مستقبل الحركة الإسلامية بين الرخصة والعزيمة

العدد الخامس عشر
السنة الرابعة/ جويلية - أوت 2005

 
د. سليم بن حميدان (*)

 بعد عقود طويلة من الكفاح السياسي، المتراوح بين السرية والعلنية، كان كسب الحركة الإسلامية على امتداد الشارع العربي- الإسلامي وافرا.

فقد تمكنت من تأطير قطاعات واسعة من مجتمعاتها شملت النقابات المهنية والمعاهد والجامعات والهيئات الخيرية والمنظمات النسوية والجيش وإدارات الدولة ووسائل الإعلام. بل امتد إشعاعها وحضورها ليطالا كثيرا من الدول الغربية سواء في مستوى الجاليات المسلمة أو النخب الفكرية والسياسية التي أضحت المنافح الأكبر ضد الإسلاموفوبيا في العديد من الحواضر الأوروبية.

لقد كان أداء الحركة الإسلامية متميزا بالإصرار وطول النفس. ففي الوقت الذي غلبت فيه النخبوية وفجائية التحول أو الإنقراض مسار أغلب التنظيمات والحركات العلمانية، قومية كانت أم يسارية، تميزت الحركة الإسلامية بالجماهيرية والإقتدار التنظيمي.

فلم تزدها الضربات الأمنية المتلاحقة وحملات الإعتقال والسجون إلا تعاطفا وصلابة لتخرج في كل مرة بمراجعات فكرية وسياسية وتنظيمية أكثر تطورا ومرونة وقدرة على اكتساح فضاءات جديدة [القطاعان الفني والرياضي في مصر مثلا].

تساءل كثير من المراقبين والمختصين في شؤون الصحوة الإسلامية عن سر جاذبيتها، فتحدث بعضهم عن تخلف الشعوب الحاضنة لها وهيمنة الجهل والفكر التيولوجي عليها، ورأى البعض الآخر في هشاشة البنى الإقتصادية والإجتماعية وانتشار الفقر والبطالة سببا مباشرا في تغذيتها بجيوش العاطلين والمأزومين الذين يجدون في الدين الطمأنينة والسلوى. كما اعتبر فريق ثالث أن عودة المقدس بقوة في مجتمعاتنا إنما هو تعبير عن احتجاج متصاعد على حداثة مجهضة أكثر منه حاجة إنسانية أصيلة وفطرية.

بغض النظر عن وجاهة أي من هذه التفسيرات لتوسع الظاهرة وانتشارها الكاسح والسريع، يبدو لي اهتمام الحركة الإسلامية بالقضايا المركزية للأمة وعلى رأسها فلسطين ورفض الإحتلال أو الوصاية الأجنبية على مقدسات الأمة ومقدراتها هو السر الكامن وراء جاذبيتها وقدرتها المتنامية على إستقطاب الجماهير وتوسيع قاعدتها إلى الحد الذي تحولت معه في بعض الأقطار من حركة في المجتمع إلى ما يشبه حركة مجتمع بأسره.

لقد اقترن بروز الحركة الإسلامية تاريخيا، كتنظيم فكري وسياسي، بالجهاد في فلسطين إبان نكبة 1948. فلم يحل الإستعمار البريطاني لمصر وقتذاك دون توافد مجموعات الفدائيين، بتخطيط وتحريض من تنظيم الإخوان المسلمين الذي أسسه الشهيد حسن البنا سنة 1928، على أرض فلسطين للمشاركة في تحريرها من عصابات الإستيطان الصهيوني، فكان لهم وجودهم ودورهم في الثورة العربية الكبرى لعام 1936 ثم شاركوا بعدها في حرب فلسطين واستطاعوا تعزيز الدفاع عن القدس وبيت لحم قبل الهدنة الأولى وبعدها، كما كان للدور الذي قاموا به في مساندة الجيش المصري فاعليته في حصار الفالوجا صيف سنة 1948 مما يفسر ربما صدور قرار حل الجماعة من حكومة النقراشي.

