الشعب التونسي يدافع عن نفسه

العدد الخامس عشر
السنة الرابعة/ جويلية - أوت 2005


علي شرطاني*

من الشائع في أوساط النخبة سواء داخل السلطة وخارجها وفي الأوساط الشعبية، عبارات متداولة فيها اساءة للشعب، تصفه بالجبن وبالوشاية والخنوع والذل. وهي من قبيل الثقافة التي يتداولها ويشيعها بين الناس أولئك الذين لم يقدموا له أي شيء، والذين يريدون منه ان يقدم لهم كل شيء. وبين أولئك، الذين يبررون به استقالتهم وقعودهم وقبولهم بالأمر الواقع وعدم الانخراط في أي عمل تغييري، وأولئك الذين يبحثون لأنفسهم عن ذرائع يبرئون بها أنفسهم عما يلحقونه بغيرهم من أبناء الشعب المقهور من أذى، ومن أولئك المستفيدين من أوضاعه السيئة ويلحقون به اللعنة لأنه لم يتحرك للخروج منها حين لا يستطيعون أن ينكروا على أنفسهم وعلى القائلين بضرورة التغيير والعاملين عليه، رداءة الأوضاع وضرورة التغيير، وان كان ذلك لغير صالحهم... إلا ان التاريخ القديم والحديث يثبت أن شعبنا كان دائم الدفاع عن نفسه، على سوء أوضاعه، وعلى تخلف الحركة الثقافية بالبلاد، وعلى عدم تحمل النخبة سواء التقليدية أو التحديثية فيه مسؤوليتها الكاملة في قيادته الى احداث النقلة النوعية التي لا تحدثها في الأوطان الا الشعوب باتجاه حياة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية أفضل في ميادين الصناعة والتجارة والزراعة والعلم والإعلام.

وها هي حركته التي أجهضت مشروعه النهضوي والإصلاحي والثوري طيلة فترة التسعينيات وبعدها وأهدرت مكتسباته وحصاد سنين الستينيات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تعمل اليوم على استعادة نفوذها ومواقعها وادوارها  بالبلاد.

هذه الحركة الاحتجاجية السلمية المتحضرة النابذة للعنف والتي هي ضحيته وهدفه من خلال ممارسات السلطة التي لا ايمان لها الا بنفسها، ولا ايمان لها بالشعب ولا قبول لها به الا حين يكون الى جانبها سامعا مطيعا والتي ابتلعت المجتمع ولم تعد لها من لغة تخاطبه بها الا لغة العنف والإرهاب وهي التي تمثلها اليوم:

 1- الأحزاب السياسية المعارضة:

هذه الأحزاب والحركات والتيارات السياسية والثقافية والفكرية المختلفة المشارب هي التي تمثل رافدا مهما من روافد حركة الشعب في الدفاع عن نفسه والتعبير عن رفضه للتسلط والاستبداد والفساد المالي والإداري والإقصاء السياسي والتهميش الاجتماعي والتعتيم الإعلامي والإصرار على المصالحة والإصلاح والمطالبة بالعفو التشريعي العام والمشاركة الحقيقية في ممارسة السلطة في اطار من الشفافية والحرية والديمقراطية التي هي الأداة المثلى للتداول السلمي على السلطة.

