بعد صمت دام أكثر من خمسة عشرة سنة، الشيخ عبد الفتاح مورو يتحدث لأقلام أون لاين

العدد الخامس عشر
السنة الرابعة/ جويلية - أوت 2005


أجرى الحوار أحمد قعلول

في حوار هو الأول من نوعه منذ أكثر من عقد ونصف اعتبر الشيخ عبد الفتاح مورو أن الوضع السياسي العام يشكو في تونس جمودا منذ سنوات متعددة وأن الديكورات التي وضعت عليه لم تفلح في الإقناع بأن هناك تغييرا جوهريا يتجه نحو الحوار الوطني والتداول على السلطة والمشاركة في القرار. واعتبر الأمين العام السابق لحركة الاتجاه الإسلامي – النهضة حاليا - أن هذا الوضع لن يتطور عن طريق الشعارات والديكورات بل يتطور عن طريق تغيير واقعي، مؤكدا على كونه لم يسمع بمبادرة في هذا الاتجاه وخاصة من السلطة التي بيدها القرار، ملاحظا أن بعض الأطراف في الساحة التونسية ما فتئت تدعو إلى إطلاق سراح المساجين ولكن تلك الدعوة على أهميتها لم يكتسب بعدُ الجرأة الكافية لتتحول إلى قاعدة مشتركة تؤسس لحوار جدي مع هذا الخصم القديم والمخالف الذي عانى ومازال يعاني منذ أكثر من ربع قرن. وأكد الشيخ عبد الفتاح مورو في حديث تنفرد بنشره مجلة "أقلام أون لاين" أن الجميع ينتظر من السلطة أن تبادر إلى وضع حد لمعاناة المساجين السياسيين وأن ما يقال من اعتدال أو تشدد داخل أوساط الحركة الإسلامية ما ينبغي أن يقف حائلا دون طي هذه الصفحة المؤلمة من تاريخ تونس الحديث، إذ أن الإرادة الصادقة إذا ما توفرت فإن بإمكانها إيجاد المعاذير للطرف المقابل، مضيفا أن القضية وإن كان ظاهرها ذا صبغة قانونية إلا أنها في الحقيقة من طبيعة سياسية وحلها لا يكون إلا بقرار وإرادة سياسية. غير أن ذلك لا يؤجل التعامل معها في وجهها الإنساني بانتظار أن يقع التوصل إلى حل سياسي.

وفي سياق حديثه عن الحركة الإسلامية التي هو من أبرز مؤسسيها أكد الشيخ مورو، بمرارة، أن السلطة ومن خلال رفضها التصريح لحركة الاتجاه الإسلامي بالعمل القانوني قد أجهضت تجربة كان يمكن أن يستفيد منها الجميع، وفوتت على البلاد فرصة كان يمكن أن تحقق من خلالها تونس سبقا بين دول العالم العربي والإسلامي في تقديم نموذج للتعايش السياسي السلمي بين الدولة ومختلف تكوينات المجتمع، بدل حالة التخلف التي نحن عليها الآن.

وفي رده على سؤال حول رؤيته لتطور الحالة الإسلامية في تونس اعتبر الشيخ أن التعامل الأمني الذي سلكته السلطة مع حركة النهضة لم يقض عليها وإن كان قد أرهقها، ولكنه من جهة أخرى فتح الباب لبروز تيارات أخرى وانتشار أفكار بعضها يميل للتشدد ويعتبر أن العنف هو الوسيلة الوحيدة لحسم الخلافات بعد انسداد أفق العمل السياسي ولاسيما مع غياب التنظيم الذي يقوم بدور المحاور والمرشّد للساحة الإسلامية عموما.

