حوار مع البروفيسور المنصف بن سالم

العدد السادس عشر
السنة الرابعة/ نوفمبر - ديسمبر 2005


البروفيسور المنصف بن سالم مهندس أول في الصناعة الآلية، دكتور اختصاص فيزياء نظرية ودكتور دولة رياضيات، متخرج من كلية العلوم بباريس والمعهد العالي للهندسة بباريس. أنهى الدراسة سنة 1976 وهو يبلغ من العمر 23 سنة. باشر بعدها العمل بجامعة صفاقس الناشئة وأسس فيها قسم الرياضيات. التحق للعمل والتدريس بعدة مؤسسات دولية منها المركزية الدولية للرياضيات ببرلين والمركز الدولي للفيزياء النظرية بإيطاليا (تابعة لليونسكو والوكالة الدولية للطاقة الذرية) والمركز القومي للبحث العلمي بفرنسا واتحاد الجامعات الناطقة كليا او جزئيا بالفرنسية بمونريال واتحاد الفيزيائيين والرياضيين العرب وأستاذ زائر بمعهد ميرلند بأمريكا ومقرر بمركزية الرياضيات بميتشغن بأمريكا.

وعلى المستوى الوطني كان الأستاذ المنصف بن سالم أستاذا محاضرا ورئيس قسم وعضو بعدة لجان وطنية تابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى حدود سنة 1987 وتحديدا يوم 27 سبتمبر من تلك السنة حين تمت محاكمته غيابيا في محكمة أمن الدولة بتهمة الانتماء إلى حركة الاتجاه الإسلامي آنذاك وتم الحكم عليه بــ 10 سنوات أشغالا شاقة وعشر سنوات مراقبة إدارية. وعند الاعتراض على الحكم تغير إلى 6 اشهر مع تأجيل التنفيذ. ثم تم إيقافه في نوفمبر 87 وبقي رهن الاعتقال ضمن ما عرف آنذاك بالمجموعة الأمنية التي اتخذ بشأنها قرار بإلغاء القضية على اثر مفاوضات دارت بينه وبين رئيس الدولة عن طريق أحد مستشاريه.

كما تم إيقافه سنة 1990 على اثر مقال بجريدة المنقذ الجزائرية وتمت محاكمته  بتهمة الثلب النظام ونشر أخبار زائفة وحكم عليه بـ 3 سنوات سجن نافذة. وتعرض خلال فترة إيقافه إلى تعذيب شديد. ثم خرج من السجن سنة 93 وبقي تحت الإقامة الجبرية إلى سنة 2001 مع وقف هاتفه وقطع المراسلات عنه ومنع المساعدات المادية من الداخل والخارج إلى جانب منعه من العمل وضرب حصار كبير على عائلته والتضييق على أبنائه.

وفيما يلي نص الحوار

ما رأي البروفيسور المنصف بن سالم في إضراب الجوع أو ما بات يعرف بحركة 18 أكتوبر؟

يجب أن أبدأ بالملاحظة التالية وهي أن النظام التونسي ما فتئ يتعلل بأن المجتمع التونسي ما زال قاصرا. ولذلك حرم من الديمقراطية. هذه المسالة لا يقولها النظام مباشرة ولكنه يمارسها واقعا. وهذا التحرك الذي جمع اليوم أطيافا ومشارب متعددة اثبت أن الشعب التونسي في مستوى الديمقراطية وفي مستوى الحداثة والنهضة وتبقى السلطة هي المتخلفة ولا تستجيب للحد الأدنى من السلوك الديمقراطي. فما حدث كان له اثر عميق في نفوس التونسيين الذين وبفضل الفضائيات والصحف الشجاعة تابعوا هذا الإضراب وتجاوبوا معه داخليا وخارجيا مما أحيا الأمل في نفوس المضطهدين والمحرومين بعدما كاد اليأس يمحهم.

بعض الاحترازات التي قدمت حول التحرك تقول إن الإسلاميين هم أكثر المستفيدين منه؟

وأنا أرى أن تونس هي المستفيدة.

هناك الآن دعوة للحوار من أجل تكوين جبهة موحدة للمعارضة، ما رأيك في هذه الدعوة وكيف ترى مشاركة الإسلاميين فيها؟

الجبهة الموحدة فكرة جيدة ولكن لا بد لها من أسس صلبة وحدود واضحة. ويجب أن تجمع هذه الجبهة إن تشكلت المعارضة حول جملة من القضايا الرئيسية التي يجب أن تدافع عنها وعلى رأسها المطالب الثلاثة التي رفعها المضربون عن الطعام وهي حرية التعبير وحرية التنظم وإطلاق سراح كافة المساجين السياسيين وإعلان العفو التشريعي العام. هذا الشكل من العمل الجماعي يجب أن يجمع المعارضة دون أن ينوب عنها.

