حوار الاسلاميين والغرب المرتقب
قراءة في الدواعي ومواقف السلطة والنخب التونسية

العدد الخامس عشر
السنة الرابعة/ جويلية - أوت 2005


علي بن سعيد (*)

مــقدمة

منذ أكثر من ثلاث أشهر تعددت التحركات والتقارير والتعليقات والتحاليل الاعلامية الصادرة عن مسؤولين حكوميين وخبراء امريكيين وغربيين حول موضوع حوار الدول الغربية لحركات اسلامية "معتدلة" في الدول العربية :

تقارير صحفية اوروبية وامريكية وتواتر اخبار عن حصول اتصالات عديدة مباشرة بين حكومات ومنظمات غربية وعدد من حركات الاسلام السياسي في المشرق والمغرب.

التقرير الذي قدمه السيد "خافير سولانا" مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي إلى وزراء خارجية الدول الأوروبية في اجتماع بداية شهر أفريل حيث يتضمن التقرير إمكانية الحوار مع ما يعتبره الاوروبيون الحركات الإسلامية المعتدلة.

جولة الحوار والاستماع التي انعقدت في بيروت أواخر شهر مارس 2005 بين عدد من ممثلي الحركات الإسلامية بالمنطقة ومن أهمها "حركة حماس الفلسطينية" و"حزب الله اللبناني" من ناحية وعدد من الشخصيات الأوروبية والأمريكية المعروفة بتأثيرها في الرأي والقرار من ناحية أخرى.

ندوة الدوحة حـول الحوار بين أمريكا والعالم الإسلامي والتي أكّد فيها المتدخّلون الغربيون وعلى رأسهم الدبلوماسي والباحث الاستراتيجي وأحد صنّاع الرأي المرموقين الأمريكي "مارتن انديك" على إمكانية خوض حوار مع الإسلاميين المعتدلين بالمنطقة في أفق دعم مسار الإصلاح والتنمية السياسية التي تقترحها أمريكا وأوروبا على العالم العربي والإسلامي.[1]

دواعي التوجه الجديد للدول الغربية

لا يختلف متابعان او عارفان في السياسة الدولية بان سياسات الدول الكبرى تضع في اولوياتها المصالح أولا واخيرا  سوى للدول في حد ذاتها او او مصالح الساسة والاحزاب الحاكمة مما يعني أن " ... التحول الذي طرأ على علاقة الولايات المتحدة الامريكية ومعظم الحكومات الاوروبية يعود بالاساس الى ادراك هذه الاطراف بان مصالحها الآنية والبعيدة تدفعها الى هذا التغيير المفاجئ ...." [2] ، ذلك ان فشل ترسيخ مظاهر العولمة المندد بها عالميا وظهور حركات مناهضة لها ونتيجة لسقوط جدار برلين ودخول اليسار الماركسي والعروبي في ازمة هيكلية كبرى اضافة لجملة من الدواعي الاخرى الاساسية من منظور المحللين الغربيين:

طلائعية الحركات الاسلامية نضاليا وسياسيا في اغلب البلدان العربية والاسلامية رغم سياسات المحاصرة والتضييق والقمع وارهاب الدولة المنظم وخطط تجفيف المنابع وسياسة ربح الوقت والعهود المنكوثة واساليب الاختراق والتفريق بين ابناء الحركة الاسلامية ...ففي تونس مثلا وبعد 15 سنة من المحاصرة الامنية في السجون والمنافي وفي الداخل عجز النظام التونسي عن القضاء على حركة النهضة أهم التمثلات السياسية للحركة الاسلامية التونسية .

اهتزاز شرعية الانظمة العربية الحاكمة [3]وفقدانها لاي مصداقية شعبية نتيجة الوصول غير الشرعي لسدة السلطة او عبر انتخابات مزورة وهو حال السلطة التونسية (اعتراف المنجي الكعلي بتزوير انتخابات 1981 [4]، تزييف انتخابات 1989 باعتراف كامل الفرقاء السياسيين وعبر كتابات خطية وجهها الولاة الى بن علي تثبت النسب الحقيقية التي حصل عليها الاسلاميون... بل ان النظام زور حتى انتخابات 1994 و1999 رغم شكليتها السياسية والاطار السياسي لها ، اما انتخابات 2004 فيعرف القاصي والداني انها على المقاس وجاهزة النتائج اسبوع قبل اجرائها ...).

