بعد صمت دام أكثر من خمسة عشرة سنة، الشيخ عبد الفتاح مورو يتحدث لأقلام أون لاين

العدد الخامس عشر
السنة الرابعة/ جويلية - أوت 2005


أجرى الحوار أحمد قعلول

في حوار هو الأول من نوعه منذ أكثر من عقد ونصف اعتبر الشيخ عبد الفتاح مورو أن الوضع السياسي العام يشكو في تونس جمودا منذ سنوات متعددة وأن الديكورات التي وضعت عليه لم تفلح في الإقناع بأن هناك تغييرا جوهريا يتجه نحو الحوار الوطني والتداول على السلطة والمشاركة في القرار. واعتبر الأمين العام السابق لحركة الاتجاه الإسلامي – النهضة حاليا - أن هذا الوضع لن يتطور عن طريق الشعارات والديكورات بل يتطور عن طريق تغيير واقعي، مؤكدا على كونه لم يسمع بمبادرة في هذا الاتجاه وخاصة من السلطة التي بيدها القرار، ملاحظا أن بعض الأطراف في الساحة التونسية ما فتئت تدعو إلى إطلاق سراح المساجين ولكن تلك الدعوة على أهميتها لم يكتسب بعدُ الجرأة الكافية لتتحول إلى قاعدة مشتركة تؤسس لحوار جدي مع هذا الخصم القديم والمخالف الذي عانى ومازال يعاني منذ أكثر من ربع قرن. وأكد الشيخ عبد الفتاح مورو في حديث تنفرد بنشره مجلة "أقلام أون لاين" أن الجميع ينتظر من السلطة أن تبادر إلى وضع حد لمعاناة المساجين السياسيين وأن ما يقال من اعتدال أو تشدد داخل أوساط الحركة الإسلامية ما ينبغي أن يقف حائلا دون طي هذه الصفحة المؤلمة من تاريخ تونس الحديث، إذ أن الإرادة الصادقة إذا ما توفرت فإن بإمكانها إيجاد المعاذير للطرف المقابل، مضيفا أن القضية وإن كان ظاهرها ذا صبغة قانونية إلا أنها في الحقيقة من طبيعة سياسية وحلها لا يكون إلا بقرار وإرادة سياسية. غير أن ذلك لا يؤجل التعامل معها في وجهها الإنساني بانتظار أن يقع التوصل إلى حل سياسي.

وفي سياق حديثه عن الحركة الإسلامية التي هو من أبرز مؤسسيها أكد الشيخ مورو، بمرارة، أن السلطة ومن خلال رفضها التصريح لحركة الاتجاه الإسلامي بالعمل القانوني قد أجهضت تجربة كان يمكن أن يستفيد منها الجميع، وفوتت على البلاد فرصة كان يمكن أن تحقق من خلالها تونس سبقا بين دول العالم العربي والإسلامي في تقديم نموذج للتعايش السياسي السلمي بين الدولة ومختلف تكوينات المجتمع، بدل حالة التخلف التي نحن عليها الآن.

وفي رده على سؤال حول رؤيته لتطور الحالة الإسلامية في تونس اعتبر الشيخ أن التعامل الأمني الذي سلكته السلطة مع حركة النهضة لم يقض عليها وإن كان قد أرهقها، ولكنه من جهة أخرى فتح الباب لبروز تيارات أخرى وانتشار أفكار بعضها يميل للتشدد ويعتبر أن العنف هو الوسيلة الوحيدة لحسم الخلافات بعد انسداد أفق العمل السياسي ولاسيما مع غياب التنظيم الذي يقوم بدور المحاور والمرشّد للساحة الإسلامية عموما.

أما في موضوع الحوار بين بعض القوى الغربية والحركات الإسلامية فقد علق قائلا إن سعادته كانت ستكون أكبر لو أن تلك الدعوات صدرت من "أبناء جلدتنا ومن حكوماتنا ومن المشرفين على حظوظ بلادنا"، منبّها في الوقت نفسه إلى أن الإسلاميين، الذين هم أهل حوار ويستبشرون كلما دعوا للحوار، ينبغي أن يكونوا حذرين حتى لا ينخرطوا في توجه أو خيار سياسي يسعى إلى استعمالهم في ترتيب الأمر للغرب وتهيئة أسباب قبوله أو استقراره في بلداننا. ولم يخف الشيخ خشيته من أن تكون دعوات الحوار هذه مجرد محاولة لتجنيد من يوصفون بالمعتدلين من أجل القيام بعملية تطهير للساحة الإسلامية من أطراف يبدو أن الغرب قد عجز عن التفاهم معهم أو تصفية حسابه معهم، فقرر أن يأتي بالإسلاميين المعتدلين ليتولوا هذه المهمة القذرة، بدل أن يقحم تلك الأطراف في حوار جدي لتتعوّد على محاورة غيرها لأن ترشيدها لن يكون بقمعها أو بإقصائها وإنما بالحديث إليها.

لقد كان الحوار مع الشيخ عبد الفتاح حوارا شيقا عبر فيه الشيخ عن ألمه تجاه الواقع وأشواقه وتحرقه لأن يتجاوز الوضع المحلي والإسلامي مآزقه كاشفا لنا عما يؤرقه في صمته الذي لجأ إليه طويلا ملخصا دوره في الحياة الوطنية في التوجيه والتأمل معبرا عن رغبته في أن تتولى القيادات الشابة في الحركة الإسلامية دورا قياديا.

وقد اخترنا في هذه الفرصة النادرة رغم ضيق المجال أن ننقل إلى القارئ الكريم بعضا مما يجول في خاطر هذا الرجل ذي السابقة في تأسيس وقيادة إحدى أهم حركات الإحياء الإسلامي المعاصر، من مواقف وآراء حول قضايا تشغل المعنيين بالشأن التونسي خصوصا والعربي والإسلامي بشكل أعم.