كما كان للحركات الدينية وزعماء الطرق الصوفية وهيئات العلماء دور طلائعي في مقاومة الإستعمار الأجنبي. وهي تمثل كلها روافد تاريخية أفادت منها الحركة الإسلامية كثيرا في تنمية رصيدها الجماهيري عبر إضفاء مشروعية تاريخية وجهادية على وجودها كقوة إجتماعية وسياسية صاعدة.

لقد أصبح شعار [فلسطين قضية مركزية للحركة الإسلامية] هو العنوان الكبير الذي أبلت فيه الحركة الإسلامية كبير البلاء، داخل فلسطين [حماس والجهاد والحركة الإسلامية في أراضي 1948] وعلى حدودها [المقاومة الإسلامية في لبنان] كما في أقاصي العالم الإسلامي [جاكرتا وكوالالمبور] وفي أغلب العواصم الأوروبية.

فتمكنت من تعبئة الشارع الإسلامي وتجييش المشاعر الدينية فيما يتعلق بالمسجد الأقصى [أولى القبلتين وثالث الحرمين] بل إننا لسنا نبالغ إذا اعتبرناها حاضنة ثقافة الجهاد والمقاومة ضد الصهيونية بعد أن تهاوت أغلب الرسميات العربية، سرا أو علنا أمام وطأة الشروط الأمريكية والصهيونية باسم الضرورة حينا والواقعية أحيانا أخرى.

وفي الدول التي واجهت فيها حرب الإستئصال والإبادة الكاملة، كما هو شأن حركة النهضة التونسية التي يتوزع أنصارها ومؤيدوها بين السجون والمنافي، ظل الموقف الثابت والداعم للقضية الفلسطينية وسائر القضايا القومية، خصوصا من زعيمها راشد الغنوشي، أحد عوامل الصمود والإعجاب والتأييد الذي تحظى به اليوم في أوساط شبابية عريضة تكاد لا تعرفها إلا عبر وسائل الإعلام والفضاءات الإفتراضية المستعصية على رقابة السلط السياسية والأمنية.

الحركة الإسلامية والمنعرج الجديد:

الضربة التي لا تقسم الظهر تقويه. ذلك ما حدث للحركة الإسلامية عقب أحداث 11 سبتمبر 2001. فقد أعطتها هذه الأخيرة زخما جديدا ألقى بها في واجهة الأحداث والإهتمامات وجعلها تتصدر نشرات الأخبار وتحاليل مراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية والشغل الشاغل لمكاتب الإستخبارات والجوسسة في الشرق والغرب.

وبقدر فاعلية الضربات الموجعة التي تلقتها التنظيمات الجهادية، استفاد الإسلام الوسطي المعتدل، وهو التيار الغالب في الحركة الإسلامية، كبير الإستفادة في الترويج والإقناع بأطروحاته الوطنية والحضارية وقدرته على احتواء وتأطير الشباب الناقم على السياسات الغربية المعادية والمهينة للإسلام والمسلمين.

ولقد ساهمت سياسات الدعم الغربي للأنظمة الرسمية وتجاوب هذه الأخيرة مع المشاريع الأمريكية لإصلاح التعليم، المفروضة عليها قسرا تحت يافطة تجفيف ينابيع الإرهاب والتطرف مع أن المقصود بها هو تجفيف ينابيع التدين لإيقاف المد المتدفق الذي تستفيد منه الحركة الإسلامية، ساهم ذلك إذن في مضاعفة عزلة تلك الأنظمة وفضح عمالتها من جهة وتعزيز رصيد الحركة الإسلامية وترشيحها كبديل، محتمل سياسيا ومقبول شعبيا، خلال آماد زمنية ربما تكون وشيكة.

 لقد فوجئ العالم كله، والحركة الإسلامية ذاتها على رأسه، بالمساعي الأمريكية والأوروبية لفتح حوار مباشر معها، وهي التي كانت توصم كلها، إلى الأمس القريب، بالتطرف والأصولية والظلامية والإرهاب وسائر النعوت والألقاب القبيحة.

