الغنوشي في حوار مع "أقلام أون لاين" 
نحن مع المصالحة الوطنية، ولكن من يقنع الطرف الآخر؟

العدد الخامس عشر
السنة الرابعة/ جويلية - أوت 2005

الاستئصال وباء أصاب نخبة من التونسيين
نقف مع الحوار.. وأمريكا مازالت تدعم الدكتاتورية

أجرى الحوار نورالدين العويديدي

الحوار مع الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسية شيق وصعب في آن واحد.. فوضوح تحليله وقدرته على تشخيص القضية التي يتحدث عنها تجعل المحاور مشدودا لتسلسل الأفكار التي ترد على لسانه، غير أن الشيخ الغنوشي مثله مثل أي سياسي محنك، لا يمكن للصحفي اللبيب أن ينتزع منه الكثير.. لذلك اقتضى الحال أن يكون الحوار ساخنا، وفيه مقاطعات بيني وبين الشيخ الجليل، الأمر الذي اقتضى طرح 32 سؤالا عليه.

وفي بعض الأحيان كان السؤال الواحد يطرح مرتين أو ثلاثا أو حتى أربع مرات، بصيغ مختلفة، للوصول إلى جواب محدد.. لكن الجواب المطلوب كثيرا ما كان يمتنع عن التحقق، ويتوه في دروب الكلام الملتوية، الأمر الذي يقتضي طرح السؤال مجددا، لعل طرحه من زاوية جديدة يساعد على الوصول إلى النتيجة.

لقد كان الحوار ساخنا، والمقاطعات كثيرة، لكن ذلك لم ينزل بمستوى الحديث. وفي الحوار اعترف الشيخ الغنوشي بأن المعارضة التونسية فشلت حتى الآن في تغيير موازين القوة مع النظام، مشددا على أن موضوع السياسة ليس الاستجداء والكلام المعسول، وإنما تغيير موازين القوة، واعتبر تأخر الديمقراطية عن تونس واستشراء الاستبداد فيها، راجع لانقسام المعارضة، وطبيعة بعضها الإيديولوجية الضيقة، أو قبولها بالخطوط الحمر التي وضعتها السلطة، مشددا على أن موقف حركته من المصالحة الوطنية الشاملة موقف قديم، يرجع إلى مؤتمر 1995، معرجا على ما دار على شبكة الإنترنيت من حورات ساخنة بين إسلاميين تونسيين.

كما اعتبر إيجابيا تحول الخطاب الامريكي إزاء الاسلام وحركاته، من المراهنة على الاستقرار تحت سطوة أنظمة استبدادية، إلى المراهنة على الديمقراطية، حتى ولو أتت بالتيار الإسلامي، بدلا من الحرب الصليبية على الإسلام والمسلمين.. لكنه قال إن الخطاب الأمريكي لم تشهد له الممارسة التي لا تزال داعمة للإرهاب والدكتاتورية واقعا.

وطال الجدل في الحوار بيني وبين الشيخ، حول موقف تيار الوسطية الاسلامية الذي يعد الاخوان من أهم ممثليه ويعتبر الشيخ الغنوشي واحدا من رموزه الكبار، سواء في ما يتعلق بالموقف من الحوار مع الأمريكان والأوروبيين، أو في ما يتعلق بالموقف مما يجري في العراق، ومقارنة أداء التيار الإخواني بالتيار السلفي، ودوره في ما يجري من مقاومة.. وفي ما يلي نص الحوار:

* نظمت النهضة ندوة صحفية في الذكرى 24 لإعلان تأسيسها.. ما الجديد الذي أردتم قوله من خلال هذه الندوة؟

- أردنا أن نؤكد معنيين على الأقل: المعنى الأول هو أن النهضة ثابتة على خطها، من حيث التزامها الكامل بالخيار الديمقراطي إن في مستوى التصور للنموذج المجتمعي البديل  أو في مستوى المنهج الواصل اليه ،بما يجعل تونس تتسع لكل التونسيين ولا تضيق بفريق منهم بل تضمهم جميعا في رفق وتفسح أمامهم سبل العيش الكريم، يختصمون، ولكن فقط بالحجة والموعظة الحسنة والاحتكام نهاية الى الرأي العام عبر صناديق الاقتراع، بمنآى من كل منزع للثأر والاستئصال والاقصاء والقمع وتوظيف أجهزة الدولة لمصلحة استئثار فئة أو فكرة دون أخرى بالسلطة والثروة والفرصة، فكل ذلك يجب أن يتيحه النظام السياسي والفكري والقيمي لكل التونسيين " سواء للسائلين"،لا يستثني أحد،ما توسل الى غايته وناصر فكرته بالوسائل السلمية ولم يبغ على غيره.وبذلك ينتقل الصراع من المستوى البدائي الوحشي كما حاله اليوم الى المستوى الانساني اللائق ببلد متحضر، ويأتي التحول ثمرة لتجميع ومراكمة وتضافر الضغوط الشعبية السلمية بقيادة قوى معارضة جادة متآلفة ،بما يجعل التحول الديمقراطي المنشود محتما، وليس ممكنا فقط..

أردنا أن نقول إن البلاد تحتاج إلى مصالحة وطنية شاملة، وإن النهضة مستعدة لذلك، وإن حالة الانسداد الموجودة في البلاد، والتي أدت إلى كوارث عديدة، مرشحة لأن تؤدي إلى كوارث أعظم.. فهناك بوادر عنف في تونس.. والنهضة لا ترغب في هذا ولا تشارك فيه، وأنها لا تتحمل فيه مسؤلية، وإنما هي مسؤلية الموصدين للأبواب، أو المترددين، أي مسؤولية النظام الحاكم بدرجة أولى والمعارضة المترددة دون تجميع قواها لوقف التدهور وفرض التغيير، بدرجة ثانية.

* عفوا تتحدثون عن ضغوط لجعل التحول حتميا، وتتحدثون في المقابل عن مصالحة وطنية.. ألا ترون أن هناك تناقضا بين الأمرين؟

- لا.. لا تناقض بينهما، لأن السياسة ليست استجداء.. نحن لا نستجدي أحدا.. وإذا استجدينا نستجدي الله سبحانه وتعالى، وإنما نحن طلاب حق، مطالبنا مشروعة معقولة وليست خاصة بنا.. هي مطالب وطنية، لنا ولغيرنا.. لتكون تونس أرض سلام، وأرض وفاق، وتضم في رفق كل مواطنيها.. هذا طلب مشروع، وليس استجداء. وإذا لم تدرك السلطة الحاكمة أن هذا  لمصلحة البلاد، وأنه لغة الوقت، فينبغي أن تكون المعارضة قادرة على أن تفهمها ذلك.

