|
حاوره
منجي الميغري
من الإشكاليات التي شغلت
المفكر العربي في العقود الأخيرة إشكالية الحداثة وما طرحته من تساؤلات
علىالواقع العربي االراهن؛ ويعتبر الأكاديمي والمفكر المغربي محمد سبيلا
من المفكرين العرب الذين أدلوا بدلوهم في النقاش الدائر حول أسئلة
الحداثة؛ وساهم من خلال كتب ومقالات وترجمات في إغناء هذا النقاش في
الساحة الفكرية المغربية على وجه الخصوص والعربية عموما؛ وقد كان
لـ"أقلام أون لاين" معه هذا الحوار الذي أماط اللثام عن مجموعة من
القضايا في محاولة لتقريب هموم المفكر للقارئ العربي.
أقلام أون
لاين: محمد سبيلا
أستاذ فلسفة، وينشغل بالحداثة كموضوعة من موضوعات الفلسفة. لماذا هذا
الربط بين الفلسفة والحداثة؟
سبيلا: بالنسبة للفلسفة في
الظاهر، يبدو وكأن المرء يمارس حرية اختيار، فيختار تخصصا معينا، ولكن
عندما يتعمق في الأمر يجد أن التخصص هو الذي يختار. والفلسفة هي قدر
فكري، ومخزون الحكمة البشرية، الذي يجتذب العقول ويدمجها في خزانه
المعرفي والتساؤلي الضخم، فاختيار الفلسفة ليس اختيارا شخصيا فرديا لمادة
معرفية، بقدر ما هو استجابة لحاجات عميقة في النفوس، تتمثل في زخم
الأسئلة: السيكولوجيا، والميتافيزيقا، والطبيعة، والانتروبولوجيا،
وغيرها.
وقد ربط فرويد الميل إلى
الفلسفة بتجربة "صدمة الميلاد"، وقلق الطفولة وعقدها، حيث تداهم الطفل
العديد من الأسئلة حول منحدره، وحول الخلق والولادة. وتزداد هذه
التساؤلات عمقا مع احتداد علاقات الثالوث الأوديبي. لذلك نجد أن اختيار
الفلسفة كاختيار فكري يضرب بجذوره في أعماق الكائن القلق المتسائل.
أما بالنسبة للحداثة فهي أيضا
اختيار فكري غير عرضي، فالمرء الذي نشأ في مجتمع تقليدي، تداهمه الحداثة
من كل صوب، وفوق ذلك نشأ في بيئة طبيعية، بدأت تغزوها بعض منتجات
التقنية، يجد نفسه مدفوعا إلى التساؤل عن نوعية هذا الجديد، الذي ينضوي
تحت لواء مفهوم الحداثة، فالآلات الجديدة، التي تخرق صمت الطبيعة، وتحدث
صخبا اجتماعيا قويا، والأضواء الملونة الجذابة في الحواضر، والحركية
الدؤوب للسيارات والآلات والبشر، بسرعة لم يألفها نظام الوجود التقليدي،
أضف إلى ذاك تحولات القيم، ومعايير الحكم الأخلاقي والجمالي وغيرها.. كل
تلك أمور تعصف بالأذهان، وتدوس على الطمأنينة واليقينيات والقناعات، التي
يلقنها المجتمع التقليدي، والثقافة الموروثة لأفرادهما. فسؤال الحداثة هو
سؤال الأسئلة، وهو السؤال عن الجدة والنوعية والتطور.
