|
أحمد
السميعي (*)
لقد أثارت
هجرة اليهود المكثفة إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر مخاوف
الفلسطينيين والعرب جميعا في ذلك الوقت، لكن محدودية القيادات العربية،
وعمالة بعضها للغرب، جعلتهم يتعاملون مع القضية بكثير من السذاجة في
بداية الأمر. ولما تتالت عليهم النكبات، وأحسوا بالعجز، بدؤوا يدكون
رؤوسهم في التراب، ويلجئون إلى إغراق شعوبهم في الأوهام. وليس شعار
״التطبيع״،
الذي يروج له العرب هذه الأيام، إلا واحدا من هذه الأوهام.
الصهيونية
نشأت وترعرعت في أحضان الاستعمار الغربي
لقد برزت في
بلاد الشرق، ومنذ بداية القرن التاسع عشر، حركة هجرة يهودية كثيفة داخلية
وأخرى خارجية. الهجرة الداخلية تمثلت في انتقال اليهود من القرى، ومن
داخل البلاد، إلى المدن الساحلية الكبيرة. كما تمثلت في الهجرة من مختلف
بلدان الشرق إلى فلسطين. وأما الهجرة الخارجية فتمثلت في قدوم يهود
يحملون جنسيات أجنبية إلى مختلف بلدان الشرق، كما تمثلت في انتقال يهود
شرقيين إلى البلدان الغربية.
وقد اتضح مع
مرور الزمن أن هذه الهجرة كانت مرتبطة بالمشروع الاستعماري الذي كان يريد
ترسيخ أقدامه في بلدان الشرق قبل احتلالها بالاعتماد على بعض الأقليات
الدينية والعرقية بعد تمتيعها بالجنسيات الأوروبية ومن أهم هذه الأقليات
الطائفة اليهودية. وقد فرضت الدول الأوروبية على السلطة العثمانية ما سمي
بقانون "الامتيازات الأجنبية" الذي يعفي الأجانب من الضرائب والقوانين
المحلية كما فرضت حمايتها على هذه الأقليات. وقد أقامت بريطانيا لحماية
اليهود قنصلية في القدس عام 1839. وبدأت هذه القنصلية تنشط في كل
الاتجاهات للتظاهر بالدفاع عن اليهود وتعمل على ترويج فكرة "عودة الشعب
اليهودي إلى فلسطين". وهذه الفكرة التي ابتدعها رواد الاستعمار من غير
اليهود والذين يسميهم البعض "الصهاينة المسيحيون" وإن كانت تهدف إلى
استعمال الجالية اليهودية في تنفيذ المشاريع الاستعمارية فإنها تعبر في
الواقع عن روح عنصرية لأنها تسعى إلى التخلص من اليهود إلى خارج أوروبا
حيث كانوا يمثلون عبئا عليها و"مشكلة" استعصى عليها حلها. ولاشك أن هذه
الفكرة وجدت هوى في نفوس الكثير من رجال الدين اليهود الحالمين ب"أرض
الميعاد" ودغدغت أحلام الكثير من اليهود الأغنياء الراغبين في الشهرة
والتسلط أو أولئك الذين يعانون من الفقر والاضطهاد في الغرب وخاصة يهود
أوروبا الشرقية. وبدأت الفكرة الصهيونية تسري في كل الجاليات اليهودية في
العالم في تناسق تام مع الحركة الاستعمارية الغربية إلى أن جاءت قضية
دريفوس سنة 1894 لتخلق جوا مناسبا استغلته الحركة الصهيونية لنشر دعايتها
وإقناع اليهود بالانضمام إلى صفوفها وتمكنت من عقد أول مؤتمراتها سنة
1897 بمدينة بازل السويسرية.
ويبين
التاريخ أن تحالفا استراتيجيا بين زعماء الحركة الصهيونية وقادة الدول
الغربية نشأ منذ ذلك التاريخ وهو ما زال نافذ المفعول إلى الآن. وقد بينت
دراسات كثيرة أن زعماء الصهيونية تحالفوا حتى مع النازيين لإيذاء اليهود
بقصد إجبارهم على الهجرة إلى فلسطين.
وفي "مؤتمر
السلام" الذي انعقد في باريس سنة 1919 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى
كان التحالف الصهيوني- الغربي واضحا من خلال التزام انجلترا بتنفيذ وعد
بلفور والتزام فرنسا بتأييد الصهيونية والتزام الرئيس الأميركي ويلسن
بالتخلي عن مبدأ حق تقرير المصير بالنسبة لفلسطين.