* عقدتم ندوة صحفية في ذكرى تأسيس النهضة هذا العام، ولم تعقدوها العام الماضي، ولا العام الذي قبله.. ما الجديد الذي دفعكم الآن تحديدا لعقد هذه الندوة الصحفية؟ .. هل هو محاولة للحضور بعد غياب؟

- في الحقيقة نحن نحيي كل سنة ذكرى تأسيس الحركة في 6 جوان (حزيران) 1981.. أما كون هذه السنة إحياؤها اتخد شكل الندوة الصحفية مثلما حصل في لحظة التأسيس بمكتب الشيخ عبد الفتاح مورو وبمشاركته مع ثلة من الاخوة :الحبيب المكني وبن عيسى الدمني وزاهر محجوب، ودعني أوجه اليهم التحية بهذه المناسبة، فهذا هو الجديد، ولكن إحياء الذكرى ليس جديدا.. وإن اختلف الشكل من سنة الى أخرى: أقله إصدار بيان تذكيري، وعادة يتولى النهضويون حيثما وجدوا إقامة مهرجانات يدعى اليها الاصدقاء وتوزع فيها المرطبات وتلقى فيها الخطب وتحيى الذكريات، وقد تحيى بإصدار كتيب أو إخراج شريط وثائقي .. فهذا أسلوب من أساليب إحياء هذه الذكرى.

النهضة والمعارضة

* لوحظ أن حزبين اثنين فقط وجها التهنئة للنهضة في ذكرى تأسيسها.. هل معنى هذا أن الحركة فشلت في الوصول إلى بقية الأحزاب الأخرى؟

- (ضاحكا) إذا كان المقصود بالوصول الإبلاغ، فأظن أن هذا قد حصل.. أما الاستجابة فهذه تعود لظروف كل حزب من الأحزاب، وهم أعلم بظروفهم.. من جهتنا نحن نمد أيدينا إلى كل قوى المعارضة، فإذا لم يبادلنا أحد ذلك، فنحن نلتمس له العذر.. ربما تكون ظروفه قد حالت دون ذلك، ولكن نحن من جهتنا لا نزال مستيقنين أنه لا انفتاح ديموقراطيا، أو لا تحول ديموقراطيا، بدون معارضة قوية، بل لا ديموقراطية دون معارضة قوية، ولا معارضة قوية فاعلة في الوضع الراهن لتونس وربما في جملة الوضع العربي دون جمع صف جماعات المعارضة وقوى المجتمع المدني.

* ما الذي تقرؤون في رسالتي الحزبين؟ وما أهم ما ميزهما؟

- أولا نحن ألقينا التحية على الجميع، فبادر الاخوة في هذين الفصيلين برد التحية بمثلها، أوبخير منها.. وذلك على طريق العمل المشترك ولو في أدنى مستوياته :تبادل التحية والتعبير عن التضامن وتأكيد العزم على العمل المشترك من أجل التحول الديمقراطي وتحقيق المطالب الوطنية بما في ذلك مطلب إخلاء السجون وإنهاء كارثة السجن السياسي، وهي قضية وطنية وليست قضية حزبية، عبر الاخوة مرة أخرى أنهم حاملون همّها، مثلما نحن نحمل همّها. وليست هذه المرة الاولى للقاء والعمل المشترك مع هذين الفصيلين المناضلين وغيرهما، فالساحة التونسية كانت قد سبقت على هذا الصعيد كل الساحات العربية حيث كان هناك منذ نهاية السبعينيات عمل مشترك بين أحزاب المعارضة الستة: الديمقراطييين الاشتراكيين والوحدة الشعبية بجناحيها والتجمع التقدمي والحزب الشيوعي والاتجاه الاسلامي. ولكن في هذا الحقل حصل نكوص وتراجع. نحن بحرارة ندعو الى قلب صفحة المسار المفلس: مسار معارضة المعارضة، وفتح صفحة جديدة أمام الاجيال الجديدة من طريق الاتجاه الى بناء صف معارض قوي على قاعدة الديمقراطية دون غش ولا إقصاء. 

* متى يمكن أن تتوحد المعارضة التونسية؟ ما هي الشروط المطلوبة للوصول إلى ذلك؟ ثم ألا تخشون وقد استمر النظام الحالي 18 عاما، دون أن تتوحد المعارضة، أن يستمر الوضع الراهن لفترة أخرى، ما استمرت المعارضة مفرقة مشتتة. ولا تزال النهضة محورا لتقسيم المعارضات بين قابل بها، وآخر رافض لوجودها؟ متى تتوحد المعارضة؟ وكيف يحصل ذلك؟

- أظن أن المشكل لا يتعلق بالكيف.. فعندما تتوفر الاستعدادات، فإن الكيفيات كثيرة. لكن متى يتوفر الاستعداد؟ عندما يترسخ وعي هذه المعارضات وعمق إحساسها بما تأدى اليه حالها والبلاد من تشرذم ومهانة وتهميش وهبوط عام بالسياسة حتى اختنقت، وتركت مكانها ومهمتها للبوليس وتزاحم الكثير على الفتات وشغلوا أنفسهم بالمناكفات الايدولوجية، بزعم الدفاع عن "الحداثة" ولا حداثة. عندما يراجع الجميع مسارهم ويقدموا على نقد جاد لمسارهم – ونحن قد فعلنا ذلك- ويتأكدوا من خلال ذلك أنه لا حل مع الامعان في الطريق المسدود، لا حل مع الاقصاء للاسلاميين أو غيرهم، بل لا حل إلا معهم، لا حل إلا باعتراف الجميع بالجميع والعمل المشترك على انقاذ البلاد مما تردت فيه من هوة سحيقة من الفساد والاستبداد والاتساع المستمر لدائرة المهمشين والمحرومين والمقهورين ومن تهلهل للتعاقد بين الدولة والمجتمع حتى كاد ينحصر في الوطيفة الامنية للحاكم لا للمحكوم

* (مقاطعا) مرت سنين طويلة والبلاد تعاني من حكم استبدادي فج.. ألم تتأكد المعارضة من هذه الحقيقة إلى حد الآن؟

