"منتدى الجاحظ" يبحث الاستراتيجية
الأمريكية في المنطقة العربية والإسلامية بعد 11 سبتمبر

العدد الرابع عشر
السنة الرابعة/ ماي - جوان 2005

تونس - أقلام أون لاين - خاص

الرؤية الإستراتيجية الأمريكية في التعامل مع العالم العربي والإسلامي، بمختلف مراحل تطورها، وأهم مميزاتها، من بداية القرن الماضي، وصولا إلى الرؤية الأمريكية للإصلاح، التي تطرحها حكومة بوش والفريق العامل معها، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، فالشرق الأوسط الموسع، وخلفيات هذه الرؤية السياسية والمذهبية الدينية، تلك كانت أهم محاور اللقاء الفكري الذي جمع يوم السبت 26/03/2005، بمنتدى الجاحظ ثلة من الباحثين والدارسين والمتابعين مع الأستاذ أحمد أونيس.

الأستاذ أونيس أكاديمي درس في الجامعة التونسية مادة العلاقات الدولية، وهو أحد خريجي المدرسة التونسية في الميدان الدبلوماسي، مثّل تونس في عدد من البلدان والعواصم، مثل لندن ومدريد وموسكو والهند والأمم المتحدة، إضافة إلى كونه باحثا في العلوم الاستراتيجية وأحد الذين عملوا في مركز الدراسات الاستراتيجية.

بدأ أونيس بالقول إن عام 2000، كان عام دخول العلاقات العربية الإسلامية مع الولايات المتحدة عهدا جديدا، قبلها كانت فترة رئاسة كلينتون، تمثل مرحلة فصل بين عهدين، فيما يهم العلاقات الدولية والعلاقات الأمريكية مع العالم الإسلامي.

وكان بوش عازما على إدخال إصلاحات جوهرية في كل المجالات، فحاول التنصل من المعاهدات، التي كان يعتبرها مكبلة للولايات المتحدة الأمريكية، مثلما فعل مع معاهدة الصواريخ البالستية مع روسيا، تلك كانت الرؤية التي حكمت الرئيس بوش في فترة ما بعد توليه الرئاسة مباشرة، إلا أن أحداث 11 سبتمبر فرضت على صناع القرار الأمريكي تحويل الاهتمام إلى العالم الإسلامي، دون التخلي عن الأهداف السابقة، كما أن الإدارة تحت ضغط الموقف في العراق وعوامل أخرى، اضطرت لإدخال تغيير سياسي على برنامجها، بخصوص الشرق الأوسط، إرضاء لأروبا، ودفعا لها كي تلتحق بالموقف الأمريكي وتتبنى أفكاره.

علاقة الاستقطاب

بعد هذا الإجمال بدأ أونيس عرضه للمسألة بالتأكيد على أن العلاقة الأمريكية مع العالم الإسلامي على مدى القرن الـ20، كانت علاقة استقطاب، قائمة على جملة من المصالح المشتركة تفرض نفسها، بحيث لا يمكن الاستغناء عنها، على الرغم من اختلاف الفريقين. فالاستقطاب يقوم على ثنائية التجاذب والتنافر، ورغم ذلك يركز كل طرف على عوامل دعم الاستقرار، وبالنسبة للعلاقة الأمريكية العربية كانت أهم محاور الاستقطاب:

- الدين: بقي دور الدين غير محدد في هذه العلاقة، إلا أن الإسلام ظل يعتمد كحافز قوي ضد التسرب الشيوعي للمنطقة، وما عدا ذلك، فالعلاقة لم تكن تهتم بالدين حتى نهاية السبعينات، مع ظهور الإسلام السياسي والإسلام المسلح (الثورة الإيرانية، غزو أفغانستان، اغتيال السادات). ويرى الأستاذ أونيس أن الولايات المتحدة استغلت الدافع الإسلامي القوي لمقاومة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، دون التفكير في تداعيات ذلك، فسرعان ما قامت جبهة إسلامية في الجزائر، قبل أن تعم الموجة المغرب العربي، ثم الانتفاضة الإسلامية بفلسطين. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه التنظيمات الإسلامية كانت تلعب أدوارا اجتماعية بارزة، قبل أن تتحول إلى تنظيمات فوق الدولة، وأصبحت تشكل شبكات دولية ثرية، مسنودة بشرعية دينية، تدوس من خلالها شرعية الدولة، ومن هنا أصبح الإسلام الذي تمثله هذه التنظيمات مهما لأمريكا، لأنه صار يهدد مصالحها، وينذر بإسقاط عروش الموالين لها.