هناك بعض الأطراف لا زالت متخوفة من الطرح الإسلامي عموما ولذلك يرفضون الدخول في عمل مشترك مع الإسلاميين، كيف ترد عليهم؟

لقد كنت طيلة حياتي المهنية كأستاذ جامعي رئيس نقابة، وفي هذه النقابة كانت تتواجد تيارات عدة وكنت احمل إشارة واضحة كوني إسلاميا ولم تكن للتيار الإسلامي في الأوساط الجامعية أغلبية ولكني كنت انتخب ولأربع مرات متتالية كرئيس للنقابة.. انتخب من طرف أناس يخالفونني في الرأي وهذا هو النموذج الذي يجب ان يسود اليوم. ولولا إيماني بالديمقراطية وإيمان الإسلاميين الكبير بها لما خضنا تلك الانتخابات ولما شاركت فيها. الإسلاميون أخي الكريم هم اكثر ضحايا غياب الديمقراطية في عالمنا العربي والإسلامي وهم أكثر الناس مصلحة في إقامة أنظمة ديمقراطية. وكلما أتيحت لهم الفرصة للمشاركة في أي عملية انتخابية الا وشاركوا فيها ويحققون انجازات انتخابية هامة على غرار ما وقع  في تركيا والمغرب والجزائر سنة 1991 وأخيرا في مصر. إن الأنظمة التي تدعي الحداثة والديمقراطية والبعض من أزلامها هم الذين يعرقلون الآن قيام أنظمة ديمقراطية. ففي الجزائر وبعد أن قاموا بالانقلاب على الانتخابات التي فازت فيها جبهة الإنقاذ وبعد أن أدى انقلاهم إلى دخول البلاد في دوامة من العنف الدموي الرهيب اصبحوا يقدمون التجربة الجزائرية على أنها مثال على خطورة التمشي "غير الرصين"! حسب زعمهم باتجاه الديمقراطية. إضافة إلى ذلك هم جعلوا من هذا الأمر فزاعة يخيفون بها الغرب كلما ضغط عليهم باتجاه المزيد من الإصلاح والديمقراطية. هؤلاء هم الأعداء الحقيقيون للديمقراطية. وأنا أدعو بالمناسبة بكل حب ولطف الذين يرفعون أصواتهم بمثل هذه الادعاءات أن يعيدوا قراءة الأدبيات الإسلامية وأن يتثبتوا منها جيدا. وأكثر ما أخشاه الآن هو أن تنتقل عدوى لاستئصال التي فشل فيها الحزب الحاكم إلى المعارضة.

ولكن ألا ترى ان الإسلاميين أو الحركة الاسلامية عليها كذلك أن تقوم ببعض المراجعات في خطابها السياسي وبعض المسائل الفكرية المتعلقة بنظام الحكم والموقف من المرأة ...؟

مما افتخر به في هذا المجال وفي إطار المراجعة الدائمة التي تقوم بها الحركة الإسلامية عامة ومنها حركة النهضة قيامنا في الثمانينات وفي إطار تقييمنا الداخلي بطلب تقييمات للحركة من جملة من النخب الفكرية والسياسية في البلاد من مختلف المشارب وقد أخذت هذه الآراء بعين الاعتبار. فهل هناك من الأحزاب والتيارات من يطلب رأي خصمه فيه حتى يصلح نفسه. لا شك أن المراجعات يجب أن تكون دائمة ودورية وهي عملية إصلاح دائم وهي التي تمد الحركة أو الحزب بالحياة. والحركة الإسلامية ليست استثناء وعليها أن تقوم دائما بمراجعات مستمرة وهي تقوم بذلك.

ما هي الصورة التي ترسمونها للحياة السياسية بعد هذا التحرك؟

التجربة علمتنا أن هذه السلطة لا تتجاوب مع مطالب الناس وأنها دائما تستعمل سياسة الهروب إلى الأمام وهي تعلم أنها على باطل وهذا خطر عليها وعلى الشعب. ولذلك في تقديري أن السلطة ستواصل سياستها القمعية من كبت للحريات وهرسلة للمعارضين رغم ما تركه هذا التحرك من صدى في الداخل والخارج. هذه الوضعية قد تستمر طويلا ولكنها قد تؤدي إلى ردود فعل عكسية وضغوطات من الخارج مما قد يؤدي إلى تغيير ما في نظام وسياسة الحكم. تحرك المضربين مثل بداية والبداية عادة ما تكون صعبة وسيقع بعض التلكؤ من هذا الطرف أو ذاك ولكن مع مرور الوقت سيشتد عود هذه المبادرة وستكون بداية لحركة سياسية كبيرة إن صدقت النوايا ووقع الابتعاد عن الحسابات السياسية الضيقة.

كيف تقيمون ردة فعل المنظمات والجمعيات الدولية والمحلية تجاه التحرك الأخير؟

هناك عامل مهم في هذا التحرك هو انه جامع. جامع في الداخل كما انه جامع في الخارج. فقد جمع التحرك مختلف التيارات والجمعيات في تونس وعبر العالم ووحد بشكل كبير جهود تلك المنظمات. لقد كان الإضراب خلال الـ32 يوما التي عاشها بمثابة المايسترو الذي جعل عمل التنظيمات والجمعيات تتناغم في عزف واحد لأنشودة واحدة عنوانها الحرية. وهو ما أدى إلى هذا النجاح الذي حققه. ولكي يتواصل النجاح لا بد من أن يتواصل نفس التناغم والتجاوب من طرف الجميع.

© aqlamonline 2005