تراجع اليسار الماركسي وفعالية القوى السياسية الاخرى غير الاسلامية المسماة بالحداثية وزنا وفعالية في تاطير الجماهير ومعايشة مشاكلها الاجتماعية لصالح الحركة الاسلامية  ( ولعل الجميع يتذكر كيف استطاع ابناء الحركة الاسلامية ملامسة هموم المواطن أثناء فيضانات سنة 1990 في مناطق الوسط وخاصة في سيدي بوزيد والمقارنة سهلة وبسيطة مع فيضانات 2003 والتي غابات من رهانات باقي اطراف المعارضة.. أو كيف استطاعت السلطة التونسية الالتفاف على المعارضة في غياب الاسلاميين، وهو ما عبر عنه سينمائي ويساري تونسي بقوله: "كانت النهضة مضلة للجميع..").

فشل سياسة الحرب على الارهاب رغم التحالف الدولي ورغم حربين خاضتهما الولايات المتحدة فلا بن لادن قبض عليه ولا على اعضاده القياديين في القاعدة وطالبان رغم تحالف برويز مشرف مع الغرب ، بل أن صناع الرأي والقرار في العالم الغربي قد فهموا أنّه لا سبيل إلى مقاومة ما يسمّونه "بالإرهاب" المهدّد لمصالحهم إلاّ بالقطع مع أسلوب المواجهة المباشرة والفرض والإملاء على العالم العربي والإسلامي والعمل على استقطاب القوى الحقيقية المؤثرة في السّاحة وجرّها – قدر الإمكان – إلى أن تتحول إلى طرف فاعل ضمن الاستراتيجية الغربية المتمحورة على جملة من النقاط المتداخلة ، إضافة الى تأكد الامريكان ان بعض الانظمة العربية تدفع الى هذه الحرب من اجل تغطية قضايا الداخل واساسا النظامين المصري والتونسي (تاكيد السيناتور روس فاينغولد ان "بن علي" يحذر دائما بشأن خطر الارهاب منذ 11 سنة [5]).

تصاعد العداء العربي والإسلامي لأمريكا في ظل الانحياز للصهاينة رغم رفضهم  لكلّ الحلول العادلة للصراع العربي الإسرائيلي ونتيجة لتصاعد هذا العداء ، أصبح العديد من المسؤولين في الغرب ينتبهون إلى الخطر الذي يتهدد مصالح أوروبا وأمريكا في المنطقة بقيادة حركات وقوى تتمتع بما يكفي من العمق الجماهيري لإحباط كل مظاهر فرض الأمر الواقع على شعوب المنطقة .

تورط الولايات المتحدة وحلفائها في المسرح العراقي حيث "تحول هذا البلد الى حقل من الالغام يستقطب وينتج في الآن نفسه كل اشكال جماعات وتنظيمات العنف والمقاومة..."[6] ووصول اسراب من الشباب من مختلف البلدان العربية وخاصة من بلدان المغرب العربي للمساهمة في طرد المحتل وتأدية دور بعد غياب فرصة المشاركة في الحياة السياسية في بلدانهم... (أكثر من 1000 شاب تونسي توجهوا الى العراق هم من احياء العاصمة وبنزرت وصفاقس ومدن الجنوب الشرقي عموما، اضافة الى اكثر من الف موجودين هذه الايام في مخافر وزارة الداخلية ...).