- هي الأحزاب والحركات والتيارات المؤمنة  بالحوار والإصلاح والديمقراطية هي التي تمثل اليوم حركة الشعب التونسي في الدفاع عن نفسه، وعن مكاسبه، وعن ماضيه وحاضره ومستقبله. والتي بقدرما هي ماضية في تأكيد ايمانها بالحوار والمجادلة بالتي هي أحسن وبالإصلاح الحقيقي، بقدرما تبدي السلطة ومن خلال الأحداث اليومية اصرارا على مواجهة هذه الثقافة الحضارية الراقية بثقافة العنف والقمع والإرهاب المتوحشة المتخلفة. فالشعب لا يعبر عن نفسه من خلال السلطة لأن الحكم الصالح لا يعبر عن نفسه إلا من خلال الشعب، وأما الحكم القامع له ولحركته التي تمثلها الأحزاب والجمعيات والمنظمات الأهلية الحرة فإنه لا يكون معبرا عن نفسه من خلال جمعه لهما ولكن من خلال قمعه لهما. ولا تعبير للشعب عن نفسه تعبيرا صحيحا  وصادقاالا من خلال هذه الأحزاب والجمعيات المستقلة. سواء في إطار الحكم الصالح الجامع له، أو في إطار الحكم الفاسد القامع له. فإذا كانت حركة الشعب هي حركة المجتمع المدني ومؤسساته ومنظماته الحرة المستقلة فان حركة المجتمع السياسي لا يمكن أن تكون ممثلة تمثيلا حقيقيا لحركة الشعب، باعتباران حركة المجتمع المدني هي حركة سلمية جامعة في حين ان حركة المجتمع السياسي غالبا ما تكون  حركة عنيفة قامعة. ومن ثمة فان حركة الشعب هي حركة المجتمع المدني السلمية المتحضرة في مواجهة حركة المجتمع السياسي العنيفة المتوحشة.

 - أما العنف والقمع والاستبداد فهو النتيجة الحتمية لابتلاع الدولة للمجتمع ولتضخم المجتمع السياسي على حساب المجتمع المدني والهيمنة عليه. ولا قيمة للاحزاب السياسية اذا لم تكن معارضة للحكم، وإذا لم تكن مستقلةوحرة واذا لم تكن ممثلة لحركة المجتمع المدني السلمية واذا لم تكن في مواجهة المجتمع السياسي الظالم، واذالم تكن ممثلة لحركة الشعب في الدفاع عن نفسه من هيمنة السلطة والمجتمع السياسي عليه. هذه الحركة التي تعبر عن نفسها في بلادنا اليوم من خلال الاحزاب هي كذالك تعبر عن نفسها من خلال

2- هيئة المحامين:

 فبعد السنين العجاف التي تبين فيها للشعب من خلال قواه الفاعلة أنه قد خدع ،وأن ثقته في الحكم ودعمه له كانا في غير محلهما بدأ قطاع المحاماةـ الذي يكون فاقدا لكل قيمة اذا لم يكن ضمن حركة الشعب في الدفاع عن نفسه .هذا القطاع الحيوي جدا والحساس لما له من علاقة مباشرة يومية بالمواطن وبمؤسسة السلطة التي فقد فيها القضاء استقلاليته وانتزعت منه صفة السلطة ليتم اخضاع القضاة من طرف السلطة التنفيذية الى ما يشبه السخرةـ في ما يؤمن به من مواجهة في حركة الشعب التي تعمل على استعادة دورها في كل مرة تبين فيها لقواه الفاعلة و الواعية الجادة و المسؤولة ان الواجب الوطني أصبح يدعوها للدفاع عن نفسها وعن الشعب ،في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد على مستوى محاصرة ومصادرة الحريات العامة والخاصة والتي أصبح فيها المجتمع المدني الآخذ في التشكل من جديد مرة أخرى يبحث لنفسه عن موقع في ساحات النضال السياسي والاجتماع والحقوقي والإنساني والثقافي والإعلامي ،لم يتخلف المحامي التونسي الوطني الحر عن التصدي للمظالم التي كانت تطال ـ و على امتداد فترة نظام تحالف 7نوفمبرـ المظلومين والمضطهدين والمقهورين من مختلف فئات الشعب وعلى رأسهم ضحايا الخلاف في الرأي والمعارضة السياسية والمدافعين عن الحريات الخاصة والعامة في القضايا ذات الأبعاد الحقوقية والإنسانية والسياسية والاجتماعية والإعلامية فكانوا دائمي التصدي للمحاكمات الجائرة وللمحاكم الاستثنائية وللقوانين الظالمة كقانون الصحافة وقانون الأحزاب والجمعيات وقانون الإرهاب وغسيل الأموال وكل منظومة القوانين اللادستورية والمخالفة للقوانين والمواثيق الدولية المصادقة عليها سلطة الإشراف نفسها.     

لم يتخل هذا القطاع الحيوي من النخبة التونسية يوما عن دوره في القيام بمهامه النبيلة وبدوره الوطني في الوقوف إلى جانب ضحايا القمع و الإرهاب، والتصدي للمخالفات القانونية والتطبيق التعسفي للقانون، وان كان قد ضعف آداءه في مرحلة ما من النصف الأول من العقد الأخير من القرن الماضي.

