رياح التغيير تعصف برموز المغرب وتعيد كتابة تاريخه

العدد الرابع عشر
السنة الرابعة/ ماي - جوان 2005

 
مريم التيجي (*)

صفق أغلب المتتبعين لمسار الإصلاحات السياسية والانفتاح، الذي دخله المغرب، قبل عقد ونصف، وكتبت مئات المقالات حول التجربة المغربية، التي اعتبرها البعض رائدة ونموذجا يحتذى في محيطها العربي.

إلا أننا لا نكاد نقف على قراءات عميقة لتداعيات الانفتاح السياسي، الذي لم تستسغ بعض الموجات الارتدادية، وبعض الأصوات، التي استغلت تفجيرات الدار البيضاء في 16 مايو 2003، وخلفت عشرات القتلى والجرحى، لتطالب بالتضييق على الحريات، والتراجع على مكتسبات حققها المغرب، بعد سنوات طويلة، لا يعرف لها المغاربة إلا اسم "سنوات الجمر" أو "سنوات الرصاص".

لقد دشن العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني عام 1992 مسلسل الانفراج السياسي، عندما عرض على "أحزاب الكتلة" الممثلة للمعارضة في تلك الفترة، تشكيل حكومة للتناوب الديمقراطي، قبل أن يتأجل المشروع، بسبب خلافات "شكلية" بين القصر والمعارضة، إلى سنة 1998، عندما قاد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، برئاسة عبد الرحمن اليوسفي، العائد من المنفى، حيث قضى ربع قرن، لقيادة المعارضة من الخارج، قبل أن يدخل لقيادة الحكومة بمباركة من ملك البلاد.

وقبل هذه الخطوة أطلق الحسن الثاني عدة مبادرات في اتجاه المعارضة، وردد خلال خطبه الرسمية "أن الوطن غفور رحيم"، ليفتح الباب لعودة المعارضين، بمن فيهم الصحراويين، الذين أنشؤوا جبهة البوليساريو، المطالبة بانفصال الصحراء عن المغرب، ودخلوا في مواجهات مسلحة مع النظام المغربي، بمساعدة الجزائر.

إلا أن العاهل المغربي الراحل فتح الباب، ليس فقط لانطلاق حالة من الانفراج السياسي، ولكن أيضا لسقوط العديد من الرموز، وتحطيم كل الأصنام، وتكسير كل القلاع، التي كانت جزء من النظام السياسي المغربي. فقد سمح الواقع الجديد بميلاد صحافة مستقلة، أو تابعة لفاعلين جدد، غير الأحزاب التقليدية، وكان أكبر إنجاز قامت به أنها ضيقت دائرة المقدس في المغرب.

فقبل حالة الانفراج السياسي، كان يكفي الحديث من بعيد عن شخص الملك، حتى لو تعلق الأمر بحلم غير إرادي، ليتعرض المعني بالأمر للاختطاف والاستنطاق والتعذيب، وربما لقضاء سنوات طويلة وراء القضبان، بتهمة المس بمقدسات الدولة.

إلا أن الأمر، بعد ذلك، تجاوز الحديث العابر إلى الانتقاد المباشر للمؤسسة الملكية المغربية، والمطالبة، جهرا وبشكل رسمي، بتحديد اختصاصاتها، بل وتحميلها بعضا من المسؤولية عن الأزمات، التي يعرفها الواقع المغربي.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الانتقاد ومناقشة صلاحيات الملك، بل تجاوزه إلى تغيير صورة الملك في نظر الرأي العام المغربي، حيث وجدت بعض الكتابات، التي كانت ممنوعة في المغرب، طريقها إلى يد رجل الشارع العادي والبسيط، عبر صفحات الصحف المستقلة، التي نشرت حلقات من كتب كانت ممنوعة.

وهكذا وجدت كتابات محمد حسنين هيكل، التي تتهم العاهل الراحل الحسن الثاني بالتواطؤ مع الموساد ضد القضية الفلسطينية، طريقها إلى صفحات الصحف، كما نشرت مثلا أسبوعية /الصحيفة/ في عددها الصادر بتاريخ 07/07/2004 ترجمة لوثائق من الأرشيف الإسرائيلي، تكشف تورط النظام المغربي في تهجير اليهود المغاربة في اتجاه "أرض الميعاد".

ووجد كتاب إينياس دال، الذي نشره بالفرنسية بعنوان /الملوك الثلاثة/، طريقه أيضا إلى المواطن المغربي، رغم أنه ينشر معلومات تخدش صورة الملك كرمز "مقدس" لدى الرأي العام المغربي.

ولم يكتف الكاتب الفرنسي دال بالتلميح بكون الحسن الثاني يقف وراء موت والده الراحل محمد الخامس، ووصفه كشاب غارق في تلبية رغباته، رغم الظروف العصيبة، التي يمر منها بلده، بل إنه ولأول مرة يرسم صورة مخالفة لتلك، التي يعرفها المغاربة عن الملك محمد الخامس، الذي يدعي دال أنه كان مولعا بتكديس الأموال في البنوك السويسرية، وأنه أخذ تعويضات مالية عن سنوات المنفى من الاستعمار الفرنسي.

