التيار الاسلامي المعتدل في مواجهة اختبارات الحوار الأمريكي وتحديات التيار "القاعدي"(1)

العدد الخامس عشر
السنة الرابعة/ جويلية - أوت 2005


الطاهر الأسود (*) 

لن يكون هذا المقال قائما بالأساس على جرد دقيق للمعطيات الخبرية والتحليلية التي تراكمت طوال الفترة الماضية - والتي تمتد الى حوالي العام والنصف منذ زمن كتابتنا لمقال حول رؤية (أو الأصح رؤى) الولايات المتحدة للتيارات الاسلامية (أقلام أون لاين عدد فيفري 2004).[i] في المقابل سنعمل على الانسياق في جملة من الخواطر التي تعكس ما تراكم من انطباعات وتحاليل قمنا بها خلال الفترة الماضية (بالخصوص سلسلة من المقالات نشرت في شتاء 2004 وربيع 2005)[ii] و هوما نعتقد أنه أسلوب يخفف من وطأة تكاثر التقارير الاخبارية والأبحاث المنشورة في هذا الموضوع (من قبل مراكز بحث أمريكية أصبح من الصعب عدها والأهم من ذلك أحيانا تحديد تأثيرها الفعلي في صناعة القرار السياسي).

 إن المسألة الأولى التي سنحاجج عليها هنا هي تنسيب تقييم المواقف الأمريكية والنظر الى السياسة الأمريكية في علاقة بموضوع الحوار مع التيارات الوطنية بما في ذلك التيارات الاسلامية المعتدلة لا كسياسة ثابتة ونهائية ومنسجمة بل كسياسة تعرف الكثير من الاضطراب لأنها تعيش حالة انتقالية ترجع جزئيا لنتائج تلك السياسة بالذات. إن محاولة تحديد السياسة الأمريكية ضمن خطوط محددة لمجرد الاحساس بالاطمئنان والخلود لشعور الثقة المزيفة وأننا نعرف "نوايا أمريكا" هوأسلوب ربما يحقق نوعا من الجاذبية الشعبية المؤقتة ولكن من دون أن يعمل على فهم ما يجري وبالتالي الاستعداد لتحديات المستقبل. من جهة أخرى سنطرح مسألة العامل الرئيسي الذي يلعبه التيار "القاعدي" (عن تسمية تنظيم "القاعدة") في علاقة بهذا الموضوع. إن النقطة الرئيسية التي سنركز عليها الاهتمام هنا هي المصلحة العربية أولا في مواجهة هذا التيار الذي نعتبره من المخاطر الرئيسية على السلم الأهلي العربي لا يقل في ذلك خطورة عن وقائع ومشاريع الاحتلال الأجنبي المباشر. إن مواصلة الاعتقاد في أن الاحتلال وحده هوالمسؤول عن هذه الظاهرة وبالتالي يتحمل مسؤولية مواجهته إنما هوتجاهل للعوامل الداخلية (ثقافية وسياسية) لمثل هذا التياركما أنه استقالة عن تحمل مسؤولية الجبهة الداخلية العربية في مواجهة التحديات الخارجية.    

ملاحظات حول الجدال العربي من المواقف الأمريكية

من الضروري في البداية تقديم بعض الملاحظات الأولية في علاقة بالمادة المنشورة عربيا (والتي بلغت كما مهولا خلال الأشهر الأخيرة) حول موضوعنا هذا.

