كلمــة العدد

العدد الرابع عشر
السنة الرابعة/ ماي - جوان 2005


لا تجد الأنظمة العربية الفزعة من تزايد مطالب الإصلاح من الداخل والخارج، سوى الارتماء في أحضان التطبيع مع الكيان الصهيوني، لعل التطبيع يصرف عنها الضغوط الأمريكية والغربية المطالبة بالإصلاح. ولم تشذ الحكومة التونسية عن القاعدة، فكانت دعوة آرائيل شارون لزيارة تونس مندرجة ضمن هذه الاستراتيجية، وإن حاول أصحاب الدعوة إخراجها في قالب بروتوكولي ينزع عنها الصفة السياسية.

فإذا كانت مصر والأردن قد أعادتا سفيريهما إلى تل أبيب، رغم استمرار جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، ووقعت مصر اتفاقية "الكويز" مع "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية، فإن السلطة التونسية أرادت أن تثبت دورها في تحريك عجلات قطار التطبيع مع دولة الاحتلال، من خلال دعوة آرائيل شارون للمشاركة في قمة مجتمع المعلومات، المقررة في نوفمبر القادم.

تباينت وجهات النظر بشأن الدوافع التونسية لدعوة شارون. فالبعض اعتبر أن الدعوة ربما كانت مجرد خطأ، وأن المشكلة سببها موظف إداري تونسي غير نبه، أخذ قائمة أسماء الدول من دليل الأمم المتحدة، ووجه لكل منها  دعوة، فكانت دعوة شارون، ضمن دعوات كثيرة أخرى. هذا الرأي يبدو ساذجا وخفيفا جدا، لكنه مطروح.

أما الآراء الأكثر جدية فتذهب إلى أن أسباب الدعوة مركبة، وتسعى لتحقيق أكثر من هدف. فهي ترمي للتهرب من ضغوط الإصلاح برشوة الولايات المتحدة، عبر ربيبتها "إسرائيل"، فإرضاء تل أبيب هو أقرب الطرق إلى قلب الإدارة الأمريكية. ومن ترضى عنه "إسرائيل"، لابد أن ينال شيئا من الرضا الأمريكي، بما يخفف عنه الضغوط المطالبة بالإصلاح.

وثمة رأي آخر لا يقل وجاهة في تفسير دعوة شارون، فبالنظر لكون سجل تونس في ميدان حرية الإعلام وتدفق المعلومات من السجلات الأسوأ عالميا، فإن دعوة شارون لقمة المعلومات، من شأنه أن يجعل وسائل إعلام غربية كثيرة، تغضّ الطرف عن ذلك السجل الأسود، بل إن الأمر سينتقل من دائرة إحصاء وتعداد مظاهر الانغلاق الإعلامي، وخنق حرية تنقل المعلومات، ونحن نرى "سجناء الإنترنت" يتكاثرون في تونس، وآخرهم المحامي محمد عبو، إلى النظر للنظام التونسي باعتباره نظاما معتدلا من وجهة النظر الغربية، بدليل دعوته لشارون، ومن ثم يتحول الجدل من قضية حرية انسياب المعلومات إلى قضية الاعتدال في الموقف من "إسرائيل" من عدمه.

رد الفعل الشعبي في تونس يبدو أن السلطة، ككل مرة، لم تحسب حسابه، فقد تجاوزت حركته جدل الأسباب والخلفيات. وجاءت الهبّة الواسعة من طلبة الجامعات وتلاميذ الثانويات ومن وقطاعات أخرى كثيرة كنقابات العمال والصحفيين وأساتذة الجامعة إضافة إلى الجمعيات الوطنية والأحزاب السياسية التي اجتمعت كلمتها، وقليلا ما تجتمع، على رفض هذه الدعوة والوقوف في وجه زيارة شارون مهما  كانت التضحيات.

المحامي الشاب والناشط في مجال حقوق الانسان محمد عبو كان أول المضحّين، فدفع حريته لقاء مقالة كتبها يقارن فيها بين الداعي والمدعو نال بسببها حكما بالسجن ثلاث سنوات ونصف السنة.  أما زملاؤه المحامون، فقد سجلوا بمنافحتهم عنه وعن شرف مهنتهم وطهارة أرضهم، ملحمة من الصمود لم تعرف تونس الحديثة لها مثيلا.

لقد فتح التشنج والتشدد الذي طبع تعامل السلطة مع ملف عبو وزملاء مهنته  شرخا جديدا في العلاقة بين الدولة والمجتمع تعكسه المواجهة الدائرة مع قطاع المحاماة. كما أعادت محاكمة عبو ومن بعده ابن مراد التركيز على قضايا حرية التعبير واستقلال القضاء.. وهي قضايا من شأنها أن تعيد الحراك إلى الساحة السياسية قبل أن يعيد إليها اقتراب موعد قمة المعلومات توتر الزيارة غير المرغوب فيها.

 

© aqlamonline 2005