أما قرار
التقسيم الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة سنة 1947 والذي تأسست دولة
إسرائيل بموجبه فكان تنفيذا في الوقت المناسب لوعد بلفور الذي أقرته عصبة
الأمم قبل عقدين من الزمن.
وهذه
المنظمة "الأممية" التي باتت تشكل اليوم أداة في يد الولايات المتحدة
الأميركية تستعملها لإلحاق الأذى بكل الشعوب المستضعفة هي التي تشرع
عمليا كل الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني
بالاعتماد على الفيتو الأميركي.
الشعب
الفلسطيني انتبه للخطر الصهيوني مبكرا لكنه كان ضحية الخداع البريطاني
لقد استشعر
الشعب الفلسطيني المخاطر التي تمثلها الحركة الصهيونية على مستقبله
ومستقبل المنطقة بأكملها حتى قبل الإطلاع على " بروتوكولات حكماء
صهيون" التي وقع الكشف عنها في أعقاب الحرب العالمية الأولى. فمنذ
قدوم أول بعثة استعمارية صهيونية (من روسيا) إلى فلسطين سنة 1882 بدأ
الشعب الفلسطيني يتحسس الخطر.
وقد تم أول
اصطدام مسلح بين الفلاحين العرب الذين أطردوا من قراهم في فلسطين والغزاة
الصهاينة سنة 1886 مما أجبر الحكومة العثمانية إلى فرض قيود على هجرة
اليهود إلى فلسطين. وفي عام 1891 تقدم وجهاء القدس بعريضة للصدر الأعظم
العثماني يطالبونه فيها بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين وحرمانهم من امتلاك
الأراضي فيها.
وفي سنة
1911 وضع أحد المثقفين المقدسيين مخطوطا بعنوان "المسألة الصهيونية" يعرف
فيه الحركة الصهيونية ويبين جذورها وأهدافها. وقد وصف بإسهاب الجهود التي
تقوم بها المؤسسات الصهيونية وزعماؤها وأكد بالخصوص على أن إقامة دولة
يهودية على أرض فلسطين هو الهدف الأساسي للحركة الصهيونية. ثم أدرج
أسماء المستعمرات اليهودية التي نشأت حتى ذلك الحين وذكر أسماء الملاكين
العرب الذين باعوا أراضيهم.
وفي
سنة 1913 انتظمت مظاهرة كبيرة في مدينة نابلس احتجاجا على اعتزام الحكومة
بيع أراضي بيسان التابعة للدولة لليهود.
إلا أن
الدعاية المخادعة التي كانت تروجها المخابرات البريطانية قبيل اندلاع
الحرب العالمية الأولى بخصوص رغبة انجلترا في "تحرير العرب من الاستعمار
التركي" لتشجيعهم على الثورة ضد السلطة العثمانية دفعت أبناء الشعب
الفلسطيني والعرب عموما إلى تركيز جهودهم على نصرة الجيش البريطاني الذي
كان يتربص بهم والتوهم بأن هذا الجيش سيساعدهم على تأسيس دولة عربية
مستقلة تمكنهم من التخلص من الصهاينة بعدما يتحررون من حكم الأتراك.
وكانت حركة "الاتحاد والترقي" الحاكمة في اسطنبول آنذاك والمخترقة بدورها
من طرف الحركة الصهيونية تساهم من ناحيتها في تسميم الأجواء بين العرب
والأتراك وتسهيل مهمة الاستعمار في تفكيك الإمبراطورية العثمانية
والاستيلاء على أشلائها.
وقد عقد سنة
1913 أول" مؤتمر عربي" شارك فيه مندوبون من سوريا ولبنان وفلسطين أغلبهم
من المقيمين في باريس وكذلك بعض المندوبين من مصر والعراق.
ومن يتأمل
في ظروف انعقاد هذا "المؤتمر العربي الأول" والنتائج التي أفضى إليها
وردود الأفعال التي تلته يدرك أن العرب لم يفهموا حينها حقيقة ما يحاك
حولهم من مؤامرات تستهدفهم ولم يستطيعوا تحديد أعدائهم بشكل واضح وترتيب
أولوياتهم بدقة وإحكام فأظلوا السبيل وتاهوا في صراعات داخلية زادت في
تعميق مأساتهم.
