حوار الغرب والحركات الإسلامية
وطروحات القوى العلمانية والديمقراطية التقدمية

العدد الخامس عشر
السنة الرابعة/ جويلية - أوت 2005


محمد الحمروني (*) 

مع ارتفاع الدعوات الغربية، أروبية وأمريكية، بضرورة فتح حوار جاد حقيقي ومباشر مع الحركات الإسلامية التي تصنف على أنها معتدلة، بدأت ترتفع بالداخل العربي بعض الأصوات التي بدا وكأنها أصيبت بهلع شديد جراء هذه الدعوات، وأخذت في ترديد إسطوانة قديمة جديدة تنشر من خلالها جملة من الافتراءات والاتهامات بالتخوين والعمالة والتجسس بحق أناس أقلّ ما يجب أن نقوم به تجاههم، لقاء ما عانوه من سجن وتعذيب وقتل استمر لعقود من الزمن، دفاعا عن الحرية والديمقراطية، اقل ذلك اعتبارهم أبطالا توشّى صدورهم بالأوسمة وتوضع على رؤوسهم أغصان الزيتون.

فما عرض خلال بعض الحوارات التلفزيونية المباشرة التي تناولت هذه المسالة يصيب بالحيرة والإحباط من جهتين :

- جهة بعض العلمانيين واللبراليين الذين، ولأسباب عديدة من بينها ربما اعتبارهم مسالة التعامل مع الغرب حكرا عليهم لأنهم، وفقا لما يتصورون، يمثلون امتداده الفكري والحضارسي يتلبسون روحه الثقافية ويدافعون عن قيمه، لذا فهم يجعلون من هذا التناغم الحاصل بينهم وبين الغرب راس مال قابل للاستثمار غير منازع، ولأعتقادهم أن مثل هذا الحوار قد يدفع بهم إلى زوايا التهميش حيث انه يمثل نهاية للدور الذي طالما أوهموا الغرب أنهم يلعبونه كقادة للتنوير في المنطقة، ليستفيق العالم بعد أحداث 11 سبتمبر ويجد أن رهانه على هؤلاء لم يكن فاشلا فقط وإنما عاد عليه بالوبال.

وأخذ بعض هؤلاء الذين ذكرنا، في كيل الاتهامات بالعمالة والجوسسة، فذكّر بعضهم في ما زعم بالهدايا التي تلقاها الشيخ الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله من الانقليز، وتحدث البعض الآخر عن زيارة القنصل أو السفير الأمريكي للمرشد العام الأسبق للاخوان مامون الهضيبي في منزله، وغيرها من الادعاء، بحيث يخيل للسامع أن من يتحدثون عنهم، ليسوا أولائك الذين يقبعون في أقبية السجون وزنزانات التعذيب والذين عُلّقوا على أعواد المشانق حتى أصبح ما تعرضوا له تراجيديا تتناقل تفاصيلها الأجيال على امتداد العالم العربي بأكمله وما التقارير التي قدمتها اغلب منظمات حقوق الإنسان إلا شاهدا على بشاعة ما جرى، بل أن بعض الجلادين ممن نكلوا بهؤلاء قدموا اعترافاتهم على الهواء مباشرة مثلما فعل نائب الرئيس المصري الأسبق عندما بكى أمام ملايين المشاهدين وهو يروى للتاريخ قصة الإعدامات التي نفذت بحق أبناء الحركة الإسلامية، وتساءل كيف سيلقى ربه وفي عنقه دم هؤلاء، وكانت تلك الشهادة في برنامج تلفزيوني حي ومباشر لقناة الجزيرة.

بل أن المشاهد يخيّل إليه أن المُتحدّثَ عنهم، أناس يتنعمون في الهبات الغربية، والغريب انه في الوقت الذي كان فيه الإسلاميون يدفعون ثمن الحرية والديمقراطية غاليا، كان الذين يرفعون اليوم عقيرتهم دون حياء بمثل هذه الاتهامات، يتنعمون بنسيم التقرب من الغرب، وأمواله التي تغدق عليهم تحت مسميات عدة، وكانوا سعداء بان يقدموا أنفسهم، على أنهم البديل التقدمي الديمقراطي المتحضر عن الإسلاميين في الساحة العربية.