أما في موضوع الحوار بين بعض القوى الغربية والحركات الإسلامية فقد علق قائلا إن سعادته كانت ستكون أكبر لو أن تلك الدعوات صدرت من "أبناء جلدتنا ومن حكوماتنا ومن المشرفين على حظوظ بلادنا"، منبّها في الوقت نفسه إلى أن الإسلاميين، الذين هم أهل حوار ويستبشرون كلما دعوا للحوار، ينبغي أن يكونوا حذرين حتى لا ينخرطوا في توجه أو خيار سياسي يسعى إلى استعمالهم في ترتيب الأمر للغرب وتهيئة أسباب قبوله أو استقراره في بلداننا. ولم يخف الشيخ خشيته من أن تكون دعوات الحوار هذه مجرد محاولة لتجنيد من يوصفون بالمعتدلين من أجل القيام بعملية تطهير للساحة الإسلامية من أطراف يبدو أن الغرب قد عجز عن التفاهم معهم أو تصفية حسابه معهم، فقرر أن يأتي بالإسلاميين المعتدلين ليتولوا هذه المهمة القذرة، بدل أن يقحم تلك الأطراف في حوار جدي لتتعوّد على محاورة غيرها لأن ترشيدها لن يكون بقمعها أو بإقصائها وإنما بالحديث إليها.

لقد كان الحوار مع الشيخ عبد الفتاح حوارا شيقا عبر فيه الشيخ عن ألمه تجاه الواقع وأشواقه وتحرقه لأن يتجاوز الوضع المحلي والإسلامي مآزقه كاشفا لنا عما يؤرقه في صمته الذي لجأ إليه طويلا ملخصا دوره في الحياة الوطنية في التوجيه والتأمل معبرا عن رغبته في أن تتولى القيادات الشابة في الحركة الإسلامية دورا قياديا.

وقد اخترنا في هذه الفرصة النادرة رغم ضيق المجال أن ننقل إلى القارئ الكريم بعضا مما يجول في خاطر هذا الرجل ذي السابقة في تأسيس وقيادة إحدى أهم حركات الإحياء الإسلامي المعاصر، من مواقف وآراء حول قضايا تشغل المعنيين بالشأن التونسي خصوصا والعربي والإسلامي بشكل أعم.

وفي ما يلي نص الحوار ووصلات الملفات الصوتية لمن أراد الإستماع إليه:

الشيخ عبد الفتاح مورو السلام عليكم

وعليكم السلام ورحمة الله

نرحب بكم في مجلة أقلام أون لاين ونشكركم على تفضلكم بقبول محاورتنا، سؤالنا الأول متعلق بما تعرفه الساحة الدولية من دعوات إلى الحوار مع الحركات الإسلامية المعتدلة. فبصفتكم أحد مؤسسي حركة الاتجاه الإسلامي سابقا، حركة النهضة حاليا كيف ترون هذه الدعوات أكانت من جهة الولايات المتحدة أم من جهة الدول الأروبية؟ -  استمع إلى الجواب

أولا مرحبا بكم، بالنسبة لي هذه ساعة سعيدة أن التقي بكم. لا أتصور أني سأستطيع أن أفيدكم كثيرا، لكن بالنسبة للسؤال الأول أحب أن أقول إن سعادتي واستبشاري يكون كبيرا لو أن الدعوة للحوار هاته كانت صادرة من أبناء جلدتنا ومن حكوماتنا ومن المشرفين على حظوظ شؤون بلادنا، لأن قضيتنا مع الذين يساكنوننا والذين كثيرون منهم قد صدّروا في حقنا حكما غيابيا غير قابل للاعتراض، حكموا علينا بكوننا حركات هدامة أو حركات رجعية، حركات متخلفة تدعو إلى الوراء. كان بودنا أن تأتي هذه الدعوة من أبناء جلدتنا من الأطراف السياسية والأطراف الفكرية المختلفة التي كان من المفروض أن تعتبر أن للتيار الإسلامي، الموجود على امتداد العالم الإسلامي، وجودا يفترض أن يقع الحوار معه ويفترض أن يكون طرفا في حديث يهم وضع البلاد ووضع العباد ومستقبل المجتمعات.

