"أقلام" تستطلع آراء شخصيات تونسية
 
حول دعوة شارون للمشاركة في قمة المعلومات في تونس

العدد الرابع عشر
السنة الرابعة/ ماي - جوان 2005


تونس - أقلام أون لاين - خاص
(محمد الحمروني ومحمد فوراتي)

أثارت دعوة الحكومة التونسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي آرائيل شارون لزيارة تونس، بمناسبة انعقاد قمة مجتمع المعلومات في نوفمبر القادم، ردود فعل غاضبة، جعلت بعض قوى المجتمع المدني التونسي تعلن تجنّدها لافشال هذه الزيارة المرتقبة.

وفي الوقت الذي قللت فيه الحكومة من أهمية هذه الزيارة، باعتبارها تندرج في إطار ملتقى ينظم تحت يافطة الامم المتحدة، ونفت أن تكون هذه الدعوة، خطوة في اتجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني، فإن الأصوات الرافضة لهذه الزيارة، تحت أي عنوان جاءت، مازالت تجد صدى واسعا في الشارع التونسي.

ردود فعل الشارع التونسي، وتبريرات الحكومة التونسية، ومدى قدرة المجتمع المدني التونسي على إفشال هذه الزيارة المثيرة للجدل، كانت محاور طرحناها على عدد من الشخصيات الفكرية والسياسية والحقوقية التونسية، فكانت هذه الاجابات:

أحمد نجيب الشابي: الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي

إن ردة فعل الشارع التونسي كانت مرتقبة بالنسبة لي، لأن دعوة شارون لزيارة تونس ليست أمرا عاديا، حتى إن الحكومة أخفت هذه الحقيقة عن التونسيين، ولم يعلموا بها إلا عن طريق الصحافة الإسرائيلية والفضائيات العربية، فهي التى أخبرت الشعب التونسي بهذا القرار.

وهذه الدعوة منافية للثوابت الوطنية التونسية، فآخر وثيقة سنها نظام الحكم الحالي، وهي الميثاق الوطني، نصت بالحرف الواحد على أن السياسة الخارجية لتونس يجب عن أن تعبر عن ثوابت الشعب التونسي. فثوابت السياسية الخارجية لتونس كانت تقوم على مقاطعة إسرائيل، باعتبارها كيانا غير شرعي، قام على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، على أساس التهجير، وعلى أساس انتزاع أرضه، ولازال هذا الظلم مستمرا منذ خمسين أكثر من سنة، والمقاومة الفلسطينية مستمرة منذ ذلك الوقت. والموقف التونسي الثابت منذ نشأة الكيان الإسرائيلي كان التضامن مع الشعب الفلسطيني، حتى تحرير أرضه، واسترجاع كامل حقوقه، وفي مقدمتها عودة اللاجئين.

إن كل المتغيرات التي يمكن أن تتم في الوضع الدولي، وقد تمت متغيرات كبيرة في هذا الوضع، منذ انهيار جدار برلين، وما يفرضه من تكتيكات جديدة مختلفة على الفلسطينيين أولا، وعلى العرب أيضا، مفروض أن تكون محل استشارة وطنية، لأن المسألة لا تعني فئة من التونسيين دون غيرهم، ولا يمكن لأي شخص، مهما كان موقعه أو منصبه، أن يقحم الشعب التونسي في اختيارات لا يقرها. ومسألة التطبيع مع إسرائيل مسألة مرفوضة شعبيا، ومفروض أنها مرفوضة رسميا، لكن الحكومة التونسية بدأت بعمليات تطبيع سري مع الكيان الصهيوني، بدعوى إعانة إخواننا الفلسطينيين.