وهاهو اليوم يعود بقوة مدافعا عن نفسه أولا وقد وجد أنه أضاع الكثير من مكتسباته وفقد الكثير من هيبته وغمط في الكثير من حقوقه، ثم مدافعا عن المظلومين والمضطهدين وعن القانون وعن استقلاليية القضاء وعن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وعن الشعب ضمن حركته في الدفاع عن نفسه.

3 – جمعية القضاة:

هذه الجمعية التي انحازت هذه المرة للحق والعدل والتي التحقت بباقي مكونات المجتمع المدني في حركة الشعب في دفاعه عن نفسه، مدافعة عن استقلالية القضاء وعن القانون وعن مصداقية القضاء والقضاة والسلطة القضائية، وعن الدفاع الذي هو طرف في السلطة القضائية، وهو من أسرة القضاء، وهو الذي يكتمل به آداءها القضائي، وهو الذي يمثل حظورها المباشر في الساحة الوطنية في كل تجلياتها.

وهي الجمعية التي رفع فيها القضاة عقيرتهم هذه المرة في بيانهم الصادر يوم 2 مارس2005 ليقولوا لا لـ"منع السادة المحامين وعميدهم من الاتصال بمكتب التحقيق وممارسة واجبهم في الدفاع عن منوبهم" الأستاذ محمد عبو واعتبروا ذلك "اعتداء مباشرا على الحرمة المعنوية للمحكمة" و"تعديا على حق الدفاع وتجاوزا للاحترام الواجب للمحامين" وهو موقف ليس مساندا للمحامين فقط، ولكنه موقف وطني يدافع فيه القضاة من خلال جمعيتهم عن السلطة القضائية الوطنية الحرة المستقلة،وعن حرمة القضاء الذي لا يمكن أن يكون في خدمة الحق والعدل والحرية والمساواة وفي خدمة الوطن والشعب إلا أن يكون مستقلا وفق ما جاء  دستور البلاد ناصا عليه.

4 – الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان:

وهي الجمعية الأكثر حيوية ونشاطا منذ تأسيسها سنة 1977. والتي كانت على الدوام من أنشط مؤسسات المجتمع المدني، والتي واصلت دورها في التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان من أي جهة كانت ومن أي مصدر كان. فهي التي كانت دائما الى جانب المضطهدين والمظلومين من كل شرائح المجتمع وبيئاته ومن مختلف مواقعهم ومستوياتهم المهنية والمعيشية والثقافية والاجتماعية والسياسية. وهي التي كانت في مقدمة قوى المجتمع المدني في دفاع الشعب التونسي عن نفسه من خلالها منذ آخر السبعينيات حتى أوائل التسعينيات. ويعد الحياد بها عن مسارها وتحويل وجهتها في فترة مهمة من تسعينيات القرن الفائت- والتي أغمضت فيها عينيها عن أفضع مشهد من مشاهد الانتهاك لحقوق الإنسان في تاريخ تونس- هاهي اليوم تستعيد عافيتها وتعود مرة أخرى لتتصدر بمواقفها وبتدخلاتها وبنشاطاتها الفكرية وندواتها الثقافية الحقوقية والإنسانية حركة المجتمع المدني في حركة الشعب التونسي في الدفاع عن نفسه. وهي التي تتظافر جهودها اليوم مع باقي مكونات المجتمع المدني لحماية حقوق الإنسان والدفاع عنها منادية بضرورة اصدار قانون للعفو التشريعي العام كمفتاح للانفراج السياسي وكضرورة لمصالحة وطنية حقيقية تقضيها اليوم مصلحة الوطن والمواطن وهي التي تتصدر القوى السياسية والحقوقية والإنسانية في المطالبة بإخلاء السجون من المساجين السياسيين. وهي التي كانت دائما في مقدمة المدافعين عن حقوق الإنسان وعن المضطهدين من مختلف فئات المجتمع التونسي. وهي التي تضم صوتها لصوت المحامين في الدفاع عن أنفسهم وعن حقوقهم وعن حقوق المظلومين من أبناء الشعب والى صوت القضاة المدافعين عن حرمة القضاء واستقلاليته. والى أصوات الصحافيين العاملين على ارساء قواعد عمل صحفي مستقل وشفاف ، والى صوت أساتذة التعليم العالي في اضرابهم وفي صراعهم من أجل مطالبهم البيداغوجية والمهنية ودورهم في الحياة الجامعية ...

