إسرائيل لا تسعى إلى "التطبيع"

العدد الرابع عشر
السنة الرابعة/ ماي - جوان 2005


أحمد السميعي (*)

لقد أثارت هجرة اليهود المكثفة إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر مخاوف الفلسطينيين والعرب جميعا في ذلك الوقت، لكن محدودية القيادات العربية، وعمالة بعضها للغرب، جعلتهم يتعاملون مع القضية بكثير من السذاجة في بداية الأمر. ولما تتالت عليهم النكبات، وأحسوا بالعجز، بدؤوا يدكون رؤوسهم في التراب، ويلجئون إلى إغراق شعوبهم في الأوهام. وليس شعار ״التطبيع״، الذي يروج له العرب هذه الأيام، إلا واحدا من هذه الأوهام.

الصهيونية نشأت وترعرعت في أحضان الاستعمار الغربي

لقد برزت في بلاد الشرق، ومنذ بداية القرن التاسع عشر، حركة هجرة يهودية كثيفة داخلية وأخرى خارجية. الهجرة الداخلية تمثلت في انتقال اليهود من القرى، ومن داخل البلاد، إلى المدن الساحلية الكبيرة. كما تمثلت في الهجرة من مختلف بلدان الشرق إلى فلسطين. وأما الهجرة الخارجية فتمثلت في قدوم يهود يحملون جنسيات أجنبية إلى مختلف بلدان الشرق، كما تمثلت في انتقال يهود شرقيين إلى البلدان الغربية.

وقد اتضح مع مرور الزمن أن هذه الهجرة كانت مرتبطة بالمشروع الاستعماري الذي كان يريد ترسيخ أقدامه في بلدان الشرق قبل احتلالها بالاعتماد على بعض الأقليات الدينية والعرقية بعد تمتيعها بالجنسيات الأوروبية ومن أهم هذه الأقليات الطائفة اليهودية. وقد فرضت الدول الأوروبية على السلطة العثمانية ما سمي بقانون "الامتيازات الأجنبية" الذي يعفي الأجانب من الضرائب والقوانين المحلية كما فرضت حمايتها على هذه الأقليات. وقد أقامت بريطانيا لحماية اليهود قنصلية في القدس عام 1839. وبدأت هذه القنصلية تنشط في كل الاتجاهات للتظاهر بالدفاع عن اليهود وتعمل على ترويج فكرة "عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين". وهذه الفكرة التي ابتدعها رواد الاستعمار من غير اليهود والذين يسميهم البعض "الصهاينة المسيحيون" وإن كانت تهدف إلى استعمال الجالية اليهودية في تنفيذ المشاريع الاستعمارية فإنها تعبر في الواقع عن روح عنصرية لأنها تسعى إلى التخلص من اليهود إلى خارج أوروبا حيث كانوا يمثلون عبئا عليها و"مشكلة" استعصى عليها حلها. ولاشك أن هذه الفكرة وجدت هوى في نفوس الكثير من رجال الدين اليهود الحالمين ب"أرض الميعاد" ودغدغت أحلام الكثير من اليهود الأغنياء الراغبين في الشهرة والتسلط أو أولئك الذين يعانون من الفقر والاضطهاد في الغرب وخاصة يهود أوروبا الشرقية. وبدأت الفكرة الصهيونية تسري في كل الجاليات اليهودية في العالم في تناسق تام مع الحركة الاستعمارية الغربية إلى أن جاءت قضية دريفوس سنة 1894 لتخلق جوا مناسبا استغلته الحركة الصهيونية لنشر دعايتها وإقناع اليهود بالانضمام إلى صفوفها وتمكنت من عقد أول مؤتمراتها سنة 1897 بمدينة بازل السويسرية.

ويبين التاريخ أن تحالفا استراتيجيا بين زعماء الحركة الصهيونية وقادة الدول الغربية نشأ منذ ذلك التاريخ وهو ما زال نافذ المفعول إلى الآن. وقد بينت دراسات كثيرة أن زعماء الصهيونية تحالفوا حتى مع النازيين لإيذاء اليهود بقصد إجبارهم على الهجرة إلى فلسطين.

وفي "مؤتمر السلام" الذي انعقد في باريس سنة 1919 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى كان التحالف الصهيوني- الغربي واضحا من خلال التزام انجلترا بتنفيذ وعد بلفور والتزام فرنسا بتأييد الصهيونية والتزام الرئيس الأميركي ويلسن بالتخلي عن مبدأ حق تقرير المصير بالنسبة لفلسطين.

أما قرار التقسيم الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة سنة 1947 والذي تأسست دولة إسرائيل بموجبه فكان تنفيذا في الوقت المناسب لوعد بلفور الذي أقرته عصبة الأمم قبل عقدين من الزمن. وهذه المنظمة "الأممية" التي باتت تشكل اليوم أداة في يد الولايات المتحدة الأميركية تستعملها لإلحاق الأذى بكل الشعوب المستضعفة هي التي تشرع عمليا كل الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني بالاعتماد على الفيتو الأميركي.

الشعب الفلسطيني انتبه للخطر الصهيوني مبكرا لكنه كان ضحية الخداع البريطاني

لقد استشعر الشعب الفلسطيني المخاطر التي تمثلها الحركة الصهيونية على مستقبله ومستقبل المنطقة بأكملها حتى قبل الإطلاع على " بروتوكولات حكماء صهيون" التي وقع الكشف عنها في أعقاب الحرب العالمية الأولى. فمنذ قدوم أول بعثة استعمارية صهيونية (من روسيا) إلى فلسطين سنة 1882 بدأ الشعب الفلسطيني يتحسس الخطر.

وقد تم أول اصطدام مسلح بين الفلاحين العرب الذين أطردوا من قراهم في فلسطين والغزاة الصهاينة سنة 1886 مما أجبر الحكومة العثمانية إلى فرض قيود على هجرة اليهود إلى فلسطين. وفي عام 1891 تقدم وجهاء القدس بعريضة للصدر الأعظم العثماني يطالبونه فيها بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين وحرمانهم من امتلاك الأراضي فيها.