نحن كحزب رأينا لا يسير في هذا الاتجاه، واعتقد أن دعوات الفلسطينيين أنفسهم الصادرة من الأراضي المحتلة توافق ما ذهبنا إليه، وهو أن إسرائيل وحدها لها المصلحة في فك الحصار المفروض عليها، من طرف العر،ب ومن طرف الأحرار في العالم، وتطبيع علاقتها مع المجال العربي. نحن كعرب نتعاطف مع إخواننا الفلسطينيين، ونعتبر أننا وإياهم في مواجهة نفس الأخطار، ونعتقد أن تخفيف الضغط، وتخفيف الحصار على إسرائيل، قبل أن ينصف الشعب الفلسطيني، وأن يسترد حقوقه، إضعاف منا للجانب الفلسطيني، وتشجيع للجانب الإسرائيلي على التعنت، في علاقته بإخواننا الفلسطينيين، لذلك فنحن نرفض التطبيع من حيث المبدأ، مادامت إسرائيل قائمة على أساس نفي الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، واحتلال أراضيه، وإنكار حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم.

إن التخفيف على إسرائيل ما لم تتم هذه الشروط، والتطبيع معها، أو إقامة أي نوع من العلاقات، هو تشجيع للاغتصاب، وهو تشجيع للاحتلال، وليس مناصرة للشعب الفلسطيني. هذا موقفنا، وهو أمر مجمع عليه تونسيا، وليس من حق أي طرف كان، أن يغفل هذا الإجماع الشعبي.

لكل ذلك لم نستغرب ردود فعل الشارع التونسي، التي اتخذت شكل صدمة في الأول، عبّر عنها كل مواطن، ثم أخذت تتصاعد، فخرج الشباب بعشرات الآلاف في كل المدن التونسية، للتنديد بهذه الدعوة. وشارك اتحاد الشغل، (المركزية النقابية العمالية)، الذي يمثل ثقل اجتماعي هام، والأحزاب السياسية كلها بدون استثناء، في هذه التحركات. وكان الدرس الذي يجب أن تأخذ به الحكومة هو التراجع عن هذه الدعوة، وأن تستشير القوى السياسية والاجتماعية التونسية، من خلال حوارات حرة، يشارك فيها الشعب، حول أي تغيير، أو أي مس بثابت من ثوابت السياسة الخارجية التونسية.

ولكن هذه السلطة لا تعترف بالمواطن، ولا بحق المواطنة، فلها نظرة أمنية في كل شيء، بحيث أن حرية التعبير ممنوعة وملاحقة، وحرية الاجتماع والتجمع كذلك. أما المظاهرات والمسيرات فهي عندها ضرب من المس بأمن الدولة، ولذلك نراها تجيب بتشنج عن كل مطلب بتنظيم مسيرة احتجاجية. ومعروف أن المسيرات السلمية هي شكل من الأشكال المعترف بها قانونا، فالقانون التونسي، وجميع التشريعات العالمية تقر حق المواطنين في التظاهر السلمي، والتعبير عن آرائهم.

لقد كنت مؤخرا في زيارة للمغرب الشقيق، وفي يوم عادي خرجت بسيارتي للتعرف على شوارع وأحياء الرباط، واعترضتني ثلاثة تجمعات ومسيرات في الشارع، واحدة أمام البرلمان، من أجل المطالبة بحق العمل، والثانية أمام مقر الأمم المتحدة للتنديد بالتطبيع مع إسرائيل، والثالثة أمام إحدى الوزارات، ولا أعرف حتى الآن ما هو سببها.

كنت أخال نفسي في واشنطن، أو في لندن، بحيث أن الهدوء هو الذي كان سيد الموقف، حيث أن قوات الأمن تتصرف ببرودة أعصاب، وتقف حائلة بين المتجمعين وحركة سير السيارات. كان كل شيء يتم دون تشنج، ودون خروج عن القانون، من أي كان. هذا يتم في بلد عربي، هو شبيه بنا، في كثير من المواصفات، ولعله يعاني من مشاكل اجتماعية اخطر مما نعرفها نحن، ومع ذلك فإن الإدارة السياسية في شؤون الحكم في المغرب تجعل الحكم يتفهم حق المواطنين في التعبير السلمي عن مواقفهم، من كبريات القضايا.