أقلام أون
لاين: وماذا عن
إصراركم على الفلسفة الغربية، هل هو موقف؟ أم مجرد مصادفة؟
سبيلا: يرجع الاهتمام بالفلسفة
الغربية إلى مراحل التعليم الثانوي، وتعمق في الجامعة. فأنا مثلا لم أفكر
في أي لحظة في أن أدرس التاريخ، لا فقط لأنه كما يقول القدماء من العرب،
"علم لا ينفع وجهالة لا تضر"، بل لأن لدي منذ البداية نوعا من الارتباط
الهوسي بالمستقبل لا بالماضي، الاهتمام بالحاضر وبالراهن وباللحظة
القائمة في قوتها واشرئبابها وتطلعها نحو ما هو آت. هل هي بنية
سيكولوجية، أي منزع ذو أساس سيكولوجي؟ أم ماذا؟ لا أدري!، هذا إضافة إلى
أن اختيار الفلسفة الحديثة كفضاء تخصصي يعكس من زاوية أخرى ذلك الهم
المتمثل في فهم الحداثة في مختلف مستوياتها، فتدرجي في التعرف على مكونات
الفكر الفلسفي الغربي الحديث هو الذي جعلني أكتشف، في يوم من الأيام، أن
ما أحاول التعرف عليه من خلال ملاحقة وتتبع مفاصل الفكر الغربي الحديث هو
جوهره الفكري المتمثل في الحداثة كروح، والحداثة كرؤية، والحداثة كنظام.
فلعل ما يجمع تيارات الفكر الحديث، ويشكل بؤرتها وصميمها، هو بالضبط
مفهوم الحداثة أو روحها.
وهناك زاوية أخرى ترتبط بما
سبق، وهي أن التعرف على الفلسفة الحديثة وتياراتها المختلفة في الغرب،
يبطن ويضمر محاولة لفهم أسباب تفوق الغرب وتقدمه، وتأخر العرب والمسلمين،
فالمرء معرض دائما لهذا السؤال القاتل، الذي يعكس تمزقا في النفس بين
رؤية نرجسية للذات الجماعية، تتمثل في الاعتقاد بأن ثقافتنا هي أحسن
ثقافة، ولغتنا هي أحسن لغة، وربما عرقنا هو أحسن عرق، وأمتنا هي خير
الأمم، ومن جهة ثانية الواقع الخارجي الذي يكذب هذه الاعتقادات في كل
لحظة: التأخر التقني، والتأخر الاقتصادي، والتأخر السياسي (استبداد
وسيطرة)، والتأخر الفكري والثقافي.. ففكّا هذه الثنائية القاتلة هما
اللذان يجعلان المرء ممزقا ومتطلعا إلى فهم أسباب التأخر، وإلى تبين
أسباب التقدم. فربما كان هذا الوعي التاريخي المأساوي هو الذي يحرك
الكثير من الضمائر والأذهان عن سبب أو أسباب التأخر التاريخي والفكري
العميق، الذي يلفنا جميعا.
أقلام أون
لاين: يتحدث البعض عن
خصوصيات مغربية في الفلسفة قياسا للمشرق: عقلانية مغربية مقابل نصية
مشرقية.. إلى أي حد توافقون هذا الرأي؟
سبيلا: هذه معضلة كبيرة تطرح
الكثير من الحساسيات، وتثير العديد من الزوابع، ومثل هذا الحكم التعميمي،
وربما المتسرع، يغفل الجوانب العقلانية في الفكر المشرقي عبر فترات
التاريخ، كما يتغاضى أو يطمس واقعة أن الفكر المغاربي والثقافة المغاربية
هي أكثر تأخرا من مثيلاتها في الشرق. فالمغاربة عاشوا عالة على الشرق
لعدة قرون، ويكفي أن نشير إلى أن النهضة الفكرية العربية اندلعت أولا في
المشرق، ثم انتقلت تدريجيا وببطء إلى المغرب الكبير.