وفي سنة 1911 وضع أحد المثقفين المقدسيين مخطوطا بعنوان "المسألة الصهيونية" يعرف فيه الحركة الصهيونية ويبين جذورها وأهدافها. وقد وصف بإسهاب الجهود التي تقوم بها المؤسسات الصهيونية وزعماؤها وأكد بالخصوص على أن إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين هو الهدف الأساسي للحركة الصهيونية. ثم أدرج أسماء المستعمرات اليهودية التي نشأت حتى ذلك الحين وذكر أسماء الملاكين العرب الذين باعوا أراضيهم. وفي سنة 1913 انتظمت مظاهرة كبيرة في مدينة نابلس احتجاجا على اعتزام الحكومة بيع أراضي بيسان التابعة للدولة لليهود.

 إلا أن الدعاية المخادعة التي كانت تروجها المخابرات البريطانية قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى بخصوص رغبة انجلترا في "تحرير العرب من الاستعمار التركي" لتشجيعهم على الثورة ضد السلطة العثمانية دفعت أبناء الشعب الفلسطيني والعرب عموما إلى تركيز جهودهم على نصرة الجيش البريطاني الذي كان يتربص بهم والتوهم بأن هذا الجيش سيساعدهم على تأسيس دولة عربية مستقلة تمكنهم من التخلص من الصهاينة بعدما يتحررون من حكم الأتراك. وكانت حركة "الاتحاد والترقي" الحاكمة في اسطنبول آنذاك والمخترقة بدورها من طرف الحركة الصهيونية تساهم من ناحيتها في تسميم الأجواء بين العرب والأتراك وتسهيل مهمة الاستعمار في تفكيك الإمبراطورية العثمانية والاستيلاء على أشلائها.

وقد عقد سنة 1913 أول" مؤتمر عربي" شارك فيه مندوبون من سوريا ولبنان وفلسطين أغلبهم من المقيمين في باريس وكذلك بعض المندوبين من مصر والعراق.

ومن يتأمل في ظروف انعقاد هذا "المؤتمر العربي الأول" والنتائج التي أفضى إليها وردود الأفعال التي تلته يدرك أن العرب لم يفهموا حينها حقيقة ما يحاك حولهم من مؤامرات تستهدفهم ولم يستطيعوا تحديد أعدائهم بشكل واضح وترتيب أولوياتهم بدقة وإحكام فأظلوا السبيل وتاهوا في صراعات داخلية زادت في تعميق مأساتهم.

لقد وضع المؤتمر على جدول أعماله قضيتين. القضية الأولى هي"الإصلاح الإداري على أساس اللامركزية" والقضية الثانية هي قضية "حقوق العرب في الدولة العثمانية". ولم يتطرق المؤتمر إلى قضية الهجرة اليهودية إلى فلسطين ولا إلى قضية بيع الأراضي الفلسطينية لليهود وذلك رغم البرقيات العديدة الواردة من فلسطين والمنبهة إلى هذه القضايا الخطيرة والعاجلة.

ولاشك أنه لم يخطر ببال أحد من المؤتمرين آنذاك أن باريس التي وفرت لهم قاعة المؤتمر كانت تستعد لتفكيك الإمبراطورية العثمانية التي يريدون إصلاح إدارتها كما كانت تستعد للاستيلاء على البلاد العربية التي يطالبون بحقوقها.

أما علماء المدينة المنورة ورواد "حركة الإصلاح" في البصرة الذين هاجموا هذا المؤتمر واتهموا المشاركين فيه بالعمل على "تسليم البلاد للأجانب" كما هاجموا جمعية "الاتحاد والترقي" واتهموها بالتعاون مع الصهيونية والسعي إلى تسليم أرض فلسطين لليهود فقد فاتهم أنهم واقعون أيضا في حبال المخطط البريطاني- الصهيوني الذي يريد دفع العرب في اتجاه التصادم مع الدولة العثمانية.

لم يفهم العرب حينها أن في كل الصراعات هناك عدو رئيسي يتوجب على الجميع الوقوف في وجهه بكل حزم. ولم يلتزم شريف مكة التي كانت تموله بريطانيا آنذاك بتعاليم دينه التي تحرم عليه اتخاذ غير المسلمين أولياء له وهو الحارس للحرمين الشريفين...

وقاتل العرب إلى جانب القوات الفرنسية والإنجليزية إخوانهم المسلمين في الجيش العثماني. وكانت النتيجة هي استيلاء هذه القوات على البلاد العربية وقمع الانتفاضات الشعبية التي حاولت التصدي للاحتلال وإذكاء النعرات الجاهلية بين المسلمين بعدما عاشوا في إطار الخلافة العثمانية جنبا إلى جنب على امتداد ستة قرون لا يميزون بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى. ولم يدر الشعب الفلسطيني المخدوع آنذاك أن أرض فلسطين بدأت تنسحب من تحت قدميه لفائدة العصابات الصهيونية منذ أن وقع إخضاعها للانتداب البريطاني رسميا بعد مؤتمر السلام الذي عقد في باريس في بداية عام 1919.

المراهنة على حق تقرير المصير وعلى دول الجوار أدت إلى "النكبة"

إن أغرب ما يلاحظه المرء في تصرفات عرب فلسطين في ذلك الوقت أنهم استمروا في التعاون مع الإنجليز بل والتظلم لديهم من تصرفات الصهاينة حتى بعد احتلال فلسطين وبعد الإعلان عن وعد بلفور وبعد انكشاف معاهدة سايكس- بيكو الاستعمارية. ولعل السر في ذلك هو قدرة الإنجليز الفائقة على المراوغة والنفاق. والانجليز كانوا ولازالوا يستبلهون العرب منذ أن تمكنوا من تكوين مستعمرات على السواحل العربية ونصبوا عليها أمراء من أبنائها يمولونهم ويوفرون لهم الحماية مقابل الوفاء للتاج البريطاني.