أما عندنا في تونس فلا يقع الاعتراف بحق المواطن، لا في استشارته حول ثوابت السياسة الخارجية، ولا يعترف للشعب بحق عقد تجمعات في مكان خاص أو عام. وقد كان من المفروض أن تكون هناك ندوة صحفية في المدة الأخيرة، تنظمها بعض الأحزاب، التي ستشارك في الحملة الانتخابية، ولم نجد نزلا واحدا يقبل باستضافتنا لقاء أج،ر بالطبع، ذلك أن الحكم يمارس شتى أنواع الضغوط لمحاصرة ومصادرة الحريات الأساسية للمواطن في تونس.

نحن عندما دعونا لمظاهرة، كنا نعرف أنها ستكون بالدرجة الأولى مظاهرة لقوات الأمن، التي خرجت بالآلاف لتفرض حالة الحصار على المجتمع. لقد تمكنت قوات الأمن، مرة أخرى، من منع هذه المظاهرات، ولكن هذه الحلول الأمنية عمرها قصير، ولن تكون أساس استقرار لأي نظام من النظم في العالم.

المجتمع المدني التونسي مهيأ لإفشال هذه الزيارة، فالأحزاب السياسية أخذت موقفا قويا وجريئا لمطالبة الحكومة بالرجوع عن هذه الدعوة، واتحاد الشغل أخذ نفس الموقف على المستوى الرسمي، والشباب والطلبة خرجوا في مظاهرات إلى الشارع، وأساتذة التعليم الثانوي قاموا بإضراب لمدة ساعة على مستوى الوطن، والمحامين وآزرهم في ذلك القضاة، وقفوا في وجه هذه الدعوة.

إذن هناك إجماع من قبل قوى المجتمع المدني والسياسي على هذا الرفض. أما ما هي قدرة هذه ا لقوى على إفشال هذه الدعوة؟ فهذا يتوقف إلى حد كبير على موقف اتحاد الشغل. لأن الظروف التاريخية جعلت النظام السياسي يحاصر كل أشكال التعبيرات المستقلة من أحزاب وجمعيات وغيرها، عدى اتحاد الشغل، الذي تأسس قبل الاستقلال، وحافظ عبر الخمسين سنة التي مرت على هيكلة، يمكن أن تعد أهم إطار للحركة الاجتماعية في تونس، ورغم كل محاولات التدجين لا زال الاتحاد يتمتع بقسط من الاستقلالية، فالموقف المبدئي الذي أصدره اتحاد الشغل ايجابي، لكن الوقوف عند مستوى الكلام لا يفيد.

هذه المحنة هي امتحان لمدى استقلالية اتحاد الشغل وقدرته على تعبئة المجتمع، وتعبئة المجتمع تعني إتاحة الفرصة أمامه لكي يعبر سلميا وقانونيا عن موقفه في رفض هذه الزيارة. لو نسجت بعض القطاعات كالبريد والصحة وغيرها على منوال أساتذة التعليم الثانوي، وقاموا بإضراب سلمي لمدة ساعة، مع اجتماعات إخبارية في مواقع العمل لتراجعت الحكومة.

هل سيقوم اتحاد الشغل بالواجب أم لا؟ هذا ما ستبرزه الأيام القادمة، ولكن الحركة السياسية، والحراك الاجتماعي الديمقراطي المستقل، والمتواجد في عديد المؤسسات الحقوقية والاجتماعية، مقر العزم على مواصلة الكفاح حتى إفشال هذه الزيارة.