فما هي يا ترى خلفيات الموقف الغربي الجديد تجاه الحوار مع الحركة الإسلامية ؟ :

كثيرة هي الدوافع ولا شك : إفلاس الأنظمة الرسمية الحاكمة ووقوفها على شفا الإنهيار الكامل والوشيك، تصاعد المقاومة الإسلامية في كل جبهات الحرب ضد الغزاة والمحتلين، عولمة القيم الديمقراطية وتحرك الشعوب لاسترجاع سيادتها السليبة، غير أن العامل الأهم يتمثل، برأيي، في مرونة الحركة الإسلامية وقبولها لتقديم التنازلات وتغليبها لفقه التعايش والحوار بين الحضارات على فقه المغالبة والحرب.

لقد جندت الحركة الإسلامية كل طاقاتها وكوادرها ومنابرها الإعلامية، خلال كامل عقد التسعينات ولا زالت، من أجل الإقناع برغبتها في إبرام مصالحات وطنية مع فرقائها السياسيين، سواء كانوا في السلطة أم في المعارضة. هذا على الصعيد الداخلي رغم وضعيتها غير القانونية في معظم أقطار العالم الإسلامي.

أما خارجيا فقد بذلت كل الوسع لأجل إثبات اعتدالها ووسطيتها وقابليتها للتفاعل ضمن فقه المصالح والموازنات.

ما يمكننا استخلاصه من مسار نشأة الحركة الإسلامية وتطورها ومآلاتها هو كونها، وكأي ظاهرة إجتماعية وسياسية، ديناميكية ومفتوحة على شتى الإحتمالات والآفاق.

وهي من ثمة خاضعة لمستحكمات الواقع وموازين القوى المتحركة فيه دوما حتى وإن كانت تطرح نفسها بديلا عن ذلك الواقع أو فاعلا رئيسيا في تحريكه.

وقد بدأت الإستحقاقات الجديدة تنيخ بكلكلها على الحركة الإسلامية في الدول التي تمكنت فيها من اعتلاء سدة الحكم أو المشاركة فيه، فاعلا رئيسيا ورسميا في العلاقات الدولية.

ولعل حزب العدالة والتنمية التركي، بقيادة رجب طيب أردغان، يمثل النموذج الصارخ لانقلاب الحركة الإسلامية على نفسها وقيمها وشعاراتها، وتحولها إلى مجرد حركة إحياء روحي وخلقي داخل مجتمعها لا أكثر من ذلك ولا أقل. ولن يغفر لها وضعها بين المطرقة الأمريكية –الأطلسية وسندان العسكارتاريا العلمانية جريمة الإرتقاء بالتطبيع مع الدولة العبرية إلى مستوى التعاون الأمني والعسكري.

ليس ذلك، وبكل المقاييس الشرعية والأخلاقية، إلا نكوصا وتنكرا لقيم النشوء والإرتقاء التي كسبت بها تأييد الداخل التركي وتعاطف الجوار العربي والإسلامي.

أما اليوم فإن اهتزاز الصورة لدى النظراء قبل الأعداء [في إشارة إلى احتجاج حزب العدالة والتنمية المغربي إثر زيارة أردغان إلى تل أبيب والتقاءه نظيره الصهيوني شارون]، قد يؤشر لانتصار البراغماتية والمصالح على المبادئ والقيم حتى لدى الحركة الإسلامية.

وعلى الشمال الشرقي لتركيا، حيث إيران، تتربع الحركة الإسلامية [في عباءتها الشيعية] على سدة الحكم منذ أكثر من ربع قرن فلم يكن حظها من نصرة قضايا الأمة والمستضعفين في الأرض بأفضل من كسبها في مصالحها القومية والمذهبية إلى درجة قبولها مقايضة الوجود الأمريكي في العراق بحماية منشآتها النووية وجلوس الأغلبية الشيعية الموالية لطهران، برآسة الجعفري، على موائد غوندليزا رايس ورونالد رامسفيلد.