كان الشعب الفلسطيني على أتم الوعي بخطورة الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستملاك الأراضي فيها من طرف اليهود الوافدين ولم يتوقف عن التنبيه إلى هذه الخطورة. فأسس الجمعيات والأحزاب وعقد المؤتمرات المتتالية لدق ناقوس الخطر ولإطلاق صيحات الاستغاثة والتصدي للخطر الداهم. لكن تفكيره كان مشدودا إلى نقطتين أساسيتين. الأولى تتمثل في المراهنة على مبدأ حق تقرير المصير الذي أقرته عصبة الأمم رغم أن الرئيس الأميركي ويلسن كان قد تعهد في مؤتمر السلام كما أسلفنا سابقا بعدم التمسك بهذا المبدأ بخصوص فلسطين. والنقطة الثانية تتمثل في التمسك بعروبة فلسطين على خلفية المراهنة على معونة دول الجوار رغم أن هذه الدول كانت إما مستعمرة وإما يحكمها عملاء نصبهم الإنجليز على شعوبهم.

وبقي البريطانيون يخادعون الشعب الفلسطيني زمنا طويلا ويتظاهرون بالتضييق على الهجرة اليهودية إلى فلسطين بينما كانوا يدعمونها في الخفاء طيلة فترة الانتداب. وقد استطاعوا أن يكونوا لهم "أصدقاء" من بين وجهاء فلسطين وزعمائها يتوددون إليهم ويتبادلون الزيارات معهم من حين لآخر ويستعينون بهم كلما تأزمت الأوضاع بسبب العداء الذي بدأ يتجذر بين العرب واليهود والذي كانت بريطانيا تشجعه في الخفاء بينما هي تتظاهر بالحرص على التوفيق بين العرب واليهود. وكان البريطانيون يعملون على ترويج دعاية واسعة بين أبناء الشعب الفلسطيني وبين العرب عموما مفادها أن فوائد جمة ستحصل لهم من خلال هجرة اليهود إلى بلادهم وتدفق الأموال والخبرات اليهودية إليها...

ولم يستفق الشعب الفلسطيني من غفوته إلا في أواسط الثلاثينيات من القرن الماضي بعد النداء الذي وجهه له الشيخ عز الدين القسام يدعوه فيه للجهاد. واستعد الشعب للثورة ضد الاحتلال الإنجليزي باعتباره حليفا للصهيونية وحاميا لها. فتم الإعلان عن الإضراب العام وتشكلت فرق مسلحة في فلسطين لمقاومة الاحتلال وهب المتطوعون العرب من كل مكان لنصرتها. عندها لجأ البريطانيون إلى عملائهم من الحكام العرب الذين نصبوهم في وسط الجزيرة العربية وشمالها ليستعينوا بهم. وهب هؤلاء لنجدة أسيادهم وأولياء نعمتهم فوجهوا نداء مشتركا دعوا فيه إلى حل الإضراب العام ووقف الثورة. ولمحدودية القيادة الفلسطينية آنذاك واختراقها من قبل الإنجليز تمت تلبية النداء وتوقفت الثورة. وعاد الفلسطينيون يطالبون من جديد بتطبيق مبدأ حق تقرير المصير وتاهت القضية من جديد بين المؤتمرات والموائد المستديرة والكتب الملونة إلى أن صدر قرار التقسيم المشئوم في أعقاب الحرب العالمية الثانية وحدثت "النكبة" التي فقد فيها الشعب الفلسطيني بلاده وسالت فيها دماءه.

الحرب الباردة ساعدت على توسيع النكبة لتشمل دول الجوار

بعد قرار التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة والمجازر التي تعرض لها الشعب الفلسطيني والهزيمة التي منيت بها الجيوش العربية في الحرب العربية- الصهيونية الأولى سنة 1948 كان العالم بأسره يتجه إلى حالة من الاستقطاب الثنائي الحاد بين عالم غربي رأسمالي وعالم شرقي اشتراكي. وانعكس هذا التوجه على معظم الحكام العرب فانقسموا بين مساند للغرب ومتعاون معه وبين معاد له ومتحالف مع الشرق. ولم تفلح منظمة عدم الانحياز التي حاولت خلق فضاء بين القطبين في الحد من هذا الاستقطاب في الواقع.

وفي أجواء الحرب الباردة السائدة آنذاك كان الخطاب الثوري المعادي للإمبريالية والصهيونية والمراهن على دعم المعسكر الشرقي يدغدغ أحلام الشباب والجماهير العربية ويبعث فيهم آمالا واسعة في تحرير فلسطين. وبقي الشعب الفلسطيني المشرد في دول الجوار وفي كل أنحاء العالم يحلم بالعودة إلى أرضه عندما تهب الجيوش العربية الثورية هبة الأسود نحو فلسطين لتحررها وترمي باليهود المغتصبين في البحر.

واغتنمت إسرائيل دعم الغرب القوي لها لتبدأ في تنفيذ مرحلة جديدة من المخطط الصهيوني وهو الاستيلاء على المياه مستغلة معاداة دول الجوار (مصر وسوريا) للدول الغربية وتعاونها مع المعسكر الشرقي. فعمدت إلى القيام بأشغال في المنطقة معزولة السلاح بينها وبين سوريا بقصد تحويل مياه نهر الأردن. فثارت ثائرة القادة السوريين وبدؤوا يوجهون اللوم للقادة العرب ويتهمون عبد الناصر بالتخلي عن القضايا القومية مما أجبر هذا الأخير على الدعوة إلى عقد أول قمة عربية في جانفي 1964 لوضع خطة عربية تتصدى للمشروع الصهيوني وتحاول الاستفادة من مياه نهر الأردن.