بالنسبة لمسألة العلاقات الطبيعية مع إسرائيل فهي على غاية من البساطة، فلننظر أولا من هو الضحية؟، ومن هو المعتدى؟ وما هي العلاقة بين الضحية والمعتدي؟. فالشعب الفلسطيني والشعوب العربية هي ضحية الاستيطان وضحية العدوان الصهيوني .. إسرائيل أقامت دولتها على أساس تهجير ملايين من العرب الفلسطينيين، وعلى أساس مصادرة بيوتهم وأراضيهم، وعلى أساس نفي حقوقهم الوطنية. وإسرائيل مواصلة العزم على التوسع عن طريق الاحتلال والاستيطان، وهي تعتبر أن كل ما تفعله شرعي وغير قابل للنقاش والمراجعة. هذه العلاقة القائمة على القوة والجبروت لا يمكن ردها إلا عن طريق المقاومة. لقد أثبتت المقاومة في لبنان وفي غزة قدرتها على دحر الاحتلال، فإسرائيل انسحبت من جنوب لبنان، وهي تتهيأ للانسحاب من غزة، ولا تقوم بذلك طوعا، وإنما كرها.

إذن مساندة الشعب الفلسطيني، الذي أبدى من الفدى والتضحية ما سيبقى آيات خالدة في تاريخ البشرية، هو واجب كل إنسان حر، فما بالك أن يكون هذا الإنسان عربيا، يرتبط مع الفلسطينيين بوشائج الدين واللغة والثقافة والتاريخ ووحدة المصير. إن موقفنا المبدئي هو نصرة حق الشعب الفلسطيني، نصرته لاسترجاع أرضه وحقوقه الوطنية، التي يعبر عنها مرحليا، بالعودة إلى حدود عام 1967، وحل قضية القدس، بما يبقيها عاصمة أبدية لفلسطين، ويبقي المسجد الأقصى أحد المعالم المقدسة عند المسلمين، تحت السيادة العربية، وأن يعترف بحق العودة للفلسطينيين. هذه الحقوق الأساسية منفية عند إسرائيل، فإسرائيل تريد أن تنسحب من غزة، ولكنها تريد أن تستعيض عن غزة بمناطق جديدة في الضفة الغربية.

أنا شخصيا، ونحن كحزب، لا نتصور إقامة أية علاقة مع كيان يحتل فلسطين، ما دام هذا الكيان يقوم على نفي الحق الفلسطيني. إذا ما استعاد الفلسطينيون حقوقهم، فنحن لسنا مع شعار رمي إسرائيل في البحر، أو لنا مواقف معادية لليهود كيهود .. أهلا باليهود في فلسطين، وفي أي بلد عربي، على أن لا يكون ذلك على حساب الشعب والحقوق الفلسطينية، أو حقوق أي طرف عربي آخر.

الصهاينة هم المعتدون، والعلاقة معهم يجب أن تكون علاقة مع معتدي. نحن ضد التطبيع مبدئيا، لا لأننا نكره اليهود، أو لأننا معادون للسامية، ولكن نحن نرفض إقامة علاقة مع معتدي، على حساب شعب شقيق، نرتبط معه بأكثر من رابط. ويوم تتغير المعطيات، وتصل القضية الفلسطينية إلى حل عادل، يقبله كل حر، حينها فقط سننظر إلى الأمر من جديد.