- عندما تتجاوز خطين أحمرين، أو إعاقتين: الإعاقة الأولى إيديولوجية: أنني لا أنسق مع طرف في المعارضة إلا أن يشاركني في فلسفتي السياسية، ورؤيتي للكون، ورؤيتي للتاريخ، ورؤيتي للدين.. هذا هو العائق الإيديولوجي، ونحن تجاوزنا هذا العائق من زمان.. نعتبر أننا قد استقرت قناعتنا على خلفية فكرية تقول إن تونس لكل التونسيين، وأنه ينبغي للتونسيين أن يتبادلوا الاعتراف، وأن فكرة المواطنة تتناقض مع فكرة التمييز والاقصاء، إذ الوطن ملك لأهله على السواء أمنه ورفاهه مسؤولية الجميع وفق تعاقد حر بينهم على ترتيبات لإدارة شؤونه. بينما المتمسكون بالتصنيف الايدولوجي للمواطنين واحتكار المواطنة وحصرها في فئة إيدولوجية محددة لا يجدون حرجا في التحالف مع السلطة. فمثلا، لا يزال هناك من يقول إن المشروع الإسلامي هو مشروع رجعي، أو مشروع ظلامي، وهو حر في أن يرى فيه ما يشاء، إلا أن ذلك قد دفعه الى الجهة الاخرى، الى التحالف مع الاستبداد على اعتبار أن منظوره الإيديولوجي هو أقرب إلى السلطة منه إلى طرف في المعارضة، وبالتالي ظل مشدودا إلى السلطة، محكوما بهواجس وكوابيس إيديولوجية سرعان ما اختلطت مع أطماع ونزوعات غريزية وانتهازية.. العائق الأول إذن إيديولوجي، وأظن أن هذه الأحزاب معظمها، عدا الاستئصاليين فيها، بصدد تجاوز هذا العائق الإيديولوجي، وهم يرون الديمقراطية تتجول في العالم، ولا تدخل بلدا إلا ضمن وفاق وطني، أو وفاق بين المعارضة.

التحولات التي حصلت في أوروبا الشرقية.. تمت بقيادة معارضة مؤتلفة ترى وكأنها حزب واحد يتحرك في مواجهة سلطة قاهرة.. لا يعني ذلك أنه لا توجد أحزاب.. لا يوجد يمين ويسار.. بل يوجد يمين ويسار، وتوجد أحزاب دينية، وأحزاب معادية للدين، ولكن هؤلاء جعلوا قضيتهم الأولى التحول الديمقراطي.. بما جعل التحول الديمقراطي ممكنا عبر صف معارض موحد، أي جعلوا الأولوية للديمقراطية، وميزوا بين الديمقراطية وبين أي خلفية إيديولوجية، فربط الديمقراطية بالدين أو ربط الديمقراطية باللادين.. بالعلمانية، كل ذلك عوائق. الديمقراطية هي إجراءات لحل الخلافات السياسية في بلد معين، بما يجعل القرار مؤسساتيا معبرا عن إرادة ومصالح الجماعة أو أوسع قطاعاتها وليس فرديا. إنها ليست بحال إيديولوجيا، مع الدين أو ضد الدين.

العائق الثاني هو الخطوط الحمراء، التي تضعها بعض الأحزاب في علاقتها مع السلطة.. السلطة لا تزال حتى الآن تفرض هذا الخيار الذي لوح به الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد أحداث 11 سبتمبر: معي أم مع "الإرهاب"، وفي الحالة التونسية: معي أم مع النهضة. فالذين لازالوا محترمين لهذه الخطوط الحمراء، يرون أن اللقاء مع النهضة لقاء دونه خرق القتاد.

* عفوا إذا عدنا إلى العائق الأول، بحسب تصنيفكم، فبالنسبة لبعض دول أوروبا الشرقية يبدو أن هناك، برغم بعض الاختلافات الإيديولوجية الجزئية، نوعا من التقارب في القضايا الكبرى، مثل موقع الدين وعلاقته بالسياسة.. أما التيار الإسلامي فإنه يمثل طريقة تناول لقضية العلاقة بين الدين والسياسة مختلفة جذريا عن رأي عموم النخب العربية غير الإسلامية.. أليس كذلك؟

- ليست كل الأحزاب العربية بهذه الكيفية.. رأينا أنواعا كثيرة من التنسيق تحدث في أكثر من بلد عربي, بل إن المؤتمر القومي الإسلامي جمع ممثلي أهم الأحزاب في التيارين.. في التيار القومي، وهو تيار علماني، وفي التيار الإسلامي. فهذه المؤسسة جمعت العشرات من الجماعات الإسلامية والقومية، من يسارية وليبرالية وحتى ماركسية سابقة.. العائق لا يزال عميقا في النخب ذات الخلفية الإيديولوجية الفرنسية، حيث تتبنى منظورا لائكيا متشددا. بينما نرى الأحزاب الأردنية  مثلا هناك تنسيق بين 12 حزبا، من الإخوان المسلمين حتى بقية التيارات القومية، وأيضا في اليمن، في الانتخابات الماضية دخل الحزب الاشتراكي والإخوان المسلمون في جبهة واحدة، وما كان أحد يتصور، بعد دماء كثيرة سالت بين الطرفين أن يحدث ذلك. لماذا العقل التونسي العلماني هو الأكثر تحجرا بالقياس الى بقية النخب العلمانية في الوطن العربي مع ما يشاع عن اعتدال تونسي؟، وذلك خلافا لاسلامييها، فهم الأكثر والاسبق تنظيرا وممارسة للتعدد والرغبة في العمل المشترك. لماذا؟

بينما نحن في تونس لم تسل دماء بيننا وبين أي طرف من أطراف المعارضة. في اليمن سالت بين الحزب الاشتراكي والإخوان المسلمين دماء غزيرة، ولكن في النهاية الحكمة اليمنية كانت متقدمة على الحكمة التونسية. لماذا؟

* هل تعنون بقولكم هذا إن البيئة التونسية موبوءة بشيء من التطرف العلماني؟

- لا تخلو من هذا الوباء، ولا يزال عدد من الاستئصاليين يمارسون الابتزاز، ويمارسون الإرهاب على بقية الأحزاب العلمانية والنخب الحديثة.. يخوفونها ويلوحون بأن هناك مكاسب حققتها الحداثة التونسية، الإسلاميون يمثلون خطرا عليها، ولا أدري أي حداثة عند هؤلاء، وهم يرون بلدا مثل إيران تتم فيه عملية التداول على السلطة أكثر من مرة، وتحقق انتخاباته المفاجأة بعد المفاجأة.. بينما الحداثة التونسية ما هي إبداعاتها؟ هل من مفاجأة في أي انتخابات تونسية حصلت عدا تلك التي زيفت سنة1981 و1989؟ فبم يفخر متطرفو الحداثة التونسية وهم منذ نصف قرن محكومون بنظام الحزب الواحد والحكم المطلق؟ أي رسالة يحملونها للنخب العربية غير الرهان المستحيل على تفكيك الهوية التونسية وإعادة تركيبها بما يقطعها عن سياقها العربي الاسلامي، بل تفكيك الاسلام ذاته وإعادة تشكيله على هواهم .إنه الجنون البورقيبي. هويات الشعوب أصلب من كل جهاز تفكيك دولتاني وبالخصوص زمن صحو تلك الهويات.