لكن على كل حال؛ دعوة الحوار هاته التي تأتينا من الغرب، أتت من حكومات.. أتت من أناس متنفذين لهم سلطة في بلادهم ويسعون لأن يكون لهم تأثير على وضعنا الداخلي في بلادنا، ودعوة كهذه بقدر ما نرحب بها باعتبار أنها جاءت من أناس طالما جاهروا بعدائهم لنا، بقدر ما ينبغي أن نأخذها بحذر كبير.

أنا في تصوري أن الإسلاميين هم أهل حوار وفكرهم ورأيهم يفرض عليهم أن يحاوروا الغير وأن يسمعوا منه كي يفهموا رأي الناس فيهم ثم يفهموا إن كان لديهم أخطاء كيف يتداركونها. مبدئيا فإن الإسلامي يستبشر مبدئيا إذا سمع بأن هناك دعوة للحوار، ولكن يجب أن يكون حذرا كي لا يصبح الإسلامي كأنه منخرط في توجه سياسي أو في منظومة سياسية ترغب في ترتيب الأمر للغرب وتهيئة أسباب قبوله أو استقراره في نفوس الناس، كما هو يسعى لأن يستقر في بيوتهم عن طريق إعلامه وان يستقر في اقتصادهم وان يستقر في سياستهم.

الإسلاميون مطالبون بأن يكونوا طرفا ولكن طرفا حكيما فقضيتنا قضية تبشير بمستقبل جديد للعالم تفرض علينا أن نكون طرفا محاورا لغيرنا أيّا كان هذا الغير، لكن على أساس أن يكون لدينا حذرا بأن لا نكون طرفا، خاصة طرفا سياسيا منخرطا في تطبيع وضع أطراف أجنبية لم يتطبع وضعها في بلادنا أو نكون ميسرين لدخول هذه الأطراف بدعوى أننا نضغط من أجل تغيير وتحسين وضعنا في بلادنا. فقضيتنا الداخلية لا تحل في تصوري بتدخل خارجي يجعل من وضعنا وضعا طبيعيا. نحن نعتبر أنفسنا جسما ليس غريبا على مجتمعاتنا فإذا كانت أطراف قد خافت منا أو أطراف فرضت عليها ظروف خاصة أن ترفضنا فإن وضعنا لن يصبح طبيعيا إذا ما جاءتنا نصرة من خارج بلدنا وبهذا الاعتبار فإني أقول بأن الذي يفرحني أكثر هو أن تكون الأطراف الفكرية والسياسية في بلادنا هي التي اقتنعت بأن إهمال وتهميش هذا الطرف، الذي هو الطرف الإسلامي، ليس من مصلحة أوطاننا وأن ردة الفعل العنيفة التي حصلت هنا أو هناك هي نتيجة هذا الوضع وأن تجاوز الوضع يقتضي أن يجلس الجميع في مجلس واحد لنعالج هذا المستقبل الذي يهيأ لنا بإرادة غير إرادتنا وأسباب غير أسبابنا، كيف يمكننا أن نجتمع لنحول دون أن نصبح بضاعة تباع وتشترى ونساس بغير إرادتنا.

أقلام: طيب هل في إطار هذا التصور الذي يؤكد على أولوية هذا الحوار داخل الوطن...