عبد الله الزواري: صحافي وقيادي إسلامي

1) لا أخفي سرا إن قلت - بحكم العزلة المفروضة علي- إني غير محيط بكل ما وقع كرد فعل للشارع التونسي عقب الإعلان عن هذه الزيارة، لكن هذا لا يمنع من القول بأن الذين انخرطوا في أي شكل من أشكال الاعتراض على هذه الدعوة والاحتجاج عليها لم يتجاوزوا الدوائر المعتادة: وهي الأحزاب الوطنية مع بعض النقابات المعروفة منذ أمد بعيد بنضالها المستمر والشباب التلمذي والجامعي، ولعل مرد ذلك راجع بالأساس إلى غياب وسائل الإعلام الجماهيري لدى الأطياف الرافضة لهذه الزيارة، أو بالأحرى تخلي وسائل الإعلام العمومية عن القيام بدورها الحقيقي واحترامها لحق المواطن التونسي الذي يمولها بدفع ضرائبه في إعلام حر وشفاف ونزيه، واكتفاء هذه الوسائل بنقل قرارات السلطة والترويج لها، إضافة إلى القبضة الحديدية التي تتعامل بها السلطة مع من يخالفها الرأي. وقد أسقطت هذه الدعوة ورقة التوت عن بعضهم الذين قدموا أنفسهم على أنهم الممثلين الأوفياء بل الوحيدين للتيار العروبي والمناصرين الخلص للقضية الفلسطينية، ومن المؤسف هنا أن نقول إننا لم نر إلى حد الآن ردة فعل عن الخطوات التطبيعية الحثيثة التي تقع في باريس و لم نسمع بمساءلة نواب المعارضة الوفاقية وزير الخارجية عما يحدث هناك أم أن التطبيع مع الكيان الصهيوني يحظى بمباركة هذه الأحزاب أيضا؟ وهذا لا يعني شيئا آخر غير مضي السلطة قدما نحو التطبيع غير آبهة بردة فعل المعارضة...

2) لم تتعود السلطة سلوك سياسة الإقناع في مختلف القرارات الحاسمة والخيارات المصيرية، ولا ادعي أنها تسلك ما تتمخض عليه نقاشاتهم في دائرة ضيقة لا استطيع تحديدها في درجات السلم الحزبي أو الإداري أو العائلي، بل أزعم إنها إنما تسلك ما تمليه المصلحة الآنية التي هي المحدد الأبرز فيما يتخذ من قرارات... و تعمل السلطة على تسخير إمكانيات هائلة مستعملة كل ما يتاح لها من أجل تمرير ما لاح لها مندرجا ضمن مصالحها، ولا تكتفي بذلك لاهتزاز تلك الخيارات فتعمل جاهدة على وأد الرأي المخالف وطمسه والتضييق عليه وعلى أصحابه ولا تتوانى من أجل ذلك عن ارتكاب أفظع التجاوزات للقوانين التي وضعتها هي بالذات والمندرجة ضمن مدونة حقوق الإنسان... لكنها في الواقع لا تعدو حبرا على ورق ولا صلة لها بالواقع... والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، ويكفي ذكر مسألة الحبس الانفرادي الذي وقع التعهد بإنهاء العمل به...

وقد استبطنت الصحف "المستقلة"هذا الأمر، ودأبت على السير وفقه، وحملت إداراتها- كما حملت هي- كل محرريها على ترديد نفس النغمة، حتى غدت ذات لون واحد يرهق الأبصار ورائحة واحدة تزكم الأنوف وطعم واحد يقرف الأذواق، وإن المرء ليتساءل أين تلك الجرائد ذات  النفس "القومي" المعادية للصهيونية والتي لا تبخل على قرائها بنشر عمليات المقاومة سواء في فلسطين أو العراق ممجدة لها حتى تكاد تحسبها ناطقة باسمها مع الإطناب في تمجيد المقاومين  وإبراز شجاعتهم، ولا أدري إن كان تمجيدها للمقاومة و المقاومين يدرجها تحت طائلة قانون الإرهاب سيء الصيت والذي عوقب بموجبه بعض الشباب الجامعي بثلاثين سنة سجنا لمجرد تفكيرهم في مناصرة إخوانهم في العراق، و أين أولائك الصحفيين الذين عرفوا بتوجهاتهم القومية... أين هم من الدعوة الموجهة إلى أشهر مجرمي الحرب في التاريخ لزيارة بلادنا؟ لا تعاليق لهم على هذه الدعوة، و إن لم تفسح لهم جرائدهم لكتابة ماهم مقتنعون به فهذه الشبكة أمامهم ليعبروا عن قناعاتهم أم أنهم يخشون على مورد رزقهم و لقمة عيش أطفالهم وهم الذين يدركون عاقبة من يغادر القطيع..