* لكن تونس، التي فشلت في أن تعرف حداثة سياسية، تتمتع بشيء من الحداثة الاجتماعية في مجال حرية المرأة وغيرها..؟

- (مقاطعا).. وأي امرأة هذه؟ هل السيدة سهام بن سدرين رجل وليست امرأة؟ عندما يستباح عرضها من قبل وسائل الإعلام التابعة للسلطة..؟ وهل الأستاذة راضية النصراوي ليست امرأة عندما تنهشها الكلاب ويسفح دمها على قارعة الطريق؟ ولا حديث عن سعيدة العكرمي فهذه اسلامية مستباحة سلفا، مع أنها أيضا امرأة.. أي امرأة هذه التي يتحدثون عنها غير تلك التي يزينون بها صالوناتهم ويوشحّون بها مهرجاناتهم في المجتمعات المخملية الهابطة بمنآى عن جمهرة نساء تونس المقهورات بالفاقة والبطالة والعنوسة والطلاق، حتى فشا الحديث عن تصحر سكاني لم يعرفه أي بلد آخر في العالم الثالث، تصحر يتجه بالبلاد الى الانقراض لتحل شعوب أخرى لم يفتّ في عضدها التصحر العلماني، محل الشعب الذي سكن البلاد منذ أول الخليقة؟ وهل هناك حرية للنساء في مجتمع مقهور؟ لا يعقل أن نقول إن الحداثة في تونس متقدمة، وبخير في ظل نظام دكتاتوري بوليسي!! إنه محض الغش والخداع.

المصالحة الوطنية

* أعلنتم في الندوة الصحفية استعدادكم لمد يد المصالحة إلى السلطة وطي صفحة الماضي.. ألم يأت هذا العرض متأخرا كثيرا، وأنه كان يمكن أن يأتي قبل خمس سنوات مثلا؟

- هذا إعلان عن سياسات سابقة، وليس هناك جديد في هذا. في الحقيقة منذ مؤتمر عام 1995 والحركة تبنت سياسة المصالحة الوطنية الشاملة، وأكدتها في مؤتمر مارس (آذار) 2001.. لا جديد في دعوتنا للمصالحة الوطنية الشاملة، وفي مد أيدينا إلى السلطة وإلى المعارضة في نفس الوقت، إيثارا لمصلحة البلاد والعباد

* وهل وجدتم تجاوبا من قبل السلطة بعد هذه الدعوة للتصالح والتصافح وطي صفحة الماضي؟

- اللهم إلا التجاوب السلبي.. مزيدا من الاعتقالات، ومزيدا من التضييق على المساجين، كأن السلطة في واد آخر.. كأن السلطة منقطعة عن حركة الزمن..

* (مقاطعا) ما تفسيركم إذن لهذا الصمت وعدم الرد؟

- على كل حال لو رجعنا لنظرية داروين في تفسير تطور الأحياء.. لو صدقنا هذا التفسير..لربما ألقى ضوء على الحالة التونسية،  فهو يرى بأن الأحياء تتطور عبر آلية التأقلم مع ما يستجد حولها من تحولات بيئية وتغيرات.. تحصل تغيرات في البيئة، فتسلك الكائنات الحية أحد سبيلين: إما التأقلم مع البيئة الجديدة، فتستمر في صيغة جديدة، أو يدركها ذلك وقد شاخت، فتعجز عن الاستجابة لمقتضيات التطور، فتصير الى الاندثار، لتعدّ من مخلفات التطور..

 إذا لم يدرك النظام التونسي أن هناك مناخات دولية جديدة، وبأن هذه المناخات تجتاح العالم العربي، بل مركزها بصدد الانتقال الى العالم العربي.. وآسيا الوسطى  بعد أن كان مركزها في أوروبا الشرقية، وأن تونس لن تبقى جزيرة معزولة عن عالم عربي تعتمل فيه أسباب التغيير، وتجتاحه رياح التغيير، فلن يكون له من مصير غير ما كان لأمثاله في اروبا الشرقية وآسيا الوسطىكيف يمكن لتونس أن تظل بعيدة عما يجري في مصر، أو عما يجري في الجزائر، أو حتى عما يجري في ليبيا؟ لا يمكن.. لا يمكن.. النظام التونسي، بنهجه المعتاد في الاستجابة ، كأنه يقول إنه في سبيله للخروج من حركة التطور.

* دار نقاش ساخن على شبكة الإنترنت في موضوع المصالحة الوطنية، أمسكت النهضة عن التعامل معه.. لم تعقب.. لم تدل بملاحظات.. لم تعط موقفا.. كيف تنظرون لهذا الحوار؟ ولماذا أمسكتم عن التعقيب والتعامل معه؟

- فضاء الإنترنيت مزدحم بالحوارات وقد انفلتت من الرقيب والحمد لله.. فأي حوار تعني؟

* الحوار حول المصالحة الوطنية في تونس؟

- الندوة الصحفية كانت جوابا.. إذا كنت تقصد موضوع المناقشات بين داع الى المصالحة مع السلطة، ورافض لها، أو شاك في إمكانها، بما أوهم أن نخبة الحركة ممزقة بين مصالح ومصادم.. أكدت الندوة أنه لا اختلاف حول مبدأ المصالحة فليس هاهنا المشكل.. هذه سياسة تبنتها الحركة منذ عام 1995، فما بنا حاجة لمن يقنعنا بالمصالحة، ولكن هل من حكيم "شاطر" يتولى اقناع الطرف الآخر..؟!!