ومن القرارات الهامة التي اتخذتها هذه القمة والتي سيكون لها تأثير في تطور الأوضاع في المستقبل هو قرار تكوين ״كيان فلسطيني״. وقد تم فعلا الإعلان عن بعث هذا الكيان تحت اسم ״منظمة التحرير الفلسطينية״ في أول مؤتمر عربي فلسطيني يعقد بعد "النكبة" في نفس السنة التي عقدت فيها القمة. لكن هذه المنظمة التي سلمت رئاستها آنذاك لأحمد الشقيري المتهم بالولاء لعبد الناصر في أجواء ما يمكن تسميته حرب باردة عربية كانت ضعيفة في بداية تأسيسها ولم يصبح لها إشعاع إلا سنة 1969 عندما تسلم رئاستها الشاب ياسر عرفات زعيم حركة المقاومة الناشئة "فتح".

ولما حاولت سوريا تطبيق قرارات القمة العربية وشرعت في القيام بأشغال من أجل تحويل نهر الأردن لصالحها كانت إسرائيل تقوم بقصف كل ما ينجز من أشغال. فبدأ التوتر يزداد شيئا فشيئا بين العرب وإسرائيل واستغلت إسرائيل هذا التوتر بمهارة لتقوم في الوقت المناسب بهجوم ساحق على مصر وسوريا والأردن حتى وصلت جيوشها إلى قناة سويس والبحر الأحمر وأصبحت على مشارف دمشق بعد استيلائها على هضبة الجولان الاستراتيجية. فكانت النكبة الثانية التي تجاوزت أرض فلسطين وامتدت إلى دول الجوار. ومن جزئيات هذه الحرب التي لها دلالات هامة تساعد على فهم نظرة الصهاينة للعرب ونواياهم تجاههم قول غولدا مايير وزيرة الخارجية آنذاك قبل اندلاع الحرب وبلهجة مليئة بالسخرية والاستخفاف: ״إن العرب الذين لا يعترفون الآن بدولة إسرائيل سيطالبون غدا بالعودة إلى حدود 67״ وكذلك قول موشي ديان رئيس الأركان أمام جنوده بعد انتهاء الحرب:"أغمدوا سيوفكم واحتفظوا بها للحرب القادمة".

الثورة الفلسطينية تخرج من تحت الأنقاض لتجد نفسها بين الألغام

من نتائج نكبة 1967 أنها ساهمت في ترسيخ القناعة لدى المخلصين من أبناء فلسطين ومن العرب عموما أن الأنظمة العربية والجيوش النظامية العربية لا يعول عليها في تحرير فلسطين وإن حرب العصابات هي الأسلوب الوحيد لتحقيق النصر. وقد انطلقت الثورة بقيادة فتح سنة 1968.

لكن الكيان الصهيوني الذي يدرك خطورة هذا التوجه على أمنه وعلى مخططاته المستقبلية سارع إلى محاصرة الثورة الناشئة ووضع العراقيل أما مها مستغلا هشاشة الأنظمة العربية والآثار النفسية السلبية التي تركتها فيها هزيمة 67.

كانت الحدود الأردنية هي الحدود الوحيدة التي يستطيع رجال المقاومة أن يتسللوا منها إلى داخل فلسطين للقيام بعمليات فدائية. وكانت إسرائيل التي أعطت لنفسها الحق في ضرب المقاومة الفلسطينية في كل مكان بذريعة الدفاع عن النفس ترد الفعل بقصف مواقع داخل الأردن كلما تعرضت قواتها لأي هجوم.

ولم يكن النظام الأردني ليرتاح لهذا الوضع بطبيعة الحال لكن تعاطف الشارع مع المقاومة الناشئة والتزام الأردن بقرارات مؤتمر قمة الخرطوم الذي انعقد بعد الهزيمة والذي تمسك بشعارات لا للاعتراف، لا للسلم، لا للتفاوض فرض على الملك حسين تحمل هذا الوضع عن مضض. ولما قبل عبد الناصر ب"مشروع روجرس" الخاص بتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي والذي يعتمد على الشرعية الدولية اغتنم الملك حسين الفرصة لينقض على الثورة الفلسطينية في شهر أيلول (سبتمبر) المشئوم (أيلول الأسود) سنة 1970. وكانت هذه أول مواجهة دموية تحصل بين المقاومة الفلسطينية وجيش عربي. وقد راح ضحيتها عشرات الضحايا من الجانبين وانتهت برحيل رجال المقاومة إلى البلدان العربية المجاورة ومنها لبنان كما انتهت برحيل الرئيس عبد الناصر إلى الرفيق الأعلى.

ومن نتائج هذه الأزمة اعتراف مؤتمر القمة العربية السابع الذي انعقد في الرباط سنة 1974 بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي ״الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني״.

وهذا القرار الهام وإن كان يلبي رغبة المنظمة في رفع وصاية النظام الأردني عن الضفة الغربية وفي الإمساك بزمام الأمور فيما يخص القضية الفلسطينية فانه ينسجم مع رغبة بعض الأنظمة العربية في التخلص من هذه القضية وإلقائها على الفلسطينيين أنفسهم.

وبعد هذا القرار انطلقت منظمة التحرير في تنظيم المقاومة من جديد واستئناف الأعمال الفدائية بعد أن تسببت محنة أيلول الأسود في تعطيلها بشكل ملحوظ. وأصبح لبنان هو مركزها الأساسي بعد أن أجبرت على الخروج من الأردن وتوترت علاقتها مع سوريا.

ولبنان بلد فريد من نوعه في منطقة الشرق الأوسط لا من حيث بنيته الطائفية فقط بل من حيث نظامه السياسي الليبرالي أيضا ومن حيث ارتباط بعض طوائفه بالبلاد الغربية وبفرنسا بالخصوص منذ أمد بعيد يعود إلى زمن الحروب الصليبية. ولبنان بلد الكباريهات والكازينوهات والمراكز السياحية والذي كان يسميه البعض آنذاك "سويسرا الشرق الأوسط" لم يكن وقتها مؤهلا لاستقبال ثوار مسلحين يرفعون شعارات ثورية ولا لتحمل تبعات أعمالهم الفدائية خاصة وأن إسرائيل أعطت لنفسها الحق الكامل في مهاجمة الفلسطينيين في كل مكان. وسرعان ما بدأت تتعالى الأصوات في لبنان وخاصة من الطائفة المسيحية تهاجم الفلسطينيين وتطالب بخروجهم من لبنان كما ظهرت أصوات أخرى تتعاطف معهم وتدافع عنهم. وبدأ التوتر ينمو بين الطوائف اللبنانية وترتفع درجاته شيئا فشيئا إلى أن وجد الفلسطينيون أنفسهم في مستنقع حرب أهلية طاحنة مشحونة بالأحقاد دامت خمسة عشر سنة وقد حمل البعض مسؤوليتها للثورة الفلسطينية.