وهنا لابد من القول وبوضح تام، دون تشنج ولا مبالغة، أن حالة التخلف التي عاشها العالم العربي والتي كانت محنة الإسلاميين إحدى تعبيراتها الصارخة، تعود في جزء منها إلى مواقف البعض من هذه النخب، فما تعرض له الإسلاميون لم يكن فقط لأنهم حاولوا التصدي لأنظمة قمعية تسلطية وفاسدة في ظل اختلال واضح لموازين القوى لفائدة الأنظمة، ولكن سببها يعود أيضا إلى وقوف بعض هذه النخب التي تدعي العلمانية والتقدمية والليبرالية وبعض النخب القومية أيضا مع الأنظمة في قمعها للحركات الإسلامية، ذلك أنهم التقوا جميعا على اعتبار الإسلاميين بحكم قاعدتهم الجماهيرية العريضة، وقدرتهم التنظيمية الكبيرة والاحترام الواسع الذي يتمتعون به، خطرا على كليهما لا يمثل تهديدا أو تحديا فكريا وإيديولوجيا فقط وإنما يمثل خطرا يهدد وجودهما السياسي على الساحة، وشكل هذا الاعتقاد نوعا من تقاطع المصالح بين الأنظمة والنخب التي تدعي التقدمية والديمقراطية. ولعل حزمة الأفكار الخاطئة التي كانت تروّج عن الإسلاميين والتي تكفلت بعض الرموز الفكرية "الديمقراطية والتقدمية " برسم ملامحها لعبت دورا في انخرط البعض عن حسن نية في هذه اللعبة القاتلة، على أن اأغلب من شاركوا في حبك خيوطها كانوا على دراية تامة بما كانت تصنع أيديهم.

و لان الحسابات لا تكون دائما صحيحة، فالذين انخرطوا في مسلسل التنكيل بالإسلاميين، بشكل مباشر كما ذُكر أو غير مباشر من خلال الصمت عما كان يجري، ظنوا أن المجال سيكون مفتوحا أمامهم للاستثمار حالة الفراغ التي سيتركها الإسلاميون على الساحة، ولكن ما حدث هو أنهم وجدوا أنفسهم مهمشين، ومقموعين، ووجدوا أنهم بإخراجهم الإسلاميين من اللعبة السياسية، قد خرجوا منها هم أيضا، بل إنهم تأكدوا أن ما أصاب الحركة الإسلامية، لم يكن ليقتصر عليها، وان آثاره قد امتدت لتشمل المجتمع بأكمله، فبخسارة الحركة الإسلامية يكون المجتمع قد خسر إحدى ورقات القوة الهامة للتصدي لهذه الأنظمة على المستوى السياسي والاجتماعي، بل أن القمع الذي تعرضت له الحركات الإسلامية التي كانت في اغلبها معتدلة قد ولد بلاء أعظم على هؤلاء وعلى الأمة بأكملها، لان غياب هذا الفكر المعتدل قد فسح المجال أمام ظهور حركات أكثر تطرفا وعنفا.

إلا أن ما يبعث على التفاؤل حقا وجود نخب فكرية تنتمي إلى ما يعرف بالتيار الديمقراطي التقدمي وهي نخب تمد من أقصى اليسار إلى مختلف شرائح ومكونات المجتمع المدني بدأت تعي حجم الخسارة التي منيت بها مجتمعاتنا بسبب حالة القمع التي سلطت على الحركة الإسلامية.

وفي تونس مثلا حيث أن هذه النخبة تعتبر رائدة بالنسبة للعالم العربي، بدأت تقوم مراجعات جادة وعميقة، تمس جوهر العلاقة بين هذه النخب والنظام الحاكم من جهة وبينها وبين الحركة الإسلامية من جهة أخرى.

لقد ظل جزء لا بأس به من النخبة التونسية العلمانية والليبرالية تعتبر أن الالتقاء مع النظام الحاكم أخف الأضرار في مقابل المد الإسلامي المتنامي حينها، وأنها وان كانت تختلف مع هذا النظام في نقاط عديدة، إلا أنها تشترك معه في التصور المجتمعي القائم على العلمانية والليبرالية والديمقراطية وتحرير المرأة والموقف من الغرب، وان هذا النظام على ما بينها وبينه من اختلاف هو اقرب إليها من الحركة الإسلامية، التي تعتبرها حركة ظلامية ورجعية لا تؤمن بالديمقراطية ولا بحق المرأة وأنها حركة عدوة لكل مل يمثل التقدم والتطور.