وفي ما يلي نص الحوار ووصلات الملفات الصوتية لمن أراد الإستماع إليه:

الشيخ عبد الفتاح مورو السلام عليكم

وعليكم السلام ورحمة الله

نرحب بكم في مجلة أقلام أون لاين ونشكركم على تفضلكم بقبول محاورتنا، سؤالنا الأول متعلق بما تعرفه الساحة الدولية من دعوات إلى الحوار مع الحركات الإسلامية المعتدلة. فبصفتكم أحد مؤسسي حركة الاتجاه الإسلامي سابقا، حركة النهضة حاليا كيف ترون هذه الدعوات أكانت من جهة الولايات المتحدة أم من جهة الدول الأروبية؟ -  استمع إلى الجواب

أولا مرحبا بكم، بالنسبة لي هذه ساعة سعيدة أن التقي بكم. لا أتصور أني سأستطيع أن أفيدكم كثيرا، لكن بالنسبة للسؤال الأول أحب أن أقول إن سعادتي واستبشاري يكون كبيرا لو أن الدعوة للحوار هاته كانت صادرة من أبناء جلدتنا ومن حكوماتنا ومن المشرفين على حظوظ شؤون بلادنا، لأن قضيتنا مع الذين يساكنوننا والذين كثيرون منهم قد صدّروا في حقنا حكما غيابيا غير قابل للاعتراض، حكموا علينا بكوننا حركات هدامة أو حركات رجعية، حركات متخلفة تدعو إلى الوراء. كان بودنا أن تأتي هذه الدعوة من أبناء جلدتنا من الأطراف السياسية والأطراف الفكرية المختلفة التي كان من المفروض أن تعتبر أن للتيار الإسلامي، الموجود على امتداد العالم الإسلامي، وجودا يفترض أن يقع الحوار معه ويفترض أن يكون طرفا في حديث يهم وضع البلاد ووضع العباد ومستقبل المجتمعات.

لكن على كل حال؛ دعوة الحوار هاته التي تأتينا من الغرب، أتت من حكومات.. أتت من أناس متنفذين لهم سلطة في بلادهم ويسعون لأن يكون لهم تأثير على وضعنا الداخلي في بلادنا، ودعوة كهذه بقدر ما نرحب بها باعتبار أنها جاءت من أناس طالما جاهروا بعدائهم لنا، بقدر ما ينبغي أن نأخذها بحذر كبير.

أنا في تصوري أن الإسلاميين هم أهل حوار وفكرهم ورأيهم يفرض عليهم أن يحاوروا الغير وأن يسمعوا منه كي يفهموا رأي الناس فيهم ثم يفهموا إن كان لديهم أخطاء كيف يتداركونها. مبدئيا فإن الإسلامي يستبشر مبدئيا إذا سمع بأن هناك دعوة للحوار، ولكن يجب أن يكون حذرا كي لا يصبح الإسلامي كأنه منخرط في توجه سياسي أو في منظومة سياسية ترغب في ترتيب الأمر للغرب وتهيئة أسباب قبوله أو استقراره في نفوس الناس، كما هو يسعى لأن يستقر في بيوتهم عن طريق إعلامه وان يستقر في اقتصادهم وان يستقر في سياستهم.

الإسلاميون مطالبون بأن يكونوا طرفا ولكن طرفا حكيما فقضيتنا قضية تبشير بمستقبل جديد للعالم تفرض علينا أن نكون طرفا محاورا لغيرنا أيّا كان هذا الغير، لكن على أساس أن يكون لدينا حذرا بأن لا نكون طرفا، خاصة طرفا سياسيا منخرطا في تطبيع وضع أطراف أجنبية لم يتطبع وضعها في بلادنا أو نكون ميسرين لدخول هذه الأطراف بدعوى أننا نضغط من أجل تغيير وتحسين وضعنا في بلادنا. فقضيتنا الداخلية لا تحل في تصوري بتدخل خارجي يجعل من وضعنا وضعا طبيعيا. نحن نعتبر أنفسنا جسما ليس غريبا على مجتمعاتنا فإذا كانت أطراف قد خافت منا أو أطراف فرضت عليها ظروف خاصة أن ترفضنا فإن وضعنا لن يصبح طبيعيا إذا ما جاءتنا نصرة من خارج بلدنا وبهذا الاعتبار فإني أقول بأن الذي يفرحني أكثر هو أن تكون الأطراف الفكرية والسياسية في بلادنا هي التي اقتنعت بأن إهمال وتهميش هذا الطرف، الذي هو الطرف الإسلامي، ليس من مصلحة أوطاننا وأن ردة الفعل العنيفة التي حصلت هنا أو هناك هي نتيجة هذا الوضع وأن تجاوز الوضع يقتضي أن يجلس الجميع في مجلس واحد لنعالج هذا المستقبل الذي يهيأ لنا بإرادة غير إرادتنا وأسباب غير أسبابنا، كيف يمكننا أن نجتمع لنحول دون أن نصبح بضاعة تباع وتشترى ونساس بغير إرادتنا.

أقلام: طيب هل في إطار هذا التصور الذي يؤكد على أولوية هذا الحوار داخل الوطن...

مقاطعا: ليس في القضية أولوية فالذي يكون في وضع المغضوب عليه والذي يحس بالعزلة فإن أي واحد يخاطبه ويزيل عنه هذه العزلة فإنه يرد عليه، فليست القضية إذا قضية أولوية لكني أقول إن الأجدى بالنسبة للحركات الإسلامية أن يكون مخاطبها من الداخل ولا يعني هذا أن تهمل مخاطبها من الخارج. فدعوتنا كما قلت هي دعوة حوار وتقتضي منا محاورة الجميع لكن ليس بمعنى أننا نغزو داخلنا عن طريق مرورنا بالخارج فهذه فكرة يجب أن تزال من الأذهان ولا يجب أن نقدم صورة عن أنفسنا بأننا ومن أجل تحسين وضعيتنا في الداخل فإننا بحاجة لأن نشعر بأن الغرب راض عنا وأنه مدافع عن وجودنا وأننا بهذا الاعتبار يصبح لنا أحقية وجود في داخل بلادنا. نحن لا نستمد شرعيتنا من صك يدفع لنا من الخارج مهما يكون هذا الصك، وإنما نستمد شرعيتنا من كون الوعي الذي وصلت له أطراف سياسية مختلفة بما في ذلك السلط المتنفذة في بلادنا يجعلها تدرك أن الطرف الإسلامي هو طرف كبقية الأطراف من حقه أن يكون محاوِرا ومحاورا ويجب أن يقدم أطروحات. وفي تصوري فإن لهذا تأثيرا حتى على تصوراتنا نحن الإسلاميين فإننا عندما نُعزل وننعزل ينعدم إحساسنا بالواقع ولذلك تصبح أطروحاتنا مجنحة وخيالية ونظرية بينما عندما ننزل إلى الواقع وندرك موقف الناس منا وندرك حيز الممكن وتصرفنا لن يتجاوز الممكن. والذي أذكره أن حركتنا شهدت في بدايتها تطورا من هذا القبيل فنحن كنا في البداية أناسا دعويين نهتم بالعبادات على المستوى الفردي واجتمعنا على قراءة القرءان والتربية السلوكية الشخصية ثم شيئا فشيئا أصبح بعض الأطراف يهتمون بنا وأذكر أنه في منتصف السبعينات أصبحت لنا جلسات مع أطراف سياسية مختلفة مثل الديمقراطيين الاشتراكيين والشيوعيين وغيرهم وأذكر أن تلك الجلسات ساعدت على ترشيد فكرنا وساعدت على ترشيد خياراتنا ثم ساعدت على ترشيد رأي غيرنا فينا من الذين كانوا يعتبروننا رجعيين ويرون أننا قطعة من قطع الماضي نجر إلى الوراء وعملاء تابعين لطرف أو لآخر فلما جلسوا معنا فهموا أننا طرف كبقية الأطراف لنا منطلقاتنا الفكرية وقناعاتنا لكننا لا نهمل الواقع الذي نعيشه وأن رغبتنا هي أن نساهم في تغيير هذا الواقع بحسب إمكاننا وإمكان شعبنا ولذلك فإني اذكر أننا وإلى حد دخولنا للسجن سنة 1981 فإن هذه العملية كانت مفيدة لنا ولغيرنا ومفيدة للبلاد. ولذلك فإن بلدا تكون فيه الأطراف السياسية المختلفة مستعدة لأن يقبل بعضها ببعض وأن يحاور يعضها بعضا يكون في مأمن من أية هزة. وأي فراغ يحصل فيه تملؤه تلك الأطراف السياسية المختلفة التي تعودت على التحدث مع بعضها البعض وعلى احترام بعضها البعض وتعودت أن يعطي كل واحد منها حيزا وجوديا للغير بحيث لا يكون هناك إلغاء وإقصاء لا من جهتنا ولا من جهة الآخرين حيالنا.