هذا بالنسبة لمظاهر النهضة،
التي رافقت الحركات الوطنية في المغرب العربي، ويمكن أن نعممه أيضا لظهور
حركات الإسلام السياسي، التي ظهرت بدورها في المشرق، ثم بعد ذلك في
المغرب العربي الكبير، وبشكل متأخر. هذا إضافة إلى أننا كعرب، سواء في
المشرق أو في المغرب، نعيش نفس النظام الثقافي، ونفس البنية الثقافية، مع
فروق ضئيلة. إن الشيء الذي يزيد من حدة هذه المسألة هو تلك الفجوة
التاريخية، التي حدثت بين المشرق والمغرب الكبير. ففي الوقت الذي انشغل
فيه المشرق كلية بالقضية الفلسطينية وما رافقها من صراعات سياسية،
وانقلابات في الأنظمة، والتوجه نحو العلم والتقنية والاشتراكية في مرحلة
معينة، نجد أن دول المغرب العربي كانت منكبة بحكم استقرارها السياسي،
وبعدها عن بؤرة الأحداث، على الإنتاج الثقافي، في حين راح المشرق يهتم
بالسياسة والصراع والاهتمام بالتكنولوجيا والعلم أكثر. فعندما بدأ
المغاربة ينتجون ثقافيا تأليفا وترجمة، بدا الأمر وكأنه غير ذي أساس،
وظهرت ردود فعل مختلفة ضد هذا "التميز"، وهذا التعاطي المباشر مع الفكر
الغربي، وهذا ما أثار العديد من الحساسيات، وأشكال الرفض، وربما سوء
التفاهم.
أقلام أون
لاين: يذهب البعض إلى
أن الفلسفة في المغرب ترتبط بمشروع عقلاني حداثوي عند محمد الجابري، وعبد
الله العروي، ومحمد أركون، ونهضوي (طه عبد الرحمان)، في حين يفتقد هذا
المشروع عند المشارقة.. فهل صحيح هذه المفاصلة من ناحية؟ ثم ما هي
أسبابها إن صحت؟
سبيلا: يبدو فعلا أن الاستيقاظ
المتأخر للمغرب العربي على معاني النهضة في الشرق، وعلى الفكر الغربي، قد
دفعه إلى خصوصية معينة، تتمثل في الإطلاع المباشر على الفكر الغربي،
وخاصة في الدولة المستعمرة السابقة (فرنسا). فما يميز المشاريع الفكرية
في المغرب العربي هو غلبة الاتجاهات العقلانية، وذلك على الرغم من وجود
اتجاه صوفي في الفكر المغاربي، هذا الفكر العقلاني في دراسته للحاضر
وللماضي، للمجتمع وللثقافة، يلجأ إلى استخدام آخر منتجات تكنولوجيات
العلوم الإنسانية، أي مفاهيم ومصطلحات ونظريات ومناهج، ظلت مزدهرة في
الغرب.
فسواء تعلق الأمر بمشروع أركون
(الجزائر) في الإسلاميات التطبيقية كما يسميه، والتي تحاول دراسة الثقافة
العربية الكلاسيكية، من خلال هذه المفاهيم والمناهج المستقاة من تطور
علوم الإنسان في الغرب، أو بالنسبة للجابري الذي يطبق بدوره رؤى ومصطلحات
العلوم الإنسانية الحديثة لفهم التراث، أو بالنسبة للعروي، الذي يستخدم
ترسانة من المفاهيم الحديثة لفهم واقعنا وماضينا، أو بالنسبة لهشام جعيط
(تونس)، الذي يسير في نفس الخط، فإن السمة المشتركة بين هذه المشاريع هي
النزعة العلمية القوية المناهضة للتأويلات الإيديولوجية الفجة، وكذا
اعتماد مصطلحات ومفاهيم ومناهج مستقاة من العلوم الإنسانية المعاصرة، بما
يعني درجة عقلانية أكبر تجاه التراث والمجتمع.
إن هذه المشاريع الفكرية
بمدلولاتها المنهجية، تعكس المستوى الفكري للنخبة، واتخاذها لمسافة فكرية
قوية من دراسة المجتمع. إنه شكل من أشكال الوعي التاريخي الجديد في
التعامل مع الذات.