أولا، لم يكن هناك في البداية (أي قبل حوالي العام أوحتى أقل من ذلك) أي اهتمام جدي عربيا (وحتى دوليا في بعض المستويات) بمؤشرات المتغيرات المتعلقة بالسياسة الأمريكية في علاقة بالتيارات الاسلامية إلا مع حدوث اجتماعات (أوأشباه اجتماعات) وتصريحات دللت من خلالها الولايات المتحدة (ومن بعدها الاتحاد الأوروبي) بشكل صريح بأنها في أقل الأحوال بصدد مناقشة القبول (والتسويق) لامكانية مشاركة حركات اسلامية معتدلة في مسار الدمقرطة ومن ثمة الحكم عربيا. وهذا يمكن أن يكون طبيعيا في علاقة بمواقف أحزاب وأطراف سياسية معنية بالاعتناء بماهومرئي وحيني. غير أنه يدل على حالة من عدم التركيز بالنسبة لجيش كامل من الخبراء والمعلقين والذين لا يستحقون انتظار التحقق الاعلامي (أي عبر واجهة التصريح الرسمي) لموقف سياسي معين حتى يبادرون الى الاهتمام الجدي به. ونعني هنا تحديدا مسألة رئيسية: مازال يقع التعامل، في محيط جيش الخبراء والمعلقين هذا، مع الساحة السياسية الأمريكية بشكل كلاسيكي، أي يقع التصرف مع متغيرات سياسة الادارة الأمريكية من خلال تعريف كلاسيكي للدولة يقع تصوره وتمثله في مثال الحكومة الأمريكية. ويتعلق هذا التعريف الكلاسيكي، والذي يستجيب لمثال أوروبي قاري ولا يدرك خصوصية الوضع الأمريكي، بأن المسؤول الرئيسي على صياغة المواقف الاستراتيجية (ومن ثمة المرجعيات الأساسية التي تحدد التسيير السياسي اليومي) هوفريق محدود من المسؤولين السياسيين التنفيذيين الذين يتصدرون الواجهة الاعلامية (الرئيس، رئيس الوزراء أوالحكومة، زعيم كتلة برلمانية حاكمة، وغير ذلك من الهياكل السياسية الحاكمة المعتمدة دوليا) وهي رؤية تجد أيضا مثالها في تجربة الحكم الشيوعي (اللجنة المركزية للحزب هي ذاتها القيادة السياسية للبلاد والعكس صحيح أيضا).

غير أن الوضع مختلف في الولايات المتحدة ويتميز بخصوصية تبعث على الاهتمام. وتتمثل هذه الخصوصية في الدور غير العادي في صناعة الموقف الاستراتيجي (على الأقل في خطوطه الايديولوجية والنظرية العامة) لمؤسسات بحثية محددة غير حكومية في الظاهر ولكن فعليا هي حكومية بمعنى أن لها علاقة بالأطر السياسية والحزبية الحاكمة وذلك عن طريق الارتباطات المالية والسياسية وحتى الشخصية الوطيدة بأحد من الفاعلين السياسيين الأساسيين في البلاد أي الجمهوريين والديمقراطيين، أوبتيارات أساسية تعمل ضمن أطرهم الحزبية أوفي تنسيق قوي معها. ويعني هذا الوضع أن صناعة القرارات الاستراتيجية تمر قبلا بمخبر نظري وايديولوجي يتبنى تحديدا رؤية فلسفية معينة في علاقة ليس فقط بالمسائل السياسية والعملية بل حتى بالعالم وبإشكالات تجريدية. وهكذا لا تتعلق مهام بعض أهم هذه المراكز (مثل الراند والهريتاج فاوندايشن ومعهد المؤسسة الأمريكية) بملفات محددة (مثل السياسة الخارجية) بقدر ما تتعلق بكل شيء تقريبا، وهي بالتالي تجمع نخبة من الخبراء يشتركون في رؤية فلسفية عامة ومنسجمة. وهذا لا يعني عدم وجود مراكز مختصة (في السياسة الخارجية مثلا: مجلس العلاقات الخارجية) ولكنها أيضا تتميز بالطابع الانتقائي لعناصرها أي أنهم عموما يشتركون في رؤية عامة تملي رؤيتهم الخاصة في ذلك الملف المحدد. والمواقف السياسية اليومية للادارة الأمريكية تستجيب في النهاية لتلك الرؤية العامة من دون أن يعني ذلك المرور بمراحل طفيفة من التغاير تتعلق أساسا بامسائل التوقيت والمكان. وُجد هذا الوضع منذ زمن طويل ويمكن تحديده على الأقل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز “الرجل ايكس” (جورج كينان) خاصة عند نشره مقالا في نشرية الفورين افيرز التابعة لمجلس العلاقات الخارجية (تأسس قبيل الحرب العالمية الثانية) سنة 1947 والذي أصبح المرجع الرئيسي للسياسة الأمريكي طوال فترة الحرب الباردة. ولم تصبح هذه الخصوصية، كما هومعلوم الان، إلا أكثر بروزا مع الادارة الجديدة أي فريق بوش الابن. وهنا من الضروري التنبيه الى مسألة جانبية هنا وفي علاقة تحديدا بملف السياسة الخارجية: أن تيار "الواقعية" (أي التيار الذي أرساه كينان وتصدر كيسنجر بصفته باحثا ثم بصفته السياسية التنفيذية قيادته) هوليس أقل ايديولوجية من أطروحات التيار النيومحافظ. ولذلك فمن التضليل (كما يقوم البعض في الولايات المتحدة) توصيف التناقض بين التياريين كتناقض بين تيار "ايديولوجي" واخر "براغماتي". فالذرائعية والبراغماتية هي فلسفة في ذاتها تتميز بنفس القدر من الحس الايديولوجي. ويتعلق هذا النقاش في الواقع بخلط اصطلاحي بين مفهومي "الجمود العقائدي" و"الايديولوجيا" عمل على إبرازه التيار "الواقعي" تحديدا (شخص مثل فوكوياما يدفع تجاه هذا الخلط في الوقت الذي يتبنى فيه رؤية عقائدية وفلسفية شاملة وبالتالي ايديولوجيا).