لقد وضع
المؤتمر على جدول أعماله قضيتين. القضية الأولى هي"الإصلاح الإداري على
أساس اللامركزية" والقضية الثانية هي قضية "حقوق العرب في الدولة
العثمانية". ولم يتطرق المؤتمر إلى قضية الهجرة اليهودية إلى فلسطين ولا
إلى قضية بيع الأراضي الفلسطينية لليهود وذلك رغم البرقيات العديدة
الواردة من فلسطين والمنبهة إلى هذه القضايا الخطيرة والعاجلة.
ولاشك أنه
لم يخطر ببال أحد من المؤتمرين آنذاك أن باريس التي وفرت لهم قاعة
المؤتمر كانت تستعد لتفكيك الإمبراطورية العثمانية التي يريدون إصلاح
إدارتها كما كانت تستعد للاستيلاء على البلاد العربية التي يطالبون
بحقوقها.
أما علماء
المدينة المنورة ورواد "حركة الإصلاح" في البصرة الذين هاجموا هذا
المؤتمر واتهموا المشاركين فيه بالعمل على "تسليم البلاد للأجانب" كما
هاجموا جمعية "الاتحاد والترقي" واتهموها بالتعاون مع الصهيونية والسعي
إلى تسليم أرض فلسطين لليهود فقد فاتهم أنهم واقعون أيضا في حبال المخطط
البريطاني- الصهيوني الذي يريد دفع العرب في اتجاه التصادم مع الدولة
العثمانية.
لم يفهم
العرب حينها أن في كل الصراعات هناك عدو رئيسي يتوجب على الجميع الوقوف
في وجهه بكل حزم. ولم يلتزم شريف مكة التي كانت تموله بريطانيا آنذاك
بتعاليم دينه التي تحرم عليه اتخاذ غير المسلمين أولياء له وهو الحارس
للحرمين الشريفين...
وقاتل العرب
إلى جانب القوات الفرنسية والإنجليزية إخوانهم المسلمين في الجيش
العثماني. وكانت النتيجة هي استيلاء هذه القوات على البلاد العربية وقمع
الانتفاضات الشعبية التي حاولت التصدي للاحتلال وإذكاء النعرات الجاهلية
بين المسلمين بعدما عاشوا في إطار الخلافة العثمانية جنبا إلى جنب على
امتداد ستة قرون لا يميزون بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى. ولم يدر الشعب
الفلسطيني المخدوع آنذاك أن أرض فلسطين بدأت تنسحب من تحت قدميه لفائدة
العصابات الصهيونية منذ أن وقع إخضاعها للانتداب البريطاني رسميا بعد
مؤتمر السلام الذي عقد في باريس في بداية عام 1919.
المراهنة
على حق تقرير المصير وعلى دول الجوار أدت إلى "النكبة"
إن أغرب ما
يلاحظه المرء في تصرفات عرب فلسطين في ذلك الوقت أنهم استمروا في التعاون
مع الإنجليز بل والتظلم لديهم من تصرفات الصهاينة حتى بعد احتلال فلسطين
وبعد الإعلان عن وعد بلفور وبعد انكشاف معاهدة سايكس- بيكو الاستعمارية.
ولعل السر في ذلك هو قدرة الإنجليز الفائقة على المراوغة والنفاق.
والانجليز كانوا ولازالوا يستبلهون العرب منذ أن تمكنوا من تكوين
مستعمرات على السواحل العربية ونصبوا عليها أمراء من أبنائها يمولونهم
ويوفرون لهم الحماية مقابل الوفاء للتاج البريطاني.
كان الشعب
الفلسطيني على أتم الوعي بخطورة الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستملاك
الأراضي فيها من طرف اليهود الوافدين ولم يتوقف عن التنبيه إلى هذه
الخطورة. فأسس الجمعيات والأحزاب وعقد المؤتمرات المتتالية لدق ناقوس
الخطر ولإطلاق صيحات الاستغاثة والتصدي للخطر الداهم. لكن تفكيره كان
مشدودا إلى نقطتين أساسيتين. الأولى تتمثل في المراهنة على مبدأ حق تقرير
المصير الذي أقرته عصبة الأمم رغم أن الرئيس الأميركي ويلسن كان قد تعهد
في مؤتمر السلام كما أسلفنا سابقا بعدم التمسك بهذا المبدأ بخصوص فلسطين.
