مصطفى المعتصم في حديث لأقلام أون لاين:
 نحن أول حزب إسلامي يتم الاعتراف به مباشرة دون ضمانة من أحد

العدد الخامس عشر
السنة الرابعة/ جويلية - أوت 2005

بعد حصول حزبه على الوصل القانوني، مصطفى المعتصم، رئيس حزب البديل الحضاري الإسلامي يقول "نحن أول حزب إسلامي يتم الاعتراف به مباشرة دون ضمانة من احد"، وينفي عن حزبه تهمة التشيع التي يقول إنها كيدية، ويؤيد إمارة المؤمنين، إذا كانت خاضعة للمساءلة البرلمانية كما هو الشأن في الملكية البرلمانية في اسبانيا

أجرى الحوار منجي الميغري
أقلام أون لاين - الرباط

يشعرك مصطفى المعتصم، رئيس حزب البديل الحضاري الإسلامي (المغربي) بأنه يحمل هما مزدوجا، فمن ناحية الهم التقليدي الذي يحمله أولئك المشتغلون بالعمل الإسلامي بما يتطلبه من اصطدام مع الأنظمة السياسية القائمة، والتي تعادي في مجملها الخطابات الإسلامية، فضلا عن التيارات الإيديولوجية الأخرى من يسارية وقومية ووطنية. لكن المعتصم يحمل هما إضافيا، حد الاعتصار ألما، وهو ما سماه العقليات المتكلسة والقديمة داخل الصف الإسلامي نفسه، مما يجعله أحيانا يجد تفهما وتعاونا لدى بعض رموز اليسار أو اليمين داخل المغرب، ولا يجده من أطراف تربى معها في نفس البيئة، وشربوا سويا من نفس النبع.

وإذا كان الرجل يتحفظ عن نشر الكثير من التفاصيل، فان ذلك لم يمنعه من التصريح بها بشكل شخصي إعرابا عن الحرج الحقيقي الذي يجده تجاه هذه الظاهرة "المحيرة".

تحدث المعتصم عن مرحلة ما بعد الوصل، فقال إن حصول حزبه على الاعتراف الرسمي يعد حدثا مهما في المشهد السياسي المغربي، ويعبر عن تحول في رؤية النظام للحياة السياسية، ونوعا من "التحديث السياسي" في التعاطي مع ملف الإسلاميين.

وأشار المعتصم بان الاعتراف بـ"البديل الحضاري" هو في الحقيقة أول اعتراف مباشر بحزب إسلامي في المغرب، بالنظر إلى أن حزب العدالة والتنمية خضع إلى مسطرة أخرى من حيث إدماجه في الساحة السياسية. إن هذا الاعتراف يعكس حسب المعتصم حسما لدى السلطة في المغرب في علاقة الدين بالسياسة، وذلك في اتجاه قبول الدولة بأحزاب ذات مرجعية إسلامية، لكن شريطة أن تكون هذه الأحزاب الإسلامية متوافقة مع التوجه الديمقراطي. أي أن الضمانة في هذه الحالة لن تكون مثلما هو الشأن بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، والذي ضمنه شخص عبد الكريم الخطيب، الشخصية المقربة من القصر، والطبيب الخاص للملك الراحل الحسن الثاني، بل إن الضمانة بالنسبة للإسلاميين ستكون هي اللعبة الديمقراطية نفسها. و"نحن اعتبرنا أن المعركة من اجل الحصول على الوصل هي معركة من اجل الديمقراطية، ومن اجل دمقرطة البلاد" يقول المعتصم. ولذلك يرفض الرجل ما سماه "إيديولوجية المظلومية"، ولا يعتبر أن المعركة من اجل الحصول على الوصل هي معركة رفع المظلومية، بل إن الهاجس كان لدى مناضلي الحزب هو إيجاد حل قانوني من اجل العمل السياسي في النور، وبشكل طبيعي، ومن ثم كان التصعيد الإعلامي والسياسي الذي هددنا للقيام به يدخل في إطار تصرفنا الطبيعي من اجل نيل حقوقنا المبدئية.