والحقيقة أن صعود الظاهرة الدينية لم يكن بالأمر الغريب، فهناك صعود للسيخ بالهند، والليكود بإسرائيل، والمحافظين الجدد بأمريكا، ولكن ما ميز (على الأقل من وجهة نظر أمريكية) صعود الظاهرة الدينية الإسلامية، أن هذه التيارات لا تطالب بتجاوز ما هو سائد، بل هي تطالب بإحياء القديم، والعودة إلى النظام القديم في الأسرة والقضاء والنظام السياسي، كما أن هذه التنظيمات تعارض تحرير المرأة، وترفض التطور والتقدم والمعاصرة، هذه الصورة المهيمنة على فكر الباحثين الاستراتيجيين الأمريكين، تدعمها مسألة في غاية الأهمية، جعلت العالم الغربي يصاب بالحيرة والدهشة كلما وقف أمامها، وهي مسألة الشهادة، وإعلاء قيمة الشهيد لدى عائلته وأهله، وخاصة أمه، فأن تقف أم تجهز ابنها وهو ذاهب للشهادة، ثم تبقى تصلي وتدعو له بالتوفيق، وهي تنتظر أن يزف لها خبر استشهاده، هذا أمر بالنسبة للعالم الغربي محير، ومدعاة للتساؤل عن معاني ومفاهيم الإنسانية لدى هذه التنظيمات والتيارات.

هذه الظاهرة دفعت بوش، كما يرى الأستاذ أونيس، لوضع خطة سماها الحرب على الإرهاب، من أجل الحد من صعود الروح الاستشهادية، ولمساعدة أصدقائه في المنطقة، الذين بدؤوا يستشعرون خطورة هذه التيارات، مشيرا إلى أن هذه الخطة لا تحترم معاهدات دولية ولا قوانين الحرب، ولا تلتزم بمواثيق، ولا تحترم عهودا، لأنها ببساطة تنسب إلى الخصم عدم الإنسانية وعدم التقيد بقوانين الحرب وأخلاقياتها. وهو يعتبر أن هذه كانت نقطة مهمة في علاقة الاستقطاب الأمريكية والعربية

- النفط: يذهب الأستاذ أونيس إلى أنه بالنسبة للنفط فإن مصلحة الطرفين: المنتج والمستورد، تلتقي في إنتاج وتصدير النفط، وتأمين "المقاطعات" النفطية، حتى لا تقع في أيادي "الأعداء". وبعد الثورة النفطية الأولى، أصبحت المصلحة المشتركة تلتقي، لا فقط عند ضمان أمن المناطق النفطية، بل وفي تحديد السعر، وضمان مسالك التوزيع، من أنابيب وبواخر.

وهو يرى أن التقاء المصالح تأكد بعد غزو العراق للكويت، وظهور الحاجة إلى حماية الدول النفطية من بعض الدول النفطية الأخرى، إلى جانب حمايتها من عدد من التهديدات الأخرى مثل.

- التهديدات الإرهابية، وهي تهديدات من داخل الدول النفطية نفسها.
- الضغوط التي بدأت تمارس عل الأسواق النفطية من الهند والصين، بسبب ارتفاع الاستهلاك، وبداية دولة مثل الصين في عملية تخزين للنفط، مما يعطي لهذا العملاق الاسوي الإمكانية في التحكم في أسعاره، والتلاعب إن شاء بالسوق البترولية.
- الوجود الإسرائيلي، والمعادلة هنا تتمثل في السعي الأمريكي لحل مرضي للقضية الفلسطينية، مقابل ضمانأ وسلامة إسرائيل، وتقدم واشنطن هنا ما تسميه (الالتزام الفعال)، الذي لا يعني التحرك السياسي التوفيقي، وإنما يتجاوزه إلى ضبط تصرفات إسرائيل في المنطقة، وأن لا تتعرض للدول الخليجية باستفزازات محرجة.