مواقف السلطة التونسية

 

حاولت السلطات التونسية التعتيم على الموضوع والحدث اعلاميا والتشكيك في التقارير الصحفية المتحدثة عنه بل وانزعجت ازاء دعوة الحوار نتيجة انها تضرب حصارا اعلاميا الى كل ما يتم الى موضوع الحركة الاسلامية بصلة فغاب الموضوع عن ملفات مجلة "افكار اون لاين" وصفحات "الملاحظ" وملفات وندوات "جريدة الشروق" الغراء مثلما غابت أخبارردود فعل الشارع التونسي على دعوة شارون الى تونس في نوفمبر 2005  عن صفحات هذه الدوريات المأجورة . وإن انزعاج السلطات التونسية مرده ان معنى جدية الحوار بين الاسلاميين والغرب يعني فشلها في سياسة المقايضة بينها وبين الغرب وانه يستحيل عليها ادارة الشان العام بيد مطلقة مستقبلا (وهو ما يفسر في المدة الاخيرة سياسة الارتباك في توجهات السلطة بين عدم التنازل لنقابة معينة وبين جملة اجراءات لا تدل على غير التنازل – المحامين مثلا -) وانها ستجد نفسها ملزمة باحترام الشعب والتقيد بالقانون وحقوق الانسان – فك العزلة عن المساجين وتخفيف الاحكام للشبان المعتقلين اخيرا مقارنة بمن سبقهم – ترك المجال الرياضي لرجاله من غير اصهار الرئيس ....-  والا لماذا جلس جملة من بين ممثلي السلطة الى قيادات النهضة في الخارج بعد رفض وساطات عربية عدة وبعد ان قيل ما قيل للمرحوم عرفات حول موضوع الاسلاميين في تونس  ...  رغم ان السيد بن ضياء رفض ادراج الموضوع في لقاءه التوضيحي مع اطارات التجمع بعد جملة من التململ حول الحديث عن جملة من الاشكالات مركزيا وجهويا (وهو ما لم تفعله السلطة من قبل حيث تم سنة 2003  عزل كاتب عام لجنة تنسيق حينما طالب بتوضيح مسالة مرض الرئيس التي تروج في الشارع التونسي).

وعادة ما تلجا السلطة التونسية الى رفع الحرج عبر مقال صحفي للسيد برهان بسيس (بعد جملة من التوصيات يسديها عراب السلطة السيد عبدالوهاب عبدالله) في مثل هذه المناسبات، فقد كتب مقالا يعبر عن ما تريد السلطة ان تقوله فقد ربط الصحفي دعوة الحوار بين الاسلاميين والغرب بموكب دفن البابا "...في غمرة الالتفاف الخاشع حول جثمان البابا الراحل المسجى أمام زوار النظرة الأخيرة وفي ثنايا الحزن المهيب الذي سكن الساحة البابوية معتصرة الدمع الهادئ للجموع وشرود الأذهان والعيون نحو عالم السرمد والأرواح المنطفئة وفيما كانت آلات المشهد...."[7]   

 

بل ان محامي السلطة غير المنتدب كشف كل اوراقه مرة واحدة مذكرا باجندته الفكرية كمناضل يساري سابق وكليبرالي حديثا بعد ان اراد ان يكون تحريفيا عندما طلب يوما من السيدة بن سدرين الدخول ضمن التجمع الاشتراكي بعد منتصف التسعينات... "لا أخفي سرا أن هذه المقالة ليست سوى مطارحة للتداعي السياسي الأهم لهذه المقدمات الفكرية الماثلة بخيط ارتباط مرهف بين هذا النقاش الفلسفي والفكري وبين مستجد الحدث السياسي في منطقتنا العربية والاسلامية ، ذاك المتصل تحديدا باعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن تبنيها لما سمته سياسة الحوار مع الاسلاميين المعتدلين والتحاق الاتحاد الاوربي  بهذا الاتجاه التكتيكي الجديد المندرج ضمن سياسات الصياغة الاستراتيجية  للخارطة العربية والاسلامية.  بدى الاعلان الجديد الحدث الأبرز منذ قرار الولايات المتحدة اطلاق حربها العالمية ضد الارهاب الذي ألبسته بوضوح صارم جبة الاسلام الجهادي المتطرف، وأسكتت في غمرته كل الأصوات داخل مخابر القرار الأمريكي التي كانت تنظر لسياسات التقارب مع الاسلاميين كبديل لهشاشة النخب العربية الحاكمة تلك الاصوات التي ورثت انطباعات  العصر الذهبي لنظرية الاستثمار في الاسلام الأصولي لمقارعة الخطر الشيوعي منذ الحقبة الأفغانية المرتدة على أصحابها لكنها وجدت نفسها في موقع المدان والمغفل وهي تعاين طائرات بن لادن مرتطمة بالأبراج ذات ثلاثاء من سبتمبر…."[8] 