على كل حال، إذا كانت بعض الأطراف السياسية الفاعلة على الساحة الدولية تعتبر أن هناك من الحركات الإسلامية من يحق لها أن تحاوَر وأن تكون طرفا في حديث فهذا شيء طيب لا نلغيه، ولا ننكر كذلك أن في الساحة الإسلامية ثمة أطراف أخرى يبدو أنها مقصاة ونقول إن التعامل السليم يفرض أن تقحم هذه الأطراف في حوار وفي حديث وأن تتعود على محاورة غيرها ومخاطبة من يخالفها، لأن ترشيدها لن يكون بقمعها أو بإقصائها وإنما يكون بفتح الحوار معها والحديث إليها ولا ينبغي أن يفهم بأن من يسمون بالمعتدلين جاءوا لملء الساحة وليقوموا بمهمة تطهير الساحة الإسلامية من أطراف يبدو أن الغرب قد عجز عن التفاهم معهم كما عجز عن تصفية حسابه معهم فيأتي بالإسلاميين المعتدلين ليتولوا هذه المهمة القذرة. نحن دائما وأبدا نعتبر أن الساحة الإسلامية ساحة قادرة على، كما هي ترغب في، الحوار مع الأطراف الخارجية ولذلك فإنه يجب أن يكون لها القدرة كي يكون لها حوارها في داخلها كذلك وإذا كان ثمة منطلقات مشتركة بيننا وبين غيرنا من الأطراف الإسلامية تسهل حديثنا لبعضنا فإنها تكون أولى من أطراف أجنبية لا يربطنا بها أي رابط إلا كونها صاحبة مصلحة في وقت من الأوقات وأن مصلحتها تمر من خلالنا أو عبرنا نحن.

أقلام: على المستوى الداخلي، وعلى مستوى التحليل هل تقدر أن هناك بوادر أو إشارات لحوار على المستوى الوطني يشمل الحركة الإسلامية سواء من جهة أطراف المعارضة ومكونات المجتمع المدني أم من جهة السلطة؟ - استمع إلى الجواب

لم أسمع بمبادرة في هذا الاتجاه وخاصة من الأطراف الفاعلة التي بيدها القرار لأن هذه الأطراف حتى عندما تتعامل مع الطرف الإسلامي تتعامل معه على أساس أنه طرف يستدر العطف باعتباره مسكينا ضعيفا يعاني من السجن. بعض الناس يطالبون بالإفراج عن الإسلاميين لأسباب إنسانية هذا صحيح، ولكني لم أر إلى حد الساعة توجها يكون فيه من الجرأة ما يجعل صاحبه يفتح بابا للحديث والحوار مع هذا الخصم القديم والمخالف الذي عانى.. لا أعلم هل تكون هذه الدعوات القائمة الآن أو ما يحصل من تغييرات في بعض البلدان حافزا لنا نحن في بلادنا لأن نحزم أمورنا بأنفسنا ولا نترك مجالا لأي طرف أجنبي في أن يفرض علينا تغييرا في وضع بلادنا بالشكل الذي يريده. في تصوري إن السلطة قادرة الآن بأن تقوم بمبادرة ينتظرها الجميع حتى تكون المسألة بأيدينا نحن لا بأيدي غيرنا وحتى تكون المسألة لها نفع لأطراف المجتمع.

أقلام: بعض الآراء، على الأقل داخل الصف الإسلامي، ترى أن عزوف السلطة عن المضي في فتح الباب أو الحوار مع الإسلاميين يعود إلى تشدد داخل الحركة الإسلامية كيف ترى ذلك؟ - استمع إلى الجواب