* (مقاطعا) عفوا ولكن مما حصل في الحوار أنه تم إبرازكم باعتباركم ترفضون المصالحة.. أو على الأقل متشددون في شروط حصولها.. ترفضون قول الكلمة الطيبة، وتتمسكون بمطالبكم بشكل متشدد..؟

- (مقاطعا) هذا خروج عن الموضوع.. هذا طرح مشكلات مزيفة.. مشكل مزيف أن نقول إن النهضة منقسمة، واحد مع المصالحة وآخر ضد المصالحة.. ليست هذه هي المشكلة، وليست حتى مشكلة المعارضة الأخرى غير النهضة.. المشكل القائم في البلاد هو وجود سلطة أدمنت على نهج الانفراد والاستبداد وإفراغ قاموس الحداثة من كل محتوى .. سلطة مصممة على أن تجعل البلاد حديقة خاصة لبعض العائلات، أو لحزب في أقصى الحدود، وليست وطنا للجميع.. هذا هو المشكل. ليس المشكل أن تقنعني أنا بالمصالحة.. أقنع الطرف الآخر بها.. أنا مددت يدي ولا أزال أمدها لكل من يريد خيرا بتونس، ولا خير لتونس في الحقيقة إلا أن تضم في رفق كل أبنائها وبناتها.

* ولكن أنتم، في الانطباع الحاصل لدى الناس، على الأقل، لا تساعدون على تسهيل إجراءات المصالحة.. هناك معركة دارت منذ سنوات، ومن الصعب تجاوزها إذا لم تبادر الحركة إلى تسهيل عملية التحول...؟

- (مقاطعا ضاحكا) رامسفيلد اليوم يدعو إلى الحوار مع حملة السلاح.. في السياسة الموضوع ليس موضوع كلام.. رامسفيلد والجعفري قبلا أن يحاورا حملة السلاح. بينما جل ما نؤاخذ به على أنه مثّل عقبة في طريق المصالحة المنشودة كلمات فاضت من قلوب طحنها الظلم طحنا واعتصرها الكبت عصرا. يقول النبي عليه السلام "إن لصاحب الحق مقالا" ملتمسا العذر للاعرابي الذي طالبه باسترداد دينه، ولكن بخشونة. فالقول إن بعض الكلمات، التي قيلت لا تساعد على المصالحة.. فيه تجاهل لحقيقة أن الخطاب هو آخر أداة من أدوات السياسة.. السياسة أدواتها ما يغير موازين القوى.. ما يُشعر الطرف الآخر بأنه لا مناص له من التجاوب، وأن مصلحته في أن يتحدث معك.. مصلحته في أن يفاوضك..أن يتنازل عن انفراده بالامر ويشركك فيه. والجميع يعلمون إن دولة الاستقلال قامت على الانفراد والاستحواذ ولم تفاوض أحدا إلا استثناء خلال سنوات قليلة من عمر المنظمة الشغيلة. وفي ظل ذلك ولدت أحزاب ومنظمات، ثم اختنقت مع اختلال موازين القوة بين الدولة والمجتمع بضرب الاتحاد ثم الاسلاميين. أما إذا كان هناك من لا يزال يعتقد بأن مصلحته في أن يفنيك، وأن يهمشك، فالسؤال المطروح عليك هو كيف تغيّر رأيه؟.. هل بمجرد الكلام المعسول؟.. السياسة ليس موضوعها الكلام المعسول.. هذا آخر أداة، وأخف ورقة، وإلا ما حصل تفاوض مع الحركات المسلحة وخصومها مثلا..

* هل تقرون بعد 15 عاما بأن النهضة والمعارضة فشلتا في تغيير موازين القوى لصالحها؟

- هي الحقيقة المرة ولا شك.. وذلك لأسباب محلية مثل تشرذم المعارضة وأخرى دولية مرّت، خاصة خلال عشرية التسعينيات، حيث مالت موازين القوة لصالح السلطة، وتهمشت المعارضة وتمزقت، ولذلك نحن إذ ندعو المعارضة لتوحيد صفها فلتغيير موازين القوة.. هذا لا يعني بأن النظام ربح المعركة، لأن المشكل ليس هو أن تربح المعركة، بل أن تربح الحرب. المؤكد أن النظام  ربح معركة، نعم، ولكن لم يربح الحرب، ما دام فشل في أن يستوعب كل التونسيين.. مادام فشل في أن يوجد إطارا يستوعب كل التونسيين. الآن لا نجد مشكلة مهجّرين سياسيين في الأردن أو في المغرب، أو مشكلة مهجرين سياسيين في اليمن.. معنى ذلك أن تلك البلدان لا نقول إنها أنجزت تحولها الديمقراطي، ولكن هي في طريقها لأن تستوعب كل أبنائها، بينما الوضع التونسي حيث تغيب حرية التعبير وتمتلئ السجون بالاحرار وتهمش السياسة وتزدحم المهاجر بالمعارضين ويفوز النظام الحاكم وحزبه على نفسيهما بالارقام المعروفة (ماركة مسجلة للدكتاتورية) لا أحد له أدنى علم بطبائع وأحوال النظم السياسية يشهد أن البلاد في عافية. نعم لأسباب دولية مرت بالبلاد وبالخصوص في العشرية التسعينية الحمراء ولأسباب محلية ( تشرذم المعارضة) لم ننجح في تغيير موازين القوة لصالح شعبنا ولكن شرفنا  بل شرف أمتنا كلها اليوم أننا في طليعة المقاومة للهيمنة الدولية وامتداداتها. المستقبل للشعوب والعاقبة للمتقين، خاصة والعالم يشهد تبدلا واضحا في اتجاه الريح بما تشتهي سفن التغيير.

تستطيع أن تقول إن نظام محمد السادس ربح الحرب.. بوتفليقة بصدد أن يربح المعركة، ليس بمنطق الاستئصال، وإنما بتبنيه للمصالحة الوطنية.. هو يساعد على اندمال الجروح الجزائرية، ومتجه نحو استفتاء يجعل الجزائر تستوعب جميع أبنائها، حتى المسلحين منهم.. المسلحون تم استيعابهم في الجزائر. أما تونس بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل تعقل المعارضة، وخاصة النهضة، المشكل التونسي سهل.. ليست هناك دماء في تونس.. لم تهدر دماء في تونس، إلا ما مارسه النظام ولا يزال يمارسه من قمع وتعذيب وهدر للطاقات، وحتى للدماء..

