القضية الفلسطينية في مفترق طرق

العدد الرابع عشر
السنة الرابعة/ ماي - جوان 2005

محمد الحمروني (*)

تعيش القضية الفلسطينية أحد أهم وأخطر مراحلها، بسبب الضبابية التي أصبح عليها الموقف الشعبي العام من الخيارات الإستراتيجية الواجب إتباعها، فبينما يصر البعض على خيار الانتفاضة والمقاومة، ويدعو إلى تصعيدها، وتطوير أشكالها، بما يتناسب مع حجم وشراسة الهجمة، يستميت البعض الآخر في الدفاع عن خيارات التسوية السياسية، ويدعو إلى إحياء عملية السلام، متمسكا باوسلو ومدريد ومقرراتهما.

بين هذا الخيار وذاك تقف أغلبية الشعب الفلسطيني حائرة، فلا المفاوضات أرجعت له الأرض، وحفظت له العرض، ولا المقاومة ردت الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة عن الأرض والشجر والحجر، علاوة عن البشر، وهنا تكمن الخطورة، فعندما يفقد الشعب (الأغلبية)، البوصلة، وتضيع محددات الاتجاه، ويصبح الجميع في حالة من التيه، لا يعرفون إلى أين يتجهون، يفقد الشعب حينها أحد أهم عوامل قوته، ويداخله الشك في الخيار والتوجهات وحتى القيادات، ويصبح كالغريب في مفازة، وقد تشعبت عليه المسالك فلا يعرف أين يتجه، خاصة إذا كان هذا الشعب يخوض صراعا رهيبا مع عدو غاصب لا يرحم، مما لا يدع مجالا ومتسعا من الوقت يمكن إضاعته.

لقد كان هناك دائما إجماع فلسطيني حول خيار ما، وليس المقصود بالإجماع هنا اتفاق الفصائل أو القوى الفلسطينية المختلفة حول رؤية محددة، بل المقصود هو ذلك الالتفاف الشعبي والجماهيري حول خيار محدد في فترة معينة، ترى الغالبية العظمى من المواطنين أنه خيار المرحلة، أو الخيار الأنسب لتحقيق أهدافها في فترة معينة، وقد شهدنا عبر مختلف مراحل صراع الشعب الفلسطيني مع سلطات الاحتلال، التفافا شعبيا وتبنيا جماهيريا حول خيار ما. في البدء كان خيار الثورة المسلحة، ثم خيار العمل الفدائي، وصولا إلى خيار التفاوض، وأخيرا خيار الانتفاضة والمقاومة، قبل أن يدخل الشعب الفلسطيني في مرحلة اللاخيار وهي الأخطر. فخطيرة هي خيارات الشعب الفلسطيني سواء كانت خيارات المقاومة والانتفاضة أو المفاوضات والحلول السلمية، ولكن الأخطر أن يبقى دون خيار، فلا هو يقاوم ولا هو يفاوض..

1 خيار الصمود والتحدي

عرف هذا الخيار عدة تطورات اختلفت باختلاف الظروف الذاتية والموضوعية، التى حفت بمسيرة الكفاح الوطني الفلسطيني:

- خيار الكفاح المسلح: هو الأصل والمبدأ الذي اعتمد عليه الشعب الفلسطيني في بداية احتلاله لأرضه، فكانت ثورة عزالدين القسام، التي بدأ الإعداد لها قبل استشهاده سنة 1935، ثم توالت عمليات الكفاح الفلسطيني ضد جحافل المستوطنين، وعبر كل تلك المراحل تبنى الشعب الفلسطيني هذا الخيار، واحتضن المقاومة ورجالاتها، ولم يكن هناك أي تردد في دعم المقاومين، ومد يد المساعدة إليهم، كما لم يكن هناك أي تردد أو شك في صوابية هذا خيار. وفي أواسط الستينات وبداية السبعينات شهدنا دفقا نضاليا وثوريا جديدا مع فتح وباقي فصائل النضال الفلسطيني المكونة لمنظمة التحرير، ورأينا حينها عمليات متنوعة تنفذ ضد أهداف إسرائيلية، كعملية ميونخ وغيرها. وفي هذه الفترة أيضا كان هناك احتضان للمقاومة، ودعم شعبي وجماهيري لها، مع اقتناع تام بأن هذا الطريق هو الخيار الموصل للحقوق الفلسطينية المشروعة.