نهاية الاستقطاب والاستراتيجية الجديدة

علاقة الاستقطاب هي علاقة جدلية تتجاوز التناقضات من أجل الاستقرار والمصلحة المشتركة، ولكنها كعلاقة تبقى دائما مهددة، لأنها تقوم على التناقض، ولا يمكن زوال حالة الاستقطاب إلا بزوال أحد الطرفين. مع سقوط الاتحاد السوفيتي انتهت فترة الاستقطاب، التي كانت بينه وبين أمريكا، ثم جاءت فترة حكم كلينتون، التي تواصلت إلى سنة ألفين، وشكلت مرحلة انتقالية من مرحلة الاستقطاب إلى مرحلة القطب الواحد، وغلب على هذه الفترة التسرع الأمريكي، من أجل تأكيد النصر، الذي تحقق على الاتحاد السوفيتي، إلا أن كلينتون لم يحدد خيارات واضحة لما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وهذا تحديدا ما سيفعله بوش.

ركز المحافظون الجدد مع بوش على ثلاثة عناصر:

- ضرورة انفراد أمريكا بالقرار دون تشريك حلفائها في أخذ قراراتها، والاعتماد على القوة العسكرية الأمريكية وحدها، بما يعني التركيز على التسلح (ثورة الشؤون العسكرية)، المعتمدة على التكنولوجيا العصرية.
- وحي الميثولوجيا القديمة: التي تعود إلى عهود التحول من اليهودية إلى المسيحية، وهي ميثولوجيا تعد بعودة النور والحق للإنسانية.
- نشر مبادئ الديمقراطية والحرية لكافة الشعوب والأديان والأعراق.

وقد استلهمت الحملة الانتخابية الأولى لبوش كثيرا من آرائها وتوجهاتها من هذه العناصر. وقد تحددت خيارات بوش بالجمع بين المكونات التالية:

- التيار القومي المتمثل في شخصيات سياسية مثل ديك تشيني، ودونالد رامسفيلد اللذان يعملان، من خلال ما يعلنانه على الأقل، على خدمة أمريكا الوطن الأم، وهم يستندون في توجهاتهم على المدرسة الواقعية.
- التيار الإنجيلي المسيحي، الذي أنقذ (الشاب بوش) من الانزلاق إلى الخمر والمخدرات، وهو تيار ضخم يضم ملايين الأتباع.
- تيار المحافظين الجدد.

تولى بوش الابن السلطة يمثل إذن فاصلا بين مرحلتين، مرحلة الاستقطاب الثنائي، ومرحلة القطب الواحد، لذا رأيناه يتنصل من عدد من المعاهدات السابقة، التي يعتبرها مكبلة للولايات المتحدة، مثل معاهدة الصواريخ بعيدة المدى مع روسيا، وتقوم هذه الرؤية الأمريكية الجديدة على المبادئ التالية:

أ - إقرار الدور الريادي الفريد لأمريكا في العالم، وقمع كل قوة مزاحمة، حتى ولو كانت صديقة.
ب - إعادة صياغة الأنظمة الإقليمية المفلسة والمهددة بالأخطار.
ج - نشر مبادئ الديمقراطية والحرية، وتعميم القيم الكونية على كل الشعوب، إذ يقول بوش "إذا تخلت أمريكا عن هذه المهمة، فإن الفوضى ستعم العالم".

هذه السياسة ليست محافظة على رأي بعض المحللين، فهي لا ترمي للمحافظة على الأوضاع وإصلاحها، بل عازمة على كسر القوى المحافظة، وإطلاق ما تعتقد أنها قوى الديمقراطية.

ويذكر الباحث بأن إستراتيجية بوش كانت حتى عام 2001 غير متجهة، على الأقل في ظاهرها، إلى التركيز على العالم الإسلامي، ونحن نتذكر اللامبالاة التي تعامل بها بوش مع ما كان يجري حينها في الشرق الأوسط. لكن أحداث 11 سبتمبر 2001 ستغير هذا الوضع، وستجعل إدارة الرئيس بوش تركز على العالم الإسلامي والشرق الأوسط، فكانت حرب أفغانستان ثم حرب العراق، التي أدت إلى تصدع بين أمريكا وأروبا، وهو التصدع الذي مكننا من فهم قراءة الطرفين لظاهرة صعود التطرف الإسلامي:

- تتعلق المسألة بالنسبة لأروبا بالربط بين السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وقضية 11 سبتمبر ربطا مباشرا، وضرورة أن تقوم أمريكا بواجباتها تجاه شعوب المنطقة المتضررة من السياسات الإسرائيلية.