ولم يقف الامر عند ذلك بل ان السيد برهان ذهب الى التذكير بجملة من تجارب الاسلاميين حتى يعطي للصورة تناسب أول  كبير مع موقف السلط العربية والتونسية اساسا والعزف على سمفونية اليبراليين أي التخويف من التجربة عبر الامثلة او التبرير النظري الافتراضي ان الاسلاميين سيسقطون في نفس منزلقات اليسار الماركسي الذي ناضل في صفوفه او منزلقات الليبراليين العرب الذين يقف اليوم معهم عبر لافتة الدفاع عن نظام دفع له أكثر من مرتبات 13 سنة مرة واحدة -  عندما تعذر ان يرسله سفيرا بعد ان ارسل وجوه مرضي عنها- لخدمات مسداة مسبقا - ولكنهم معارضون رسميا فقط. 

 

النخب التونسية

 

ارتات بعض النخب التونسية ان هذا التوجه هو نتيجة جملة من الترتبات والحقائق السياسية على الساحة الدولية بينما رأى آخرون عكس ذلك ، الا ان ما يمكن ملاحظته:

 

ان النخب في بلادنا لا تلعب دورا يذكر فهي اما مدجنة مجاملة للسلطة خوفا او طمعا جشعا او مغيبة لا يسمح لها ان تتكلم في المنابر وتعبر عن موقفها نتيجة لعدم ولائها للسلطة.

 

قلة المنابر نتيجة وضعية الاعلام والثقافة في بلادنا ونتيجة لحصار السلطة للمواقع الالكترونية غير المقربة منها او ما يمكن ان يكون مخالفا لها.

 

لذا سنقتصر في مقالنا على مثالين لشخصيتين محسوبتين على اليسار الماركسي لطبيعة ان الموضوع متعلق بالاسلاميين ولم نتعرض لنماذج من التيار القومي (البعثيين والناصريين)  لغياب مواقف هذا التيار من موضوعنا سوى لغياب المنبر بعد غلق موقع المسيرة الالكتروني القريب من الناصريين او كذلك موقع البصرة الذي ينشر به بعض البعثيين او اختيار هذا التيار عدم النشاط العلني الواضح رغم  الظهور الجديد  على الساحة اثر تحركات المنددة بدعوة شارون لبلادنا.

لكن لابد من التذكير أن مناضلي اليسار انقسموا – نتيجة فرز واقعي فرضته الاحداث والتطورات السياسية والضربات المتتالية للسلطة السابقة والحالية - منذ اواسط التسعينات الى يسار استئصالي انتهازي (تحالف مع السلطة ودخل الحزب الحاكم او الاجهزة والادارات اما بحثا عن السلامة واستئثارا بالمناصب والامتيازات او مناصبة العداء للاسلاميين او الامرين معا، عديد مناضلي الامس وخاصة من العائلة الوطنية او اليساريين عموما - التحقوا بالتجمع سنة 1993 - او يسار يؤمن بالوقوف بعيدا من السلطة والتميز عنها دفاعا عن جملة من المبادئ وفهما لطبيعة السلطة ونهايتها الموضوعية على المدى البعيد (وقد ناله نصيب مما نال بقية القوى التي رفضت هيمنة الدولة والحزب على المجتمع كمناضلي التجمع الاشتراكي سابقا والبوكت جناح حمة الهمامي ومناضلي التكتل  بغض النظر عن الموقف من الاسلاميين...)، الشق الثالث وهو المراوح بين هذا او ذاك مثل عناصر الكتلة، مجموعة الكيلاني (الشيوعيون الديمقراطيون)، حركة التجديد.