أقلام أون
لاين: بأي معنى نتحدث
عن الحداثة؟ هل بمعنى زمني باعتبار أن الحداثة هي خلافا للقديم؟ أم بمعنى
إيديولوجي فكري، إذا أخذت الحداثة بما هي تقدمية خلافا للقروسطية
والرجعية؟ أم بمعنى معرفي وعلمي ترتبط فيه الحداثة بعصر التقنية
والاكتشاف العلمي؟
سبيلا: فعلا مفهوم الحداثة تداهمه
الكثير من الالتباسات وسوء الفهم. الالتباس اللغوي عند نقله للعربية،
والمتمثل في أن الحداثة تعني الطفولة والآنية، فحداثة الشيء هي آنيته
وجدته، وطفولته وصغر سنه، ولذلك عندما يستعمل اللفظ في العربية فإنه يظل
محملا بهذه النكهة اللغوية، التي لا يمكن التخلص منها، أو وضعها بين
قوسين، إلا بعد الوعي بهذا المعنى وبحدوده وبمحدداته.
الالتباس الثاني لمفهوم
الحداثة هو الالتباس الزمني، فالحداثة بهذا المعنى تؤخذ على أنها كل ما
هو عصري، وحديث، وكل ما ينتمي إلى الزمن الحديث والمعاصر. ويرتبط بذلك
إشكال تاريخي في الفصل بين الحديث والمعاصر، وكذا مسألة التحقيب
والتصنيف، فعندما نقول الحداثة فإننا بالتأكيد نشير أولا إلى زمن وإلى
عصر، وإلى الأزمنة الحديثة، ابتداء من القرن 15 ميلادي، حسب التصنيف
المعمول به في كراسي التاريخ في الجامعات (العصور القديمة ـ العصور
الوسطى ـ العصور الحديثة)، لكن التناول التاريخي الزمني يطمس التداخلات
والتفاعلات المعتملة في جوف الحداثة نفسها، فمن حيث أن الحداثة صراع، فإن
هذا الصراع والتفاعل ينطوي على الزمن نفسه، بين أزمنة قديمة عتيقة ما
تزال حاضرة فيما هو آني وحديث، كما تتضمن إرهاصات لأزمنة قادمة تحمل
بشائر المستقبل.
فالحداثة في عمقها من زاوية
الزمان توتر حاد وقاتل بين جاذبيتين زمنيتين قويتين: بين ارتدادات
الماضي، واشرئبابات المستقبل. الحداثة توتر خلاق، توتر زمني، يتجاوز ذاته
باستمرار، لا عن طريق نفي ماضيه وأزمنته السحيقة، بل عن طريق صوغها،
وإعادة عجنها، ضمن تركيبة جديدة يمثلها المستقبل، ولعل الحداثة لم تكن
لتكون كذلك، ولم تكن لتسمى بهذا الاسم لو لم تتضمن تجاوزا وانشدادا إلى
الآتي والمجهول، فدينامية الحداثة هي دينامية التحول والصراع بين النماذج
المنحدرة من الماضي، والممثلة لقوة الماضي، والنماذج الجديدة، المتشكلة
في الأفق، والتي تطرح رهانات قاتلة على كل الثقافات.
أما الالتباس الثالث فهو
التباس فكري معرفي، أي تشكل وإعادة تشكل نظرة جديدة للعالم، وللأشياء،
وللعلاقات، وللطبيعة، وللإنسان.. عمق الحداثة هو عمق فكري وفلسفي، بل
ربما بتعبير هيدجر عمق ميتافيزيقي. إن للحداثة فيزياءها وميتافيزياءها،
بمعنى أنها نظرة جديدة متجددة للعالم وللكون والأشياء، وهي من ثم ثورة
معرفية وابستمولوجية قوية على كل الابستيمات وتصورات العالم السابقة
عليها.