والنقطة الثانية تتمثل في التمسك بعروبة فلسطين على خلفية المراهنة على
معونة دول الجوار رغم أن هذه الدول كانت إما مستعمرة وإما يحكمها عملاء
نصبهم الإنجليز على شعوبهم.
وبقي
البريطانيون يخادعون الشعب الفلسطيني زمنا طويلا ويتظاهرون بالتضييق على
الهجرة اليهودية إلى فلسطين بينما كانوا يدعمونها في الخفاء طيلة فترة
الانتداب. وقد استطاعوا أن يكونوا لهم "أصدقاء" من بين وجهاء فلسطين
وزعمائها يتوددون إليهم ويتبادلون الزيارات معهم من حين لآخر ويستعينون
بهم كلما تأزمت الأوضاع بسبب العداء الذي بدأ يتجذر بين العرب واليهود
والذي كانت بريطانيا تشجعه في الخفاء بينما هي تتظاهر بالحرص على التوفيق
بين العرب واليهود. وكان البريطانيون يعملون على ترويج دعاية واسعة بين
أبناء الشعب الفلسطيني وبين العرب عموما مفادها أن فوائد جمة ستحصل لهم
من خلال هجرة اليهود إلى بلادهم وتدفق الأموال والخبرات اليهودية
إليها...
ولم يستفق
الشعب الفلسطيني من غفوته إلا في أواسط الثلاثينيات من القرن الماضي بعد
النداء الذي وجهه له الشيخ عز الدين القسام يدعوه فيه للجهاد. واستعد
الشعب للثورة ضد الاحتلال الإنجليزي باعتباره حليفا للصهيونية وحاميا
لها. فتم الإعلان عن الإضراب العام وتشكلت فرق مسلحة في فلسطين لمقاومة
الاحتلال وهب المتطوعون العرب من كل مكان لنصرتها. عندها لجأ البريطانيون
إلى عملائهم من الحكام العرب الذين نصبوهم في وسط الجزيرة العربية
وشمالها ليستعينوا بهم. وهب هؤلاء لنجدة أسيادهم وأولياء نعمتهم فوجهوا
نداء مشتركا دعوا فيه إلى حل الإضراب العام ووقف الثورة. ولمحدودية
القيادة الفلسطينية آنذاك واختراقها من قبل الإنجليز تمت تلبية النداء
وتوقفت الثورة. وعاد الفلسطينيون يطالبون من جديد بتطبيق مبدأ حق تقرير
المصير وتاهت القضية من جديد بين المؤتمرات والموائد المستديرة والكتب
الملونة إلى أن صدر قرار التقسيم المشئوم في أعقاب الحرب العالمية
الثانية وحدثت "النكبة" التي فقد فيها الشعب الفلسطيني بلاده وسالت فيها
دماءه.
الحرب
الباردة ساعدت على توسيع النكبة لتشمل دول الجوار
بعد قرار
التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة والمجازر التي تعرض لها الشعب
الفلسطيني والهزيمة التي منيت بها الجيوش العربية في الحرب العربية-
الصهيونية الأولى سنة 1948 كان العالم بأسره يتجه إلى حالة من الاستقطاب
الثنائي الحاد بين عالم غربي رأسمالي وعالم شرقي اشتراكي. وانعكس هذا
التوجه على معظم الحكام العرب فانقسموا بين مساند للغرب ومتعاون معه وبين
معاد له ومتحالف مع الشرق. ولم تفلح منظمة عدم الانحياز التي حاولت خلق
فضاء بين القطبين في الحد من هذا الاستقطاب في الواقع.
وفي أجواء
الحرب الباردة السائدة آنذاك كان الخطاب الثوري المعادي للإمبريالية
والصهيونية والمراهن على دعم المعسكر الشرقي يدغدغ أحلام الشباب
والجماهير العربية ويبعث فيهم آمالا واسعة في تحرير فلسطين. وبقي الشعب
الفلسطيني المشرد في دول الجوار وفي كل أنحاء العالم يحلم بالعودة إلى
أرضه عندما تهب الجيوش العربية الثورية هبة الأسود نحو فلسطين لتحررها
وترمي باليهود المغتصبين في البحر.