استغلت إسرائيل هذا الوضع لتدخل على الخط في لبنان وقد كونت لها عملاء كثيرين هناك ساعدوها على احتلال الجنوب. ثم جاءت اتفاقيات السلام المصرية- الإسرائيلية وانسحاب مصر من الصراع العربي- الإسرائيلي بشكل رسمي لتشجع إسرائيل على اقتحام بيروت سنة 1982 وإلحاق أضرار كبيرة بصفوف الثورة الفلسطينية والقيام بجرائم عديدة في حق الفلسطينيين كانت مجازر صبرا وشاتيلا أكثرها فظاعة. ولم تخرج من بيروت إلا بعد أن خرج منها ما تبقى من رجال المقاومة الفلسطينية الذين شدوا الرحيل إلى تونس. ولكن المقاومة الفلسطينية رغم محنتها في لبنان وخروجها منه منهكة فإنها تركت فيه مناخا جديدا غير وجه البلد على كل المستويات بحيث أصبح لبنان اليوم رغم صغره وقلة إمكانياته يعتبر مركز الثقل في الصراع العربي-الصهيوني ويقرأ له ألف حساب.

وحتى في تونس ورغم بعدها عن أرض المعركة لم تسلم المقاومة من ملاحقة الكيان الصهيوني لها. فقد وقع الهجوم على مقر القيادة في حمام الشط سنة 1985 بواسطة الطائرات وخلف القصف عشرات الشهداء. ثم تم اغتيال أبوجهاد سنة 1988 في مقر اقامته في الضاحية الشمالية من العاصمة بجوار القصر الرئاسي.

المراهنة على الشرعية الدولية من جديد

من المعروف أن بورقيبة هو أول مسئول عربي طرح موضوع الالتزام بالشرعية الدولية بعد النكبة وكان ذلك سنة 1965أي في السنة التي تشكلت فيها منظمة فتح وبدأت تتهيأ للمقاومة المسلحة.

وبعد هزيمة 76 الكارثية كانت النية تتجه نحو الرجوع للشرعية الدولية حتى في مصر التي كانت تتزعم المواجهة مع الكيان الصهيوني وذلك رغم قرارات القمة العربية في الخرطوم. وهذه القرارات كانت تعبر في الحقيقة عن رغبة الأنظمة العربية في امتصاص غضب الشارع العربي الذي أصيب في الأعماق من جراء هذه الهزيمة النكراء وبدأت دماء الثورة تدب في عروقه من المحيط إلى الخليج.

ولم تستطع الإنجازات العسكرية الرائعة التي حققها الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973 أن تمحو الآثار السلبية التي خلفتها هزيمة 67 على كل المستويات ولو أنها خففت من حدتها بعض الشيء. فهذه الحرب ولو أنها حررت قناة سويس ورفعت المعنويات فإنها لم تحرر الجولان ولا الضفة الغربية. وكانت مفاوضات كامب دافد قد أفشلت العزائم وأحدثت تصدعا خطيرا في الكيان العربي أنظمة وشعوبا. وبقي الإحساس بالعجز عن محاربة إسرائيل يدفع الأنظمة العربية نحو إدخال القضية الفلسطينية إلى أروقة الأمم المتحدة والاتكال على الشرعية الدولية والتخلي عن فكرة المقاومة.

وحتى بعض فصائل الثورة الفلسطينية بدأت تفكر في العودة للشرعية الدولية ولو مرحليا وذلك بعد أحداث أيلول الأسود الأليمة. وبعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان سنة 1982 وجد العرب الفرصة سانحة للتخلص نهائيا من قرارات مؤتمر الخرطوم والمصادقة على "مشروع سلام عربي" يعتمد على الشرعية الدولية وذلك في مؤتمر القمة المنعقد بمدينة فاس سنة 1982.

ومنذ ذلك التاريخ إلى الآن لم تخرج منظمة التحرير الفلسطينية ولا أي نظام عربي (ما عدا النظام العراقي السابق) عن الالتزام بهذه الشرعية الدولية. وبقيت القضية الفلسطينية تراوح مكانها بعد أن ساهمت الحرب العراقية-الإيرانية في تهميشها وأدخلت المنطقة كلها في مخاطر أعظم من خلال الشعارات التي طرحتها مثل "الصراع بين العرب والفرس" أو" مقاومة الظلامية" (تعني الإسلام) أو "قادسية صدام".

وبعيدا عن الديماغوجية وعن المزايدات وباعتبار أن الشرعية الدولية هي التي خلقت إسرائيل فإن التعامل مع هذه الشرعية لإدارة الصراع العربي- الصهيوني مفروض على الأنظمة العربية- كما هو مفروض على باقي الدول المستضعفة- في ظل موازين قوى لامتكافئة بين العرب وإسرائيل. ولكن الموضوع كله يكمن في كيفية التعامل مع هذه الشرعية.

فمن المفروض أن يكون حكام البلاد العربية والإسلامية المعنيين بهذا الصراع هم الذين يحرصون على المطالبة بتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي يمكن أن تستفيد منها قضية فلسطين ويسخرون كل إمكانياتهم من أجل تحقيق هذا الهدف لا أن يكتفوا بإعلان "مشروع سلام عربي" للتخلص من القضية ثم يصمتون كما وقع في الثمانينات أو أن يورطوا منظمة التحرير في التفاوض مع العدو ثم يتراكضون للتطبيع معه قبل أن تفضي المفاوضات إلى أي نتيجة كما وقع بعد أوسلو. لكن فاقد الشيء لا يعطيه.