وبخصوص الحوار مع الداخلية المغربية قبل تسلم الوصل، قال المعتصم بان هذا الحوار كان "بناء وصريحا"، وقد انصب على الجوانب الفكرية في توجهات الحزب،و ركز تحديدا على التوجهات المذهبية، لأن الذين كانوا يعارضون الوجود السياسي للحزب في الحياة العامة كانوا يرددون شائعة أن للحزب مرجعية شيعية، وان له تأثرا بالتشيع الإيراني، وهو "محض افتراء وكذب"، يقول المعتصم.ونفى المعتصم أن يكون حزبه على علم بتدخل وزير الخارجية الإيراني لفائدته مع السلطة المغربية، وقال أنه قدم بيانا توضيحيا في الأمر، وان وزارة الداخلية المغربية أنكرت علمها بهذا الموضوع، في حين أن الصحافة حرصت على تضخيمه والتشويش به، لاعتبارات متعددة يقول المعتصم. ويضيف انه من حيث المبدأ يرفض  تدخل الخارجية الإيرانية في شان داخلي للمغرب، حتى وان كان هو المستفيد شخصيا من هذا التدخل، غير انه أشار بان الساسة في إيران أكثر وعيا وذكاء من أن يقوموا بمثل هذه الأعمال المتهورة، والتي "نقدر أنها من افتراءات جهات يقلقها أن يتصالح المغاربة فيما بينهم، ويعولون على صراع السلطة مع بعض التيارات الإسلامية لتحقيق مآربهم ". وأكد المعتصم انه يعتبر حزبه "حزبا سنيا مالكيا"، وان الحديث عن تشييع السنة، أو تسنين التشيع يعد مدخلا من مداخل الفتنة الطائفية في الأمة الإسلامية هي في غنى عنه، بل هو "مدخل من مداخل الاستعمار الجديد لإثارة الحروب البينية داخل العالم العربي والإسلامي"، لكن المعتصم لا ينفي تأثر حزبه بكثير من المفكرين الشيعة، شانه في ذلك شام كثير من التيارات الإسلامية الأخرى، وذلك بالنظر إلى طبيعة الأفكار التنويرية التي طرحوها، خصوصا في مجالات كانت محرمة على الفكر الإسلامي سابقا من قبيل قضايا المرأة وحقوق الإنسان ومسالة الأقليات، وكل ما يندرج اليوم فيما سمي بعلم الكلام الجديد.وذكر من أمثال هؤلاء المفكرين الشيعة الذين اثروا في الساحة الفكرية الإسلامية رموز مثل حسين فضل الله ومهدي شمس الدين وعلي شريعتي وحسن الأمين وغيرهم.

أما عن زياراته لإيران، فيقول المعتصم بان هذه الزيارات كانت مرتبطة بمؤتمرات وندوات، فمنها ما تعلق بالقضية الفلسطينية، حيث كان هناك مؤتمر دولي لدعم الانتفاضة، وحضره كثير من الفعاليات الوطنية المغربية والرسمية، ومرة في إطار دعم القضية الفلسطينية، وتمت بمناسبة إحياء مراسم وفاة الإمام الخميني، وهي زيارة ضمت وفود مغربية أخرى، و"حضرتها باعتباري عضوا في المؤتمر القومي الإسلامي، أو كمشرف على صحيفة الجسر، أو بسبب عضويتي في المؤتمر العربي العام، وكذلك عضويتي في مؤتمر القدس، وهذه المؤتمرات تنعقد إما في لبنان أو في طهران في الغالب، وذلك بسبب الواقع العربي المتحسس  من مثل هذه القضايا"عموما.

وأشار المعتصم بأن الذين يروجون لتهمة التشيع هم أطراف "ترفض التعدد المشروع داخل الساحة الإسلامية في المغرب "، سواء من داخل السلطة أو خارجها، خصوصا إذا كان هذا التعدد "خارجا عن دائرة الاحتواء"، يقصد انه لا يمكن أن يصنف ضمن التيارات الإسلامية التي يمكن اتهامها بالتطرف والضلوع في جرائم كتلك التي وقعت يوم 16 مايو بالدار البيضاء.