وتنسجم هذه الوضعية الأمريكية الخاصة مع البنية الفكرية والثقافية والاقتصادية للولايات المتحدة بشكل عام. حيث أنه (وبشكل تجاوزي وربما تسطيحي أكثر من اللازم) بقدر ما يحضى القطاع الخاص الأمريكي بسلطة كبيرة وحرية استثنائية في المجال الاقتصادي فإن "القطاع الخاص" الفكري أوالايديولوجي يمتلك سلطة مماثلة. ومؤسسة الدولة في الحالتين (أي من جهة مهامها الاقتصادية أوالسياسية) إنما تخضع على مستوى الممارسة لما يوفره هذا "القطاع الخاص" من مرجعيات أساسية واستراتيجية. هناك طبعا علاقة مباشرة بين القطاع الخاص الاقتصادي والاخر الايديولوجي: حيث يدفع الأول بالأموال للثاني.

على كل حال نرجع لمبدأ ملاحظتنا الأولى: في الوقت الذي كان فيه على المعلقين والخبراء التركيز على المؤشرات المبكرة والصادرة تحديدا من مراكز صناعة القرار تم الانتظار حتى صدور الموقف السياسي الرسمي. بمعنى اخر كان هناك سوء فهم لماهية "مركز صناعة القرار" بالنسبة للنموذج الأمريكي. وفي الواقع فقد تابعت بعض مراكز الدراسات العربية أوغيرها من الحلقات السياسية والإخبارية ما تصدره المراكز البحثية الأمريكية غير أن ذلك لم يتعد تعريب الوثائق بدون أي جهد جدي لتركيز النقاش وتعميقه حول محتوياتها (نشرت مثلا نشرية المستقبل العربي في الصيف الماضي تعريبا لأحد التقارير المهمة التي أصدرتها مؤسسة الراند ولكن من دون تعليق). وحتى إن ظهرت هنا وهناك محاولات للنقاش فهي تنزع لإصدار موقف سياسي سطحي ينزع لتبرئة الذمة وإعلان النوايا الشيطانية الأمريكية، أي بالتحديد القفز على مرحلة أساسية تلى القراءة أي بكل بساطة فهم المقروء.

ثانيا، وهذه الملاحظة تتعلق بسلوك معاكس تماما لما تعرضنا له في الملاحظة الأولى وتتمثل في المبالغة الراهنة في التعويل على ما تصدره مراكز البحث الأمريكية مهما كانت وبغض النظر عن تكرارية محتواها والأهم من ذلك بغض النظر عما يمكن أن تمثله من ثقل في علاقة بصناعة القرار. وقد اجتاح في الواقع المشهد الاعلامي العربي مد هائل من المقالات والحوارات والدراسات العربية بداية السنة الجارية (2005) تكرر وتجادل في ذات الموضوع وهوما ترافق مع ظاهرة الاهتمام المبالغ فيه بأي شيء يمكن أن يُكتب أمريكيا. وبمعنى اخر تم تجاهل التقارير والمؤشرات الأمريكية التي تستحق الاهتمام عند صدورها في حين يقع الان اجترار مواقف مكررة وأحيانا غير مهمة.