الانتفاضة تقلب المعادلة

في الوقت الذي خرجت فيه المقاومة الفلسطينية من لبنان إلى تونس ولم يبق لها في "دول الجوار" مجال للتحرك انتابها شيء من الركود والمراوحة. وكانت الثورة الإسلامية في إيران من ناحية ومقاومة المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي من ناحية ثانية ساهمت في خلق وعي جديد لدى الشعب الفلسطيني والشعوب العربة والإسلامية بشكل عام. وقد بدأت تتأسس في كل مكان من العالم العربي والإسلامي حركات سياسية إسلامية تتبنى مفاهيم جديدة للنضال والمقاومة. وما إن أشرف عقد الثمانينات على النهاية حتى ظهرت في فلسطين حركة نضالية جديدة من نوعها تحمل اسم "الانتفاضة" أذهلت العالم تقوم على مواجهة الأطفال الفلسطينيين للجنود الإسرائيليين ورميهم بالحجارة. ولم تفلح كل الوسائل القمعية الإجرامية التي ابتدعتها إسرائيل في القضاء على الانتفاضة التي بدأت في أواخر عام 1987 ولم تنته إلا بعد إمضاء "اتفاقيات أوسلو" سنة 1993. وإسرائيل ما كانت لتقبل حتى بمجرد الجلوس على نفس الطاولة مع قادة الثورة الفلسطينية لو لم تكن الانتفاضة قد أنهكتهم واستعصى عليهم إخمادها.

وبعد رجوع قيادة الثورة الفلسطينية إلى فلسطين للعمل على تنفيذ الاتفاقيات بدأ الحكام العرب يتسابقون للاعتراف بإسرائيل و"التطبيع" معها بينما كانت اتفاقيات أوسلو لازالت غارقة في المماطلات ومحاولات الالتفاف الإسرائيلية. وفي نهاية الأمر لم تنفذ إسرائيل من بنود هذه الاتفاقيات إلا البند الخاص بانتخاب سلطة فلسطينية وكانت إسرائيل تنوي استعمال هذه السلطة كأداة لضرب المقاومة ونزع سلاحها وتفكيكها. ولما لم تجد تجاوبا من السلطة بخصوص هذا الأمر بدأت تتلكأ وتماطل في تنفيذ بقية بنود الاتفاق وخاصة البند الخاص بالدولة الفلسطينية بعدما أغرقتها في رسوم هندسية وإحصائيات وحروف أبجدية. ولما جاء موعد الإعلان عن قيام الدولة كما هو مقرر في الاتفاقيات ضغط الغرب على السلطة حتى لا تنفرد بهذا الإعلان من جانب واحد. رضخت السلطة وتأجل موعد الإعلان. لكن شارون أجبر في الأخير على الاعتراف بأن اتفاقيات أوسلو قد تجاوزها الزمن بما يعني أن إسرائيل لا تنوي السماح بقيام دولة فلسطينية. وكانت التصريحات التي تتردد دائما على لسان المسئولين الإسرائليين والمسئولين الأميركيين هي ضرورة "تدمير البنية التحتية للإرهاب" و"عدم واقعية العودة إلى حدود 67".

ولم يكن أمام السلطة إلا أن تحتج وتستنكر وتطالب المجتمع الدولي بالتدخل لإجبار إسرائيل على تطبيق الاتفاقيات. لكن إسرائيل لا تزعجها كل هذه الأمور ولها أجندتها الخاصة وهي تعلم أن الشرعية الدولية أصبحت تتلخص- بعد سقوط الاتحاد السوفيتي- في قرارات الكنغرس الأميركي الذي تسيطر عليه الصهيونية. واستغل شارون هذا الوضع ليمضي قدما في غطرسته واحتقاره للفلسطينيين وللعرب عموما فعمد إلى زيارة المسجد الأقصى في عملية استفزازية واضحة أراد بها إعطاء إشارة الانطلاق لتنفيذ المشروع الصهيوني القادم.

ولم يجد الشعب الفلسطيني من سبيل أمامه للدفاع عن حقوقه ومقدساته إلا الدخول في انتفاضة ثانية أشمل وأعمق من الانتفاضة الأولى بدأت سنة 2000 وهي مازالت متواصلة إلى الآن رغم المحاولات العديدة للقضاء عليها أو إجهاضها أو الالتفاف عليها أو إغراقها في المتاهات.

ولا زال الشعب الفلسطيني صامدا في وجه الظلم والطغيان رغم ما يتعرض له من تقتيل واغتيالات وهدم للبيوت وتجريف للأراضي أصبحت جزءا من حياته اليومية. ولم تستطع كل أساليب القمع الوحشية التي تواجهه بها السلطات الإسرائيلية أن تفت في عزيمته أو أن تثنيه عن التمسك بحقوقه.

حاولت إسرائيل مرات عديدة أن تثير الفتنة بين السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة من خلال الخرائط والمفاهمات والأفكار التي تطرحها في قالب خزعبلات ركيكة فلم تفلح.

ومن آخر هذه الخزعبلات ما طلع به علينا وزير خارجية إسرائيل حينما تحدث في القاهرة عن ״خريطة طريق جديدة״ وطالب بسلطة فلسطينية تتكفل بها ״عناصر معتدلة״ تعمل على ״تدمير الإرهاب من جذوره״ حتى يستطيع التفاوض معها بما معناه أنه لا وجود لدى إسرائيل رغبة في التفاوض مع الفلسطينيين من أجل السلام. وتناغم هذا الحديث مع تصريحات بوش عن "عدم واقعية" العودة إلى حدود 67 وعن ضرورة "المحافظة على المستوطنات الكبيرة" في الضفة الغربية بما معناه أنه لا مجال لقيام دولة فلسطينية حقيقية.