هذا المستوى الأخير للحداثة،
الذي هو مستوى يتجاوز ويتخطى كثيرا المستويات الأخرى للحداثة، أي الحداثة
التقنية والاقتصادية والسياسية، والحداثة الجمالية في سياق إعادة نظر
كلية.. هذا المستوى الأخير الذي هو مستوى فلسفي لا يتوصل إليه العموم،
ولا حتى النخب السياسية والتقنية والاقتصادية المرتبطة بالحداثة، بل
تدركه وتخوض فيه الفئات الممتهنة للفكر: السوسيولوجيون والفلاسفة
والشعراء الكبار والعقول العظيمة، لذلك فهو مستوى ليس في مكنة الجميع،
بما في ذلك النخب الفاعلة في الحداثة ذاتها.
أقلام أون
لاين: علاقة الحداثة
بالميتافيزيقا، أهي علاقة تجاوز؟ أم إن للحداثة ميتافيزيقاها هي أيضا؟ ثم
أليس موت الميتافيزيقا إذا صح قاتل للفلسفة أيضا؟
سبيلا: في مرحلة أولى من ظهور
الحداثة، وبخاصة في مفصل التقاء وافتراق القرنين 17 و18 في أوروبا، أي في
مرحلة الحداثة الظافرة المزهوة بنفسها، والمعجبة بذاتها وبالمثل التي
تحملها وبالبشائر التي وعدت وتعد بها البشرية ازدهرت التيارات الفكرية
التجريبية، والنزعات الوضعية (في السوسيولوجيا والنظريات العلمية، وحتى
في مجال الفلسفة والابستومولوجيا) كتعبير عن هذا الطموح العقلي، وهذا
الواقع الجديد خلق عقدا لدى الفلسفة ذاتها، فأصبحت تستهجن ذاتها بقدر ما
يستهجنها العلم، وأصبحت الحقيقة العلمية هي الحقيقة، واتخذت الفلسفة صورة
معرفة غير علمية، أو سابقة للعلم، وأصبح لفظ الفلسفة والميتافيزيقا سبة
ونقيصة معرفية، هذه الأزمة يستشعرها كانط في مخاضه الفكري بين العلم
والميتافيزيقا (الإيمان) واستفحل هذا الشعور لدى هيجل الذي حاول مجاوزته
في نسقه الفلسفي، كما نجد صدى له لدى هوسرل الذي دعا إلى جعل الفلسفة
بمثابة علم دقيق، بمعنى أن الفلسفة حتى لدى كبار الفلاسفة آنذاك كانت
تستصغر ذاتها وتقتدي وتحتدي بالنموذج العلمي.سيتغير الأمر مع هيدجر الذي
بين أنه ليس هناك علم خالص صافي كليا من الميتافيزيقا، فالعلم بما في ذلك
العلم الفيزياء والرياضي يحمل في ثناياه رؤية للعالم يحمل تصورا للعالم
تصورا تقنيا كميا أداتيا للعالم وبالتالي زالت بالتدريج صورة التعارض
المطلق بين العلم والفلسفة وخبت تلك الصورة التنقيصية التي جعلت الفلسفة
معرفة ناقصة. لقد استعادت الفلسفة والميتافيزيقا حيويتهما وبموازاة ذلك
حدث تحول آخر،فنتيجة انتصار الاتجاهات الوضعية والعلمية كان ازدهار
النزعات العقلانية الصارمة والنزعات المادية الفجة والوضعية المتشددة،
لكن مع تطور العلوم الإنسانية وبخاصة علوم الاجتماع والأنتروبولوجيا تبين
أن هذه العقلانية الخالصة هي مجرد يوتوبيا وأن الإنسان كائن متعدد
الأبعاد، إنه كائن الآفاق البعيدة ومن ثمة فليس البعد العقلي هو البعد
الأساسي المحدد للإنسان، بل أن هناك أبعاد أخرى وعلى رأسها المتخيل
والوجدان والمقدس … مما قاد إلى إعادة مراجعة الصورة العقلانية الصارمة و
الخالصة التي كونتها الحداثة الظافرة عن الإنسان.