وهي من أهم المكاسب الوطنية التي يجب على قوى المجتمع المدني وأبناء الشعب جميعا أن يحافظوا عليها وأن لا يبخلوا عنها بأي نوع من أنواع الدعم والمساندة والتأييد، مع الحرص على العمل على ابعاد غير المؤمنين بحقوق الإنسان والعناصر الإستئصالية منها لما في ذلك من اساءة اليها ولما يمكن أن يلحق المجتمع والشعب والإنسان عموما منها من أذى وأضرار وقد أثبت التاريخ القريب جدا ذلك.

5- جمعية الصحفيين:

وهي الجمعية التي نشأ ت في ظل هذا التشكل الجديد للمجتمع المدني الذي انهار في فترة التسعينيات من القرن الماضي ملتحقا بالسلطة لتكوين مجتمع سياسي قوي .فكان نتيجة ذلك الانهيار وذلك الالتحاق ـ  لتعزيز نظام   

كان يعتقد انه نظام جديد ،وسرعان ما تبين أن وعوده كانت كاذبة وأن شعاراته كانت خادعة ـ هذا التردي وهذا التقهقر وهذه المأساة التي يشهد بها اليوم المخدوعون والمغرورون والمتراجعون ليبدأوا الطريق من بدايتها ،في مرحلة جديدة من بداية ملحمة جديدة يقوم بها الشعب التونسي في الدفاع عن نفسه وعن وطنه وحريته وكرامته وهويته وسيادته واستقلاله .       

وهي احدى لبنات المجتمع المدني التي أفرزها واقع اعلامي بلغ من السوء والرداءة ما لم يبلغه من قبل، وهي التي تعمل اليوم على أن يكون الفعل الصحفي جادا وهادفا ومسؤولا، من أجل صحافة حرة ومستقلة، ديمقراطية وشفافة . وهي التي تعمل اليوم كذلك الى جانب باقي مكونات المجتمع المدني على أن يكون الصحفي الوطني الديمقراطي الحر والصحافة الحرة الجادة النزيهة في خدمة الوطن والمواطن والشعب والإنسان بعيدا عن صحافة الابتذال والتملق والخداع والكذب والارتزاق.

هذه الصحافة التي لم يعد لها مكان في عالم اليوم إلا في البلاد الأكثر تخلفا بالوقوع تحت طائلة الأنظمة المستبدة المدعومة بالنخبة العلمانية والتقليدية الأكثر تخلفا طبعا ومنها وللأسف بلادنا.

ان حركة شعبنا في الدفاع عن نفسه تتجلى في رفضه لمثل هؤلاء الصحافيين ولمثل هذه الصحافة التي تعول على الإعلانات في تمويلها وعلى الدعم الرسمي لها لنجدها بعد ذلك ملقاة في المزابل وسلات المهملات وبين يدي باعة الخضر والغلال وفي محلات الإسكافيين لتلف بها البضاعة والأحذية المستملة المستصلحة.

هذه الجمعية هي الواقعة اليوم تحت الحصار وتمارس عليها الضغوط وممنوعة من النشاط ومن الانخراط بحرية في حركة الشعب التي يجب أن تكون هي الباقية فعلا، وهي المنتصرة في النهاية حتما بإذن الله رغم كيد الكائدين وغدر الغادرين واحتيال المحتالين ورغم قوى الجذب الى الخلف التي لا تريد بهذا الوطن ولا بهذا الشعب خيرا...

6 ـ نقابة التعليم العالي:

هذه  النقابة المنبثقة عن مؤتمر أميلكار المنعقد يوم 14 جوان 2003 تحت اشراف المركزية النقابية للاتحاد العام التونسي للشغل هي التي تمثل أحد أهم مكونات المجتمع المدني الذي يمثل حركة المجتمع التونسي في الدفاع عن نفسيهما بكل الطرق السلمية من أجل الحرية والسيادة والاستقلال من أجل مطالب مشروعة ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية خاصة وعامة .