أما في السودان، فيبدو أن الحركة الإسلامية آثرت الإنسحاب من لعبة الحكم بعد إنقلاب العسكريين عليها وإصرارهم على الخضوع للشروط الأمريكية والصهيونية كضريبة لبقائهم في السلطة بغير سند شعبي. ولسنا ندري أن كانوا حقا قادرين على الإيفاء بها كلها خاصة أنها وصلت إلى حد المطالبة بتسليم بعض المسؤولين الحكوميين لمحاكمتهم أمام المحاكم الدولية.

ويبقى السؤال مطروحا بقوة حول مستقبل الحركة الإسلامية في فلسطين خصوصا بُعيد قرار حركة المقاومة الإسلامية حماس دخول منظمة التحرير وخوض غمار المنافسة الإنتخابية في المؤسسات الرسمية الفلسطينية.

لست متأكدا من أن استحقاقات السلطة وضرورات التفاوض والدبلوماسية الإقليمية والدولية لن تحولا حماس إلى حمامة سلام جديدة تلقي السلاح، تدين الإرهاب وترفع غصن الزيتون، تماما كما يفعل كل العقلاء وأساطنة السياسة من الفلسطينيين والأشقاء العرب.

لا يهم بعدها أن تكون الخطابات دينية ونارية فلن تتجاوز في أقصى نبراتها خطب القائد أبوعمار رحمه الله قبل أوسلو كما بعدها.

صمام الأمان أو خيار العزيمة:

الحديث عن حوار الغرب مع الحركة الإسلامية يفتح أبواب التفاوض معها حول إمكانية قبولها لممارسة الحكم أو المشاركة فيه.

غير أن واقع الحال يؤكد ألا سبيل لذلك دون القبول ببعض التنازلات والشروط التي يمثل الإعتراف بالدولة العبرية والتطبيع معها أهمها على الإطلاق.

تبدو الحركة الإسلامية قابلة للتعاطي مع هذا الشرط وإيجاد المبررات السياسية والشرعية للتفاعل معه إيجابا. فـ"الضرورات تبيح المحضورات" و"حيثما توجد المصلحة فثمة شرع الله ودينه" و"مارآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن". بل قد نسمع من جديد من يعرض لنا، إفتراء وليا لأعناق النصوص، صلح الحديبية شاهدا من عمل الرسول الأكرم على مايبرم من اتفاقيات مع الكيان الصهيوني تماما كما فعل شيوخ فطاحل في تبرير ما فعله السادات في كامب دافيد سنة 1978.

يزداد الأمر خطورة عندما نقرأ أحد منظري الحركة الإسلامية وهو منير محمد الغضبان في كتابه المنهج الحركي للسيرة النبوية [الجزء1-ص61 – طبع شركة الشهاب- الجزائر] يكتب معلقا على حادثة تظاهر الصحابي عمار بن ياسر، رضي الله عنهما، بالكفر عند تعذيبه من طرف مشركي مكة :

 "وتفاوت المستويات إذن ممكن في الحركة الإسلامية بين الصبر على التعذيب حتى الموت الذي يمثل العزيمة وبين التظاهر بالكفر الذي يمثل الرخصة"

ما يُخشى حقا هو أن يتحول التظاهر بالكفر إلى كفر بواح ينسف جهود قرن كامل من الإحياء والإصرار والإستماتة في الدفاع عن قضايا الأمة ومقدساتها.

إذا حدث ذلك وآثرت الحركة الإسلامية الرخصة على العزيمة فسيكون مثلها كمثل التي تنقض غزلها أنكاثا. أما إذا أصرت على خيار العزيمة وتمسكت بالحقوق الدينية والقومية في القدس وسائر المقدسات فسوف تضاعف من كسبها السياسي والشعبي ولربما أصبح لجاذبيتها لون آخر مع بدء تراجع القوى العظمى عن مواقفها المتصلبة والرافضة تجاهها.


(*) سياسي وقانوني تونسي مقيم بباريس

© aqlamonline 2005