* (مقاطعا).. كيف يمكن الحديث بين أبناء البلد الواحد عن حرب أو عن معارك؟

- المعركة ليست أدواتها دائما السلاح.. الحرب في السياسة كلعبة الشطرنج.. الشطرنج معركة أو حرب فيها ملك وفيها فرسان، ولكنها حرب تجري على طاولة.. هذه مجرد استعارة.. السياسة هي نقل الحرب، في الحقيقة، من ميدان السلاح والغريزة إلى ميدان العقل والكلمة.. عبقرية السياسة، هي نقل ميدان الحرب. فبدلا أن ينتهي أمر الخاسر في معركة بإهدار دمه، ينتهي إلى أن يخرج من السلطة.. يرتب أوراقه من جديد، دون أن يستباح، قد تتاح له فرصة العودة مجددا إلى الحكم.

أمريكا وأوروبا والحوار مع الإسلاميين

* كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن حوار أمريكي أوروبي مع التيار الإسلامي المعتدل.. كيف تنظرون لهذا الحوار؟ وهل دعيتم للمشاركة فيه؟

- (مسترسلا في جواب السؤال السابق).. على كل في موضوع الحرب، نحن ما نفتأ نؤكد أننا حركة سلمية.. عندما نتحدث عن الحرب وعن المعارك، فينبغي أن يتأطر كل ذلك في الإطار السياسي الديمقراطي، الذي نريده لبلادنا.. لكن السلطة، حتى الآن، هي التي لا تزال تستخدم أدوات الحرب الحقيقية، لا فقط المجازية، بمعاني المحاصرة والإقصاء والتعذيب والقمع والتجويع والقهر.. فسياسة النظام هي سياسة حرب في الحقيقة.. حرب على كل معارض، وعلى كل حر، وعلى المجتمع المدني.. هذه حرب حقيقة تمارس بأدوات الأجهزة الأمنية، وليس بأدوات السياسة.

أما عن الحوار فنحن رحبنا في ندوتنا الصحفية.. في البيان الذي أصدرناه.. رحبنا بهذا النفس الجديد في السياسة الأمريكية، الذي يستبدل لغة الحرب بلغة الحوار ولغة السياسة، الذي يستبدل لغة الحملة الصليبية على الإسلام، بلغة الحوار مع الإسلام، والتعايش مع عالم إسلامي تحكمه الديمقراطية، حتى ولو أدت إلى فوز الإسلاميين، وكان ذلك بدء بالتصريح الذي صدر عن الرئيس بوش، بأن 60 عاما من التحالف مع الدكتاتورية لم تؤد إلا إلى كوارث، ورددته وزيرة خارجيته في المدة الأخيرة في مصر، بأن بلدها أخطأ إذ راهن على الاستقرار، ولو على حساب الديمقراطية، فلا تحقق الاستقرار ولا تحققت الديمقراطية..

نعم نعتبر أن هذا تطورا إيجابيا، وننتظر أن يقترن القول بالفعال، لأنه حتى الآن، وهذا تناولناه في ندوتنا الصحفية إذ رحّبنا بهذا التحول في الخطاب، رجونا أن يقع تحول في السياسة.. أن يقع تحول في الممارسة، فحتى الآن، فإن أمريكا وإن كان لسانها مع المعارضة، فإن يدها مع الدكتاتورية، فلا تزال تقدم لمصر مثلا ملياري دولار سنويا، وترحّب من جهة أخرى بتعديل البند 76 من الدستور المصري، مع أن هذا التعديل شكلي جدا، لأن الدستور كله قائم على سلطة الفرد.. ورغم النقد من طرف اللسان لبعض سياسات النظام التونسي فإن شهادات التزكية له تقدم بسخاء وكذا المساعدات المادية والمعنوية بما في ذلك اتخاذ تونس مقرا لنشر الديمقراطية في المنطقة! وكأن عندها فائض للتصدير. التحول في السياسة الامريكية حتى الآن هو تحول في الخطاب، ولم يتحول إلى ممارسة.

في تونس هذا الخطاب أضعف مما هو عليه في مصر بكثير، وأضعف مما هو في اتجاه سورية، وفي اتجاه إيران، مع أن النظام السياسي في إيران، بالمقاييس الموضوعية للديمقراطية هو أفضل ألف مرة من النظام السياسي في مصر أو الموجود في تونس.. ومع ذلك النظام التونسي لم تتم معاقبته وإنما مجازاته، فأقر فيها مكتب إقليمي لنشر الديمقراطية، هناك فائض للتصدير..

* (مقاطعا) ألا يكون ذلك أداة من أدوات الضغط؟

- الضغط، حتى بمجرد الكلام، لا يزال محدودا، ونحن قلنا في ندوتنا الصحفية إننا لسنا من دعاة التدخل في شؤون بلداننا الداخلية، لا التدخل السياسي، فضلا عن التدخل العسكري.. نحن نرى أن التدخل الذي حصل في العراق لم يأت إلا بالكوارث، والعراق اليوم أمنه أسوأ مما كان عليه من قبل.. كان سيئا واليوم هو أسوأ.. نحن لسنا دعاة تدخل عسكري، ولكننا دعاة الى أن تكف أمريكا والدول الغربية التي تبشر بالديمقراطية.. أن تكف يدها عن دعم الأنظمة الدكتاتورية، وتترك الباقي للشعوب

* هل تجدون فرقا بين الدعوة الأوروبية والأمريكية للحوار مع التيار الإسلامي، أم إنهما سيان؟

- بمقياس الخطاب.. الخطاب الأمريكي أوضح وأقوى في الدعوة للديمقراطية، لأن السياسة الأمريكية عادة أقل أدلجة من السياسة الأوروبية بتأثير فرنسا خاصة، وبالتالي فهي سياسة تقودها المصالح، أكثر مما تقودها الأفكار والإيديولوجيات والقيم. ومصالح أمريكا اليوم، بعد المأزق الذي تردت فيه سياستها العراقية، تتجه إلى إحداث تحول في علاقتها بالعالم الإسلامي.. انطلاقا من إعادة النظر في استراتيجية أمنها القومي

* (مقاطعا) لكن ألا ترون أن زيارة رايس الأخيرة إلى فلسطين، كان أحد أهدافها الرئيسية حرمان حركة المقاومة الإسلامية "حماس" من المشاركة في الانتخابات الفلسطينية، في حين أعلن الأوروبيون أكثر من مرة أنهم التقوا بحماس والجهاد الإسلامي.. ألا ترى أن الخطاب الأمريكي شيء والممارسة نقيض له.. أما الأوروبيين، فهم أقل وضوحا في الخطاب ولكن مع ممارسة أفضل؟

- هناك خصوصية في الموضوع الصهيوني.. علاقة أمريكا بالمشروع الصهيوني هي أعمق من علاقة أوربا بهذا المشروع.. لا يمنع هذا كون الخطاب الأوربي أكثر أدلجة وأكثر حساسية تجاه الإسلام من الخطاب الأمريكي، الموسوم عادة بالطابع العملي وليس بالطابع التنظيري. حتى على افتراض تدخل أمريكي بدافع صهيوني لتثبيط انتخابات يكون الفوز فيها لحماس فإن حماس الاطراف العربية بزعامة النظام المصري للحيلولة دون الوصول الى تلك النتيجة هو أشد من أي طرف آخر.