لقد نجحت الانتفاضة في خلق حالة من تقاسم الأدوار بين السلطة والمقاومة سمح بالحفاظ على صمود الشعب وتماسك المجتمع وكشف حقيقة الكيان الصهيوني وبرهن للعالم أن إسرائيل لا تبحث عن السلام مع الفلسطينيين ومع العرب ولا تريد أن تكون لها حدود واضحة كما كشفت عن الطبيعة البشعة لهذا الكيان وعن الترابط العضوي بينه وبين الولايات المتحدة الاميركية التي تدعي الحياد وتعتبر نفسها راعية لعملية السلام.

إن الشعب الفلسطيني الذي اتخذ اسم عز الدين القسام رمزا للمقاومة ووضع على جبينه عبارة ״الله أكبر״ واستنبط الانتفاضة الشعبية بصدور عارية في وجه العدو كأسلوب للتحدي لن تقدر على هزيمته لا الجيوش المدججة بالسلاح ولا القنابل المتنوعة، الذكية منها والغبية، ولا كل أنواع أسلحة الدمار الشامل التي أنتجتها عبقرية الغرب المتغطرس.

والتحالف الغربي-الصهيوني الذي يدرك هذا الأمر جيدا يركز كل جهوده الآن على شيء واحد هو العمل على قتل روح المقاومة لدى هذا الشعب ولدى باقي الشعوب العربية والإسلامية.

إذا أردت أن تكون ديمقراطيا فلا تقاوم

لقد بات واضحا أن كل هذه الضجة التي يثيرها الغرب بخصوص الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا إنما تهدف في الحقيقة إلى ما يسميه التحالف الغربي-الصهيوني "مقاومة الإرهاب". وبالقياس على ما يحدث في فلسطين والعراق بات واضحا أن كلمة إرهاب المستعملة إنما يقصد بها مقاومة التحالف الغربي-الصهيوني. ومقاومة الإرهاب تعني بالتأكيد مقاومة الإسلام بكل الوسائل بما فيها التزييف وتشكيك المسلمين في عقيدتهم لأن الإسلام هو الذي يفرض على المسلمين مقاومة الظلم والطغيان والفساد ولو عرضهم ذلك للاستشهاد.

والتحالف الغربي- الصهيوني أدرك هذا الأمر بالتجربة في الجزائر وفي أفغانستان وفي فلسطين وفي العراق وغيرها. ويمكن الاستدلال ببعض الأمثلة لإثبات هذه الحقيقة.

المثال الأول: العراق

التمييز بين ديمقراطي وإرهابي واضح بلا شك عند الأميركيين. فمن يقاومهم دفاعا عن سيادة بلاده هو إرهابي ومن يتعامل معهم ويخضع لهم هو ديمقراطي. ولما أعرب بعض "الديمقراطيين" عن نيتهم في تشريك بعض عناصر المقاومة الذين يقبلون نزع سلاحهم في العملية السياسية ثم قام غازي الياور نائب الرئيس الجديد بزيارة رئيس هيئة علماء المسلمين جاء رامسفيلد مسرعا مكشرا عن أنيابه ليذكر الجميع أنه هو صاحب الحل والعقد وليست الحكومة العراقية وحذرهم من مغبة القيام بتغيير أي شخص من مكانه في الإدارة العراقية كما ذكرهم بأنه هو الذي يقرر متى سيحدد موعد الخروج من العراق. وهذا درس بليغ في هذه الديمقراطية التي أهداها بوش للشعب العراقي. فالديمقراطيون الذين نصبهم عليه لا يمكنهم الخروج عن تعليماته. وبما أن الشعوب على دين ملوكها فعلى الشعب العراقي ألا يخرج هو أيصاعن طاعة سيد البيت الأبيض إذا أراد أن يكون ديمقراطيا.

المثال الثاني: لبنان

لبنان هو أول بلد عربي- إن لم يكن الوحيد- تتوفر فيه الحريات السياسية وتحكمه المؤسسات ويسود فيه القانون. ورغم ذلك لم يجد بوش حرجا في تصنيفه مع سوريا وإيران ضمن البلدان الراعية للإرهاب وهدده بديمقراطية من النموذج العراقي ستأتي إليه إذا لم يقبل بنزع سلاح حزب الله. وإنه لأمر يثير الدهشة حقا أن نرى كل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مجندة على أعلى مستوى للتدخل حتى في تفاصيل السياسة اللبنانية الداخلية مثل تحديد موعد الانتخابات وتشكيل الحكومة.

أعتقد أن السبب وراء ذلك هو رغبة الغرب في تدمير النموذج اللبناني الذي يشبه النموذج الفلسطيني بخصوص تقاسم الأدوار بين السلطة والمقاومة. وهو النموذج الذي يثبت روح المقاومة لدى الشعب ويستعصي على الاحتلال.

النموذج الثالث: تونس

النظام التونسي يفتخر بأنه رائد في مقاومة الإرهاب (يعني الإسلام). والغرب يفتخر به على هذا الأساس. والسجون التونسية مليئة بالمساجين السياسيين وخاصة الإسلاميين والنظام ينكر عليهم حتى صفة سجين سياسي لشدة حقده على الإسلام وأهله. والغرب يعتبر هذا النظام أنموذجا متميزا في مجال التنمية والديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان وحقوق المرأة.

إن دعوة شارون إلى تونس لحضور الندوة الدولية حول موضوع مجتمع المعلومات ليست غايتها ״التطبيع״ كما يعتقد البعض لأن ״التطبيع״ لا معنى له إسرائيليا. إنما الهدف الأساسي من هذه الدعوة هو التأكيد أمام الجميع على أن النظام الحالي هو الذي "يقاوم الإرهاب" بثبات وهو النظام الذي لا يسمح للشعب أن يقول لا حتى ولو كانت "لا لزيارة المجرم شارون إلى بلادنا".