هذا القطاع الذي هو قطاع أساتذة التعليم العالي الذي ظل بعيدا عن الأحداث و عن حركة الشعب التونسي في الدفاع عن نفسه عقودا إلا من رحم ربك، يريد اليوم ان يعبر عن نفسه، وان يخرج عن صمته الذي طال ويغادر مواقع الانحناء والقبول بالأمر الواقع، ومواقع الانتظار على قوائم الذين يطمعون في كل تغيير وزاري ان تقع دعوتهم لحمل حقائب وزارية يحوزون بها ومن خلالها على امتيازات وحقوق و فوائد و مصالح أكثر.

لقد كانت نخبة أساتذة التعليم العالي في مجملها، واستنادا الى ما تزخر به من طاقات، والى كثرة عدد ها الاقل نفعا للشعب التونسي خارج حدود تخصصها في حركته في الدفاع عن نفسه. والأقل انخراطا في معركة الحريات الديمقراطية في مواجهة الاستبداد والمجتمع السياسي الذي كان الظاهرة الابرز في مرحلتي نظام بورقيبة من تاريخ تونس.

واسأل الله ان تكون هذه المبادرة النقابية  صحوة ضمير واستفاقة تقتضيها مصلحة القطاع و مصلحة الوطن والشعب في مرحلة من ادق مراحل التحولات الكبرى في العالم، وفي ظل ا لهجمة الامبريالية الصهيونية على عالم المستضعفين في العالم وعلى امة العرب والمسلمين بصفة خاصة. ولانحسب إلا ان هذه القومة هي حركة ناضجة وواعية مسؤولة في اطار حركة المجتمع المدني المدافع عن نفسه وعن الشعب وعن الوطن من الإهانة والإذلال والتهميش والتفقير، وليست سحابة صيف سريعة الانقشاع وممكنة الاجهاض والتمييع والإفراغ، لتعود بحليمة الى عادتها القديمة.

وبعيدا عن الماضي والمستقبل، فان التحركات النقابية للأساتذة الجامعين في الوقت الحاضر هي تحركات تذكر لهم فتشكر من اجل مطالبهم المشروعة في تعميم مبدأ انتخاب نوابهم في الهيئات العلمية البيداغوجية وانتخاب رؤساء الجامعات،... وفي انتخاب مديري المدارس والمعاهد العليا... وفي ضبط سلم المعايير البيداغوجية... وفي اعادة النظر في القانون الاساسي... وفي فتح مفاوضات حول الأجور... وفي تمكينهم من تغطية اجتماعية مناسبة... وفي مراجعة نظام الدراسات... وفي النهوض بالبحث العلمي وفي الدفاع عن الجامعة العمومية... وأخيرا وليس آخرا: الغاء سلك الأمن الجامعي الذي جاء به نظام تحالف 7 نوفمبر، وحضي بقبول ورضا الجامعة والجامعيين والطلبة، والذي مازال يحضى بقبول الاتحاد العام لطلبة تونس والرضاء به، لأنه مازال للجهات  المهيمنة عليه مصلحة في بقائه والإبقاء عليه لتوفير الحماية اللازمة لها. وللإبقاء على الجامعة على أسوا وضع من الرداءة هي عليه  . وليظل لها عليها سلطان ولو موهوما ولقطع الطريق امام أي محاولة لعودة الاسلاميين الى الاطر الطلابية ومنابر الجامعة.