أقلام أون
لاين: ارتبطت الحداثة بمقولات النهايات: موت الإله، موت الفلسفة،
نهاية التاريخ، نهاية الإيديولوجيا، موت الإنسان، موت المؤلف والنص… ما
سر هذا الارتباط بسيرة النهايات؟
د.سبيلا: يجب في تقديري
استجماع صورة هذه النهايات باعتبارها نوعا من "الفكر الجنائزي" الذي يشير
إلى تحولات نوعية. إنها تعبير بلاغي جميل عن سرعة التحول والانتقال في كل
مستويات العصر الحديث، فموت المقدس الذي يشير إليه نيتشه والذي يضرب
بجذوره حتى على مستوى المصطلح في فكر هيجل ويعود إلى مارتان لوثر رائد
الثورة البروتستانتية في المسيحية، يشير إلى تحولات فكرية كبيرة حدثت على
مستوى النخبة الغربية فكريا نحو المزيد من العدمية، وأفول للأصنام
وللقدسية وارتماء في أحضان التاريخ الحي، إنها تعبير مجازي عن تضاؤل دور
المقدس في التاريخ الحديث وبخاصة في تاريخ أوربا والغرب. موت الفلسفة هو
أيضا صيغة بلاغية للتعبير عن الأزمة التي أشرت إليها سابقا، أزمة الفلسفة
أمام نموذج معرفي جديد قوي وقاهر يمثله العلم. نهاية التاريخ هي صيغة
بلاغية للتعبير عن هذا التحول المفصلي المتعلق بنهاية الإيديولوجيات
الثورية، وانتصار الليبرالية كأفق وحيد ونهائي للتاريخ. أما مقولة موت
الإنسان فترتبط بالبنيوية إذ أنها ازدهرت وشاعت مع ذروة تطور البنيوية
كمنظور وأفق فكري يعطي الأولوية للبنيات والسيرورات الموضوعية والحتميات
المختلفة على حساب الصبوات والطموحات والإرادات والذاتيات. موت المؤلف لا
يخرج عن هذا السياق، فهو يعكس روحا بنيوية على مستوى النص، أي أن الآليات
النصية اللسانية هي الفاعل الأساسي في النص. الخلاصة أن هذه البلاغة
الجنائزية المتعلقة بالموت وبالنهايات لا تخرج عن إطارين: إطار التحولات
النوعية المفصلية السريعة التي تخص وتيرة تطور الحداثة، وتعكس الأزمة
الدورية والتحول الدوري المستمر، كما تعكس فكرة أساسية تجمع بين كل هذه
النهايات والمصوتات وهي غياب الفاعل المفرط أو غياب الفاعل المطلق وسيادة
السيرورات والصيرورات
أقلام أون
لاين: هل علاقة الحداثة بالتقنية علاقة تقاطع زمني باعتبار ارتباط
الحداثة بالعصر الصناعي والتكنولوجي، أم هي علاقة كيفية تحديد ماهية كل
منهما الأخرى؟
د.سبيلا: عادة ما ترد لفظتا
الحداثة والتقنية كمترادفين، حيث يشار إلى الحداثة بالتقنية وإلى التقنية
بالحداثة، وكأنهما متماثلان ومتعادلان كليا، صحيح أن التقنية هي إحدى
المكونات والديناميات الأساسية للحداثة لدرجة أن فيلسوفا كهيدجر عندما
يتحدث عن الحداثة فإنه يركز بالدرجة الأولى على التقنية إلا أنه لا يأخذ
التقنية هنا على أنها مجموع التقنيات والآلات والأدوات والاختراعات
التقنية التي تملأ فضاء العالم الحديث وتنتشر فيه انتشار النار في الهشيم
من صواريخ وكمبيوترات وأقمار صناعية وهواتف نقالة وغير ذلك من التقنيات
التي تدوخ العالم وتقلص مسافاته، لكنه يعني بالتقنية أيضا روح التقنية أي
الموقف التقني من العالم. والموقف التقني هو موقف أداتي حسابي نفعي
تصنيفي وتحكمي، وليس موقف تأمل وانبهار وانشداه وانتظار. فإذا صح القول
بأن التقنية هي جوهر الحداثة، فإن المضمون الدقيق لذلك هو أن ليس ما يميز
العصر الحديث هو انتشار التقنيات بل هو استشراء روح التقنية كاستعمال
وتحكم. وهذا التصور يقلب العلاقة كليا بين العلم والتقنية. فإذا كان
التصور الكلاسيكي يرى أن التقنية هي مجرد تطبيق أو تطبيقات للعلم، فإن
الموقف الجديد يرى أن العلم تابع للتقنية ووليد لها.
