الشارع السياسي المغربي يسائل ملكيته ويطالب بملكية تسود ولا تحكم

العدد الخامس عشر
السنة الرابعة/ جويلية - أوت 2005


مريم التيجي

أقلام أون لاين - الرباط

تعيش الملكية المغربية لحظات تاريخية صعبة، لأنها توضع تحت المجهر الداخلي لأول مرة في تاريخها. فقد اعتادت على الانتقادات الخارجية منذ سنين طويلة، وتعاملت معها حسب ما تقتضيه الظروف إما بالهجوم أو بغض الطرف.

لكن مناخ الحريات التي فرضتها التحولات الدولية من جهة، والتي كللت سنوات طويلة من الصراع بين الطبقات السياسية المغربية وبين القصر، جعل سؤال الملكية يطرح بحدة داخل الشارع السياسي المغربي.

ورغم أن هذا السؤال ذهب في بعض الحالات إلى مدى غير مسبوق مثلما حصل مع تساءلت نادية ياسين ابنة الشيخ عبد السلام ياسين زعيم جماعة العدل والإحسان الإسلامية المحظورة عندما تساءلت عمّا إذا كانت الملكية قدر المغرب الذي لا فكاك له منها، معتبرة أن الأصلح لمغرب القرن الواحد والعشرين هو الجمهورية، إلا أن متبني هذا الطرح لا يزالون أقلية توصف بالـ"متنطعة".

 لكن قطاعات واسعة موزعة على كل الانتماءات السياسية باتت تطالب جهرا بتحديد صلاحيات الملك وبتغيير طبيعة الملكية المغربية، وتحويلها من ملكية تسود وتحكم إلى ملكية تسود ولا تحكم.

وقبل أن تصبح الملكية المغربية محل سؤال وبحث، كانت هي أول "ضحايا" مناخ الحريات النسبية التي تسللت إلى المغرب في السنوات الأخيرة، حيث دخلت البلادَ كتبٌ كانت ممنوعة من قبل وتداولت الصحف مقتطفات منها، مثل كتاب "الدولة الصعلوكة" لوليام بلوم، أو كتاب "كلام في السياسة" لمحمد حسنين هيكل الذين يتهمان الملك الحسن الثاني بالتعاون مع الموساد من أجل الاحتفاظ بالعرش.

كما أن خصوم الحسن الثاني الذين قادوا محاولات انقلابية عليه، وحاول هو بدوره دفنهم في معتقلات سرية رهيبة، نجا بعضهم ليعود إلى مغرب ما بعد "سنوات الرصاص" ويصفي حساباته مع الملكية، ويكشف الكثير من الأسرار ومن الحقائق "الجديدة" مثلما فعل الضابط والمعتقل السابق بمعتقل تازمامرت السري صلاح حشاد في كتابه "كعب الغزال" وغيره..

كما أن أسرار القصر الملكي لم تبق كذلك عندما بدأت تتفجر سلسلة من الفضائح كان أبرزها قضية هشام المندري الذي كان أحد أقرب المقربين من الملك الراحل الحسن الثاني وانتهى قتيلا في الديار الإسبانية بعد سلسلة من التصريحات والأحداث المثيرة التي كشفت للرأي العام المغربي بعضا من الجوانب الخفية في حياة القصور. وقضية أمير جعل من الولايات المتحدة الأمريكية منفاه الاختياري، وآخر يقبع بالسجن المدني بسلا شمال العاصمة الرباط. كل هذه القصص التي تتسلل خلف الأسوار المحروسة تزيد من جرعة الجرأة في التعاطي مع القضايا الملكية، وتسهل مساءلة الملك في بعض الأحيان.

ولا تتوقف الثقوب التي تهدد ثوب الملكية المغربية عند حدود الجوانب السياسية والإنسانية بل تتجاوزها إلى الجوانب الاقتصادية، حيث لم يعد خافيا على المواطن المغربي أن أكبر أخطبوط اقتصادي يلتهم السوق المغربية هو مجموعة "أونا" التي تعتبر ذراع القصر في قلب الاقتصاد المغربي.

وفي هذا الصدد بدأت دائرة المحرمات تضيق، وترتفع أصوات المنتقدين مطالبة بمراقبة هذه المجموعة الاقتصادية الضخمة، التي تستفيد من امتيازات خيالية مستحيلة على بقية المنافسين لها.