- المثال الأول: الدكتور عبدالمجيد الشرفي: يعتقد الدكتور الشرفي ان العلاقة بين الاسلاميين والغرب قديمة: "إن هذا التوجه ليس جديدا... يكفي ان نذكر في هذا المجال ملايين الدولارات التي انفقت على المؤتمرات والمنشورات التي تروج اذ ذاك للصحوة الاسلامية... "[9] وهي قراءة قديمة وتشكيكية في تاريخ الحركات الاسلامية من حيث النشاة والمسيرة بل تواصل لقراءة الدكتور المصري رفعت السعيد[10]- رئيس حزب التجمع المصري حاليا -  او الدكتور علية العلاني في أطروحته: "حركة الاتجاه الاسلامي بتونس 1970-1987". [11]   وهو ما ذهب اليه السيد محمد الهادي حمدة احد مناضلي الحزب الديمقراطي التقدمي. [12]

أما عن دواعي الحوار فيرى انها نتيجة قراءة خاطئة للباحثين الامريكان "...وقد انكشف اليوم ان تحاليل هؤلاء لا تعكس حقيقة الاوضاع في المنطقة العربية ، بل هي في اغلب الحالات تمثل لا يخلو من الاراء المسبقة والمسقطة على الواقع العربي..."[13] بل هو يتهم الغرب بتضخيم دور العامل الديني: "...وهي تضخم بصفة خاصة العامل الديني، فترى الاسلام في كل شيء... وتتغاضى عن التحولات العميقة التي تسم الواقع العربي بمختلف ابعاده..."[14]، ثم يذهب الشرفي – الذي فرض على طلابه دوما تبني افكاره في قراءة الفكر الاسلامي وتاريخيته...- الى ان العلاقة بين الغرب والاسلاميين مرت بمراحل ثلاث: 1- التشجيع والتمويل، 2- تسجيل الحضور القوي للاسلاميين 3- اضفاء صبغة شكلية على الاعتراف باهلية الاسلاميين لحكم البلاد العربية.

إن الشرفي يشكك في طبيعة نشاة الحركة الاسلامية ويصر على استعمال "الاسلاموية" ثم يعتقد بدور محصور للاسلام، ليصل تباعا ان الغرب هو الطرف الذي أعطى القوة للحركة الاسلامية ليصل في النهاية الى ان حوار الامريكيين والاروبيين مع "الاسلاميين" هو من جنس حوارهم مع الانظمة العربية بل يؤكد: "...أي هو في جوهره شكل آخر من اشكال الابتزاز هو نوع من الصفقات اللامتكافئة.."[15]  ثم يلخص الدكتور الشرفي كل موقفه مجيبا على سؤال: الى أين يمكن ان يؤدي هذا الحوار: "..أن هذا الحوار سواء وصل او لم يصل الى نتائج ملموسة لا ينبغي ان يلهي قوى التقدم في العالم العربي عن مهامها الاساسية أي العمل الدؤوب في كل الجبهات على تحصين مجتمعاتها من النزعات النكوصية، بتحديثها تحديثا حقيقيا عميقا وشاملا، هذا التحديث الذي يبدأ من نبذ الدغمائية المميتة، دينية كانت او غير دينية، ويقتضي شروط الفعل في التاريخ وسيتبين المسلمون حينئذ ان ذلك هو ما ينسجم دون غيره ورسالة الاسلام السامية خلافا لما يدعوهم اليه الاسلام السياسي المفلس افلاسا صارخا حيثما واتته الفرصة للاستيلاء على الحكم حالف الغرب ام عاداه..."[16].