ثالثا، نتاجا لكل ما سبق فقد حدث ارتباك كبير على مستوى تفسير وتحليل السياسة الأمريكية الراهنة. وانعكس هذا الارتباك من خلال عدم القدرة أوالمحدودية تحديدا في تفسير الارتباك الأمريكي الرسمي ذاته في علاقة بهذا الموضوع. وبشكل عام يتم القفز من الارتباك  والعجز عن تفسير ظاهرة الارتباك الأمريكية الى مواقف تشكك أصلا في وجود أي متغيرات أوحتى إحتمال حدوثها في الموقف الأمريكي تجاه الحركات الاسلامية المعتدلة. وفي النهاية لن تتبقى مسافة ذات شأن تفصل بين هذا الموقف المتسرع لبعض النخب العربية والموقف السطحي الذي يدافع عنه التيار "القاعدي"، كما عبر عنه بشكل واضح المنظر الرئيسي الراهن لهذا التيار أيمن الظواهري، والذي يرى في أي إصلاحات سياسية سلمية مجرد مؤامرة أمريكية لتأبيد "الطاغوت المحلي" من خلال تعويض "عملاء" بـ"عملاء" اخرين. وفي الواقع تثير هذه الظاهرة (أي المسافة غير المنظورة تقريبا بين جانب من النخب العربية والتيار "القاعدي") الانتباه خاصة وأنها مسكوت عنها وهوما يدعو، بالفعل، الى الاستياء لأنها تعبير دقيق عن حالة اليأس الراهن في بعض الأوساط النخبوية. 

المعضلة أن هذه القفزات على المستوى الاعلامي العربي تحدث بشكل قياسي لا تعكس رغبة في التأني وتأمل مشكلات أسلوب الطرح عوضا عن التقافز الى مشكلات الموضوع ذاته. إن المسائل الأساسية التي يجب الاحتفاظ بها بناءا عما تقدم تتمثل فيما يلي:

-الأهمية الاستثنائية للمنظر أوالايديولوجي في صناعة القرار السياسي للادراة الأمريكية. نستحضر هنا بسرعة إطارا كلاسيكيا حداثيا لمفهوم القرار السياسي. نستحضر هنا، تحديدا، الأجواء السحرية للخصوبة الايديولوجية التي طبعت أوروبا القرن التاسع عشر وجانبا من القرن العشرين حيث كان للنقاش الفلسفي التجريدي تأثيرا قويا على مجال القرار السياسي. نستحضر، على سبيل المثال، تلك المرحلة الذهبية من الحركة الشيوعية عندما كان القرار السياسي تفصيلا طفيفا في خضم تجاذبات ايديولوجية ضخمة وبنيوية تتعلق بالمنهج وبأصول وسائل النظر... عندما كان السياسي "التعبير المركز" للفلسفي. والحقيقة، أن مستوى متابعة المعلقين والخبراء العرب لهذه الظاهرة الأمريكية الإحيائية لتقاليد حداثية بدت وكأنها في معرض الاندثار لا يرتقي الى المستوى المطلوب. حيث تتم مواجهة هذه الدرجة الرفيعة من التجريد النظري بتحاليل سياسوية لا تتجاوز سطح النقاش الفعلي. إن قراءة مقالات لشخصيات محورية في تقريرالسياسة الأمريكية الراهنة مثل تشارلز كراوثمر وفرانسيس فوكوياما وجورج كيغان (وهم بالمناسبة لا يتقلدون أي منصب رسمي) مقابل قراءة من يُفترض أن يقابلهم من المحللين والخبراء العرب يشير الى معطى أساسي: لا يتعلق التفاوت بين الولايات المتحدة والطرف العربي بذلك المستوى البديهي أي ما هوتقني-تكنولوجي فحسب، يتعلق الأمر، أكثر من ذلك، بعمق الرؤية الفلسفية وبرهافتها وحسها الفكري الرفيع بغض النظر عن نتائجها التدميرية والتخريبية. مقابل النسق البطيء، الواثق من نفسه، الرفيع للاستراتيجيين الأمريكيين يمثل غالبية الاستراتيجيون العرب كلاهثين، سطحيين، مشوشين. نؤكد على هذه المسألة في الوقت الذي نعتقد فيه أنها في غاية الأهمية على مستوى مستقبل صناعة القرار (أوالقرارات) العربية (رسمية أوأهلية) وأن بلوغ ذلك المستوى ليس أمرا مستحيلا على فرض الكفاءات الأكاديمية العربية العديدة. ولكن نؤكد على ذلك ونحن عارفون أيضا بمحدودية الكثير من المراكز البحثية العربية ماليا وسياسيا بسبب ارتباطها بأطراف لديها خطوط حمر كثيرة تمنع الارتقاء بمستوى التفكير. كما أن القطاع الخاص العربي لازال لم يرتق فكريا بعد (فضلا عن ارتباطاته السياسية المعيقة) لدعم مراكز بديلة تساهم في الـتأسيس لحيوية فكرية عربية ترتقي لمستوى التحديات المطروحة.

