سامية حمودة زوجة المحام محمد عبو لأقلام أون لاين:
نعيش تحت وقع الصدمة والتضامن الواسع مع زوجي يخفف عنا

العدد الرابع عشر
السنة الرابعة/ ماي - جوان 2005

 
تونس – أقلام أون لاين - خاص

كان اعتقال المحام محمد عبو صدمة لعائلته كما لأصدقائه ولكنه أثار موجة غضب وتضامن غير مسبوقين. في هذا الحوار تتحدث زوجته السيدة سامية حمودة عن تفاصيل الاعتقال وتأثيره على العائلة.

كيف بدأت قصّة اعتقال زوجك؟

كان محمد ليلة 1 مارس في المقهى مع بعض أصدقائه ومنهم المحام عماد منصور. وأخبرني عبر الهاتف أنه سيعود قريبا إلى البيت. لكن عند مجيء عماد منصور إلى بيتي حوالي الحادية عشر ليلا يسأل عن محمد وهو الذي كان يجالسه أثار شكوكي فسألته مباشرة: هل اعتقل محمد؟

كان الارتباك يبدو واضحا على عماد وكانت آثار غريبة تبدو على ثيابه وكأنه كان في معركة. وعلمت بعد ذلك أن الأمن أعتقل عماد لأنه كان يركب سيارة محمد التي اشتراها منه منذ مدّة وعندما تأكدوا من هويته أطلقوا سراحه وذهبوا للبحث عن زوجي.

جاءني بعد ذلك شخص مجهول وهو يقود سيارة زوجي ولم يقدّم نفسه ولكنه سلمنا بعض الأغراض التي كانت مع محمد. وعندما سألته عن زوجي قال أنه في اجتماع. وعندما طلبت من الشخص المجهول تسلّم السيارة رفض وقال سيعود بها زوجك ثم ذهب بدون أي توضيحات.

كانت لحظات صدمة وحيرة لا أستطيع وصفها فأنا عشت هذه اللحظات لأول مرّة وكانت صعبة للغاية لا أدري كيف تحملتها. لقد اتصلت مباشرة براضية النصراوي وعبد الرؤوف العيادي وأصدقاء آخرين لأن كل المؤشرات كانت تدلّ على أن شيئا ما قد حدث.

هل كنت تتوقعين مثل هذا الاعتقال؟

قبل يومين فقط من الواقعة أطلعت على مسودّة مقال (بن علي وشارون) وقلت لمحمد أن هذا سيكون سببا في سجنك لأني أعرف أن السلطة لا تعترف بحرية الرأي وأن الأحداث التي أعقبت دعوة شارون جعلت البلاد في حالة ارتباك. وعندما علمت أنه أرسل المقال إلى أحد المواقع على الانترنت طلبت منه بعض الأموال وأرقام عدد من المحامين والنشطاء ولم يكن ذلك إلا احتياطا ولكني لم أكن أصدّق بيني وبين نفسي أن الاعتقال سيكون بهذه السرعة يعني بعد يوم واحد من نشر المقال.

وهل كان محمد يتوقع الاعتقال؟

نعم كان محمد يتوقع دائما أن يقع اعتقاله كلما كتب مقالا أو أمضى بيانا أو حضر اجتماعا لإحدى المنظمات التي كان ينشط بها.

ولكن هل استعدّ لذلك؟

لا.. محمد لم يكن يعبأ كثيرا بالنتيجة. ولم يكن يتردد في الدفاع عن قضايا الحريات أو التعبير عن رأيه بكلّ حرية. كان يعتقد انه يمارس حقّا مقدسا. ورغم ظروف العائلة ومرض والده فقد كان دائم الانشغال بقضايا البلاد.

كيف كان شعورك بعد التأكد من أنه معتقل؟

كنت أعرف أنه موقوف بسبب مقال شارون ولذلك فقد أحسست بالرعب والخوف الشديد من أن يقع تعذيبه. ووصلت بي الهواجس إلى الخوف على حياته وعلى صحته.

وكيف كان شعور الأبناء؟

أبنائي جمال الدين 12 عشر سنة ونور الهدى 10 سنوات وخيرالدين 8 سنوات كان شعورهم مختلفا ولكنه كان مؤثرا. في البداية أخفيت خبر الاعتقال مدّة أسبوع وكنت أدعي أمامهم أنه سافر لباريس في عمل. ولكن اتضح لي بعد ذلك أن جمال الدين سمع بخبر اعتقال والده ولكنه ظلّ صامتا لا يتكلّم ولما سألته قال لي أن حالة الارتباك التي كنت عليها جعلته يتصنت حتى تأكد من الأمر ووعى خطورته ففضّل السكوت.