وحول سؤال حول ما إذا كان الحصول على الوصل القانوني قد يكون سلاحا ذا حدين باعتباره قد يكون حرم الحزب من ورقة ضغط، وأداة للتفعيل النضالي، في حين أن الاعتراف القانوني قد يضع الحزب أمام مرحلة إثبات الذات؟ قال المعتصم: "نحن نعي طبيعة المرحلة التي تنتظرنا، ولذلك نحن نواجه المسألة التنظيمية، من حيث فتح فروع جديدة، وتفعيل الهياكل والمؤسسات وسن القوانين التنظيمية، ومن ثم تفعيل مشروعنا السياسي، وسنستعيد نشرة /الجسر/"، وهي صحيفة كانت تصدر بلسان الحزب.وتعرض المعتصم لمسالة "النخبوية" التي يخشى على الحزب أن يظل دائرا في فلكها، فقال بأن الناطق الرسمي للحزب، ورفيقه في النضال محمد المرواني قال له يوما بأن مشكلة البديل الحضاري أنه ليس له "علماء" و"شيوخ" وخطباء مساجد، فأجابه بأن المشكلة ليست بأنه يكون لك أمثال هؤلاء، ولكن المشكلة هي: هل أن هناك علماء أو خطباء سيتكلمون في منابرهم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنوير وغيرها من المضامين التي تحرر الإسلام وتدفع به إلى الأمام؟ ولذلك يقول المعتصم نحن نرفض أن يصعد إمام أو خطيب إلى المنبر ليكفر هذا الطرف أو يرفض المطربة الفلانية، أو ينتقد لباسا معينا ووو، وغير ذلك من المواعظ والخطب التي تستثير الجماهير وتؤجج العواطف العامة دون أن تقدم حلولا فعلية وحقيقية لمشاغل الناس ومشاكلهم.  نحن من حيث المبدأ لا نريد ذلك، فإذا كان مثل هؤلاء سينشرون فكرا متنورا فمرحبا بهم، وإلا فلا حاجة إليهم.

ويقر المعتصم بأن حزبه لا يزال في طور التشكل، والبدايات بحسب رأيه دائما ما تقودها نخب بنسب وأقدار ما، غير انه بعد الحصول على الوصل القانوني صار الحزب يمتلك الأدوات القانونية المشروعة التي تسمح له بالانفتاح على الجماهير وعرض أفكاره ومشاريعه عليها، ويقترح من خلالها إعادة تشكيل الفكر الإسلامي في اتجاه معالجة قضايا تنويرية بعيدا عن الإثارة والانفعال وردود الفعل تجاه قضايانا الإسلامية الكبرى .

ولا بد لهذه المرحلة من آليات تواصل متعددة مثل الندوات والمحاضرات واللقاءات الفكرية مع الشباب وغير ذلك من التفاعلات الفكرية والإعلامية والسياسية، وشعارنا في هذه المرحلة هو رفع الهمم من أجل النهضة والتنوير، ومعالجة القضايا الواقعية للناس  مثل قضايا الهجرة(الحريق)، والبطالة والانحلال الأخلاقي، ولكن من خلال مقاربة لا تركز على الجانب الوعظي فقط، بل على الجوانب العملية.مثلا : ملف الدعارة في المغرب، يعتبره البعض من الإسلاميين ملفا أخلاقيا ناتجا عن ضعف التدين، وغياب الوازع الديني، ومن ثم يكون علاجه لهذه المسألة تربويا وعظيا أخلاقيا، ولكن المشكلة في نظر البديل الحضاري مرتبطة بوضع اقتصادي واجتماعي مأزومين، وعلى ذلك واستنادا لهذا الوعي لا نجرم الأسرة المغربية ولا المرأة المغربية، ولا نتهم أحدا في دينه، ولكن نقول بان "الفقر كاد أن يكون كفرا".

وأيضا ما يترتب عن هذه المشكلة من مضاعفات مثل قضية اللقطاء، فهؤلاء يهتم غيرنا من الإسلاميين على إطلاق صفات أخلاقية وتعييرية عليهم من قبيل أنهم "أولاد حرام"، ولكننا نعتقد أنهم ليسوا مجرمين، أولا لأنهم لا ذنب لهم، فلا تزر وازرة وزر أخرى، ولا المجتمع ثانيا هو مسئول عما آل إليه أمرهم، ومن ثم يجب أن يتحمل مسؤولية رعايتهم وعدم معاقبتهم بجريرة غيرهم، وهكذا. 