 إذا لم تكن تلك المبررات مقنعة، و لن تكون مقنعة أبدا، و لن تلجأ إلى الإقناع، لأن معارك الإقناع تتطلب قدرة و دربة  مفقودتين كما أنها لم تتعود على خوضها و بالتالي لا تضمن أي نجاح لأي مشروع تضعه على مائدة النقاش والتشاور... ولذلك فهي تفضل دائما استعمال حجة القوة، ولا أحسب القارئ الكريم تعوزه الحاجة إلى أدلة على ذلك... وخصوصا وأنها بهذه الدعوة تستجيب لضغوط أجنبية معلومة لا سبيل إلى الانفكاك منها والرضوخ لها يمثل طوق النجاة من الاحتقان الشعبي  المتنامي والمطالب بإصلاحات سياسية جوهرية وحقيقية والتي تحظى بدورها بدعم تلك القوى التي نصبت نفسها وصية على الديمقراطية و حقوق الإنسان... ولا مراء في أن مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني تمثل إحدى أولويات السياسية الأمريكية بل تقدم على الإصلاحات السياسية الحقيقية التي قد تفرز على المدى القريب أو المتوسط قيادة وطنية لا تتغنى بعدم إملائها أي شيء على الفلسطينيين وعدم التدخل في شؤونهم و تركهم يحددون ما يصلح بهم، بل قيادة لا تبخل على الفلسطينيين بما يطلبون في سبيل استرجاع حقوقهم السليبة حسب المواثيق والقرارات الدولية مثل حق العودة...

3) ما المقصود بمكونات المجتمع المدني؟ أهي تلك التي لا تصنف في خانة أخرى غير خانة المجتمع السياسي بما فيه من أحزاب سياسية بقطع النظر عن مواقعها في السلطة أو الوفاق أو المعارضة؟ أم المقصود به تجوزا أحزاب المعارضة والمنظمات الحقوقية والإنسانية والمهنية القريبة من المعارضة؟ وليكن حديثنا عن مكونات المجتمع المدني بالمعنى الأخير.

ولعل من المفيد أن نذكر أن المجتمع الأهلي التونسي استطاع في الثلاثينات من القرن الماضي التصدي بإمكانياته المتواضعة لصلف الإقامة العامة ومسانديها، فمنع زيارة الداعية الصهيوني جابوتنسكي الذي استقدمته التنظيمات الصهيونية بتونس لبعث نفس جديد في نشر الدعاية وجمع المال واستقطاب اليهود التونسيين وكان ذلك في شهر أفريل 1932، كما منع المجتمع الأهلي التونسي هالبرنHelpern  وهو داعية صهيوني آخر من إلقاء محاضرات بكل من قاعة المسرح البلدي بالعاصمة  وسوسة..

وبعد أكثر من 70 سنة تقع دعوة أشهر مجرم حرب تلوثت يداه بدماء الآلاف من إخواننا في فلسطين ولبنان، تستنكف معظم دول العالم بما فيها عدد من الدول الغربية، من دعوته إلى زيارتها، وأحسب أن ما صرح به عمدة لندن في شأنه وما وصفه به ألصق بالحقيقة وأقرب إلى الواقع مما ذكره ويذكره الزعماء العرب وكان الأحرى بهم أن يلازموا الصمت لعجزهم عن تسمية الأشياء بأسمائها، إن شارون مرتبط في الذهنية العربية و الإسلامية بل في أذهان الأحرار في العالم بصبرا وشاتيلا، باغتيال الشيخ أحمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي والآلاف من الفلسطينيين، ببناء جدار الفصل العنصري... ولعله من المفارقات المؤسفة أن تكون الدولة صاحبة أطول قائمة مطلوبين من مواطنيها بتهمة الإرهاب لم تجد في ماضي شارون الحافل بالدماء ما يثنيها عن هذه الدعوة...