-أن الأهمية الاستثنائية للايديولوجي في صناعة القرار السياسي الأمريكي لا تعنى أن كل ايديولوجي أومنظر أومركز بحث أمريكي يساهم بالضرورة في ذلك. إن العمل الضروري الذي يجب القيام به عند تحليل أي تقرير أمريكي هوأولا تفكيك البنى المالية والسياسية لمصدره. وتوجد بالمناسبة مواقع أمريكية على الانترنت تقوم بذلك مجانا حيث تقدم مصادر تمويل والارتباطات السياسية لأي مركز بحث. إن تقييم الـتأثير السياسي لأي تقرير لا يمكن أن يتم بمعزل عن هذه الخطوة الضرورية. وهكذا فإن القفز الى مسلمة (ليس عليها إثبات) من نوع أن هذا التقرير أوذاك يعبر عن موقف موحد ومنسجم داخل الادارة الأمريكية أوحتى عن موقف أحد الأطراف في الادارة الأمريكية إنما هي خطوة خاطئة منهجيا كما أنها تؤسس لاستنتاجات تزيد في غموض ما هومطروح عوضا عن تبيانه وتوضيحه.

-وهنا نأتي الى المسألة الأخيرة التي يجب الاحتفاظ بها وهي بيت القصيد هنا: ليس هناك موقف ايديولوجي حاسم داخل الادارة الأمريكية. يوجد صراع بين أكثر من موقف ايديولوجي (إأي أكثر من مركز بحث مؤثر أوأكثر من رأي داخل مركز البحث الواحد أحيانا) وهوما يفسر الارتباك الذي يطبع المواقف السياسية الأمريكية. إن تفسير ذلك شديد البساطة على ما نعتقد: كل سياسة جديدة تعترض الى اختبارات ورفض ولا تستطيع فرض الاحترام الا بعد صراع طويل. علينا أن نضيف هنا أننا محظوظون لأن هذا الصراع في الإطار الأمريكي يتسم بدرجة كبيرة من العلنية لا توجد في أي مثال اخر ولا يتعلق ذلك فقط ببعض الاشاعات حول صراعات تشق المسؤولين التنفيذيين (مثلا تباينا بين رايس ورامسفيلد) بل الأهم من ذلك يتعلق الأمر بالصراع النظري الايديولوجي على صفحات مواقع أونشريات متخصصة والتي تمثل المجال الفعلي لرصد الصراع الحقيقي الذي يشق هذه الادارة، وهوالمجال الذي للأسف الشديد لا يولي له المحللون والخبراء العرب المشار اليهم أعلاه إي اهتمام جدي. سنأخذ مثلا محددا للتدليل على ذلك: في مقال نشرناه أواخر العام الماضي ("النزاع بين النيومحافظين حول طبيعة الديمقراطية الاسلامية" القدس العربي 11/12 ديسمبر2004 وميدل إيست أونلاين13 ديسمبر 2004)[iii] تعرضنا الى جدال قوي حدث خلف الكواليس السياسية وتحديدا في النشرية الرئيسية للتيار النيومحافظ في علاقة بشؤون السياسة الخارجية "الناشيونال انترست" بين قطبين من هذا التيار تشارلز كراوثمر وفرانسيس فوكوياما. تميز الصراع بطابعه الايديولوجي البارز حيث قام كل منهما بمحاولة لتمييز المدارس الفكرية التي تؤثر في السياسة الأمريكية الراهنة. وقد كان هذا الجدال (والذي استمر ولايزال على صفحات الناشيونال انترست) عميقا الى درجة كبرى تم فيه طرح أكثر المسائل الاستراتيجية أهمية على صعيد القرار السياسي الأمريكي. المهم أن ما برز من جدال بين هذه الأوساط المنظرة منذ بداية سنة 2004 بدأ في البروز أخيرا فقط على صعيد السياسة الأمريكية التنفيدية وتحديدا منذ بداية العهدة الرئاسية الثانية للرئيس بوش وهوما تمثل في الانقسام بين (وهي مصطلحات صاغها رئيسيا كراوثمر) تيار "واقعي ديمقراطي" (يختلف بدوره في داخله حول تقييم المغامرة الأمريكية في العراق: كراوثمر يراهاايجابية وفوكوياما يراها سلبية) واخر "كوني ديمقراطي" (يمثله بيل كريستول رئيسيا) وهوالصراع الذي يفسر ارتباك الرؤية الرسمية الأمريكية التي تكشف نفسها منذ أشهر قليلة على صعيد التصريحات الرسمية (سواء تصريحات الرئيس بوش أومساعديه والذي أصبح من ضمنهم بالمناسبة زوجته التي بدأت تقوم بدور سياسي مموه خاصة منذ بداية العهدة الرئاسية الثانية) هذا الارتباك الذي يمكن اختصاره في التصريح الدوري الي يكرره الجميع في الادارة الامريكية الآن: "الاصلاح ضروري في المنطقة ولكن لا يمكن أن يكون فوريا" وهوتصريح يحاول إخفاء الصراع حول نسق ومستوى الاسهام الأمريكي في الدمقرطة تحت سلسلة من المقولات البديهية.