مقاطعا: ليس في القضية أولوية فالذي يكون في وضع المغضوب عليه والذي يحس بالعزلة فإن أي واحد يخاطبه ويزيل عنه هذه العزلة فإنه يرد عليه، فليست القضية إذا قضية أولوية لكني أقول إن الأجدى بالنسبة للحركات الإسلامية أن يكون مخاطبها من الداخل ولا يعني هذا أن تهمل مخاطبها من الخارج. فدعوتنا كما قلت هي دعوة حوار وتقتضي منا محاورة الجميع لكن ليس بمعنى أننا نغزو داخلنا عن طريق مرورنا بالخارج فهذه فكرة يجب أن تزال من الأذهان ولا يجب أن نقدم صورة عن أنفسنا بأننا ومن أجل تحسين وضعيتنا في الداخل فإننا بحاجة لأن نشعر بأن الغرب راض عنا وأنه مدافع عن وجودنا وأننا بهذا الاعتبار يصبح لنا أحقية وجود في داخل بلادنا. نحن لا نستمد شرعيتنا من صك يدفع لنا من الخارج مهما يكون هذا الصك، وإنما نستمد شرعيتنا من كون الوعي الذي وصلت له أطراف سياسية مختلفة بما في ذلك السلط المتنفذة في بلادنا يجعلها تدرك أن الطرف الإسلامي هو طرف كبقية الأطراف من حقه أن يكون محاوِرا ومحاورا ويجب أن يقدم أطروحات. وفي تصوري فإن لهذا تأثيرا حتى على تصوراتنا نحن الإسلاميين فإننا عندما نُعزل وننعزل ينعدم إحساسنا بالواقع ولذلك تصبح أطروحاتنا مجنحة وخيالية ونظرية بينما عندما ننزل إلى الواقع وندرك موقف الناس منا وندرك حيز الممكن وتصرفنا لن يتجاوز الممكن. والذي أذكره أن حركتنا شهدت في بدايتها تطورا من هذا القبيل فنحن كنا في البداية أناسا دعويين نهتم بالعبادات على المستوى الفردي واجتمعنا على قراءة القرءان والتربية السلوكية الشخصية ثم شيئا فشيئا أصبح بعض الأطراف يهتمون بنا وأذكر أنه في منتصف السبعينات أصبحت لنا جلسات مع أطراف سياسية مختلفة مثل الديمقراطيين الاشتراكيين والشيوعيين وغيرهم وأذكر أن تلك الجلسات ساعدت على ترشيد فكرنا وساعدت على ترشيد خياراتنا ثم ساعدت على ترشيد رأي غيرنا فينا من الذين كانوا يعتبروننا رجعيين ويرون أننا قطعة من قطع الماضي نجر إلى الوراء وعملاء تابعين لطرف أو لآخر فلما جلسوا معنا فهموا أننا طرف كبقية الأطراف لنا منطلقاتنا الفكرية وقناعاتنا لكننا لا نهمل الواقع الذي نعيشه وأن رغبتنا هي أن نساهم في تغيير هذا الواقع بحسب إمكاننا وإمكان شعبنا ولذلك فإني اذكر أننا وإلى حد دخولنا للسجن سنة 1981 فإن هذه العملية كانت مفيدة لنا ولغيرنا ومفيدة للبلاد. ولذلك فإن بلدا تكون فيه الأطراف السياسية المختلفة مستعدة لأن يقبل بعضها ببعض وأن يحاور يعضها بعضا يكون في مأمن من أية هزة. وأي فراغ يحصل فيه تملؤه تلك الأطراف السياسية المختلفة التي تعودت على التحدث مع بعضها البعض وعلى احترام بعضها البعض وتعودت أن يعطي كل واحد منها حيزا وجوديا للغير بحيث لا يكون هناك إلغاء وإقصاء لا من جهتنا ولا من جهة الآخرين حيالنا.

على كل حال، إذا كانت بعض الأطراف السياسية الفاعلة على الساحة الدولية تعتبر أن هناك من الحركات الإسلامية من يحق لها أن تحاوَر وأن تكون طرفا في حديث فهذا شيء طيب لا نلغيه، ولا ننكر كذلك أن في الساحة الإسلامية ثمة أطراف أخرى يبدو أنها مقصاة ونقول إن التعامل السليم يفرض أن تقحم هذه الأطراف في حوار وفي حديث وأن تتعود على محاورة غيرها ومخاطبة من يخالفها، لأن ترشيدها لن يكون بقمعها أو بإقصائها وإنما يكون بفتح الحوار معها والحديث إليها ولا ينبغي أن يفهم بأن من يسمون بالمعتدلين جاءوا لملء الساحة وليقوموا بمهمة تطهير الساحة الإسلامية من أطراف يبدو أن الغرب قد عجز عن التفاهم معهم كما عجز عن تصفية حسابه معهم فيأتي بالإسلاميين المعتدلين ليتولوا هذه المهمة القذرة. نحن دائما وأبدا نعتبر أن الساحة الإسلامية ساحة قادرة على، كما هي ترغب في، الحوار مع الأطراف الخارجية ولذلك فإنه يجب أن يكون لها القدرة كي يكون لها حوارها في داخلها كذلك وإذا كان ثمة منطلقات مشتركة بيننا وبين غيرنا من الأطراف الإسلامية تسهل حديثنا لبعضنا فإنها تكون أولى من أطراف أجنبية لا يربطنا بها أي رابط إلا كونها صاحبة مصلحة في وقت من الأوقات وأن مصلحتها تمر من خلالنا أو عبرنا نحن.