كان ينبغي ان يكون هذا المطلب مطلبا طلابيا ومن خلال الاتحاد العام لطلبة تونس الذي اصبح لا يمثل في الجامعة اليوم حتى نفسه. وإذا كان هذا التحرك النقابي بهذا الحجم لنقابة اساتذة التعليم العالي كافيا لتأكيد تخلص ابناء هذا القطاع المهم من أبناء الشعب من عقدتي الخوف والطمع. فان قطاعات اخرى كثيرة مازالت تسيطر عليها هذه العقدة، ومنها الاتحاد العام لطلبة تونس - للأسف الشديد- اذا ما استثنينا بعض التحركات المعزولة والتي تأتي في اطار المزايدة او دفع ا لحرج ومن موقع المضطر، او لصالح جهات معينة ولفائدتها وبإيعاز ودفع منها، بما يمثل خذلانا كبيرا لحركة الشعب التونسي في الدفاع عن نفسه،وبما يمثل انقساما حادا في مكونات وتركيبة المجتمع المدني ليكون ذلك في النهاية عائقا له في تحركاته وفي تظاهراته واحتجاجاته واعتصاماته من اجل حقوقه، وبما يعزز صف المجتمع السياسي ويقوي موقفه سواء ارادت هذه الاطراف او لم ترد، وسواء قصدت او لم تقصد وسواء أخطأت او اصابت...

ولا يمكن النظر إلى هذا التحرك المهني المنظم والمنضبط والمسؤول إلا انه بادرة خير من صفوة المجتمع التونسي، والتحاق بحركة الشعب في الدفاع عن نفسه وعن مطا لبه المشروعة في العيش بعزة وكرامة في وطنه الحر المستقل.

7- حركة مختلف القطاعات:

يكون واهما من يعتقد ان شعبنا انقطع يوما عن الدفاع عن نفسه. فرغم التخاذل والخذلان، ورغم انتهازية النخبة في مجملها وعدم تحمل مسؤوليتها في مواصلة نشاطها النضالي في كل المستويات في اطار حركة الشعب في الدفاع عن نفسه، ورغم تعزيزها لصف السلطة التي ابتلعت  المجتمع والشعب والوطن وفرضت ثقافة الخوف والقمع في كل مكان، فان كانت هذه الحركة قد ضعفت إلا انها لم تمت. وما تواصل المحاكمات والاعتقالات والمراقبة الادارية والبوليسية اللصيقة للآلاف من الاحرار من ابناء هذا الشعب، وما تواصل الاضرابات والاعتصامات والاحتجاجات في السجون والمعتقلات من اجل الحرية والحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وما سقوط عشرات من الشهداء في مختلف الساحات وبمختلف الوسائل، وما استماتة الكثير من الحقوقيين وذوي المنازع الانسانية في الوقوف الى جانب المظلومين والمضطهدين والمحرومين والدفاع عنهم ومساندتهم على امتداد اكثر من عقد ونصف من الزمن، إلا دليلا على تواصل هذه الحركة التي لا ينهيها  إلا العدل والمساواة والأمن ووحدة المجتمع، لتتحول من حركة دفاع عن النفس الى حركة نماء وبناء وتشييد وفعل  سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي من طرف كل ابناء الشعب لصالحهم ولصالح الوطن  وهي الغاية  القصوى والهدف الاسمى الذي يمكن ان تنتهي اليه حركة أي شعب في الدفاع عن نفسه. وإذا كانت قد ضلت متواصلة ولكن على حال من الضعف فان صفوفها بدأت تتعزز اليوم بانضمام الكثير من القطاعات اليها، بعد ان بلغت احوالها من السوء ما لم تبلغه من قبل،و قد دفعت ضريبة الصمت والقبول بالأمر الواقع والخوف والطمع وتصديق الوعود الكاذبة والخداع وتزوير الحقائق وقلبها لتمرير سياسة النهب والفساد المالي والإداري التي اصبحت لا تخفى اليوم على احد.

هذه الاضرار التي لحقت كل فئات المجتمع، فعمت البطالة وتدهورت المقدرة الشرائية للمواطن وفسدت سياسة التغطية الاجتماعية وتم الشروع وبسرعة في التفويت في القطاع العام واطرد ومازال يطرد الالاف من العمال من شغلهم وتم تعزيز القطاع الخاص بما يعنيه ذلك من جشع واستغلال فاحش واستغناء عن اليد العاملة المختصة وغير المختصة الى جانب انهاء أي دور للشعب في الحياة السياسية الحرة وانتهاج سياسة التهميش والاستثناء والإقصاء وتكميم الافواه وقمع كل صوت حر،وفسح المجال لثقافة الميوعة والانحلال والتغييب والاستقالة  والهروب... هي الت