واغتنمت
إسرائيل دعم الغرب القوي لها لتبدأ في تنفيذ مرحلة جديدة من المخطط
الصهيوني وهو الاستيلاء على المياه مستغلة معاداة دول الجوار (مصر
وسوريا) للدول الغربية وتعاونها مع المعسكر الشرقي. فعمدت إلى القيام
بأشغال في المنطقة معزولة السلاح بينها وبين سوريا بقصد تحويل مياه نهر
الأردن. فثارت ثائرة القادة السوريين وبدؤوا يوجهون اللوم للقادة العرب
ويتهمون عبد الناصر بالتخلي عن القضايا القومية مما أجبر هذا الأخير على
الدعوة إلى عقد أول قمة عربية في جانفي 1964 لوضع خطة عربية تتصدى
للمشروع الصهيوني وتحاول الاستفادة من مياه نهر الأردن.
ومن
القرارات الهامة التي اتخذتها هذه القمة والتي سيكون لها تأثير في تطور
الأوضاع في المستقبل هو قرار
تكوين ״كيان
فلسطيني״.
وقد تم فعلا الإعلان عن بعث هذا الكيان تحت اسم
״منظمة
التحرير الفلسطينية״
في أول مؤتمر عربي فلسطيني يعقد بعد "النكبة" في نفس السنة التي عقدت
فيها القمة. لكن هذه المنظمة التي سلمت رئاستها آنذاك لأحمد الشقيري
المتهم بالولاء لعبد الناصر في أجواء ما يمكن تسميته حرب باردة عربية
كانت ضعيفة في بداية تأسيسها ولم يصبح لها إشعاع إلا سنة 1969 عندما تسلم
رئاستها الشاب ياسر عرفات زعيم حركة المقاومة الناشئة "فتح".
ولما حاولت
سوريا تطبيق قرارات القمة العربية وشرعت في القيام بأشغال من أجل تحويل
نهر الأردن لصالحها كانت إسرائيل تقوم بقصف كل ما ينجز من أشغال. فبدأ
التوتر يزداد شيئا فشيئا بين العرب وإسرائيل واستغلت إسرائيل هذا التوتر
بمهارة لتقوم في الوقت المناسب بهجوم ساحق على مصر وسوريا والأردن حتى
وصلت جيوشها إلى قناة سويس والبحر الأحمر وأصبحت على مشارف دمشق بعد
استيلائها على هضبة الجولان الاستراتيجية. فكانت النكبة الثانية التي
تجاوزت أرض فلسطين وامتدت إلى دول الجوار. ومن جزئيات هذه الحرب التي لها
دلالات هامة تساعد على فهم نظرة الصهاينة للعرب ونواياهم تجاههم قول
غولدا مايير وزيرة الخارجية آنذاك قبل اندلاع الحرب وبلهجة مليئة
بالسخرية والاستخفاف:
״إن
العرب الذين لا يعترفون الآن بدولة إسرائيل سيطالبون غدا بالعودة إلى
حدود 67״
وكذلك قول موشي ديان رئيس الأركان أمام جنوده بعد انتهاء الحرب:"أغمدوا
سيوفكم واحتفظوا بها للحرب القادمة".
الثورة
الفلسطينية تخرج من تحت الأنقاض لتجد نفسها بين الألغام
من نتائج
نكبة 1967 أنها ساهمت في ترسيخ القناعة لدى المخلصين من أبناء فلسطين ومن
العرب عموما أن الأنظمة العربية والجيوش النظامية العربية لا يعول عليها
في تحرير فلسطين وإن حرب العصابات هي الأسلوب الوحيد لتحقيق النصر. وقد
انطلقت الثورة بقيادة فتح سنة 1968.
لكن الكيان
الصهيوني الذي يدرك خطورة هذا التوجه على أمنه وعلى مخططاته المستقبلية
سارع إلى محاصرة الثورة الناشئة ووضع العراقيل أما مها مستغلا هشاشة
الأنظمة العربية والآثار النفسية السلبية التي تركتها فيها هزيمة 67.
كانت الحدود
الأردنية هي الحدود الوحيدة التي يستطيع رجال المقاومة أن يتسللوا منها
إلى داخل فلسطين للقيام بعمليات فدائية. وكانت إسرائيل التي أعطت لنفسها
الحق في ضرب المقاومة الفلسطينية في كل مكان بذريعة الدفاع عن النفس ترد
الفعل بقصف مواقع داخل الأردن كلما تعرضت قواتها لأي هجوم.