أقلام: على المستوى الداخلي، وعلى مستوى التحليل هل تقدر أن هناك بوادر أو إشارات لحوار على المستوى الوطني يشمل الحركة الإسلامية سواء من جهة أطراف المعارضة ومكونات المجتمع المدني أم من جهة السلطة؟ - استمع إلى الجواب

لم أسمع بمبادرة في هذا الاتجاه وخاصة من الأطراف الفاعلة التي بيدها القرار لأن هذه الأطراف حتى عندما تتعامل مع الطرف الإسلامي تتعامل معه على أساس أنه طرف يستدر العطف باعتباره مسكينا ضعيفا يعاني من السجن. بعض الناس يطالبون بالإفراج عن الإسلاميين لأسباب إنسانية هذا صحيح، ولكني لم أر إلى حد الساعة توجها يكون فيه من الجرأة ما يجعل صاحبه يفتح بابا للحديث والحوار مع هذا الخصم القديم والمخالف الذي عانى.. لا أعلم هل تكون هذه الدعوات القائمة الآن أو ما يحصل من تغييرات في بعض البلدان حافزا لنا نحن في بلادنا لأن نحزم أمورنا بأنفسنا ولا نترك مجالا لأي طرف أجنبي في أن يفرض علينا تغييرا في وضع بلادنا بالشكل الذي يريده. في تصوري إن السلطة قادرة الآن بأن تقوم بمبادرة ينتظرها الجميع حتى تكون المسألة بأيدينا نحن لا بأيدي غيرنا وحتى تكون المسألة لها نفع لأطراف المجتمع.

أقلام: بعض الآراء، على الأقل داخل الصف الإسلامي، ترى أن عزوف السلطة عن المضي في فتح الباب أو الحوار مع الإسلاميين يعود إلى تشدد داخل الحركة الإسلامية كيف ترى ذلك؟ - استمع إلى الجواب