- بالنسبة لأمريكا فهي تربط بين دول عربية فاشلة، ومفلسة، لا تقوم بواجباتها مع شعوبها ونخبها، مما جعل هذه المجتمعات ترفض قياداتها لأنها فشلت في تحقيق مطالبها في الحرية والتنمية، هذه السياسات المفلسة أفرزت من منطلق ديني ومتعصب، "إرهابا" إسلاميا، يعبر عن نفسه من خلال رفض الحريات ومقتضيات التطور والمعاصرة، ويتغذى من حقد قديم ضد اليهود وإسرائيل وحلفائها، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

 تعديلات سياسية لا استراتيجية

بعد إعادة انتخاب بوش لولاية ثانية في نوفمبر 2004، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بمناورة، تمثلت في إدخال بعض التغييرات السياسية، وليست الإستراتيجية، على مخططاتها وذلك، من جهة لمحاولة رأب الصدع الذي أحدثته الحرب على العراق مع أروبا، ومن جهة ثانية محاولة جر أروبا العجوز للمشاركة الفاعلة في المخططات الأمريكية ورؤاها الإستراتيجية، وهو ما تم فعلا إذ أننا سنرى بداية من نوفمبر 2004 ولادة منظومة غربية متكاملة ومتناغمة، حسب الباحث أونيس، تجمع أمريكا والاتحاد الاروبي وحلف الناتو، وإلى حد ما اليابان. أما روسيا فقد رفضت المشاركة العملية في الخطة رغم الموافقة عليها من حيث المبدأ، وتقوم هذه الخطة على:

- تعميم الديمقراطية بجميع الوسائل الممكنة.
- التصدي لانتشار أسلحة الدمار الشامل، لأن المجتمعات العربية الإسلامية أثبتت حسب رأيهم أنها خطرا على نفسها وعلى العالم.
- حل القضية الفلسطينية على مراحل بدء بغزة، ثم دولة فلسطينية تبنى على مراحل حتى سنة 2010، وهنا يوجد بعض الخلاف مع الاتحاد الاروبي، حسب قول الباحث أونيس، الذي يرى أن هذه الخطة بدأت تنفذ فعليا من قبل الجهات المذكورة آنفا، وهو ما تؤكده المحطات التالية:

- بيان "السي – ايلند"، في 9 جوان (حزيران) 2004، الذي وضع تحت عنوان: الشراكة من اجل التقدم المشترك مع الشرق الأوسط الموسع وشمال إفريقيا.

- بيان "شانون" في ايرلندا، في 26 جوان (حزيران) 2004 الصادر عن القمة، التي جمعت التروكيا الاروبية مع الرئيس بوش، وكانت تحت عنوان مساندة السلم والتطور والإصلاح في الشرق الأوسط والمتوسط.

- مبادرة اسطنبول في 9 جويلية (تموز) 2004، التي تؤكد على شراكة بين حلف الناتو والدول المتوسطية، فيما سيعرف لا حقا بـ(فضاء المستقبل).

ويعتبر الأستاذ أونيس أن أروبا والعالم الغربي قد ربطا قيام هذه الشراكة بموافقة الأطراف العربية والشرق أوسطية على خطة عمل (plant d action)، يقوم على مرتكزات أهمها نشر الحرية والديمقراطية، وضمان حرية الرأي والتعبير، واحترام حقوق الإنسان، وحرية التنظم، ومحاربة الفساد المالي والإداري.

وفي نهاية حديثه أكد أونيس على أن علاقة الاستقطاب بين أمريكا والاتحاد السوفيتي انتهت بسقوط الاتحاد السوفيتي، أما بالنسبة للدول العربية الإسلامية فالعلاقة لم تعد علاقة استقطاب، إذ إن أمريكا لم تعد تعتبر أنها ملزمة باحترام الوضع القائم، بل هي تطالب بتغيير الواقع الراهن، من أجل إعادة بناء وهيكلة المنطقة.

 

© aqlamonline 2005