ولم يكن
النظام الأردني ليرتاح لهذا الوضع بطبيعة الحال لكن تعاطف الشارع مع
المقاومة الناشئة والتزام الأردن بقرارات مؤتمر قمة الخرطوم الذي انعقد
بعد الهزيمة والذي تمسك بشعارات لا للاعتراف، لا للسلم، لا للتفاوض فرض
على الملك حسين تحمل هذا الوضع عن مضض. ولما قبل عبد الناصر ب"مشروع
روجرس" الخاص بتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي والذي يعتمد على الشرعية
الدولية اغتنم الملك حسين الفرصة لينقض على الثورة الفلسطينية في شهر
أيلول (سبتمبر) المشئوم (أيلول الأسود) سنة 1970. وكانت هذه أول مواجهة
دموية تحصل بين المقاومة الفلسطينية وجيش عربي. وقد راح ضحيتها عشرات
الضحايا من الجانبين وانتهت برحيل رجال المقاومة إلى البلدان العربية
المجاورة ومنها لبنان كما انتهت برحيل الرئيس عبد الناصر إلى الرفيق
الأعلى.
ومن نتائج
هذه الأزمة اعتراف مؤتمر القمة العربية السابع الذي انعقد في الرباط سنة
1974 بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي
״الممثل
الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني״.
وهذا القرار
الهام وإن كان يلبي رغبة المنظمة في رفع وصاية النظام الأردني عن الضفة
الغربية وفي الإمساك بزمام الأمور فيما يخص القضية الفلسطينية فانه ينسجم
مع رغبة بعض الأنظمة العربية في التخلص من هذه القضية وإلقائها على
الفلسطينيين أنفسهم.
وبعد هذا
القرار انطلقت منظمة التحرير في تنظيم المقاومة من جديد واستئناف الأعمال
الفدائية بعد أن تسببت محنة أيلول الأسود في تعطيلها بشكل ملحوظ. وأصبح
لبنان هو مركزها الأساسي بعد أن أجبرت على الخروج من الأردن وتوترت
علاقتها مع سوريا.
ولبنان بلد
فريد من نوعه في منطقة الشرق الأوسط لا من حيث بنيته الطائفية فقط بل من
حيث نظامه السياسي الليبرالي أيضا ومن حيث ارتباط بعض طوائفه بالبلاد
الغربية وبفرنسا بالخصوص منذ أمد بعيد يعود إلى زمن الحروب الصليبية.
ولبنان بلد الكباريهات والكازينوهات والمراكز السياحية والذي كان يسميه
البعض آنذاك "سويسرا الشرق الأوسط" لم يكن وقتها مؤهلا لاستقبال ثوار
مسلحين يرفعون شعارات ثورية ولا لتحمل تبعات أعمالهم الفدائية خاصة وأن
إسرائيل أعطت لنفسها الحق الكامل في مهاجمة الفلسطينيين في كل مكان.
وسرعان ما بدأت تتعالى الأصوات في لبنان وخاصة من الطائفة المسيحية تهاجم
الفلسطينيين وتطالب بخروجهم من لبنان كما ظهرت أصوات أخرى تتعاطف معهم
وتدافع عنهم. وبدأ التوتر ينمو بين الطوائف اللبنانية وترتفع درجاته شيئا
فشيئا إلى أن وجد الفلسطينيون أنفسهم في مستنقع حرب أهلية طاحنة مشحونة
بالأحقاد دامت خمسة عشر سنة وقد حمل البعض مسؤوليتها للثورة الفلسطينية.
استغلت
إسرائيل هذا الوضع لتدخل على الخط في لبنان وقد كونت لها عملاء كثيرين
هناك ساعدوها على احتلال الجنوب. ثم جاءت اتفاقيات السلام المصرية-
الإسرائيلية وانسحاب مصر من الصراع العربي- الإسرائيلي بشكل رسمي لتشجع
إسرائيل على اقتحام بيروت سنة 1982
وإلحاق أضرار كبيرة بصفوف الثورة
الفلسطينية والقيام بجرائم عديدة في حق الفلسطينيين كانت مجازر صبرا
وشاتيلا أكثرها فظاعة. ولم تخرج من بيروت إلا بعد أن خرج منها ما تبقى من
رجال المقاومة الفلسطينية الذين شدوا الرحيل إلى تونس. ولكن المقاومة
الفلسطينية رغم محنتها في لبنان وخروجها منه منهكة فإنها تركت فيه مناخا
جديدا غير وجه البلد على كل المستويات بحيث أصبح لبنان اليوم رغم صغره
وقلة إمكانياته يعتبر مركز الثقل في الصراع العربي-الصهيوني ويقرأ له ألف
حساب.