يمكن أن يكون هذا موجودا، ولكني أقول إن الذي يرغب في فتح صفحة جديدة بإمكانه أن يجد المعاذير للطرف المقابل. فالحركة الإسلامية حركة تتأثر بما يحصل لها. ثم إنه في كل تيار سياسي كما في كل تيار فكري ثمة الذي هو قابل للحوار كما ثمة الذي هو قابل بشكل أكثر منه. في فترة من الفترات كانت السلطة في بلدنا تقول إنه هناك أطرافا معتدلة وأطرافا متشددة، لكن يبدو أنه في وقت من الأوقات وتحت تأثير بعض الأطراف التي لا أرغب في ذكر توجهها أصبح الاعتقاد السائد في خطاب السلطة للإسلاميين أن المتدينين جميعا يصدرون عن ماء واحد وأنه ليس فيهم متطرف ومعتدل وأنهم كلهم متطرفون وأن الفكر الديني فكر متطرف وينبغي استبعاده أصلا. من حق السلطة أن تقول أن هناك متشددين وذلك أنهم خصومها ولكن هذا الطرف موجود وفي إمكانها أن تفتح باب الحديث معه لتتبين من تطور ومن لم يتطور ولا نتصور أن حركة كحركتنا لم تتطور في هذه الفترة التي امتدت لثمانية عشر أو سبعة عشر سنة ولم تحصل فيها قناعات جديدة علما وأن هذه الحركة لم يفسح لها المجال للنقد الذاتي لأنها بقيت حركة مطاردة، حركة لم تلم شتاتها، أبناؤها يلهثون وراء قوتهم والواحد منهم يبحث عن السلامة الجسدية أصلا، بعضهم خرج خارج البلاد وغيرهم داخلها فكيف ستستجمع أفكارها وآراءها. فلا يلام على هذه الحركة أنها لم تصدر عن نقد ذاتي يبين أنها تطورت في أفكارها وآرائها وأنها تنحو نحو الاعتدال ونحو الاعتراف بالغير ونحو استبعاد أساليب الضغط على الغير، بينما السلطة ولأنها الطرف الأقوى والطرف الذي من المفروض أن يكون الطرف الأرشد كذلك، والطرف الذي يبحث عن حل لوضعية البلاد. إذ أمام ما يحصل في العالم، فإنه ليس من الممكن للسلطة أن تبقى مكتوفة الأيدي ولا تصدر عن فكر جديد ورأي جديد وتغير أساليبها في التعامل، وخاصة مع هذا الطرف الذي ثبت أنه طرف مؤثر في البلاد بشكل صغير ولا أقول كبير! ولا يخشى منه أن يقلب واقع البلاد وأن يغير موازين القوى ولكن غيابه عن الساحة يكون هنة في المسار التعددي الذي نرغب فيه، ثم إن غيابه عن الساحة بهذا الشكل يفسح المجال لأن تتكون "تحت الطاولة" تيارات عنيفة لا تؤمن بالحوار ولا تؤمن بحق الغير في التعبير عن نفسه ويصبح الشيء الذي كنا في مأمن منه في بلدنا خطرا داهما لأننا تعاملنا تعاملا لا يقتضيه الوضع. ففي تصوري إن على السلطة أن تتجه هذا التوجه وأن تعرب عن رغبتها وأن تجس الوضع وتختبره وتقيسه وتعبر عن رغبتها في أن تتعامل مع الأطراف المختلفة بما في ذلك هذا التيار الذي غيب والذي بالإمكان أن تسبر أغوار فكره الآن وما ترسخ لديه من قناعات بموجب الممارسة السابقة وبموجب ما مورس عليه من تعتيم وتغييب وما حصل في العالم من أحداث مؤثرة.

أقلام: أشرتم إلى أن غياب الحركة الإسلامية في تونس كانت له آثار سلبية، خاصة وان البلاد تشهد صحوة على صعيد التدين بحيث كثر إقبال الشباب على المساجد وأن هذه الصحوة متنوعة في طيفها من حيث التوجهات. وقد أشرتم إلى أن هناك مخاوف أو مؤشرات على بروز بعض التيارات التي يمكن أن تتبنى العنف مثلا، هل تقدرون أن غياب حركة النهضة في هذه المرحلة قد أثر على وضع الساحة الإسلامية في تونس؟ - استمع إلى الجواب 

أقول إن حركة الاتجاه الإسلامي والتي أصبحت حركة النهضة بعد ذلك تحولت في فترة من الفترات كأنها الطرف المخاطب في الساحة الإسلامية، أنت تعلم أنه وفي كل بلد  تحتاج الأطراف المختلفة إلى جهة مخاطبة، جهة مسؤولة، وأن تجد شخصا أو مجموعة أفراد من الممكن مخاطبتهم. في وقت من الأوقات كانت حركة الاتجاه الإسلامي ليست الوحيدة الممثلة للساحة الإسلامية إذ هناك أطراف أخرى موجودة معها لكنها كانت قبلة لكل الذين يريدون التفاعل مع الساحة الإسلامية والحديث معها وأذكر أن السلطة في فترة من الفترات كانت تلجأ إلينا. وقد وقعت لي حادثة في إحدى المناسبات مع الأستاذ راشد إذ لخبط أحد أئمة المساجد وقال كلاما لا يحتمله الوضع فسبّ وشتم فنادتنا السلطة لتطلب منا أن نمسك هذا الشخص بما أنه من الحركة فقلنا للمتحدث أن هذا الشخص لا ينتمي للحركة الإسلامية، ثم تداركنا فقلنا صحيح هذا من الساحة الإسلامية وليس من الحركة ونحن وباعتبار وجودنا في الساحة الإسلامية فإنه بإمكاننا أن نخاطبه. وفعلا توجهنا إليه وحاورناه وأفهمناه ما يجب أن يقال وما لا يجب أن يقال وبينّا له وجهة نظرنا في القضية، هذا المعنى فقد لما ضربت حركة النهضة وتشتتت وبقيت الساحة فارغة.