لكن هذه القوى اكتشفت بعد ما يزيد عن خمسة عشر عاما أن العكس هو الصحيح، وان النار التي انكوت بها الحركة الإسلامية طالت ألسنة لهبها الجميع، وان ما يجمعها مع الحركة الإسلامية من سعي إلى الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية هو اكبر مما يفرقهما، وان ما يفرق بينها وبين النظام القائم على القهر والقمع ورفض لكل قيم التطور اكبر مما حسبت انه يجمعها به.

ومن نتائج هذه المراجعات الواضحة إلى حد الآن، التبني الواضح لقضايا الحركة الإسلامية في تونس من طرف من يعرفون بالعلمانيين والتقدميين والليبراليين، الذين أضحوا يعتقدون أن صراعهم وصراع الإسلاميين مع النظام واحد، وأصبحت قضية سجناء حركة النهضة في تونس واحدة من القضايا الأساسية لرموز التيار الوطني التقدمي بما في ذلك جمعيات ومنظمات المجتمع المدني التي تسيطر عليها نخب سياسية تنتمي إلى تيارات تعرف بأنها علمانية ليبرالية وتقدمية، وشاهدنا كيف شاركت أحزاب مختلف في الدعوة إلى العفو التشريعي العام، على الرغم من إصرار قلة قليلة على رفض طرح هذا المطلب على اعتبار أن الإسلاميين هم اكبر المستفيدين منه، ولكن الرد على هؤلاء جاء من داخل الحركة التقدمية نفسها ورأينا كيف وصف خميس الشماري المناضل اليساري المعروف أصحاب هذا الطرح بأنهم يعانون مشكلا في تحديد هويتهم كتقدميين، وذهب إلى حد الإشادة بتضحيات أبناء الحركة الإسلامية عندما اعتبر أن ما تعرض له الإسلاميون في تونس من حيث حجم القمع والتنكيل الذي سلط عليهم، لا يضاهيه إلا ما تعرضت له مجموعة 1967 التي اتهمت بالتخطيط لمحاولة انقلابية ضد بورقيبة، كما رأينا كيف وجه حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم حزب العمال الشيوعي التونسي،تحية كبيرة إلى مساجين حركة النهضة في الاجتماع الذي عقد بنزل المشتل بمناسبة الندوة المغاربية لتدارس قضايا المساجين بالمغرب العربي وطرح مسالة العفو العام، كما أننا نذكر جميعا قولة محسن مرزوق وهو مناضل يساري في نزل الافريكا بمناسبة الندوة التي نظمها منتدى الجاحظ بالاشتراك مع معهد الإسلام والديمقراطية بواشنطن والتي أكد فيها أن هناك صفقة لا بد أن تتم،ويقصد بين الإسلاميين والتيارات التقدمية، وأن لا بد في هذا الصفقة من تنازلات. والمقصود بالتنازلات هو ضرورة أن يقوم كل طرف بجملة من المراجعات الفكرية والسياسية حتى يلتقي الجميع على قواسم مشتركة تكون الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة ورفض الإقصاء والقبول بالرأي الآخر أهم محدداتها.

أما الجهة الثانية التي تستوقفك في تلك الحوارات فهي جهة الإسلاميين والتي بدا من خلال من استدعي منهم للدفاع عن وجهة نظر هذا التيار، أن كثيرا من قيادا ت ورموز وا بناء الحركة الإسلامية في حاجة أكيدة إلى مراجعة جذرية لا فقط لمواقفهم الفكرية أو السياسية وإنما لمجمل البنية الفكرية لتكوينهم ككل الذي ظل حبيس الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي إذ أن المشكلة لدى هؤلاء هيكلية، تتعلق بالبني فكرية والتربوية والسياسية التي نشئوا عليها.

فالمحاور الإسلامي- من خلال النماذج التي قدمت على الأقل - يفتقد، للقدرة على الإقناع وعدم امتلاكه لآليات الجدل وهو ما تجلى من خلال عجزه في كثير من الأحيان على الدفاع عن مسائل هي من البداهة والوضوح بمكان.

