
حكم على طريقة لويسات، جمع لويس، الإقطاع وربما أشد وطأة من
بعضهم.
الاحتلال.. واستبداد في
الخارج
الفهم القطري-
الوطني للديمقراطية والحريات فهم منقوص ومعوق؛ ذلك أن ديمقراطية وعدالة
سلطة أو دولة ما لا يجب أن تقاس بمدى احترامها لمبادئ الديمقراطية
والعدالة داخل اقليمها وبين ومواطنيها فحسب يل لا بدّ وأن تقاس أيضا
بمدى احترامها لنفس المبادئ والقيم خارج اقليما وفي تعاملها مع غير
مواطنيها. هكذا هو الفهم الموضوعي والعالمي والإنساني للحقوق والحريات
والديمقراطية.
وفرنسا التي لم
تحترم حقوق المواطن الفرنسي التي أعلنتها فأنها الى جانب ذلك لم تحترم
حقوق شعوب أخرى فاستعمرتها وساندت أنظمة فاسدة ضد
شعوبها.
سنوات قليلة بعد
اعتلائه عرش الجهورية- الإمبراطورية الفرنسية الوليدة قاد بونابرت جيوش
فرنسا في حربه ضد الجميع حتى قيل فيه أنه "الإنسان الذي ازعج
اهل الأرض بصهيل خيله"
ولعل أشهر ما
يعرفه عنه المسلمون هو حملته على مصر. تتالت بعد ذلك عمليات الاحتلال
والاستبداد الخارجي فاحتلت فرنسا شمال افرقيا وغربها وبعد الحرب
العالمية الأولى تقاسمت فرنسا مع بريطانيا سرا تركة الرجل المريض من
خلال اتفاقية سايكس-بيكو التي كشفها بلاشفة روسيا بعد أن تيقنوا أنهم
وكما يقول المثل المصري "خرجوا من المولد بلا حمّص".
دعم الاستبداديات في
افريقيا
عندما اضطرت
فرنسا لمغادرة افريقيا حرصت وبكل الوسائل على
أن تحكم المستعمرات السابقة بأنظمة ترعى وتحمي المصالح الفرنسية وتورطت
فرنسا تبعا لذلك في دعم الأنظمة غبر الديمقراطية ودافع عنها دبلوماسيا
وأمنيا وإعلاميا وعسكريا فعشش الفساد والبغي في هذه الدول وطغى حكم
الشوكة والغلبة والقهر.
اضطهاد الأقليات في الداخل
الفرنسي
هذه الأقليات
المحرومة والمستغلة في فرنسا لم تكن موجودة هناك قبل المرحلة
الاستعمارية بل لقد بدأت ظاهرة هجرة اليد العاملة من غرب وشمال افريقيا
الى فرنسا في أواخر الحقبة الاستعمارية لتحدث الطفرة الأولى بعد ذلك في
أواسط الخمسينيات وبداية الستينيات في تزامن مع ارتقاء الدول المعنية
الى الاستقلال في اطار مرحلة دولية جديدة شعارها الحرب الباردة وتصفية
الاستعمار وهما شعاران رفعهما القوى الدولية الجديدة ممثلة في الاتحاد
السوفياتي والولايات المتحدة.
وكما أن
ظاهرة المهاجرين الأفارقة الى فرنسا كانت نتيجة مباشرة، من حيث
توقيتها، لسياسات الاستبداد الفرنسي دوليا فإن هجرة التونسيين الى
فرنسا وهي أبعد جغرافيا عنهم من ايطاليا
وهجرة المغاربة الى فرنسا أيضا بدل اسبانيا وهي أقرب الى المغرب من
فرنسا؛ إن ذلك يفسر سببية الاحتلال لهذه الهجرات من جهة وجهتها. وأخيرا
فإن العامل اللغوي، الناشئ أساسا بعد الاحتلال، يعد دليلا آخر على أن
مشكلة فرنسا مع أقلياتها ترجع في حقيقتها الى السياسية الاستعمارية.
أما الطفرة
الثانية لحركة الهجرة المغاربية والإفريقية الى فرنسا في التسعينات من
القرن المنصرم فقد كانت نتيجة إحباط ويأس الشباب من المستقبل
في بلدانهم جراء سياسات البغي والحيف الاقتصادي والإجماعي المدعومة من
فرنسا فكانت هجرتهم الى الشمال على خطى آبائهم. منهم من قضى نحبه في
قوارب الموت ومنهم من ينتظر، يحلم بالملايين وهو يردد " خلّيت بلادي
وحنّتي في يديّ.... حنّيت بالغربة وطبعت فيّ"
وهكذا جيل أول
أنجب جيلا ثانيا أنجب بدوره جيلا ثالثا وفرنسا بجمهورياتها الخمس
وأنوارها ومدنيتها تعجز عن معاملتهم معاملة تليق بإنسانيتهم. يصبر
الجيل الأول ويتحمل ربما لأنه غبر متعلم أولم يولد بفرنسا ويصبر الجيل
الثاني ويبدو أن الوقت حان حتى يغضب الجيل الثالث جيل في سن الأطفال
والمراهقة.
وللأقليات في
فرنسا ثلاث خصائص أساسية أسهمت ولاشكّ في البغي عليها واضطهادها. أولها
الخاصية الكمية فالأقليات في فرنسا أوسع الأقليات حجما في أروبا،
تقريبا، بالنسبة الى عدد سكان الدولة وثانيها الخاصية الإثنية اذ أن
أغلب هؤلاء أفارقة مسلمون وأما ثالث هذه الخصائص فهي أن الغالية
الساحقة منهم غير متعلمين وأك كهجرتهم كانت اقتصادية وليست علمية ولا
سياسية خلاف الهجرة الى أمريكا الشمالية
مثلا.