ولا بد من التعريج هنا على
التباس هذه العلاقة في العالم العربي ـ الإسلامي، فهذا العالم نتيجة
التفاوت العميق في التطور الذي يحس به مقابل ثقافات أو حضارات أخرى فإنه
يطور موقفا ملتبسا من الحداثة قوامه أن استدراك الحداثة يتم عن طريق
اللحاق بالتطور التقني وامتلاكه: التقنيات الحربية، تقنيات الإنتاج
الاقتصادي وغير ذلك، لكن رواد الثقافة التقليدية الإسلامية يجهلون أو
يتجاهلون أن وراء التقنية روحا تقنية أي ثقافة تقنية وعقلانية حديثة، أن
لم يتم إدراكها وتملكها فسيظل المرء يلهث وراء التقنيات لقرون قادمة دون
أن يلحقها ويتملكها نهائيا وكأنه يجري وراء السراب.
أقلام أون
لاين: قلتم "إن المعرفة الحداثية… غايتها السيطرة على الإنسان
والطبيعة" كيف تكون الحداثة أداة سلطوية قمعية ماديا ومعنويا؟ ألا تجعل
هذه الحداثة من الإنسان مجرد رقم ونكرة يخضع للعبة السوق والتكميم
الاقتصادي؟ ويخضع لمنطق الآلة؟ ويخضع لهيمنة النظم القانونية والسياسية؟
مثلما يخضع للنظم الإليكترونية والمعلومية؟ ألا يعد ذلك سحبا للبساط من
تحت هذا الإنسان الذي نهضت الثورات عبر التاريخ من أجله، ومن ثم ننتقل من
جعل الإنسان غاية إلى جعله مع الحداثة مفعولا لغايات مختلفة ومتباعدة
وبلا وجهة أحيانا؟
د.سبيلا: هناك تنازع دائم بين
القيم والوقائع، بين الغايات والسيرورات. ولعل من سوء الحظ أن ديناميكا
الحداثة في عمقها وفي ثناياها الأصلية هي ديناميكا التفاعل والآلية
والتحكم بعيدا عن أية غايات باستثناء غاية السيطرة والتحكم في الظواهر
الطبيعية وفي الإنسان، ولا تبتغي أية غاية أخلاقية، فدينامية الحداثة في
عمقها دينامية محايدة أخلاقيا (A
morale)
فقط توجيهها إذا كان ممكنا وتطعيمها بشحنات أخلاقية ومعنوية بما يكيفها
قليلا مع أهدافها التحكمية. وقد سبق للفلاسفة في بدايات العصر الحديث أن
انتبهوا إلى هذه الخاصية فبينوا أن العلم قوة، وأن المعرفة قدرة أو كما
يقال بالفرنسية
Savoir c’est
pouvoir
فلا معنى لمعرفة اعتباطية مسالمة، لا تقود إلى امتلاك القدرة، ربما كانت
المعرفة التأملية هي وحدها المعرفة غير المتورطة في الفعل وبالتالي تظل
خارج دائرة القوة وخارج دائرة علاقات القوة، وهذا الارتباط العضوي العميق
بين المعرفة والقوة هو ما يشكل جوهر قوة الغرب الحديث.