يمكن أن يكون هذا موجودا، ولكني أقول إن الذي يرغب في فتح صفحة جديدة بإمكانه أن يجد المعاذير للطرف المقابل. فالحركة الإسلامية حركة تتأثر بما يحصل لها. ثم إنه في كل تيار سياسي كما في كل تيار فكري ثمة الذي هو قابل للحوار كما ثمة الذي هو قابل بشكل أكثر منه. في فترة من الفترات كانت السلطة في بلدنا تقول إنه هناك أطرافا معتدلة وأطرافا متشددة، لكن يبدو أنه في وقت من الأوقات وتحت تأثير بعض الأطراف التي لا أرغب في ذكر توجهها أصبح الاعتقاد السائد في خطاب السلطة للإسلاميين أن المتدينين جميعا يصدرون عن ماء واحد وأنه ليس فيهم متطرف ومعتدل وأنهم كلهم متطرفون وأن الفكر الديني فكر متطرف وينبغي استبعاده أصلا. من حق السلطة أن تقول أن هناك متشددين وذلك أنهم خصومها ولكن هذا الطرف موجود وفي إمكانها أن تفتح باب الحديث معه لتتبين من تطور ومن لم يتطور ولا نتصور أن حركة كحركتنا لم تتطور في هذه الفترة التي امتدت لثمانية عشر أو سبعة عشر سنة ولم تحصل فيها قناعات جديدة علما وأن هذه الحركة لم يفسح لها المجال للنقد الذاتي لأنها بقيت حركة مطاردة، حركة لم تلم شتاتها، أبناؤها يلهثون وراء قوتهم والواحد منهم يبحث عن السلامة الجسدية أصلا، بعضهم خرج خارج البلاد وغيرهم داخلها فكيف ستستجمع أفكارها وآراءها. فلا يلام على هذه الحركة أنها لم تصدر عن نقد ذاتي يبين أنها تطورت في أفكارها وآرائها وأنها تنحو نحو الاعتدال ونحو الاعتراف بالغير ونحو استبعاد أساليب الضغط على الغير، بينما السلطة ولأنها الطرف الأقوى والطرف الذي من المفروض أن يكون الطرف الأرشد كذلك، والطرف الذي يبحث عن حل لوضعية البلاد. إذ أمام ما يحصل في العالم، فإنه ليس من الممكن للسلطة أن تبقى مكتوفة الأيدي ولا تصدر عن فكر جديد ورأي جديد وتغير أساليبها في التعامل، وخاصة مع هذا الطرف الذي ثبت أنه طرف مؤثر في البلاد بشكل صغير ولا أقول كبير! ولا يخشى منه أن يقلب واقع البلاد وأن يغير موازين القوى ولكن غيابه عن الساحة يكون هنة في المسار التعددي الذي نرغب فيه، ثم إن غيابه عن الساحة بهذا الشكل يفسح المجال لأن تتكون "تحت الطاولة" تيارات عنيفة لا تؤمن بالحوار ولا تؤمن بحق الغير في التعبير عن نفسه ويصبح الشيء الذي كنا في مأمن منه في بلدنا خطرا داهما لأننا تعاملنا تعاملا لا يقتضيه الوضع. ففي تصوري إن على السلطة أن تتجه هذا التوجه وأن تعرب عن رغبتها وأن تجس الوضع وتختبره وتقيسه وتعبر عن رغبتها في أن تتعامل مع الأطراف المختلفة بما في ذلك هذا التيار الذي غيب والذي بالإمكان أن تسبر أغوار فكره الآن وما ترسخ لديه من قناعات بموجب الممارسة السابقة وبموجب ما مورس عليه من تعتيم وتغييب وما حصل في العالم من أحداث مؤثرة.

أقلام: أشرتم إلى أن غياب الحركة الإسلامية في تونس كانت له آثار سلبية، خاصة وان البلاد تشهد صحوة على صعيد التدين بحيث كثر إقبال الشباب على المساجد وأن هذه الصحوة متنوعة في طيفها من حيث التوجهات. وقد أشرتم إلى أن هناك مخاوف أو مؤشرات على بروز بعض التيارات التي يمكن أن تتبنى العنف مثلا، هل تقدرون أن غياب حركة النهضة في هذه المرحلة قد أثر على وضع الساحة الإسلامية في تونس؟ - استمع إلى الجواب 

أقول إن حركة الاتجاه الإسلامي والتي أصبحت حركة النهضة بعد ذلك تحولت في فترة من الفترات كأنها الطرف المخاطب في الساحة الإسلامية، أنت تعلم أنه وفي كل بلد  تحتاج الأطراف المختلفة إلى جهة مخاطبة، جهة مسؤولة، وأن تجد شخصا أو مجموعة أفراد من الممكن مخاطبتهم. في وقت من الأوقات كانت حركة الاتجاه الإسلامي ليست الوحيدة الممثلة للساحة الإسلامية إذ هناك أطراف أخرى موجودة معها لكنها كانت قبلة لكل الذين يريدون التفاعل مع الساحة الإسلامية والحديث معها وأذكر أن السلطة في فترة من الفترات كانت تلجأ إلينا. وقد وقعت لي حادثة في إحدى المناسبات مع الأستاذ راشد إذ لخبط أحد أئمة المساجد وقال كلاما لا يحتمله الوضع فسبّ وشتم فنادتنا السلطة لتطلب منا أن نمسك هذا الشخص بما أنه من الحركة فقلنا للمتحدث أن هذا الشخص لا ينتمي للحركة الإسلامية، ثم تداركنا فقلنا صحيح هذا من الساحة الإسلامية وليس من الحركة ونحن وباعتبار وجودنا في الساحة الإسلامية فإنه بإمكاننا أن نخاطبه. وفعلا توجهنا إليه وحاورناه وأفهمناه ما يجب أن يقال وما لا يجب أن يقال وبينّا له وجهة نظرنا في القضية، هذا المعنى فقد لما ضربت حركة النهضة وتشتتت وبقيت الساحة فارغة.

والإسلام باعتباره عقيدة ودينا يحق لكل إنسان أن يتوجه إليه بدون واسطة ولذلك فإن الناس يفتحون القرآن لقراءته بصفة مباشرة وتفتح كتب الحديث لتقرأ الحديث مباشرة. ولكن عندما تصبح القضية قضية علم فإن الإنسان لا يحق له أن يستنتج من النص حكما شرعيا دون أن يمر على عالم يرشده ويفهمه. وإذا كانت المسألة ليست فقط حكما شرعيا فإنه لا يحق لي أن آخذه من كتاب بشكل مباشر أو من مصدر مباشرة إذ ربما كان ذلك الحديث عاما أو خاصة أو فيه تقييد، فما ظننا إذا ما أصبحت القضية قضية تحرك وتعامل مع المجتمع ومع أطراف مخالفة قضية تعامل مع أطراف أجنبية؟! إن الساحة خلت من طرف مرشد والذي في إمكانه أن يقول إن هذا الفعل غير صحيح وان يدعو إلى الاجتماع والتحاور "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" وإن الرأي الذي ترونه غير صحيح بل الأمر خلاف ذلك ولنا ما يثبت دعوتنا، من سيرة وسنة وحديث ومن فقه ومن عمل ونشاط السلف كل هذا المعنى فقد بغياب الحركة الإسلامية. يضاف إلى هذا في ما يخص الساحة الإسلامية أنه طرحت في العالم وسائل اتصال تجعل أي واحد قادر في بيته، ومن خلال الضغط على زر، الإتصال من خلال الإنترنت بأفكار تفوق التصور. أصبحت قضية التحرك الإسلامي والحدث الإسلامي والموقف من الغير والموقف من الواقع أصبحت القضية الآن مطروحة على الإنترنت فبالضغط على زر تجد خطبة لفلان من الغرب وفلان من الشرق والذي ربما صدر عن رأي فردي لم يراجع فيه غيره أو صدر عن واقع خاص به لا يحق القياس عليه ومتابعته فيه وأصبحنا الآن نخشى كل الخشية من أن هذا التشوف الموجود لدى الشباب من أجل التعرف على دينه والذي يبدأ بالصلاة والالتزام بالسلوكيات الاسلامية على المستوى الشخصي ثم ينتقل بعد ذلك الى طرح الاسلام كبديل للفوضى التي يعيشها العالم، إن السبيل الذي فتح الآن أمام هؤلاء الشبان وهم متعطشون كما أنهم متحمسون وربما يسرعون إلى الطريق الذي يفتح أمامهم وهو طريق البندقية والطائرة والدبابة ويتصور الكثير أن الخط الذي ينبغي اتباعه هو هذا الخط خاصة وحجتهم في أن الذين استعملوا الحوار والذين اتخذوا من الحوار طريقا قد فشلوا وهاهم في السجون وهم قد استبعدوا من المجتمع وهم في الخارج مبعدين عن بلدانهم فالخطر الآن على الساحة الإسلامية والذي هو خطر ملازم لهذه اليقظة والصحوة الاسلامية.