ومع كل ما تقدم فإن الخيبات التي تتالت منذ استفتاء ماي 2002 وانتخابات اكتوبر 2004  واستمرار سجن حوالي 500 من سجناء الرأي منذ 15 سنة في ظروف قاسية وإثر محاكمات انعدمت فيها شروط المحاكمة العادلة، وتردي حقوق الإنسان، رغم الجهود الهامة التي بذلتها مكونات المجتمع المدني من أجل إقرار الحريات والتصدي لإفراغ الدستور من أهم إصلاحات 1988 والتشهير بكل التجاوزات من تعذيب وانتهاك للحقوق...

إن هذه الخيبات المتتالية لا تدفع إلى اليأس والاستكانة وترك المجال فسيحا للاستبداد، بل تدعونا بجد و حزم إلى إعادة النظر في عملنا ووسائلنا.. لأن مكونات المجتمع المدني والمحيطين به في حاجة ملحة إلى "انتصارات" من شأنها أن تدفع إلى مزيد البذل والاجتهاد والعمل من أجل اكتساب "انتصارات" أخرى أهم، ولعل إنهاء العمل بالسجن الانفرادي- إن صدقوا – والذي اكتوى بناره وتجرع مرارته العشرات من المساجين طيلة 14 سنة الماضية، يمثل انتصارا يمهد السبيل إلى انتصارات أخرى أهم فيشد على الأيدي و يربط على القلوب و يشحذ الهمم...

وقد سبق للسلطة أن اتخذت قرارات غير شعبية ولا تحظى بأي تأييد، ورغم ما قامت به مكونات المجتمع المدني فإن السلطة لم تتراجع عما قررته إلا تحت وطأة ما عبرته عنه الآنسة الوزيرة بـ"الفوضى البناءة" أو أولائك المهمشين الذين اندفعوا في القرى والأرياف قبل العاصمة وبقية المدن..

وقد آن الأوان لكل مكونات المجتمع المدني أن تعلم أن أي "هزيمة" لأي طرف منها إنما هو هزيمة لها كلها ولا يزيد التونسي عموما إلا إحباطا ويأسا من العمل السياسي والانخراط فيه مما يؤدي إلى توجهين أحلاهما مر، إما تلك اللامبالاة و الانصراف عن العمل السياسي جملة و تفصيلا أو الانخراط في العمل العنيف بكل ما فيه من سلبيات... كما أن أي انتصار لأي طرف منها إنما هو انتصار لها جميعا لأن فيه إذكاء لحماس ودفع للانخراط في العمل السياسي ومزيد الإقبال على الاهتمام بالشأن العام... وهذ ا يقتضي ترفعا عن اعتبار انتصار طيف ما إنما هو انتصار له على من معه من الأطياف ضمن مكونات المجتمع المدني، وليكن انتصارا لها جميعا على إرادة الجذب إلى الوراء وتكريس الاستبداد...

وللنجاح في هذه المهمة علينا أن ندرك الأهمية القصوى للإعلام وان نجعل من حرية التعبير وتحرير الإعلام معركتنا الأولى والأخيرة والدائمة في نضالنا من أجل رسم الخيارات الوطنية وأن نهب هبة رجل واحد أمام كل اعتداء عن هذه الحرية تنديدا واحتجاجا ومساندة وتأييدا وتشجيعا مناسبا لكل من دفع ضريبة الكلمة الأمينة مهما ارتفع ثمنها...