أما نور الهدى فقد كان شعورها غريبا نوعا ما حتى يخيّل لي أنها تفتخر بأنها ابنة محمد عبو ولم ألاحظ عليها قلقا كبيرا وقد فهمت بعد ذلك أن الاهتمام المتزايد من زملائها في المدرسة ومعلميها بخبر اعتقال والدها وحديثهم عن بطولته وأخلاقه وشجاعته جعلها تتصرف بتلك الطريقة.

أما أصعب موقف فكان من نصيب خير الدين وهو أصغرهم فقد وصلت به الحال إلى وضع نفسي رديء جدّا. ففي الليل أصبح يشعر بخوف مبالغ فيه كما أنه لا يريد الذهاب إلى المدرسة وكلما رأى سيارة شرطة يصاب بنوبة من الخوف والرهبة. كما تأتيه موجات من البكاء. أصبح يريد مرافقتي دائما ويحسّ بحزن عميق ربما بسبب تعلقه بوالده فقد كان يحبه كثيرا ولا يريد مفارقته. ليلة البارحة مثلا قام بمعانقة صورة والده الموجودة على المكتب وأجهش بالبكاء.

وفي زيارتنا الأولى للسجن قال لي: هذا المكان الذي يوجد فيه أبي يشبه حديقة الحيوانات بالبلفدير. ثم قال: أبي في هذا المكان كأنه في قفص كالعصفور. كان تعبيرا مؤثرا جدّا.

وفي الزيارة الثانية وعندما تحدث محمد عن قلقه من بعض السجناء المتهمين في جرائم حق عام قال خير الدين: يا ماما أنا خائف على بابا من المجرمين.

هل تعرض زوجك لمضايقات سابقة؟

كانت مضايقات عادية وتعودنا عليها من نوع المراقبة المستمرة بسبب نشاطه في المؤتمر من اجل الجمهورية أو مجلس الحريات أو جمعية المساجين السياسيين.

كيف كان تقبل بقية أفراد العائلة لخبر الاعتقال؟

أمه لم تصدّق الأمر بسهولة في البداية ولكنها عندما تأكدت انهارت وأصبحت دائمة البكاء أما والده وهو مريض فقد تأثر كثيرا ولكنه كان أكثرنا صبرا.

كيف كان تفاعل الناس معك ومع خبر الاعتقال؟

في يوم 2 مارس وهو يوم التحقيق وبعد أن تعرضت لعنف شديد من قبل أعوان أمن بالزي المدني لمنعي من دخول قصر العدالة اتصل بي عدد من القضاة بشكل غير رسمي وسألوني عن حالتي ووضعية محمد وعبروا عن تعاطفهم خاصة بعد أن رأوني أحمل آثار العنف وأدباشي مقطعة. أما زملاؤه المحامين وأعضاء المنظمات المدنية والحقوقية والنشطاء في الأحزاب السياسية فقد عبروا عن تضامن لم أكن أتوقعه والدليل على ذلك الاعتصام الذي يحدث لأول مرة في تاريخ المحاماة. لقد كنت أحسّ بالدفء وأنسى خوفي ورهبتي وأنا بين أصدقاء محمد والمتضامنين معه. كانت زيارة بعض المتضامنين إلى البيت وأخبار التعاطف التي تصلني من داخل تونس وخارجها تشعرني بالأمان وبقيمة زوجي كإنسان أولا وكمدافع عن الحرية ثانيا.

بعد تعيين جلسة المحاكمة في 28 أفريل كيف تتصورين مآل القضية؟

ليست لي الثقة في القضاء ولا في الحكومة. فقط عندي الثقة الكاملة في مكونات المجتمع المدني التونسي وأنصار الحرية في العالم للإفراج عن زوجي. وهذا ما أنتظر أن يقع.

هل تعرضت لمضايقات بسبب هذا الاعتقال؟

بالاضافة إلى العنف الذي تعرضت له يوم 2 مارس فقد حاصرت قوات كبيرة من البوليس السياسي بيتي يوم 16 مارس الماضي في محاولة لمنعي من الذهاب للمحكمة. وعندما وصلت أمام قصر العدالة حاولوا منعي بالقوة من الدخول إلى درجة تعرضي لرضوض في يدي اليمنى ولكن المحامين فرضوا دخولي رغما عنهم. كما أني أحس منذ اعتقال زوجي أني مراقبة باستمرار من مجهولين ما يجعلني في حالة خوف دائمة.


(*) حاورها محمد فوراتي

 

© aqlamonline 2005