نحن من جهتنا نستبشر بهذه الصحوة ونعتبرها شيئا طبيعيا إذ في كل مجتمع هناك دائما وأبدا شباب يرجع إلى عقيدته والى دينه ويعتبر ذلك الملاذ الأوحد الذي يحميه فالناس الآن يلجؤون إلى المسجد وإلى الدين لأنهم يحسون بخطر يدهمهم من الغرب المهيمن خاصة وأنه ليس للولايات المتحدة وبعد سقوط الإتحاد السوفيتي من يقف في وجهها. لقد أصبح الناس يلجؤون إلى الدين تلقائيا فالإسلام جاء كعقيدة تقوم بذاتها ولكنه في نفس الوقت أقام وضعا اجتماعيا واقتصاديا رفع مستوى متبعيه وجعلهم في حماية من أي خصم يجرؤ على معداتهم أو افتكاك خيراتهم. والآن يود الناس ان يهرعوا إلى الدين ولكن الخطورة تكمن في كون الإسلام كغيره من المبادئ لا يمكن أن نفهمه مجردا عن الواقع لا يمكن أن نفهمه بعيدا عن تجارب من سبقنا لا يمكن أن نفهمه من خلال خطبة ألقاها زيد أو كتاب ألفه عمر والذي ربما لا يمثل المنهج القويم والفهم السليم أو هو تأثر فيه بفساد في رأي أو بفساد في ما حوله ويجعل نقله من ذلك الوضع إلى وضع آخر أمرا متعسرا. نحن الآن نمنع الناس أمورا فنقول لهم هل يجوز أن يفتح المرء الإنترنت للبحث عن علاج لآلام الظهر مثلا فيقال لا غير ممكن! هل يمكن أن يقف المرء أمام المستشفى ينتظر من يخرج بقنينة فيها مادة حمراء أو زرقاء فيسأل حاملها مثلا عن مصدر شكواه فيجيب إصبع رجله الأكبر مثلا  فهل يجوز استعمال ذات الدواء لأن السائل يشكو من نفس الآلام، فإذا كنا نمنع وقوع مثل هذا على الناس فكيف يمكن أن نسمح للناس بأن تصبح قضية الإسلام مفتوحة للناس بدون مؤهلات ذاتية او شخصية؟! وكثير من هؤلاء الشباب لا يملك الوسائل التي يجب أن تتوفر لديه كي يتعامل مع النص وكي يتعامل مع الواقع ويتعامل مع المجتمع فحاله كحال الجاهل بتقنيات الميكانيك توضع أمامه سيارة ويقال له لديك مطرقة ومفتاح براغي\تورنفيس ويقال له اشتغل على السيارة! فهذا غير ممكن بدون الفهم والقدرة التي تجعله قادرا على تشخيص المرض ومعرفة طريقة مداواته. فالوضع الذي نعاني منه الآن وضع خطير جدا فالذين يفتحون الإنترنت أو يتصلون برسالة أو كتاب يؤتى به تحت الجبة أو البرنوس وفيه دعوة إلى القتل وإلى التفجير وقد أصبحت معاني الإسلام نفسها تتغير اذ أصبحنا ندعو إلى قتل الناس والى التلذذ باغتيالهم مع أنه وفي تصوري الإسلام ليس هذا. إن الإسلام الذي استعمل الجهاد في فترة من الفترات قد استعمله في وضع كانت فيه الدولة قائمة ولا أتصور أن هناك دولة تقوم بدون وزارة دفاع وقد أقام الإسلام دولة وبيضة ولذلك أقام فيها شيئا يسمى جهادا، ففي أي دولة من دول العالم من الموزنبيق إلى الإتحاد السوفيتي سابقا والولايات المتحدة وزارة دفاع تمكنها من الهجوم عند الحاجة أو الدفاع. أما أن نعتبر أن طريقنا للحوار مع غيرنا هو أنهم كلهم كفار ويجب ان نعاديهم فهذا لم يفعله حتى الرسول صلى الله عليه وسلم والخطر الآن هو أن هناك من الشباب من يعتبر أن هذا هو السبيل الوحيد  للحل فتراهم يتعاملون مع القضية وكأنها "عراك حوم" "اعتدوا علينا نعتدي عليهم يضربوننا نضربهم" مع أن القضية ليس كذلك وهي أكثر من ذلك فالواحد من هؤلاء صنع سرواله في نيوزيلندا والشاشية التي يضعها على رأسه جاء صوفها من استراليا ولا أقول هاتفه النقال الذي يحمله ولكن أسنانه بماذا ينظفها بمادة تأتي من تشيكوسلوفاكيا، القهوة التي يشربها عند الصباح من هولندا، الحليب من الدانمارك والجبن بل حتى الخبز الذي يأكله كيف يناله إن لم يأته السماد من بعض الدول. إن الوضع الذي نعيشه في العالم الإسلامي بل في العالم الثالث عموما، والحقيقة إنه لم يعد هناك عالم ثالث بل عالم ثان مقابل عالم أول الذي هو الغرب، هذا الوضع يفرض علينا أن نفهم ماهية التحديات المطروحة علينا إن التحديات أكبر من حمل عصى نضرب بها شخصا نهشم بها رأسه أو أن نحمل طائرة نهاجم بها عمارة نقتل فيها أربعة آلاف شخص وبعد ذلك ماذا فعلنا؟! لم نفعل شيئا ففي تصوري أن الساحة الإسلامية تحتاج إلى شكل من أشكال الترشيد يفرض أن يكون هناك أطراف نابعة من الساحة الإسلامية نفسها تقوم بهذا الدور، وتبين التجربة أنهم قادرون على التعامل مع الواقع وقادرون على التعامل مع النص ومع بلدهم ولا أتوقع أن الحوار إذا فتح يكون مردوده سيئا فالحوار دائما وأبدا يأتي بالخير لأنه يجعل الناس تصدر عن آرائها الداخلية وتتولى شيئا فشيئا إصلاحها وتتولى مراجعة أخطائها فغياب حركة شعبية مترشدة في بلد مثل بلدنا يخشى منه بالإضافة إلى ما ذكرت أي العوامل الخارجية، يخشى منه أن تتكون لنا قنبلة موقوتة لا قدر الله تجعل هذا الشباب الذي اقبل على المساجد يسيء الفهم ويسيء التصرف علما بأن الأشخاص الذين عينوا لتقديم الإسلام بشكل رسمي هم أنفسهم غير قادرين على التعامل مع الساحة الإسلامية لأنهم وضعوا بالأساس ليس للتعامل مع هذه الساحة بل جاؤوا بهم لإلغاء الساحة الإسلامية أصلا. فكأنهم جاؤوا من أجل تعويضها فلا قدورا على تعويضها ولا قدروا على التعامل معها ولا هم قادرون على ترشيد الناس الذين يؤمّونهم في الصلاة إذ علاقتهم بمن وراءهم في الصف هي علاقة إمامة صلاة فقط تنتهي بالتلفظ بالسلام للخروج من الصلاة ذلك أن الشاب لم يعد يستلهم نموذجه منهم، وهم لا يصلحون نموذجا في أغلبهم ولا أقول كلهم، كما لا يصلحون قدوة في الفكر إذ لا يتناولون القضايا التي يطرحها أولئك الشباب بل هم معتنون بقضايا أخرى. فالذين كلفوهم بالقيام بهذه المهمة لا يفهمون بأن الطريقة التي يعملون بها هي طريقة تنفر منهم الساحة الاسلامية التي وجدوا على أساس الاستحواذ عليها في غياب المبعدين عنها، فإذا بهم ينفّرون من أنفسهم. هذا الوضع هو الذي يفرض على كل حكيم بأن يتأنى في معالجة هذه الحالة ولا أتصور أن سلطة قائمة قادرة على تسيير شؤون من في نظرها إذا لم يكن الناس مسؤولين على كل منبر من المنابر الموجودة يتعاملون معهم ويتحاورون مع من شأنهم أن يرشدوا من حولهم ومن ذلك أن يرشدوا السلطة عندما تحتاج إلى الترشيد فهي ليست في معزل عن الخطأ ولذلك هناك حاجة أن يوجد أناس يقولون لها باللطف اللازم توفره في التعامل بين أبناء الدولة الواحدة فيبينون لها خطأها. أما إذا اتخذت هذه السلطة لنفسها أشخاصا في ظاهرهم مساعدون وفي حقيقة أمرهم أصحاب مصالح ذاتية فهؤلاء لن يصدقوا عندما يجب الصدق ولن ينصحوا عندما يجب النصح لأن ديدنهم ومصلحتهم هي أشخاصهم.