- المثال الثاني، السيد صالح الزغيدي (ملف: الطريق الجديد ):

يفتقد ما كتبه السيد الزغيدي فس هذا المجال للموضوعية:

كل المقال هو قراءة غير موضوعية وتاويلية للندوة الصحفية لحركة النهضة ليوم 07/06/2005 وكان الاجدر به نشر نص الندوة كاملا وتاطيره موضوعيا مكانا وزمانا ثم قراءته نقديا

الخلط بين الاحداث ومضمون الندوة وتصريحات السيد عامر لعريض والاهم حوار الحركة الاسلامية والغرب الذي هو موضوعنا هنا وموضوع ملف الجريدة الذي كتب السيد الزغيدي مقاله حولها.

السيد الزغيدي هو من اضاف الجملة المشهورة بطريق سرية وغير ديمقراطية في بيان المبادرة في نوفمبر الماضي  – معاداة رؤى المساجين – رغم عدم موافقة هيئة المبادرة عليها، وهو ايضا من رفض ترجمة تقرير في اطار مهمته في الرابطة حول اوضاع المساجين الساسيين – مناضلي النهضة أساسا-

إن كل ما أراد السيد الزغيدي قوله من خلال مقاله حول حوار الاسلاميين والغرب:

أ‌-      أن النهضة متورطة في الحوار مع الغرب : " ...فحركة النهضة غاطسة في هذه الصفقة ( يقصد صفقة التآمر على البلد والشعب) منذ انطلاقها وقدمت وما تزال تقدم ما ينبغي لارضاء اصدقائها الجدد ، أعني الادارة الامريكية والاتحاد الاروبي..."[17]

ب- النهضة تتآمر على الشعب: "...هذا هو اذن البديل الذي تطبخه لتونس منذ بضع اسابيع الولايات المتحدة والاتحاد الاروبي وحركة النهضة وبعض المتطفلين الراغبين في لعب دور بني صدر ، فهل سيقبل ديمقراطيونا وهل سيقبل شعبنا مثل هذا البديل الدخيل والمغشوش في نفس الوقت ؟ ..."[18]

وكان بالاحرى بالسيد الزغيدي ان يقول كل الحقيقة، فهو غيب السلطة ودورها وطبيعتها وموقفه من الصهاينة وحركة حماس وكل ما اراد ان يقوله ولم يجد الشجاعة لقوله ان السلطة ترضخ لضغوطات الامريكان وقبلت بالتفاوض معهم ومع النهضة وان الثلاثي امريكا والسلطة والنهضة يتآمرون عليه أي صالح الزغيدي التقدمي رغم انه طليق وحر بينما المساجين الذين يعاديهم ويرفض ترجمة تقرير يهمهم فانهم ايضا شاركوا في الصفقة المتحدث عنها رغم انهم يحبون حماس التي لا تحب الصهاينة وهو لا يحب حماس...

ورغم ذلك فان جملة من المقالات حللت الموضوع باطناب وموضوعية كالسيدين رشيد خشانة وأحمد نجيب الشابي القياديين بالحزب الديمقراطي التقدمي او السيد عمر الماجري[19] عضو المكتب السياسي لنفس الحزب رغم انتمائه القومي الديمقراطي، وهو ما فعله يساريون آخرون من تونس بل من المغرب ومصر ودول اروبية أيضا.

خاتمة

لابد لكل محلل موضوعي ان يؤكد على:

أن الحركة الاسلامية تبقى رغم طلائعيتها ونضالها وجماهريتها في حاجة الى التاكيد على القرب من الجماهير الشعبية حتى تتفهم اراءها ومواقفها ودواعي تلك المواقف لان تلك الجماهير هي الضامن الوحيد لكل الاهداف التي تسعى اليها الحركة الاسلامية.

محاورة النخب الايديولوجية الاخرى حتى تلك التي تؤمن بالاقصاء.

فهم ان الغرب هو الذي يحتاج للحوار مع التيار الوسطي في الحركة الاسلامية وبالتالي لابد وان يعي ذلك الغرب اننا كأمة ننبذ حضاريا العنف ولا نعاديهم الا اذا عادونا او احتلوا ارضنا.