* يتخوف البعض من أن يكون الخطاب الأمريكي عن الحوار مع الحركة الإسلامية المعتدلة هدفه فقط استخدام هذه الحركة في الضغط على الأنظمة.. هو مجرد وسيلة ابتزاز للأنظمة، وأن السياسة الأمريكية لا تلتقي، على الحقيقة مع الديمقراطية في بلادنا، بل هي نقيضها؟

- أمريكا لا تحتاج مع هذه الأنظمة لعبقرية كبيرة من أجل تطويعها، فهي طيعة أصلا بحتمية جينية ، فلا تحتاج لوسائل ملتوية، من أجل إخضاعها، فهي أصلا خاضعة، ومستعدة أن تخضع أكثر، وممانعتها محدودة، ولكن المتابع للدراسات أو للمطابخ التي تطبخ السياسة الأمريكية.. مراكز الدراسات القريبة من مراكز القرار الأمريكية، نصيحتها كلها تقريبا أن تعدل أمريكا من سياستها تجاه العرب وتجاه العالم الإسلامي، في موضوع العلاقة مع الإسلاميين، وأن الإسلاميين ليسوا شيئا واحدا.

المنظرون الصهيانة، وتلقفتها عنهم تيارات الاستئصال العربي، هم الذين سوقوا فكرة أن الإسلام واحد، وأن الإسلاميين كلهم إرهابيون بالطبع، وأن كل ما في هذه الساحة لا يخرج عن دائرة الإرهاب. لكن الأمريكان جربوا وعرفوا، وأعملوا آليات منهجهم العقلي العملي فانتهوا الى إقرار الحقيقة الموضوعية  أن الإسلاميين طيف واسع جدا، من أوردوغان إلى ابن لادن، قابلياتهم شأن كل الأطياف الايدولوجية  واسعة لاقامة تحالفات في شتى الاتجاهات. ألم يتحالفوا مع الامريكان في أفغانستان، وهم اليوم متحالفون معهم في العراق. وفي زمن الاشتراكية تحدثوا عن اسلام اشتراكي. وهم من أطلق شعار الشيطان الاكبر. فهل من فرق كبير بين إسلاميي العراق، من حيث الإسلام وغيرهم، فالإسلامي يمكن أن يكون صديقا، ويمكن أن يكون محاربا، كأي إيديولوجية أخرى، يمكن أن تساق إلى أكثر من اتجاه وتأويل.

* هل يعني كلامكم هذا أن الأمريكيين درسوا المشهد الإسلامي ووجدوا فيه على الأقل تيارين.. التيار الإخواني، ويوصف بالتيار المعتدل، والتيار السلفي، ومالوا إلى التيار الإخواني لضرب التيار السلفي..

- (مقاطعا) التيار الإخواني في مصر مثلا يرفض أي لقاء مع أمريكا الرسمية والإخوان في الأردن كذلك، بينما الإخوان السوريون لم يرفضوا اللقاء والحوار وإن رفضوا التعاون ضد نظام بلادهم رغم تشدده. أما الجماعات السلفية فهي أكثر تنوعا من حلفاء للسلطة في السعودية ولكل سلطة، الى جهاديين .. معناه سلفيون متحالفون مع الولايات المتحدة وسلفيون يقودون حربا عالمية ضدها

* (مقاطعا) وماذا عن النهضة؟

- المذهب السلفي هو الذي يحكم السعودية، والسعودية تعتبر أكبر حليف في المنطقة..

* (مقاطعا) المقصود "السلفية الجهادية"..؟

- (مقاطعا) .. إذن نحن دخلنا في التفاصيل.. "سلفية جهادية" و"سلفية علمية".. دخلنا في التفاصيل.. وبمجرد أن ندخل في التفاصيل، فنحن إذن لا نتحدث عن تديّن اسلامي واحد، ولا عن سلفية واحدة، ولا عن اعتدال واحد.. فهذه ساحة واسعة جدا، ومتنوعة جدا، وليس من المنطق العلمي في شيء شملها بحكم واحد إلا عند الاستئصاليين.. الاستئصاليون التوانسة والصهاينة هم الذين يحاولون تثبيت التعميم.. أنت عندما تريد أن تحارب طرفا لا تدخل في التفاصيل.. الحرب فيها جيشان.. ولكن عندما تريد أن تفهم الواقع كما هو أو تريد أن تمارس السياسة فلا مناص لك من البحث في التفاصيل وإنما العلم بالبحث في التفاصيل

* (مقاطعا).. هكذا كانت السياسة الأمريكية في البداية، ولكن هي الآن بدأت تدرك أن هناك تفاصيل، ولذلك تريد أن تميل للتيار الإخواني وتحاوره، واستخدامه وسيلة للحرب على..

- (مقاطعا).. أمريكا في النهاية ليست مدرسة فلسفية.. أمريكا شركة مصالح.. هي شركة، وأي شركة تريد أن تعظم أرباحها ومكاسبها وتقلل من خسائرها، ولذلك عندما تنظر لمختلف الأطراف تتعامل معها من منطلق مصالحها.. من هو مستعد أن يتعامل معها، ومن هو غير مستعد للتعامل معها، بقطع النظر عن سلفيته أو إخوانيته.. بغض النظر عن خلفيته العقائدية.. هل هو ماركسي؟ هل هو متدين أم غير متدين؟ وبأي دين هو متدين؟ وما هي درجة تدينه؟ هذه كلها تصلح للمعاهد الفلسفية، ولا تصلح للسياسي الأمريكي.