كما أن شهادات ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، منذ استقلال المغرب، وجهت بعضا من سهامها إلى الملك الحسن الثاني، وأشارت إليه بالاسم، متهمة إياه بالوقوف وراء الانتهاكات، التي تعرض لها سكان الريف بالشمال المغربي، بمساعدة الجينرال محمد أوفقير عام 1959، الذي يعرفه أهل الريف بعام إقبارن.

ولم يصب "زلزال الانفتاح" في المغرب المؤسسة الملكية فقط، كرمز قوي من رموز المغرب، بسبب تجذرها في التاريخ، بل أصاب الشخصيات والأحزاب، التي كان المغاربة يعتبرونها "وطنية"، وأنها جزء من لائحة طويلة من "المقدسات"، التي رسمت وجه مغرب الاستقلال.

والبداية كانت اتهام شخصيات تاريخية بالوقوف وراء جرائم، غيرت مسار التاريخ القريب للمغرب، إذ صرح المحجوبي أحرضان مثلا، وهو أحد أعضاء جيش التحرير الذي كان يقاوم الاستعمار الفرنسي لأسبوعية /الأيام/ المغربية الصادرة بتاريخ 02/01/2003 بأن المهدي بن بركة أحد الرموز الوطنية المهمة وأحد رجال اليسار المغربي، تورط في مقتل زعيم جيش التحرير عباس مسعدي.

وترددت اتهامات مماثلة لشخصيات تاريخية كبيرة، إلا أن حالة الانفراج السياسي، عندما بلغت أوجها في المغرب، فتحت المجال لمواطنين بسطاء ليدلوا بشهاداتهم حول وقائع تاريخية، يجهل الجيل الحالي عنها الكثير، سواء من خلال جلسات الاستماع، التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة، التي أنشأها العاهل المغربي محمد السادس، أو من خلال الجلسات العمومية الموازية، التي نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أو من خلال القوافل، التي نظمها المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف.

فقد قال بعض الضحايا الشهود، الذين كانوا نزلاء أقدم مركز تعذيب بالمغرب المستقل، ويتعلق الأمر بـ"دار بريشة"، بمدينة تطوان، التي كانت مكانا لتعذيب وتصفية الخصوم السياسيين لحزب الاستقلال، أنهم رأوا صور علال الفاسي الزعيم الوطني المغربي تملأ المكان، كما أكدوا زيارته للمعتقل السري، وإشرافه على تعذيب خصومه، الذين لم يكونوا سوى قيادات وأعضاء حزب الشورى والاستقلال، وأعضاء جيش التحرير الوطني، كما أكد محمد التجكاني المعتقل السابق في "جنان بريشة" من خلال كتابه /دار بريشة أو قصة مختطف/ هذه الوقائع، التي صدمت وعي المواطن المغربي، الذي بدأت كل الرموز تتهاوى أمامه.

ولم تكتف رياح التغيير في المغرب بتحطيم رموز المغرب، بل بدأت دورة جديدة لإعادة كتابة التاريخ من جديد. فقد بدأت بعض المنابر الإعلامية تنشر كتابات ورسائل الثائر عبد الكريم الخطابي، التي تنسف مقولة الاستقلال، وتعتبر ما حدث في المغرب عام 1956 ليس استقلالا، ولكنه تواطؤ بين نخبة من السياسيين وبين المستعمر الفرنسي، كان أول ثمارها قضاء هذه النخبة السياسية، التي كانت ممثلة بحزب الاستقلال، على كل جيوب المقاومة الحقيقية، بمساعدة عسكرية فرنسية، وبناء مغرب "مستقل" لا يمكن إلا أن يسير في الطريق، الذي وصل إليه بعد مرور أزيد من أربعة عقود، على توقيع معاهدة إيكس ليبان، التي أعطت للمغرب استقلالا مخالفا للاستقلال، الذي حلمت به قطاعات واسعة من الشعب المغربي.

كما أعادت بعض الكتابات الصحفية الاعتبار لزعماء جبهة البوليساريو المطالبين بانفصال الصحراء الغربية، معتبرة إياهم ضحايا آلة القمع، التي كانت وسيلة الحوار الوحيدة، التي كان يجيدها النظام المغربي، مما دفعهم إلى الخروج من الجامعات المغربية، والتوجه إلى الصحراء لإطلاق شرارة الثورة، قبل أن يسقطوا في يد المخابرات العسكرية الجزائرية، ويتحول مسار القضية، لتتيه في مكاتب الأجهزة الاستخبارية.


(*) باحثة وصحافية مغربية

 

© aqlamonline 2005