ورغم حرص الملكية المغربية على حماية نفسها استنادا إلى المرجعية التاريخية، حيث تعتبر من أقدم الملكيات في العالم، فالأسرة العلوية التي تحكم المغرب اليوم عمرها يتجاوز الثلاثة قرون.

كما تستند على المرجعية الدينية، حيث يعتبر الفصل 19 من الدستور المغربي أن الملك هو "أمير المؤمنين"، فإن ذلك لم يمنع المجتمع السياسي المغربي من تغيير مواقفه والمطالبة بإدخال إصلاحات عميقة على الدستور في أفق تحديد صلاحيات الملك.

وفي هذا السياق أصدر النسيج المدني لمتابعة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان (يضم أربعين جمعية مدنية) مذكرة في بداية العام الجاري اقترح من خلالها "توضيح صفات الملك الدستورية بما يخدم هدف تحديد صلاحياته بدقة، واستبدال البيعة بالتنصيب الحكومي عند تعيين الملك..."

واعتبرت المبادرة بسبب عدد الهيآت الموقعة عليها إشارة قوية من المجتمع المدني المغربي بأنه آن الأوان للملكية المغربية أن تحدد موقعها في زمن العولمة، وأن تعيد بناء نفسها استجابة للمتغيرات المحلية والدولية، قبل أن تتحول مطالب الإصلاح الدستوري إلى انتفاضات ربما يصعب التحكم في تداعياتها.

كما تابع المهتمون رسائل مماثلة أرسلتها جهات مختلفة المشارب السياسية في اتجاه مساءلة الملكية المغربية، حيث نشر مصطفى الرميد العضو القيادي بحزب العدالة والتنمية "الإسلامي" رسالة خلال العام الماضي اعتبر فيها أن "صفة إمارة المؤمنين لا تمنح صاحبها سلطات مطلقة ولا تجعل منه معصوما غير قابل للمساءلة.." وطالب بأن يعتمد المغرب ملكية برلمانية تحدد صلاحيات الملك، وتوسع سلطات الحكومة ووزيرها الأول.

كما طالب عبد الحميد أمين رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بأن يقر الدستور "بأن الشعب هو المصدر الوحيد لكافة السلطات في بلادنا وأن يقر بالفصل بين السلط .." معتبرا أن " مثل هذا الدستور لا يجب أن يتضمن فصلا مثل الفصل 19 الذي هو دستور داخل الدستور يركز السلطة في يد الملك دون غيره..".

وبعد شهور من المناقشة حول صلاحيات الملك، والمطالبة بتغيير شكل الملكية التي "لم تعد مناسبة للعصر" كما يردد قطاع واسع من الشارع السياسي المغربي، أخذت الصحافة المغربية المستقلة زمام المبادرة وبدأت توجه انتقادات مباشرة لقرارات صادرة عن القصر الملكي.

وكانت أبرز الانتقادات التي تلقاها الملك في الشهور الأخيرة تلك المتعلقة بعدم حضوره لجنازة الراحل ياسر عرفات، ولتشييع جثمان الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وعدم حضوره لقداس تشييع البابا يوحنا بولس الثاني، وتأخره في حضور عدد من المناسبات الدولية.

كما كالت له عدد من المقالات انتقادات شديدة بسبب جولاته الطويلة في عدد من الدول بكل من إفريقيا وأمريكا اللاتينية، معتبرة أن ذلك كان على حساب تدبير الشأن الداخلي.

وفي الوقت الذي انبرت بعض الأقلام من داخل الأحزاب التقليدية للدفاع عن الملك في مواجهة "نزق" الصحافة المستقلة، ردت هذه الأخيرة من خلال افتتاحياتها أن الملك ارتضى أن يكون طرفا في اللعبة السياسية، وجزءا من سياسة الدولة لذا عليه أن يتحمل النقد، وإذا أراد أن يبقى بعيدا عن الانتقاد عليه أن يبتعد عن تدبير الشأن اليومي في إشارة واضحة إلى المطالبة بملكية تسود ولا تحكم على غرار الملكيات الأوربية.

وفي هذا السياق التاريخي يمكن للمتتبع للشأن المغربي أن يفهم بعض المبادرات والتي كان آخرها تأسيس هيئة للدفاع  عن "ثوابت ومقدسات البلاد" من طرف بعض الفاعلين وبعض الأحزاب التقليدية، لمواجهة المطالب المتزايدة والانتقادات المتصاعدة للمؤسسة الملكية، رغم أن السياق على المستوى الشكلي يبدو غير ذلك.

© aqlamonline 2005