الأستاذ فريد بن سليمان يحاضر عن
الجمعيات الخيرية الاسلامية وإسهامها في الحركة الوطنية

العدد الرابع عشر
السنة الرابعة/ ماي - جوان 2005

 
تونس - أقلام أون لاين - خاص
(محمد الحمروني)

نظم المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية يوم 9 مارس الماضي بالمركز الثقافي لمدينة تونس، محاضرة بعنوان الجمعيات الخيرية الإسلامية وإسهامها في الحركة الوطنية. وقام بتقديم المحاضرة فريد بن سليمان، وهو أستاذ مساعد في مادة التاريخ بكلية الآداب في منوبة، ولامس من خلال هذا الطرح جملة القضايا والمعوقات، التي ترتبط بالعمل الخيري عموما، والعمل الخيري تحت الاحتلال خاصة، مثل المراقبة الإدارية المشددة، لعمل هذه الجمعيات، ومجالات نشاطها، ومصادر تمويلها، وصولا إلى إسهاماتها في المساعدة على تقوية عوامل الممانعة، التي تجعل النسيج المجتمعي التونسي عصي عن الاختراق، وتمتين العناصر المشكلة لهويته غير قابلة للتذويب..

لمحة تاريخية

بدأ الاستاذ ابن سليمان بتوضيح أن هذه المحاضرة تأتي بمناسبة مرور 100 سنة على تأسيس أول جمعية خيرية، وهي الجمعية الخيرية الإسلامية لمدينة تونس، والتى كان تأسيسها سنة 1905، على انه لابد من الإشارة إلى أن إعلان التأسيس هذا ليس سوى عملية تقنين للعمل الخيري بالبلاد، فهذا العمل سابق في نفوس الاهالي، وهو غير مرتبط بالجمعيات، اذ أن اغلب الاعمال الخيرية هي أعمال شخصية، وتتم في السرية، والجمعيات لا تعكس في الواقع الا جزء ضئيلا من العمل الخيري، الذي يجري بالبلاد. وسنة 1905 اذا كانت سن الإعلان عن تأسيس الجمعية الخيرية الاسلامية لمدينة تونس، والتى ستصبح في ما بعد نموذجا تسير عليه اغلب الجمعيات بالبلاد.

اهمية الدراسة التاريخية للجمعيات الخيرية

وفي هذا الصدد اشار الاستاذ ابن سليمان إلى الاهمية التي تمثلها هذه الملفات في جملة من الدراسات مثل:

- دراسة التاريخ الاجتماعي للشعوب: حيث تضعنا هذه الملفات في صورة الأحداث، كما كانت تجري على ارض الواقع، خاصة على مستوى الفئات الضعيفة والمحرومة، كالفقراء والمهمشين، هؤلاء الذين لا نجد لهم ذكرا في كتب التاريخ، التي عادة ما تهتم بالزعماء والقادة، ولا تعير كبير اهتمام لهؤلاء، وهم المحركون الحقيقيون للتاريخ.. انها النظرة إلى التاريخ من اسفل كما قال الاستاذ ابن سليمان.

- دراسة تاريخ التربية والتعليم: ذلك أن دراسة تاريخ الجمعيات الخيرية يجعل الصورة اكثر وضوحا بخصوص عناصر التربية والتعليم، لان كل الجمعيات الخيرية لعبت، بشكل ما، دورا في عملية التربية، التي كانت توليها اهمية خاصة، سواء من خلال بناء المدارس والمبيتات للطلبة، أو من خلال الرعاية والمنح المادية، التي كانت تقدم للمعوزين منهم.

- دراسة التاريخ الاقتصادي: فملفات الجمعيات الخيرية مرآة عاكسة للحالة الاقتصادية للبلاد، وخاصة خلال الازمات، فتجد فيها احصاءات بعدد المنتفعين بالمعونات، وأعداد الأرامل والأيتام، ممن هم في الكفالة، وكذلك تعكس (التكيات) وهو جمع تكية، وتسمى في تونس التكية، وهي اشبه بالملاجئ لمن شردتهم الحروب، وعصفت بهم الكوارث الطبيعية، وما اكثرها في النصف الاول من القرن الماضي ببلادنا.

- دراسة تاريخ الحركة الوطنية: فقد لعبت الجمعيات الخيرية دورا كبيرا في تغذية الشعور الوطني، إضافة إلى عملية التوظيف، التي كانت تقوم بها القيادة السياسية للكفاح الوطني لهذه الجمعيات، ومن ذلك مثلا منشور سنة 1936، الذي وجهه صالح بن يوسف إلى القواعد يدعوها فيه إلى التركيز على تكوين الجمعيات، واستغلالها كمنابر، ثم العمل على دمجها مع الحزب، حتى تصبح الجمعيات والحزب شيء واحد.

الموارد والانشطة

عرج الأستاذ ابن سليمان بالحديث بعد هذا العرض، عن موارد هذه الجمعيات، ولعله من نافلة القول التذكير بأن الموارد المادية هي العمود الفقري لهذه الجمعيات، وهي التي تمثل عوامل قوتها واستمراريتها، وتتنوع هذه الموارد من الاشتراكات، إلى المنح الحكومية، فالهبات والعطايا والاحباس، وصولا إلى الحصالات، التي كانت توضع في المساجد، وما كان يدره بيع صور الباي، خاصة صور المنصف باي، الذي كان محبوبا جدا لدى كل التونسيين.