- خيار الانتفاضة والمقاومة: وكان بروز هذا الخيار على مرحلتين:

- الانتفاضة الأولى سنة 1987 وظهور حركة المقاومة الإسلامية حماس على الساحة الفلسطينية، وما مثلته الحركة وبقية فصائل المقاومة الفلسطينية من نهج رافض لأي حلول مع العدو الصهيوني، وقد التحقت منظمة التحرير بهذا الخيار، وحاولت من تونس أن يكون لها حضور ما في قيادة الانتفاضة، وقد عرف عن الشهيد أبو جهاد أنه كان يمثل حلقة الوصل بين القيادة في تونس والقيادة الميدانية الموحدة للانتفاضة.

- الانتفاضة الثانية (2000)، والتي انطلقت شرارتها على إثر الزيارة التي قام بها شارون، للمسجد الأقصى المبارك، والتي تتواصل إلى اليوم. هذه الانتفاضة أخذت شكلا متصاعدا بدأ بالحجر وانتهى بصواريخ القسام والأقصى، التي نجح الفلسطينيون من خلالها في رجم المستوطنات، وإصابة أهداف في العمق الإسرائيلي.

2 خيار المفاوضات والحلول السلمية

بدأ طرح هذا الخيار مبكرا، لكنه بدأ يتبلور منذ عام 1991، خلال الانتفاضة الأولى، ولعل اشتعال لهيب الانتفاضة حينها، وظهور أطراف إسلامية على الساحة الفلسطينية، بدأت بالأخذ بزمام المبادرة في الشارع الفلسطيني، في الوقت الذي كانت فيه منظمة التحرير، أو على الأقل، أغلب قياداتها في الشتات وخاصة في تونس، مما افقدها كثيرا من الفاعلية على الأرض، وبالتالي الكثير من المساندين والمنتمين والأنصار.

هذا الوضع دفع بإسرائيل والولايات المتحدة والفاعلين الدوليين في القضية الفلسطينية، للقيام بخطوة تحقق أكثر من هدف:

- إعادة المبادرة لمنظمة التحرير، التي لا تقوم أسسها الفكرية على أسس عقائدية، وهو ما يسمح لها حسب التصور الغربي بدخول المفاوضات، ويمنحها مرونة كافية، خاصة لدى مناقشتها ما سيعرف لاحقا بقضايا الحل النهائي، وهي القدس والمستوطنات واللاجئين، واعتبارا أيضا إلى أن مواصلة ضرب منظمة التحرير وتركها في المنافي والشتات، سيفسح المجال، لتنظيمات أكثر تشددا وراديكالية كحماس والجهاد.

- محاولة الإجهاز، عبر المفاوضات، على الانتفاضة، التي كانت في كل يوم تزداد قوة وتوهجا، وأخذت تؤلف ما يشبه الإطار الجامع لمختف القوى الفلسطينية، وتعزز ذلك خاصة بعد فشل كل المحاولات لإخماد جذوتها بالقوة العسكرية والاعتقال والسجن.

هذه الخيارات التي قمنا باستعراضها كانت في كل مرحلة تتمتع بإجماع شعبي كبير، فعندما انطلق الكفاح المسلح في الثلاثينات من القرن الماضي مع القسام، ومن سار على دربه بعد وفاته، من سنة 1936 وما بعدها، كان هناك احتضان شعبي كبير للمقاومة، حتى إن بعض العائلات الارستقراطية الفلسطينية التي عارضت الكفاح المسلح في البداية شعرت بخزي وعار كبيرين، بعدما رأت من انتشار للعمل الفدائي (1).