أقلام أون
لاين: كيف يستقيم الحديث عن تقنية وأداتيه صارمة وفي الآن نفسه عن
الحرية والفردانية والذاتية؟ أليس هناك تناقض في بنية هذه الحداثة؟
د.سبيلا: فعلا لقد أشرت إلى
إحدى مفارقات الحداثة الكبرى، ولكنها مفارقة غير مفتعلة، فالحتمية
والأداتية هما نتاج للنظرة الموضوعية للعالم وللظواهر، أي كما هي في
ذاتها، في علاقاتها الكمية والرياضية، فالقانون الأساسي الذي يحكم العالم
المادي هو قانون الحتمية وقانون النسب والعلاقات، والعلم كشف عن هذه
الحتمية سواء على مستوى الطبيعة أو التاريخ أو في مجال الإنسان نفسه.
فالنظرة العلمية هي اكتشاف لهذه الحتميات ولتعالقاتها وترابطاتها بهدف
استخدام هذه المعرفة كأداة للتحكم في الطبيعة وفي الإنسان نفسه. فليست
الحتمية شيئا يضفيه الإنسان على الطبيعة بل هي علاقة من صلبها وصميمها.
أما على الجانب الآخر فمثلما ارتكز العلم على موضعة الطبيعة واكتشاف
حتمياتها، فقد تم النظر إلى الإنسان باعتباره حرية وذاتية وفردانية
ووعيا، لقد أصبح الإنسان في التصور الفكري الغربي الحديث، كائنا يتسم
بالحرية، بحرية الاختيار وحرية الفعل أمام شبكات الحتميات المختلفة، كما
أصبح ذاتا فاعلة مسؤولة وفردانية متميزة عن الجموع. يمكن القول أن البنية
الفكرية الأساسية للحداثة هي هذه الثنائية المركزية المتمثلة في الذات
والموضوع، الذات كحرية وفعل وإرادة ومعيار، والموضوع كشبكة من المعطيات
والحتميات الملزمة.
أقلام أون
لاين: ذكرتم قولا لبودلير "الحداثة هي ما هو عابر وعارض وهي
فرار"، وهي عند هيدجر عدمية، وفراغ يتم ملؤه بالأساطير المغذية
للسيكولوجيا، وبالإيديولوجيا واليوتوبيا واصطناع بطولات وأبطال في
السياسة والرياضة والفن؟ لماذا هذا الغياب للغائية والمعنى في الفعل
الحداثي؟
د.سبيلا: بالنسبة لقولة
بودلير، كشاعر استشعر ماهية الحداثة من حيث هي تعبير عما هو عابر وسديمي
وسرابي، من حيث أن جوهر الحداثة هو التحول والتجدد والتخطي المستمر. أن
ما يوحي بهذه الصورة السرابية هو عنف التحول ورسوخه، فزمن الحداثة مرتبط
بالانتقال المستمر والسريع، بالتخلي المستمر عما سبق والانتظار القوي لما
يلحق، ومن ثمة ارتباط الحداثة بمفهوم الثورة والأزمة باعتبارها نقطة تحول
نوعي من مرحلة إلى أخرى. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الحداثة لا
ترتكز على أي شيء غير ذاتها، فليس لديها عصر ذهبي أو نموذج مثالي ومعياري
تحتذيه بل هي لهاث مستمر وراء الجديد وانشداد قوي إلى المستقبل المجهول
وهو ما يجعلها ترتكز فقط على نفسها أي على التحول. هذه الملاحظة الذكية
التي قدمها بودلير هي التي طورها بعض الفلاسفة والسوسيولوجيون المعاصرون
بوصفهم المجتمع المعاصر بأنه مجتمع
l’euphemere،
العابر أو التافه أو السرابي، مثلما و |