أقلام: أشرتم في حديثكم عن المساجين السياسيين أن هناك من يتعامل مع قضيتهم على أساس أنها قضية إنسانية ومعلوم أنه في ما يخص ملف المساجين هناك من يعتبره ملفا سياسيا وهناك من يراه ملفا إنسانيا حقوقيا يحتاج إلى حل، فكيف ترون من جهتكم قضية المساجين السياسيين في تونس، كيف تقيّمون وضعهم وما هو الحل في رأيكم، هل هو حل انساني أساسا هل هو متعلق بقضية سياسية ما هو رأيكم في الموضوع؟ - استمع إلى الجواب

لا شك أن هؤلاء الناس هم تحت وطأة أحكام صادرة ضدهم من محاكم وأن المسألة في ظاهرها هي مسالة قانونية تحتاج الى أن تسوى بالقانون. ولكن وراء كل هذا فإن هناك قرارا سياسيا هو الذي من شأنه أن يضع القضية في إطارها وهو أن هؤلاء لم يحاكموا إلا لانتمائهم لتيار سياسي محدد وأن ما نسب إليهم من أخطاء كان في إطار الوجود السياسي الذي رأت السلطة أن تقمعه وتعطله بما رأته من حساباتها فإذا كانت هذه القضية ستحل فلا يمكن أن تحل بشكل كامل إلا بقرار من السلطة السياسية التي ترى أن تنقية المناخ تقتضي أن يقع الإفراج عن هؤلاء الناس على الأقل كي يعودوا إلى المجتمع كتونسيين عاديين لا يشتكون هم وعائلاتهم من الإقصاء والإبعاد على أن تكون تلك الخطوة تليها خطوات أخرى لحل القضية على المستوى السياسي. على كل حال أنا أقول إن هذه القضية في ظاهرها قضية قانونية ولكن في فحواها قضية سياسية وكونها قضية سياسية هذا لا يدعو الى تأجيلها وإرجاء البت فيها باعتبار أنه لم يقع إلى حد الآن اتخاذ قرار في السماح للحركة الإسلامية بأن تتواجد وبالحدود التي ستتواجد ضمنها. اذا لم يمكننا الوصول إلى هذا الحل فلا أقل أن نعامل هؤلاء الناس بصفتهم بشرا لا يحق أن يبقى فرد في زنزانة منفردا لمدة خسمة عشر سنة أو سبعة عشر سنة وبعض الناس محكومون بمدى الحياة وآخرون بثلاثين سنة عائلاتهم شتت وأولادهم ضاعوا، المفروض أن تأخذ السلطة بعين الاعتبار هذه الجوانب وما أعرفه أن كل سلطة سياسية بعد أن تتصرف عن طريق القمع فإنها تتصرف عن طريق المصالحة وعن طريق، على الأقل، النظر إلى الجوانب الإنسانية والقانون يسمح بذلك ويفتح السبل المؤدية اليه.