والإسلام باعتباره عقيدة ودينا يحق لكل إنسان أن يتوجه إليه بدون واسطة ولذلك فإن الناس يفتحون القرآن لقراءته بصفة مباشرة وتفتح كتب الحديث لتقرأ الحديث مباشرة. ولكن عندما تصبح القضية قضية علم فإن الإنسان لا يحق له أن يستنتج من النص حكما شرعيا دون أن يمر على عالم يرشده ويفهمه. وإذا كانت المسألة ليست فقط حكما شرعيا فإنه لا يحق لي أن آخذه من كتاب بشكل مباشر أو من مصدر مباشرة إذ ربما كان ذلك الحديث عاما أو خاصة أو فيه تقييد، فما ظننا إذا ما أصبحت القضية قضية تحرك وتعامل مع المجتمع ومع أطراف مخالفة قضية تعامل مع أطراف أجنبية؟! إن الساحة خلت من طرف مرشد والذي في إمكانه أن يقول إن هذا الفعل غير صحيح وان يدعو إلى الاجتماع والتحاور "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" وإن الرأي الذي ترونه غير صحيح بل الأمر خلاف ذلك ولنا ما يثبت دعوتنا، من سيرة وسنة وحديث ومن فقه ومن عمل ونشاط السلف كل هذا المعنى فقد بغياب الحركة الإسلامية. يضاف إلى هذا في ما يخص الساحة الإسلامية أنه طرحت في العالم وسائل اتصال تجعل أي واحد قادر في بيته، ومن خلال الضغط على زر، الإتصال من خلال الإنترنت بأفكار تفوق التصور. أصبحت قضية التحرك الإسلامي والحدث الإسلامي والموقف من الغير والموقف من الواقع أصبحت القضية الآن مطروحة على الإنترنت فبالضغط على زر تجد خطبة لفلان من الغرب وفلان من الشرق والذي ربما صدر عن رأي فردي لم يراجع فيه غيره أو صدر عن واقع خاص به لا يحق القياس عليه ومتابعته فيه وأصبحنا الآن نخشى كل الخشية من أن هذا التشوف الموجود لدى الشباب من أجل التعرف على دينه والذي يبدأ بالصلاة والالتزام بالسلوكيات الاسلامية على المستوى الشخصي ثم ينتقل بعد ذلك الى طرح الاسلام كبديل للفوضى التي يعيشها العالم، إن السبيل الذي فتح الآن أمام هؤلاء الشبان وهم متعطشون كما أنهم متحمسون وربما يسرعون إلى الطريق الذي يفتح أمامهم وهو طريق البندقية والطائرة والدبابة ويتصور الكثير أن الخط الذي ينبغي اتباعه هو هذا الخط خاصة وحجتهم في أن الذين استعملوا الحوار والذين اتخذوا من الحوار طريقا قد فشلوا وهاهم في السجون وهم قد استبعدوا من المجتمع وهم في الخارج مبعدين عن بلدانهم فالخطر الآن على الساحة الإسلامية والذي هو خطر ملازم لهذه اليقظة والصحوة الاسلامية.

نحن من جهتنا نستبشر بهذه الصحوة ونعتبرها شيئا طبيعيا إذ في كل مجتمع هناك دائما وأبدا شباب يرجع إلى عقيدته والى دينه ويعتبر ذلك الملاذ الأوحد الذي يحميه فالناس الآن يلجؤون إلى المسجد وإلى الدين