وإذا علمنا أن هذه المعركة – إفشال الدعوة- لا تخص المعارضة أو الجمعيات الحقوقية والإنسانية والمهنية بل تهم كل التونسيين على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم كما أن إفشال هذه الدعوة منوط بعهدة كل التونسيين وقد آن لأحزاب الوفاق قيادة وقاعدة وكذلك قواعد الحزب الحاكم أن تعلن على الملأ عن موقفها من هذه الدعوة... لأن من الغبن أن نؤاخذ قواعد هذه الأحزاب بجريرة ما تتخذه قياداتها من مواقف لكنها لا يمكن تبرئها بحال إن لازمت الصمت بعدما علم الجميع بهذه الدعوة و اهتزاز مبرراتها...

4) أرأيت مريضا تجرى عليه عملية جراحية واحتاج إلى دم لإنقاذ حياته، أيمكن حقنه بأي دم أم بدم من فصيلة معينة محددة تتماشى مع فصيلة دمه؟ و كذلك بالنسبة إلى زرع الأعضاء... و قد تستعمل بعض الأدوية المخصصة لجعل الجسد يتقبل العضو المزروع لكن مع ذلك قد يرفض البدن هذا العضو... ما لنا نريد ليّ عنق طبيعة الأشياء و تطويع النواميس و السنن لإرادة الهيمنة و الاستكبار؟

ماذا لو كان على الولايات المتحدة الأمريكية أو القوة الاقتصادية  والعسكرية الأولى لو خصصت جزءا يسيرا من مساحتها لإسكان هؤلاء الذين لم تتعهد بحمايتهم فحسب بل تعهدت بتفوقهم العسكري الدائم على جيرانهم، كما تعهدت  بالانتصار لهم في كل مفاوضات مع الفلسطينيين والاستجابة لشروطهم ولو كانت بدرجة من الإجحاف يستنكرها كل ذي ضمير وكل ذي عقل سليم...

هل يمكن للكيان الصهيوني أن يتخلى عن ترسانته النووية والكيميائية والجرثومية؟ أو هل يقبل بوجود إحدى الدول العربية أو الإسلامية ذات قدرات نووية، هل يمكن للكيان الصهيوني أن يتخلى عن حلم إقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات؟ هل لديه استعداد للتخلي عن جزء من القدس؟هل لديه استعداد  للسماح بعودة اللاجئين إلى أراضي 1948 في الوقت الذي تلهث الوكالة اليهودية والمؤتمر اليهودي العالمي بحثا عن يهودي واحد بعيدا آلاف الأميال يرغب في الإقامة في "أرض الميعاد" رغم كونه لم يعش هو ولا آباءه ولا أجداده ولا أجداد أجداده لحظة واحدة على أرض فلسطين..

كيف يريد الكيان الصهيوني ومن ورائه الولايات المتحدة الأمريكية الاندماج في المنطقة والتطبيع الكامل لعلاقاته مع الدول العربية في الوقت الذي يشيد فيه جدار عزل عنصري يفصله عن أقرب العرب إليه من حيث ترابط المصالح، ألا يذكرنا ذلك بمهزلة الحدود المفتوحة في زمن العولمة التي تشجع على حرية تدفق رؤوس الأموال والسلع والمعلومات في حين تمنع بصرامة تتعزز يوما بعد يوم حرية تنقل الأشخاص؟ ألا يذكرنا جدار العزل العنصري بالحارة في مدننا التونسية، في جربة وجرجيس والمكنين وقفصة...

قد تطبع الحكومات العربية علاقاتها مع الكيان الصهيوني وقد تطبع بعض الأحزاب السياسية وقد تطبع بعض النخب لاعتبارات يحسبونها وجيهة، لكن تطبيع الشعوب يبقى بعيد المنال، انظروا إلى إخواننا المصرين - مسيحيين ومسلمين- وانظروا إلى الأردنيين... أليس من الغريب أن تكون حصانة الشعوب أكثر مناعة من حصانة النخب السياسية والثقافية؟

مختار الجلالي: محام ونائب برلماني سابق وعضو المكتب السياسي للاتحاد الديمقراطي الوحدوي

فيما يخص الدعوة التي وجهت لشارون لم ¡