أقلام: لماذا إذن لم يقع مثل هذا التصرف السياسي الذي أشرتم إليه؟

هو لم يقع، ما قلته هو أنه إذا لم يحصل قرار سياسي فإنه لا أقل أن تسوى هذه الحالات لخلفيات اجتماعية ولخلفيات إنسانية على الأقل من أجل إيجاد مناخ صلح في البلاد يكون له تأثير في المستقبل تجاه أي قرار سياسي سيتخذ في فتح الباب لأطراف مختلفين.

أقلام: بعد توقيعكم على البيان الذي يدعو إلى إطلاق سراح بقية المساجين تساءل الكثير عن الإطار الذي جاء فيه هذا التوقيع خاصة وأن بعض المصادر روجت لخبر مفاده أن السلطة اتصلت بالشيخ عبد الفتاح وأنها وعدته بحزب سياسي. في أي إطار جاء التوقيع على هذا البيان وما مدى صحة هذا الخبر؟ - استمع إلى الجواب

أما عن التوقيع على البيان فهذا أمر عرضه علي بعض الإخوة من باريس ووضعوه في إطار مسعى إنساني رغبة في الإفراج عن بقية المساجين من مساجين الحركة وحبذت الفكرة وعرض علي فأمضيت عليه. أما ما زاد على ذلك من أخبار مفادها وقوع اتصالات وبواسطة أفراد محددين فهذا خبر لا أصل له بحيث لم يحصل اتصال لا رسمي ولا شبه رسمي ولم يعرض علي أحد شيئا من ذلك لا في اليقظة ولا في المنام، حتى في المنام لا اذكر.

استمع إلى الجواب

أقلام: مرت خلال الأسابيع القليلة الماضية الذكرى الرابعة والعشرون للإعلان عن تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي حركة النهضة  حاليا، وبصفتكم أحد أبرز مؤسسي هذه الحركة كيف تمر عليكم هذه الذكرى؟

على كل حال أنا لم أنس إلى حد الآن أنني أنا الذي تقدمت لتقديم هذا الملف فقد سعى لتقديمه من قبلي زملائي لكن يبدو أن وزارة الداخلية في ذلك الحين رفضت قبول الملف وقد قبل مني عندما تقدمت به وقد احتفظت بنسخة قانونية بين يدي وأنا أعتبر أن تقديم الملف كان تعبيرا عن وعي وقرار بكون الحركة ترغب في أن تكون طرفا كبقية الأطراف وعبر وجود قانوني، وجود معترف به عبر وزارة الداخلية ورغبنا بأن ننضوي تحت القانون الذي ينضوي تحته غيرنا من الأطراف، وقد كان من الخطإ أن نقصى نحن في تلك الفترة من الساحة السياسية ولم يكن ذلك عبر الانتظار أربعة أشهر كما يقتضي القانون ليعتبر ذلك الأجل رفضا ضمنيا لقبولنا كحزب سياسي وإنما سارعت عندها السلطة بعد شهر - يوم 18 جويليا - سارعت السلطة إلى إيقافنا وإيداعنا السجون ومحاكمتنا بمجموعة تهم على رأسها تهمة الإنتماء إلى جمعية غير معترف بها والحال أننا قدمنا طلبا للحصول على اعتراف قانوني والحصول على تأشيرة قانونية. أقول إن تونس ضيعت على نفسها فرصة لأن تونس ليست كغيرها من البلاد المجاورة لها، فتونس عندها تاريخها، تونس كانت دائما سباقة قبل غيرها للأخذ بأسباب التطور، لقد كنا في تونس أكثر من غيرنا في شمال إفريقيا تشوفا ليس لما يأتي من أوربا وإنما لمستجدات الأمور ففي بلدنا كان أول دستور عرفه بلد إسلامي وقد صدر في تونس قبل الدستور العثماني وقبل الدستور المصري ومجلة الجنايات اعتمدناها قبل المجلة العثمانية. لقد كنا سباقين دائما وأبدا لأننا بلد مفتوح وبلد سهول بلد التقت فيه حضارات مختلفة. أنا أقول إن السلطة في تونس قد فوتت سنة 1981 على تونس وعلى الحركة الإسلامية فرصة يصعب أن تتوفر للغير. إن الحركة الإسلامية عندما التزمت بالعمل العلني الظاهر فرضت على نفسها أسلوبا جديدا كان يفرض عليها أن تأخذ الواقع بعين الإعتبار وذلك كان من شأنه أن يرشدها في اختياراتها. وتونس فوتت على نفسها فرصة استقرار وهدوء يأخذ بعين الاعتبار مكونات المجتمع جميعها وبقينا دائما وأبدا الطرف المقصى والإقصاء عن طريق السجن لم يقتل الحركة ولا يمكن أن يقتلها فالحركات التي تقوم على رأي وعلى فكر وعقيدة لا تقصى بالسجون، لقد بقيت الحركة مضطهدة منذ 1981 إلى يومنا هذا أي قرابة أربع وعشرون سنة لكن هذه السنوات لم تقض على التيار الإسلامي في البلاد ربما قضت على أشخاص أبعدت عددا منهم من البلاد وأسكتت أناسا آخرين فأصبحوا صامتين وأناس ماتوا وأسكنوا المقابر لكن التيار الإسلامي بقي قائما موجودا. لو كنا موجودين في الساحة منذ ذلك اليوم سنة 1981 لكانت تونس قد استفادت ونحن نكون قد أفدنا. إنه عندما يقع إبعادنا عن الواقع نتحجر ونتقوقع ونصبح غير قادرين على فهم الحياة وتصبح تصرفاتنا ردود أفعال فنحن خسرنا وأتصور أن تونس كوعاء يجمعنا جميعا خسرت ثمرة تجربة كان من الممكن أن تكون تجربة إيجابية وأنا كنت أتمنى أن لا تكون مجتمعات أخرى تشهد طرفا إسلاميا رشيدا وحكيما قبلنا، لقد كنت أتوقع تونس قبل غيرها فإذا بنا في واقع لم تجد فيه هذه التجربة إلى الآن سبيلها إلى التطبيق بالنسبة إلي لقد كان تاريخ 6 جوان اجهاضا لمحاولة كان من المفروض أن يعتنى بها ورجائي أن لا تتكرر تجربة الإجهاض هذه بشكل يضني الجسد ويضعفه بشكل يقضي على معنويات أفراده.