وعندما وقع تأسيس فتح سنة 1957 ومن بعدها منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 وتبنيا خيار المقاومة والعمليات الفدائية (أول عملية قامت بها حركة فتح في ديسمبر 1964 بعد 6 أشهر فقط من إعلان تأسيس منظمة التحرير، وكانت العملية ضد محطة مائية)، وقع احتضانها أيضا من قبل الشعب الفلسطيني، وكان هناك إجماع حول خياراتها. هذا الالتفاف تواصل مع الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية.

بين هذه الانتفاضة وتلك عرفت القضية مرحلة المفاوضات، التي امتدت من سنة 1991 تقريا إلى حدود سنة 2000، وعقد الشعب الفلسطيني آمالا كبار على المفاوضات، وحصل إجماع كبير حولها، إلى درجة انه حتى عندما قامت السلطة الفلسطينية بسجن أبناء "حماس"، ووضع رجل مثل الشيخ احمد ياسين تحت الإقامة الجبرية لم يتخلخل الوضع الداخلي الفلسطيني بشكل مزلزل، يهدد وحدة الشعب الفلسطيني، ذلك أن أغلبية هذا الشعب علقت آمالا عظاما على المفاوضات، وشهدنا في هذه المرحلة التفاف الشارع الفلسطيني العريض حول خيار التفاوض.

طبعا هذا الكلام لا يعني عدم وجود معارضة من داخل الشعب الفلسطيني في ذلك الوقت لأوسلو، وما يمكن أن تجره من ويلات، فقد كانت "حماس" ومعها العديد من المنظمات والتنظيمات تنبه إلى المزالق التي يمكن أن تنجر عن أوسلو ومدريد، ولكن رغم هذه المعارضات فان التوجه العام للشعب الفلسطيني كان مع مدريد وأوسلو.

ويجب أن لا يعني هذا الكلام أيضا أن الشعب الفلسطيني كان يفضل المفاوضات على المقاومة، تماما مثلما يجب أن لا يعني احتضانه لخيار الصمود والتحدي رفضه لأي تفاوض، فالشعب الفلسطيني، كان في الغالب مع المقاومة على اعتبار أنها السبيل الوحيد لتحقيق أهدافه الكبرى في الاستقلال والعودة واستعادة المقدسات... ولكن عندما طرحت عليه المفاوضات، وتصور أنه يمكن من خلالها تحقيق مطالبه، ولى وجهه شطرها، وعندما يئس من إمكانية تحقيقها لمطالبه عاد إلى خيار المقاومة والانتفاضة، فالشعب الفلسطيني كان دائما الطرف الأكثر واقعية ومرونة من الفصائل والمنظمات في تعامله مع المستجدات، وهو ما سمح له بأن يقاوم وأن يفاوض وفقا لظروف كل مرحلة..

3 اللاخيار

بعد وفاة الرئيس عرفات وتجدد الدعوة للعودة إلى المفاوضات، وعودة ما يشبه الأمل في السلطة ومنظمة التحرير في إمكانية تحقيقها لبعض الأهداف، أصبحت هناك حالة استقطاب حقيقي وحاد، لا فقط بين قوى المقاومة وما تمثله، والسلطة ومن لف لفها من رموز سياسية وفكرية، ولكن الاستقطاب أصبح بين خيارين: خيار المقاومة الذي يعتقد البعض انه بعد فشل تجربة اوسلو وما جرته على الفلسطينيين والمنطقة من نكبات، أنه الخيار الأسلم، وبين من يعتقد في عدم وجود أي حل للقضية الفلسطينية في ظل انخرام موازين القوى العسكرية والسياسية لصالح إسرائيل والدعم الأعمى الذي تتمتع به من طرف الولايات المتحدة إلا الحل السلمي عبر التفاوض.