وفعلا لم يتردد هذا النظام في إيقاف المحامي محمد عبو وإيداعه السجن بدون محاكمة لأنه نشر مقالا على الشبكة الالكترونية انترنت اعترض فيه على الدعوة التي وجهها الرئيسي التونسي إلى شارون لزيارة تونس وقارن فيه بين الرجلين. ولم يتردد النظام التونسي كذلك في إرسال أعوانه إلى داخل قصر العدالة ليعتدوا على المحامين الذين أرادوا تقديم إنابتهم للدفاع عن زميلهم. ولم يكترث هذا النظام بالبيان الذي أصدرته جمعية القضاة التونسيين احتجاجا على هذه الممارسات. ولم يتردد النظام في منع كل المسيرات التي أرادت تنظيمها مختلف جمعيات المجتمع المدني للاحتجاج على زيارة شارون. وقد وقع الاعتداء على كثير من المواطنين كما ألقي القبض على بعض الطلبة وتم تقديمهم للعدالة. مع كل هذه الممارسات يقف الرئيس التونسي وينادي: إن تونس هي بلد الأمان والديمقراطية وحقوق الإنسان. ويجيبه بوش من وراء البحار: لبيك إنك أنت سيد الأحرار وليت لي منك أعداد وفيرة أزرعها في كل مكان من العالم تغنيني عن إرسال القنابل لزرع الديمقراطية. والأمثلة كثيرة بهذا الخصوص.

وإننا لو أردنا أن نلخص محتوى هذه الضجة الإعلامية الغربية حول موضوع الديمقراطية لقلنا: من يريد أن يكون ديمقراطيا فعليه أن لا يعترض على رغبة التحالف الصهيوني- الغربي في السيطرة على العالم. وأما من يفعل خلاف ذلك فهو بالضرورة إرهابي.

خلاصة

لا شك أنه ما كان يخطر ببال أحد من العرب الذين عاشوا في فلسطين في بداية القرن العشرين أن أحفادهم سيطردون من ديارهم وسيصبحون لاجئين في المخيمات ومشردين في كل أنحاء العالم بعد أواسط القرن رغم أن بوادر الخطر كانت بادية آنذاك واستشعرها البعض. وفي منتصف القرن ما كان أحد من دول الجوار يظن أن إسرائيل ستصبح قوة نووية بعد عقد من الزمن وستستبيح كل البلاد العربية وتلاحق الفلسطينيين في كل مكان من موريتانيا إلى اليمن رغم أن حقيقة المشروع الصهيوني وطبيعة الأشخاص القائمين عليه كانت توحي بذلك. وقبل أيام من غزو العراق ما كان أحد يصدق أن التهديد بالغزو سيتم فعلا وبتلك السرعة وأن أقدام الجنود الأميركان الغزاة ستطأ أرض بلاد الرافدين رغم وجود أسس موضوعية لاحتمال وقوع هذا الأمر.

إن كثيرا من الأمور التي لا نستطيع تخيلها نراها عادية بعد أن تصبح واقعا معاشا. وهذا راجع إلى جهلنا بواقعنا وغفلتنا عما يدور حولنا وعدم قدرتنا على استشراف المستقبل فنبقى نعيش طوال حياتنا في الأوهام إلى أن تفاجئنا الأحداث في كل مرة.

وإننا لو نظرنا اليوم إلى ما آلت إليه القضية الفلسطينية لرأينا أن آثار هزيمة 67 التي اتخذتها "مبادرة السلام العربية" مرجعا لها مازالت قائمة تنتظر المرحلة القادمة. فإسرائيل مازالت تحتل الضفة الغربية وغزة والجولان ولا شيء يدل على أنها ستتخلى عن هذه الأراضي.

وشبه جزيرة سينا هي منطقة منزوعة السلاح ويمكن لإسرائيل أن تعيد احتلالها في أي وقت إذا أرادت وستتكفل "الشرعية الدولية" بإيجاد ما يكفي من التبريرات.

ولو نظرنا ما يحدث في العراق فسنرى أن هذا البلد يتجه بشكل يكاد يكون مكشوفا نحو التفتيت حسب المخطط الغربي-الصهيوني. والمشكلة الكردية التي تتغذى من الفكر القومي الشوفيني الذي يعود من جديد مرشحة لأن تصبح مشكلة أساسية في المنطقة كلها ويمكن استعمالها في ضرب عدة عصافير بحجر واحد. ولعل أخطر ما يخفيه لنا المستقبل هو اندلاع فتنة تتورط فيها البلاد الإسلامية بكاملها تحت شعار سنة وشيعة. وقد نجحت"الانتخابات العراقية" المزعومة بوضع حجر الأساس لهذه الفتنة.

إن المشروع الصهيوني لا يزال في بداياته. فهو لا يتوقف عند حدود فلسطين بل هو يريد إعادة ترتيب العالم حسب تعاليم التوراة التي كتبها اليهود القدامى بأيديهم منذ ثلاثين قرنا مضت. فالمسجد الأقصى يراد له أن يدمر ويقام "هيكل سليمان" على أنقاضه. والقدس يراد لها أن تصبح يهودية بالكامل. وهناك حسابات يهودية قديمة مع باقي البلاد العربية في جزيرة العرب ومصر وشمال إفريقيا وكذلك على الضفة الغربية من البحر الأحمر.

وأما "التطبيع" الذي يبحث عنه العرب فانه لا يهم إسرائيل لأنها ترفض الحدود الثابتة ولا تريد السلام وتخشى الاعتراف المتبادل مع الدول العربية كما لا تريد الحوار مع العرب وهي تحتقرهم. وإن كل ما تسعى له إسرائيل الآن وفي تناغم تام مع الغرب هو العمل على تدمير إرادة المقاومة عند العرب.

"الحياة صراع فيها الضعيف يداس". هذه العبارة التي ذكرها الشابي في إحدى قصائده تعبر-على بساطتها- عن حقيقة الحياة على هذه الأرض، ليس بالنسبة للجنس البشري فقط بل حتى بالنسبة لعالم الحيوان والنبات.


(*) كاتب وباحث تونسي
القيروان في
2005/04/
13

 

© aqlamonline 2005