وهنا لابد من الإشارة إلى مسالة غاية الأهمية عند الحديث عن التيارات الإسلامية، وهي ضرورة التفريق عند الحديث عن الإسلاميين بين :

1 فريق رغم تربيته الاخوانية التقليدية، وتشبعه بالأفكار والروح الاخوانية على نمط حركة الإخوان المصرية، إلا انه ولأسباب عديدة يتعلق بعضها بالصراعات الفكرية والسياسية التي خاضها أبناء هذا التيار مع أحزاب وتشكيلات سياسية وفكرية مخالفة، فرض عليه الانفتاح على الآخر، والاطلاع على أدبياته حتى يتمكن من دحضها والرد عليها، كما فرض عليه هذا الصراع الانفتاح على الثقافة الإنسانية عامة، ولعل تأثر هذا الجيل بالتيارات الفكرية والفلسفية الغربية من خلال اطلاعه على أفكار كبار مفكري عصر النهضة وفلاسفة عصر الأنوار ومنظري الثورة الفرنسية، مكنه من أن يفتح آفاقا أرحب وأوسع من الفكر الاخواني، آفاقا تتصل بالفكر الإنساني عامة، وهؤلاء هم اقدر على مجادلة ومحاججة التيارات والأفكار المقابلة. ولعل التجربة التي عاشها أبناء حركة الاتجاه الإسلامي ( حركة النهضة التونسية حاليا ) وخاصة القطاع الطلابي منهم أواخر عقد السبعينات وكامل عقد الثمانينات من القرن الماضي، وما أنتجته من توجه معتدل سياسيا ومنفتح فكريا دليل جيد على هذا الطرح.

2 فريق تربى تربة اخوانية بحتة، وظل حبيس تلك التربية ويعتبر أي تجديد أو تطوير خروج عن النهج السليم للإخوان، وأكثر من يمثل هؤلاء تلك الرموز الاخوانية القديمة.وعلى هذا التيار القيام بالمراجعات اللازمة، والانفتاح أكثر على الفكر الإنساني الرحب والواسع. ففي عصر تعولم فيه كل شيء لا يمكن لفكر أو تيار أن يضمن لنفسه موقعا وسط هذا العالم المتموج ما دام حبيس أطره الفكرية وما دامت مراجعه لا تتعدى بعض الكتب المختارة والمنتقاة بعناية فائقة، تحفظ وتردد في أيما مناسبة وكأنها قرءان كريم.

ما من شك في أن المنعرج الذي تعيشه الأمة العربية الإسلامية، منعرج خطير، وهذا يتطلب من الجميع درجة وعي كبيرة، وحس أكثر من مرهف بالمسؤولية تجاه مستقبل هذا الجزء من العالم، وعلى القوى العلمانية واللبرالية والتقدمية أن تستفيد من أخطاء الماضي كما تحاول الحركة الديمقراطية والتقدمية في تونس أن تفعل، وعلى هؤلاء أن يتجاوزوا النظرة الحزبية والمصلحية الضيقة، وان يتركوا لغة التخوين والاتهامات بالعمالة، ولينظروا إلى الحقيقة التي يحاول الغرب جاهدا أن يهضمها وهي أن الإسلاميين قوة فكرية وشعبية لا يمكن إغفالها من أي حسابات أو ترتيبات تهم المنطقة، وعلى هؤلاء أن يعتبروا الإسلاميين إحدى الورقات المهمة التي تملكها المجتمعات العربية سواء للتصدي للعدوان الخارجي أو الوقوف بوجه الظلم والقهر الذي يمارس داخليا.

كما أن الحركات الإسلامية مطالبة بان تقوم بالمراجعات اللازمة للعديد من المواقف الفكرية والسياسية وان تعمل على تبديد الخوف الذي يسرع إلى الأذهان كلما طرحت مسالة الحكم الإسلامي أو قضية المرأة، كما أن الإسلاميين عليهم أن يقوموا بالمراجعات اللازمة في قضايا مثل قضية الخلافة والدولة الإسلامية والتداول على السلطة.

لقد تأكد للجميع من خلال التجربة التونسية على الأقل أن مهمة التغيير والإصلاح هي اكبر من أن يحملها أبناء الحركة الإسلامية لوحدهم، كما ثبت ومن خلال نفس التجربة أن إقصاء الإسلاميين عن الحياة السياسية لن يكون إلا وبالا على الجميع، لذلك كان لزاما أن يتزحزح كل فريق عن مواقعه ولو قليلا من اجل بناء جسور للتواصل وبناء الثقة بين الساعين والحالمين بالحرية والعدل الديمقراطية.


(*) صحافي وكاتب تونسي

© aqlamonline 2005