طبعا هذا التمشي سيجعل من البديل الحضاري اقرب لتيارات نسوية يعتبرها رموز التيار الإسلامي علمانية، كما انه سيجعل من الحزب في مصادمة بالضرورة مع قطاع واسع من الإسلاميين، ومن التقليديين.ويعي المعتصم جيدا هذا التحدي، ويظهر استعداد حزبه للمواجهة ما دام لا بد مما ليس منه بد. ويقول المعتصم أن مقولة"بل نعبد ما وجدنا عليه آباءنا" التي يذكرها القران شاهدة على هذا القدر من المواجهة المطلوبة. غير أن المعتصم يؤكد انه لا يطرح فكرا خارجا عن الإسلام، بل يعتقد أن ما يروج داخل الساحة الإسلامية المغربية من خطابات "تقليدية" ليس هو الأقرب إلى روح الإسلام بالضرورة، ويعبر الرجل عن ثقته في فهم المغاربة وقدرتهم على التمييز بين هذه الخطابات، ورهانهم على التجديد والحداثة لا رجعة فيه حسب رأيه. ولذلك فوجود البديل الحضاري ليس وجودا زائدا على ما هو موجود في الساحة، وليس فقط"وجودا رسميا"، بل انه يعبر عن مطامح فئة واسعة من الشعب المغربي التي تتمسك بإسلامها، لكنها تريد أن تعيش "إسلاما حداثيا متحررا من سحر الماضي وغير مستلب له"، ومنفتحا على العصر بمنطقه وأدواته دون انبهار أو ذوبان.

ويؤكد المعتصم أن المغاربة بعد 16 مايو صاروا "يخشون الخطابات المنغلقة"، ويميلون إلى الوسطية والاعتدال. لقد سادت في الوسط الإسلامي المغربي حسب المعتصم خطابات ديماغوجية وغوغائية طيلة عهود، وإذا كانت تلك الخطابات استطاعت أن تستقطب أعدادا مهمة من الأتباع، فإنها الآن صارت إلى التراجع وفقدت القدرة على الإقناع، ولذلك  نحتاج إلى تجديد هذه الخطابات والخروج من ربقتها.

وحول سؤال حول مقولة الوسطية هذه، أي مقياس لها، فهي وسط بالنسبة لمن، للإسلاميين أم لليسار أم لليمين، مادام الكل يتكلم عن التجديد والوسطية والاعتدال؟ قال المعتصم أنه يعتبر حزبه وسط بالنسبة للمشهد السياسي والثقافي المغربي، وذكر بأن التيار اليساري مثلا يهتم بالمحرومين والمستضعفين، ويتصدى للظلم والبرجوازية الحاكمة، وفي هذا المستوى يمكن أن نلتقي معه من منطلق أن الإسلام اسبق في رفض الظلم والهيمنة والاستغلال، والدعوة إلى العدل والإنصاف. وفي ظل هذه العولمة المتوحشة لا بد من التواصل مع مثل هذه الخطابات.لكن هذا لا يمنع كوننا ننتمي أخلاقيا لجيل ما بعد الإخوان المسلمين، وهو جيل لا يفصل التربوي عن هموم المجتمع وقضاياه. فإذن نحن وسط ضمن مشروع وطني وأنساني وأخلاقي كبير يحقق انتماءه لله عبر انتمائه للناس وللوطن وللحق. يقول المعتصم.

وتعرض المعتصم إلى مسالة "إمارة المؤمنين" المطروقة في الحياة السياسية في المغرب، فقال "إن إمارة المؤمنين مكلفة بالدفاع عن الثغور، وحماية الدين وإقامته، وسياسة الرعية بالعدل، فإذا ما قامت هذه المؤسسة بمثل هذه المهام المناطة بها، فليس لنا معها أية مشكلة". واعتبر رئيس البديل الحضاري انه من خلال مؤسسة أمير المؤمنين يمكن أن نجمع بين حسنات النظام الملكي الرئاسي كما في بريطانيا مثلا، ونظام ملكي برلماني كما في اسبانيا، غير انه يعتقد أن هذا الأخير اقرب إلى روح الفلسفة السياسية الإسلامية في الحكم.

© aqlamonline 2005