وحتى في
تونس ورغم بعدها عن أرض المعركة لم تسلم المقاومة من ملاحقة الكيان
الصهيوني لها. فقد وقع الهجوم على مقر القيادة في حمام الشط سنة
1985
بواسطة الطائرات وخلف القصف عشرات الشهداء. ثم تم اغتيال أبوجهاد سنة
1988 في
مقر اقامته في الضاحية الشمالية من العاصمة بجوار القصر الرئاسي.
المراهنة
على الشرعية الدولية من جديد
من المعروف
أن بورقيبة هو أول مسئول عربي طرح موضوع الالتزام بالشرعية الدولية بعد
النكبة وكان ذلك سنة 1965أي في السنة التي تشكلت فيها منظمة فتح وبدأت
تتهيأ للمقاومة المسلحة.
وبعد هزيمة
76 الكارثية كانت النية تتجه نحو الرجوع للشرعية الدولية حتى في مصر التي
كانت تتزعم المواجهة مع الكيان الصهيوني وذلك رغم قرارات القمة العربية
في الخرطوم. وهذه القرارات كانت تعبر في الحقيقة عن رغبة الأنظمة العربية
في امتصاص غضب الشارع العربي الذي أصيب في الأعماق من جراء هذه الهزيمة
النكراء وبدأت دماء الثورة تدب في عروقه من المحيط إلى الخليج.
ولم تستطع
الإنجازات العسكرية الرائعة التي حققها الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973
أن تمحو الآثار السلبية التي خلفتها هزيمة 67 على كل المستويات ولو أنها
خففت من حدتها بعض الشيء. فهذه الحرب ولو أنها حررت قناة سويس ورفعت
المعنويات فإنها لم تحرر الجولان ولا الضفة الغربية. وكانت مفاوضات كامب
دافد قد أفشلت العزائم وأحدثت تصدعا خطيرا في الكيان العربي أنظمة
وشعوبا. وبقي الإحساس بالعجز عن محاربة إسرائيل يدفع الأنظمة العربية نحو
إدخال القضية الفلسطينية إلى أروقة الأمم المتحدة والاتكال على الشرعية
الدولية والتخلي عن فكرة المقاومة.
وحتى بعض
فصائل الثورة الفلسطينية بدأت تفكر في العودة للشرعية الدولية ولو مرحليا
وذلك بعد أحداث أيلول الأسود الأليمة. وبعد خروج المقاومة الفلسطينية من
لبنان سنة 1982 وجد العرب الفرصة سانحة للتخلص نهائيا من قرارات مؤتمر
الخرطوم والمصادقة على "مشروع سلام عربي" يعتمد على الشرعية الدولية وذلك
في مؤتمر القمة المنعقد بمدينة فاس سنة 1982.
ومنذ ذلك
التاريخ إلى الآن لم تخرج منظمة التحرير الفلسطينية ولا أي نظام عربي (ما
عدا النظام العراقي السابق) عن الالتزام بهذه الشرعية الدولية. وبقيت
القضية الفلسطينية تراوح مكانها بعد أن ساهمت الحرب العراقية-الإيرانية
في تهميشها وأدخلت المنطقة كلها في مخاطر أعظم من خلال الشعارات التي
طرحتها مثل "الصراع بين العرب والفرس" أو" مقاومة الظلامية" (تعني
الإسلام) أو
"قادسية صدام".
وبعيدا عن
الديماغوجية وعن المزايدات وباعتبار أن الشرعية الدولية هي التي خلقت
إسرائيل فإن التعامل مع هذه الشرعية لإدارة الصراع العربي- الصهيوني
مفروض على الأنظمة العربية- كما هو مفروض على باقي الدول المستضعفة- في
ظل موازين قوى لامتكافئة بين العرب وإسرائيل. ولكن الموضوع كله يكمن في
كيفية التعامل مع هذه الشرعية.
فمن المفروض
أن يكون حكام البلاد العربية والإسلامية المعنيين بهذا الصراع هم الذين
يحرصون على المطالبة بتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي يمكن أن تستفيد
منها قضية فلسطين ويسخرون كل إمكانياتهم من أجل تحقيق هذا الهدف لا أن
يكتفوا بإعلان "مشروع سلام عربي" للتخلص من القضية ثم يصمتون كما وقع في
ال |