لقد أخذ سياسات
التمييز العنصرى في فرنسا أشكالا عديدة نالت من الحقوق الفردية
والجماعي، المدنية والسياسية؛ الإقتصادية والإجتماعية للأقلية العربية
الإفريقية المسلمة. فالأحياء التي يسكنونها ليست كأحياء
الفرنسيين الأنقياء وأملهم في شغل
مناسب ضعيف جدا.
وفرنسا من الدول
القلائل في العالم التي لا لرخص لمسجد بهذا الاسم وله قبة وصومعة،
عدا مسجد باريس في ما
أعلم. و فرنسا الدولة الغربية
الوحيدة التي تمنع حرية اللباس وتمنع حرية ممارسة الشعائر الدينية على
المسلمين من خلال قانون منع "الرموز الدينية" الذي ادانته
الخارجية الأمريكية في تقريرها السنوي لسنة 2005 حول الحريات في
العالم.
أن هؤلاء الشباب
الذين أحرقوا ممتلكات خاصة وعامة تراكمت عليهم الهموم واسودت أمامهم
السبل ولم يجدوا موجّها لا في السلطة ولا في القيادات الدينية وأو
القطرية التي انشغل بعضها بقضايا أخرى وعجز بعضها الأخر عن
تأطير الأجيال الجديدة إما
لمحدودية امكانيات البعض مقارنة بالطلب الهائل على التأطير أو لتوخّي
البعض الآخر لبرامج تأطيرية غير فعالة.
ماذا تبقى من شعارات فلسفة
الأنوار وشعارات الثورة؟
فشلت في تصدير
الجمهورية حتى اروبيا اذ لا تزال أغلب
الدول الأوروبية ملكيات دستورية وأكثر ديمقراطية من
فرنسا. فشل يقطع مع مزاعم الأنوار الفرنسية الي تقول بوجود علاقة تلازم
ضرورية، سببية، بين النظام الجمهوري والديمقراطية فشلت في تصدير
مفهوم شمولي للعلمانية ذلك أن أغلب العلمانيات الغربية اليوم هي
علمانيات أداتية منهجية لا شمولية
استئصالية.
فشلت فرنسا، الى
جانب اسبانيا وايطاليا، في تحقيق الحد الأدنى الأوروبي الغربي في مجال
الحقوق والحريات على المستوى الوطني فجعلت
مواطنيها درجتان. اذ ليس المحرمون في نظر وزير فرنسي كله أمل في رئاسة
فرنسا الا مجموعة من " الحثالة" أو " الأوباش" ستطهّر خراطيم المياه
شوارع باريس منهم.
فشلت فلسفة
الأنوار في ربط الديمقراطية والحريات بالعلمانية وأدى مفهوم "القطيعة
مع الفكر الديني" وتقديمه على أنه في تقاطع كلي مع "الفكر المدني" الى
اضطهاد الأقليات الدينية والاستبداد في الداخل والى الاستعمار ودعم
الاستبداد في مسرح العلاقات الدولية.
بعد ما
يزيد عن قرنين على ثورتهم ، يحتاج الفرنسيون - "دي سو" - الأنقياء –
وخاصة النخب الى مراجعة عميقة لمنظومة القيم والمفاهيم القطعية التي
يتوارثونها حول الجمهورية، العلمانية، الدين، المجتمع المدني ،
المواطنة والآخر.و يأمل العقلاء أن لا يصدع رئيس الفرنسيين الحالي آذان
العالم مرة أخرى حيث صرّح أيام الجدل الذى دار في فرنسا وخارجها حول ما
يعرف هناك بقانون منع الرموز الدينية في المدارس بأن "العلمانية لا
تقبل النقاش" la laïcité est
indiscutable. فهل تخلت دول أروبا وامريكا
عن علمانيتها عندما سمحت "بالرموز الدينية" في كل مكان تقريبا؛ في
الإدارة والمؤسسات التعليمية وقطاعات الأمن....إلخ
ويحتاج بعض
المثقفين العرب، بشمال افريقيا أساسا، المولعين والمؤلهين لمدرسة
الأنوار الى جرعة مستعجلة من النسبية عند تعاطيهم مع قوالب الأنوار
وأحلامها وسياسات الجمهوريات الفرنسية الخمس ومآسيها. وحاجتهم الى هذه
الجرعة تزداد عندما يريدون الإسهام في تنمية أوضاع بلدانهم نظرا لما
لها من خصوصيات اقتصادية وثقافية وغيرها.
تحتاج فرنسا الى
مواقف وسياسات جادة تراجع عبرها سياسيات الدعم السياسي والإقتصادي
والأمني والعسكري للأنظمة الاستبدادية شمالي افريقيا وغربيها. إن
انتهاجا جادا من قبل فرنسا لمثل هذه السياسات لن يكون أثره تقليل موجة
الهجرة باتجاه اقليمها وعودة العديد من المهاجرين الى أوطانهم الأصلية
فحسب بل سيعطي لروح فلسفة الأنوار قيمة فعلية.
وتحتاج فرنسا
الى برامج ذات مصداقية وطويلة الأمد تتأسس على مفهوم جديد للاندماج
والأقليات والمواطنة وتستهدف التحسين الجوهري والتدريجي لأوضاع
المهاجرين الاقتصادية والاجتماعية خاصة.
بهذه المراجعات
والإجراءات المتكاملة والمتساندة تستطيع فرنسا أن تتجنّب هزات
اجتماعية جديدة وتستطيع أيضا أن تعيد
"للإنسان والمواطن حقوقه" أو بعضا منها.
(*) كاتب تونسي مقيم
بكندا |