هذان الخياران ظلا مطروحين على الشعب الفلسطيني منذ بواكير الهجرة اليهودية إلى فلسطين، أي حتى قبل قيام دولة إسرائيل، إذ يذكر الكاتبان باروخ كيمرلينغ وجويل س - ميغدال في كتابهما عن تاريخ الكفاح الفلسطيني، أن الشيخ عزالدين القسام لما قرر إعلان الثورة، بعد أن أتم استعداداته لها، في حدود سنة 1934 أرسل إلى مفتي القدس حينها رسالة يعلمه فيها بما هو قادم عليه. وقال له ما معناه، انه سيعلن الثورة في الشمال، وأن عليه (المفتي) أن يعلنها في الجنوب، فرد عليه المفتي انه يفضل محاولة الطرق السياسية... وكان الشعب الفلسطيني يتبنى في كل مرحلة احد هذين الخيارين بشكل يشبه الإجماع.

الخطير اليوم أننا نرى غالبية الشعب الفلسطيني (والحديث هنا ليس على التنظيمات والفصائل) منقسمة، ولا تستطيع، لعدة أسباب، أن تشكل إجماعا حول خيار ما، سواء كان المقاومة والانتفاضة أو أوسلو والمفاوضات.

عدم الاختيار هذا وحالة الاستقطاب الحاد بين هذين الخيارين، هي ما يمكن أن يعيق الشعب الفلسطيني عن العمل، اذ إن أي عمل هو في نهاية الأمر تنفيذ لفكرة ما، أي لخيار ما، وهناك عدة عوامل جعلت الشعب الفلسطيني ينقسم في خيارته بهذا الشكل نذكر منها:

  • فشل السلطة في تحقيق ما وعدت به من خلال اوسلو والمفاوضات على الرغم من حجم التنازلات، التي أقدمت عليها، فلم يتحقق حلم الدولة الذي وعدت به، ولا عودة اللاجئين، ولا إطلاق سراح للمساجين.
  • تزايد العدوان الإسرائيلي، وارتفاع وتيرة ابتلاع الأراضي، وسجن عرفات ثم قتله، والجدار العنصري، والذي يعتبره البعض نتاج اوسلو، إضافة إلى تكبيل السلطة بالتزامات أمنية تختصر دورها في حماية إسرائيل من أعمال المقاومة.
  •  فشل المقاومة في تحقيق أهداف واضحة، ميدانيا وعلى الأرض.
  •  دفع الشعب الفلسطيني ثمن عمليات المقاومة غاليا، كهدم المنازل والاجتياحات العنيفة جدا والدموية، التي تقوم بها إسرائيل ردا على كل عملية.

هذه الأمثلة وغيرها، إذا ما أضفنا إليها، تذبذب مواقف السلطة بين التزامها بالمفاوضات، والسماح لبعض أجنحتها العسكرية بالقيام بعمليات ضد إسرائيل، حتى وإن نددت في الظاهر بتلك العمليات، وهو نفس ما يمكن أن نقوله بخصوص موقف السلطة، خاصة آخر عهد عرفات، من مختلف عمليات أجنحة المقاومة، وتذبذب مواقف تيارات المقاومة بين خياراتها الاستراتيجية القائمة على الانتفاضة والمقاومة، وبين مواقف تكتيكية تدفعها إلى التهدئة، والتفكير حتى في الانخراط في منظمة التحرير، والمشاركة في السلطة.

هذا الوضع جعل الشعب الفلسطيني في مفترق طرق، في لحظة تاريخية حرجة للغاية من تاريخه، ويجعل الرؤية ضبابية جدا أمامه، حتى إنه لا يستطيع أن يختار، وبالتالي يدخل في حالة أشبه بالشلل، الذي يفقد القدرة على الحركة، وهذا أخطر ما يمكن أن يواجهه شعب ما في حالة استهداف من قبل قوة منظمة ومدعومة ومسلحة بشكل يفوق التصور.

أن يختار الشعب الفلسطيني هذا التوجه أو ذاك، هذا أمر مهم، ولكن الأهم هو أن لا يبقى دون خيار محدد أيا كان، ولا شك في أن عبقرية الشعب الفلسطيني ستمكنه من إيجاد حلول لهذه الأوضاع، التي نتمنى أن تكون مؤقتة.


(*) كاتب وصحافي تونسي

(1) انظر كتاب مسيرة الكفاح الفلسطيني للكاتبين باروخ كيمرلينغ وجويل س- ميغدال

 

© aqlamonline 2005