استمع إلى الجواب

أقلام: كيف ترون من موقعكم مستقبل التيار الإسلامي في تونس؟

لقد أشرت في حديثي إلى أن التيار الإسلامي الآن لا يشمل فقط حركة النهضة بل يجمع أطرافا مختلفة ومتعددة كثير منها الآن بعيد عن السيطرة والضبط لأن هؤلاء يستمدون المعلومة مباشرة من مصادر يختارونها يتأثرون بما يحصل في العالم بوقائع ربما لا تعبر عن نفس الواقع الذي يعيشون. التيار الاسلامي الآن في خضم كبير وفي تصوري إن التعامل معه لن يكون تعاملا أمنيا وإنما يكون تعامل حوار ونقاش وفهم وفي تصوري فإن فتح المجال للإسلاميين ليتحاوروا في داخلهم سيساعد على تجنب المنزلق الخطير الذي نخشاه. وليس في هذا تهديد إذ أن البعض يرى فيه تهديدا لا هذا ليس تهديد هذا تبصير بواقع نخشى أن ينقلب في يوم من الأيام على الجميع ويعسر بعد ذلك أخذه باليد والتحكم فيه والسيطرة عليه.

استمع إلى الجواب

أقلام: وكيف تتصورون مستقبل حركة النهضة؟

أناالآن لا أستطيع..  فحركة النهضة كأنني في معزل عنها باعتباري غادرت الحياة السياسية مطلقا منذ مدة ولكن أقول بالنسبة للنهضة ولغير النهضة وللنهضة تاريخها لا شك ولها رجالاتها يتكلمون باسمها ولهم أن يضبطوا توجهاتهم ولكن بإمكاني أن أقول أن التيار الإسلامي لا محالة سيكون له وجود في البلاد وسيكون لهذا تأثير على بعض الخيارات التي سيصدر عنها أفراد الشعب التونسي وأرجو أن يكون الإسلاميون قادرين على فهم هذا الواقع وأتمنى وأن يترشدوا بالشكل الذي يساعدهم على أن يحلوا أو يساعدوا على حل مشاكل بلدهم دون أن ينفروا الناس منهم.

استمع إلى الجواب

أقلام: على المستوى الوطني الذي أشرتم إليه كيف تقيمون الوضع السياسي العام، هل فيه مؤشرات نحو أي انفتاح؟

الوضع السياسي العام يشكو جمودا منذ سنوات متعددة وحتى الديكورات التي وضعت عليه لم تفلح بالإقناع بأن هناك تغييرا جوهريا يتجه نحو الحوار الوطني والتداول على السلطة والمشاركة في القرار. لقد بقي الأمر كما هو منذ سنوات عديدة رغم وجود ذلك الديكور يدعي بأن ثمة تطورا وأن تونس احسن من غيرها وأن ما أنجزته تونس لم ينجزه غيرها، ولكن الذي يعرض بضاعة للبيع يحق له أن يمدحها ولكن في المقابل يجب أن يرى هل المشترى مقبل عليها أم لا؟! إذا مدحها بما ليس فيها لا يقبل عليها غيره والعاقل يلزمه أن ينظر هل الناس مقتنعون بهذا الكلام الذي يقال أم لا! في تصوري فإن الوضع لم يتطور في البلاد وهو يعيش جمودا وهذا جمود أخشى ما أخشاه أن يكون تحته تململ لم يجد طريقه إلى الخارج وتعلمون أن التململ الذي لا يجد طريقه إلى الخارج يكون خطيرا لأنه غير معروف وغير مفهوم وهذا الوضع لن يتطور عن طريق الشعارات والديكورات بل يتطور عن طريق تغيير واقعي ونرجو أن يفهمه الناس المسؤولون ويدركوه وأن يفهموا حاجة تونس إليه في القريب العاجل.

 استمع إلى الجواب

ماهي ملامح هذا التغيير الواقعي الذي يخرج البلاد من هذا الجمود ويجنبها المخاطر 

على كل حال نحن نعلم أن البلاد التي كانت أحدث منا استقلالا وأحدث منا اختيارا للديمقراطية، نرى فيها أحزابا متعددة كما نرى فيها انتخابات تسفر عن نتائج قريبة من الواقع ونرى فيها فكرا وصحافة حرة كما نرى فيها الرأي والرأي المخالف والبوليس ليس هو الذي يحل مشاكل البلاد وإنما البرلمان هو الذي يحل تلك المشاكل وفيها قضاء مستقل. نحن ليس جديدا علينا الأخذ بأسباب التغيير إنها موجودة ومعروفة والذي يرغب في الأخذ بها قادر على التوجه إليها والذي لا يرغب فبإمكانه أن يقول بأن داره خير من دار الناس ولكن في الواقع هذا ليس صحيحا.

 استمع إلى الجواب

أقلام: الشيخ عبد الفتاح مورو هل من كلمة أخيرة نختم بها هذا الحوار؟

أنا أعتبر أننا في فترة من الفترات قد أفدنا مجتمعنا. عندما كنت ومن في عمري أمثالنا كنا نعمل وننشط لفائدة الحركة الاسلامية ولفائدة البلد وفي تصوري إن المجال يجب أن يفسح للشباب الذي جاء بعدنا نحن ودورنا يبقى دور التعليق على الأحداث القديمة التي مرت لأن فكري اليوم ليس هو فكري قبل ثلاثين سنة ونظرتي إلى الحياة ليست هي نظرتي قبل ثلاثين عاما وفي تصوري إن تونس تحتاج لأن يكون في التيار الإسلامي شباب يفهمون ويدركون ويتأسون بأخطاء الماضي ويحاولون استبعادها ويأخذون المشعل بأيديهم وأن يتوكلوا على الله.

أنا أقول أن تونس قادرة على القيام بدور كبير في المنطقة في خضم هذه البلدان المتعددة التي تراد خيراتها ويراد استقلالها السياسي والقرار فيها كأنه مغتصب هذه البلاد يمكن أن يفعل فيها شيء إيجابي عن طريق ترشيد حركة يتقدم لها شباب مدركون ومتفهمون ويكونون في الآن نفسه مخلصين لقضيتهم ومخلصين لبلدهم.

أنا لا أعتبر التدين بعيدا عن الوطنية ولا أعتبر الانتماء للتيار الإسلامي بعيدا عن تمسكنا بوطننا وتمسكنا باستقلالية القرار في بلدنا وفي الآن نفسه فإن هذا الانتماء يدعونا لأن نخرج قليلا من ضيق الحدود إلى حدود أوسع وأرحب، حدود المنطقة التي نعيش فيها والتي بامكاننا أن نؤثر فيها نحو جمع الكلمة وجمع الشتات.

© aqlamonline 2005