هذه الأموال التي كانت تجمع من مختلف المصادر، كانت تنفق بالاساس على جملة من الانشطة في مجالات مختلفة منها:

- المجال الاجتماعي، بما في ذلك كفالة الايتام، وتعليمهم، وإيوائهم، كما يشمل بناء الملاجئ، التي اصبحت اشبه بالمركبات الاجتماعية، التي تغطي كافة الجوانب، من ايواء وتدريس واطعام. وقد قامت الملاجئ في تونس بدور كبير، خاصة ايام الشدائد، كالحروب والكوارث الطبيعية، من قبيل:

- ختان الاطفال، وخاصة في الاعياد والمناسبات الدينية.
- إقامة المطاعم الشعبية ولجان الاغاثة، وخاصة في اوضاع الازمات.
- إعانة الابكار على الزواج.
- تعليم الفتيات.
- توزيع المواد الغذائية، وخاصة في المناسبات والاعياد.

والملاحظ كما قال الاستاذ ابن سليمان، بعد هذا الاستعراض، هو الأهمية، التي كانت توليها الجمعيات الخيرية للجانب التربوي، بما في ذلك بناء المدارس، وتقديم المنح للطلبة المعوزين، وكانت خلفية هذا الاهتمام، كما قال، المراهنة على العلم كسلاح للتخلص من الاستعمار.

إسهام الجمعيات الخيرية في حركة التحرير الوطنية

هذا الدور يبدوا واضحا، خاصة من خلال منشور سنة 1936 لصالح بن يوسف، الذي يحض فيه على تكوين الجمعيات، واستعمالها كمنابر للتعبير عن مطالب التونسيين. وقد كانت سلطات الحماية متفطنة لهذه المسألة، مما دعاها إلى تشديد الرقابة الإدارية على سير عمل هذه الجمعيات، كما كانت تحاول تعطيل تكوين جمعيات جديدة، وتحرص على أن تنصب رؤساء لهذه الجمعيات، يكونون من الموالين لها.

نقاش

هنا تنتهي محاضرة الاستاذ ابن سليمان، والتى كانت على ما نرى اشبه باستعراض تأريخي لملفات الجمعيات الخيرية في تونس، دون تجاوز ذلك إلى محاولة النفاذ إلى تحليل الدور الكبير الذي قامت به هذه الجمعيات، للمحافظة على النسيج الاجتماعي، خلال فترة الاحتلال.

لقد كان من الأجدى في اعتقادنا لو أن الاستاذ جعل هذه الملفات منطلقا لتحليل ادق واعمق لهذه الظاهرة، لا الاكتفاء باستعراض ما جاء فيها، فالتاريخ كما قال مؤسس علم العمران البشري، العلامة ابن خلدون، لا يزيد في ظاهره عن الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق، ونحن نعتقد أن الاستاذ اكتفى من قولة العلامة ابن خلدون بالإخبار.

هذا من جهة، ومن جهة اخرى فإن من تابع المحاضرة لاحظ انعدام التوازن بين محوري المحاضرة، فقد كان من المفترض أن يتناول الاستاذ ابن سليمان في الجزء الاول من مداخلته استعراض الجمعيات الخيرية، تاريخها وانشطتها،  وهو ما نجح في تقديمه إلى حد ما، ثم يقوم في الجزء الثاني بالتركيز على إسهامات هذه الجمعيات في مسيرة الكفاح الوطني، ولكن خطأ منهجيا ارتكبه الاستاذ ابن سليمان، جعله لا يجد في حديثه عن هذه الإسهامات سوى الإشارة إلى منشور 1936، ومحاولات مجموعات الكفاح الوطني استثمارها في الصراع ضد سلطات الحماية، وهذا الخطا (وهو خطأ شائع في صفوف عدد من الباحثين)، هو حصر عملية الكفاح الوطني في الكفاح السياسي، ومن ثم اختزاله في بعض الرموز السياسية، واعتبار أن كل أشكال الأنشطة الأخرى روافد للكفاح السياسي لا اكثر.

في حين أن الحقيقة غير ذلك، فالاستعمار كان بمثابة هجمة حضارية شاملة، عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية ودينية، ولم يكن بامكان الكفاح السياسي لوحده الوقوف بوجهه، بل كان المطلوب للوقوف بوجه هذه الهجمة، هبة حضارية شاملة، يتصدى فيها العسكري للعسكري، والسياسي للسياسي، والثقافي للثقافي.

فالزيتونة مثلا حملت على عاتقها الجوانب التعليمية والتربوية، وما تعلق بها من الحفاظ على هوية البلاد، والنقابات دافعت عن العمال، والجمعيات واجهت التبشير وهكذا. إضافة إلى ذلك فان الاستاذ ابن سليمان، وفي الوقت الذي يستعرض فيه جزءا من تاريخ العمل الخيري الإسلامي، ودوره في المحافظة على هوية البلاد، نجد العديد من الجمعيات الخيرية الإسلامية عبر العالم تتعرض اليوم إلى عمليات منع وتضييق، ومحاولة تحجيم دورها، وكان المؤمل أن يقوم الاستاذ ابن سليمان بمحاولة للربط بين الادوار التاريخية، التي لعبتها الجمعيات الإسلامية، وما تتعرض له اليوم من منع، لنقول ما اشبه اليوم بالبارحة، مما كان سيعطي للمحاضرة وما طرحته من قضايا، راهنية تخرجها من برودة التاريخ، إلى حرارة الجدل المتصاعد، حول العمل الخيري الاسلامي، اليوم، عبر العالم

 

© aqlamonline 2005