مسألة العاملين العراقي والفلسطيني

 يشير البعض (وهم كثر في الواقع) من هواة التحاليل التآمرية أن ما يجري على مستوى "السياسة الأمريكية" (كأنها منسجمة ونهائية) وتحديدا في علاقة بمسألة ما يدور حول مؤشرات أمريكية لقبول إسهام حركات إسلامية معتدلة في عملية الاصلاح الداخلي إنما هي تعني تحديدا وحصرا نماذج من نوع التنظيمات التي قبلت بالتعاون مع قوات الإحتلال الأمريكية في العراق. ويقصد هؤلاء (وهم يتماهون مع موقف التيار "القاعدي" في علاقة بهذه المسألة) أن مفهوم التنظيم الاسلامي المعتدل في المنظور الأمريكي هوتحديدا تنظيم يقبل بانتهاك السيادة الوطنية ويقبل بالاعتراف بوصاية الاحتلال والعمل بإمرتها والتعاون معها ضد التشكيلات المقاومة لها. وباختصار يقع تأويل معنى "الإعتدال" (في التعريف الأمريكي) تجاه معاني "الخيانة" و"العمالة". إن هذا التحليل خاطئ.

أولا من الضروري الاشارة الى مسألة رئيسية في علاقة بالمشهد العراقي وتحديدا المشهد الشيعي في العراق (حيث لا يستدعي المشهد السني أي نقاش كبير في علاقة بهذه المسألة خاصة وأن الذي يحضى بالتمثيل السياسي الشعبي الفعلي للأطراف الاسلامية هناك هي "هيئة العلماء" وليس "الحزب الاسلامي" كما يعتقد البعض، ومن المعروف عدم تورط الهيئة في أي أنشطة موالية للاحتلال بل على العكس). وهي أنه باستثناء أطراف هامشية جدا على المستوى الشعبي (مثل "المؤتمر الوطني" لأحمد الجلبي) فإن الأطراف التي تمثل أغلب هذا الطيف تتميز بطرحها الديني. طبعا هناك التيار الصدري والذي لا يجوز إقحامه أصلا في شبهات النقاش حول العلاقة بالاحتلال الأمريكي، حيث يتصدر هذا التيار ما يمكن الاصطلاح عليه بـ"المقاومة الشيعية" ولوأنه اختار أخيرا المقاومة السياسية عوض العسكرية، وهوالأمر الذي لا توجد مؤشرات تدل على أنه سستمر طويلا. يبقى إذا الموقف الذي تتصدره مرجعية النجف وواجهاتها السياسية سواءا "حزب الدعوة" (بتياريه) أو"المجلس الأعلى للثورة الاسلامية" والذي ساهم بنشاط ولايزال في مشروع الاحتلال القائم سواءا في مرحلة "حكم بريمر" أومرحلة "الحكومة عراقية". وهنا علينا الاعتراف أن هذا الطرف يستحوذ على تأييد أعداد هامة من الشيعة العراقيين أحببنا ذلك أم كرهنا، وهوالأمر الذي يجب التعامل معه وفهمه عوض تجاهله. وهنا علينا أن ننتبه الى مسألة أساسية مسكوت عنها عموما: يمثل موقف مرجعية النجف موقفا مواليا لتيار رئيسي يسيطر على إيران (موقف الحزبين المذكورين أعلاه في موالاة إيران موق&