* (مقاطعا).. ولكن السياسي الأمريكي يرى الآن أن التيار الإخواني أقرب إليه.. فما موقف التيار الإخواني من السعي الأمريكي لتوظيفه؟

- الموقف الأمريكي هو أقرب لمن هو مستعد أن يتعامل معه.. هذا هو كل ما في الأمر. أما بالنسبة للنهضة فنحن رحّبنا بهذا التحول في الخطاب الأمريكي.. ورغم أن هذا التحول ليس نهائيا، حتى الآن، ويمكن التراجع عنه، لأن هناك قوى داخل الولايات المتحدة، وخاصة اللوبي الصهيوني، يضغط للتراجع عن هذا الاتجاه. نحن رحّبنا بهذا الخطاب، ورجونا أن يتحول إلى ممارسة.. إلى سياسة عملية. وعندما نرى أن الولايات المتحدة بدأت تكف يدها عن دعم الأنظمة الدكتاتورية، فيصير هذا الدعم الكلامي دعما عمليا، من جهة كفّ يدها عن سيل الدعم المتواصل للدكتاتوريين.. عندها ندرك أن هذه السياسة هي سياسة حقيقية، وليست سياسة ذر الرماد في العيون فقط.. ونحن لم يتصل بنا أي طرف أمريكي  ليحاورنا في أي شأن من الشؤون.

* لو اتصل بكم أحد.. ما هي شروطكم لهذا الحوار؟

- نحن لسنا ضد الحوار، ولكن نحدد موضوعاته.. فنحن مع الحوار لنبين مواقفنا للطرف الآخر، حتى لا يتولى وسطاء إبلاغ هذه المواقف، ويصدّروننا بما يناسبهم.. ولذلك نحن دعونا الحركة الإسلامية إلى أن لا ترفض الحوار مع أحد.. مع أي جهة، اللهم إلا مع الجهة الصهيونية، وأن يكون موضوع الحوار هو السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي.

هذه الحرب، التي تسمى الحرب على الإرهاب، هي في النهاية حرب على الشعوب، هي حرب على الديمقراطية، هي حرب على الإسلام، هي حرب على أمتنا الإسلامية بل على الشعوب المستضعفة وحتى على اروبا ذاتها وروسيا والصين للانفراد بالسلطة والثروة في العالم، ولذلك فإن المسلمين كما إنهم يرفضون العدوان على غيرهم، يرفضون أن يستمر العدوان عليهم.. نحن رفضنا أحداث 11 سبتمبر وكل أمثالها وما جاء بعدها، باعتبارها عدوانا.. ونعتبر أن الإسلام ضد العدوان، ولكن ما تقوم به الولايات المتحدة في العراق عدوان، وسياستها في فلسطين المحتلة عدوان صارخ، ودعمها للدكتاتوريين المتواصل هو عدوان صارخ، ولذلك نحن نتحدث عن تبادل كفّ العدوان، باعتباره الحد الادنى لاقامة علاقات دولية تتجه الى العدالة والى مصالحة حضارية.. مصالحة تاريخية بين الإسلام والغرب، بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي.. في عالم تعددي ليست أدوات الحوار فيه السلاح والمدافع، وإنما المنطق والحجة وتبادل المصالح.

* يلاحظ أن التيار "السلفي الجهادي" حاضر بقوة في الساحة العراقية، وحاضر بقوة من خلال أعمال التجنيد من الساحات العربية والدولية القريبة والبعيدة لصالح المقاومة في العراق.. في مقابل ذلك لم يتجاوز التيار الإخواني، بما فيه علماؤه، صعيد الموقف السياسي المؤيد للمقاومة.. لم ذلك؟

- ليس من اليسير أن نميز لونا محددا، فالخريطة معقدة جدا ومتشابكة، والإخوان هم جزء.. هم مندرجون ضمن فصيل أو شريحة السنة العرب.. كما هم فصيل يعمل في الاطار الكردي. والسنة العربية الآن لها مؤسسات تعبر عنها، والإخوان واحدة من هذه المؤسسات.. هيئة العلماء واحدة من هذه المؤسسات.. الوقف السني واحدة أخرى.. ولا نعلم على وجه اليقين العلاقة الحقيقية بين هذه الهيئات السياسية: الإخوان.. هيئة العلماء.. الوقف السني، وبين المقاومة، لأننا نتوقع أنه ليس هناك فصل بين هذه الفئات السياسية وبين فئات المقاومة باعتبار الجميع يعمل في نفس الساحة ومعرضا لنفس الاخطار.

والدليل العملي على ذلك أننا لا نرى تشاتما بين الطرفين.. والقمع والاعتقالات تشمل الطرفين، والطرفان يدافع أحدهما عن الآخر، أو على الأقل يسكت أحدهما عن الآخر، بما يدل على أن هنالك مقاومة، ولكن بوسائل مختلفة.. جبهة المقاومة في العراق لا تقتصر على من يحمل السلاح، فكل من ينادي بوضع حد للاحتلال، وبجدولة رحيل الاحتلال هو يقاوم.

ونحن ضد كل عمل يتجه إلى العدوان أو إلى القتل العشوائي.. نحن مع حق كل شعب محتل في أن يدافع عن أرضه بالوسائل المشروعة.

* هذا في الساحة العراقية.. أما في خارجها فالتيار السلفي يقود حملة تجنيد واسعة.. أما التيار الإخواني فغائب عن هذا، ونحن نعرف أنه في فترات تاريخية سابقة، كان التونسيون مثلا يذهبون من تونس إلى فلسطين للمقاومة.. ونحن الآن أمام احتلال؟

- الإخوان لم يغيبوا، حسب تتبّعنا، عن كل ساحات المقاومة، لا في فلسطين ولا في سواها. وفي فلسطين كانوا الأسبق إلى ساحة المقاومة، والآن صوت الإخوان هو الأعلى في أهم ساحة للمقاومة، وهي فلسطين، وفي أفغانستان كانوا حاضرين وفي الشيشان وفي كل ساحات المقاومة، وفي العراق لا يمكن القول إنهم غائبون، ما دامت الحرب تجري في المربع السني العربي وهم أهم تعبيراته.

الخشية ليست من غياب الاخوان وإنما من غلبة نهج التشدد والانفعال والحماقة على صوت الاعتدال والرشد، بما يفتح الطريق أمام حرب طائفية وعرقية لا تبقي ولا تذر، وذلك بعض حصاد الدكتاتورية والاحتلال والعياذ بالله.

© aqlamonline 2005