|
السنوسي
بسيكري
(*)
sbsaikri@hotmail.com
تطور الموقف
الغربي تجاه ليبيا
تطورات
الاحداث المتعلقة بالشأن الليبي من ناحية الموقف الغربي تشير إلى توحد
الموقف الأمريكي والأوربي في الأسلوب الأمثل للتعامل مع ليبيا تجاه
الخيار الذي انتهجه النظام الليبي بالاستجابة للمطالب الأمريكية
والأوربية. فبالنسبة للأوربيين تتعاضد فلسفة التعامل مع تطورات ما بعد
الحرب الباردة وتنامي ما أطلق عليه "ظاهرة الإرهاب" والتي تقوم على تغليب
الوسائل الدبلوماسية في فض النزاعات واحتواء الأجنحة الشاذة مترافقة مع
سياسة التقارب الاقتصادي بغرض تعظيم المكاسب وحفظ المصالح، تتعاضد في دعم
سياسة "إعادة تأهيل النظام الليبي". ولايختلف الأمر كثيرا بالنسبة لصناع
القرار الأمريكي فيما يتعلق بحفظ المصالح الاقتصادية استجابة لضغوط
الشركات الأمريكية العاملة في مجال الطاقة والراغبة في الاستفادة من
الاستثمارات البليونية التي تطرحها ليبيا، هذا بالإضافة – وهو الأهم في
تفسير تعجيل التقارب الأمريكي الليبي – إلى إعادة النظر في استراتيجية
تغيير الخرائط السياسية في المنطقة العربية (ليبيا كانت مدرجة في
القائمة) والناجم عن اشتداد المقاومة العراقية ونجاحها في تكبيد القوات
الأمريكية خسائر، وانفلات الأوضاع الأمنية واستشراء الفوضى بشكل أحرج
البيت الأبيض ووزارة الدفاع. من ناحية أخرى فإن ضغوط الانتخابات الرئاسية
استدعت أن يطرح صناع القرار الأمريكي تجرية احتواء ليبيا سلميا كنموذج
لتقديم الدبلوماسية كبديل عن "سياسة الحرب" وذلك من أجل تحسين صورة
السياسية الأمريكية أمام الاعتقاد السائد عالميا بجنوح اليمين المحافظ
المتحكم في القرار الأمريكي إلى استخدام القوة لفرض الاجندة الأمريكية
والهيمنة على مصادر الطاقة الحيوية في منطقة الشرق الأوسط. ومن الواضح أن
الولايات المتحدة تستغل رضوخ ليبيا لمطالبها، والتي على رأسها التخلي عن
مشاريع تطوير الأسلحة الفتاكة والتخفيف من العداء لإسرائيل والتعاون في
محاربة "الإرهاب"، في إحراج إيران وسوريا ومضاعفة الضغط عليهما جتى
تستجيبا للمطالب الأمريكية.
تنافس غربي
على الاستثمارات الليبية
ليبيا
تشهد تنافسا بين أوربا وأمريكا لأجل تحصيل أكبر حصة من الاستثمار في
المشاريع الحيوية في مجال النفط والبنية التحتية. ولقد أظهرت رسالة البيت
الأبيض للكونغرس الأمريكي، بخصوص الموافقة على رفع الحضر على ضمانات
الاستثمار في ليبيا الشهر الماضي، حرص الحكومة الأمريكية على ضمان حصتها
من تلك الاستثمارات ومنافسة الشركات الأوربية التي شرعت في الدخول إلى
السوق الليبي وتحصلت على عقود كبيرة خصوصا عقب زيارة زعمائها إلى طرابلس
الأشهر الماضية.
كما
تؤكد تصريحات صناع القرار الأمريكي عزم الولايات المتحدة على تطوير
علاقتها مع ليبيا، فهذا ما جاء على لسان
عضوي
الكونغرس الاميركي، كورت وولدن وكونراد
بيرنز، في مداخلتين لهما عبر الاقمار الاصطناعية في المنتدى الاقتصادي
الليبي الأمريكي في الاسبوع الأول من شهر
ديسمبر والذي حضره ما يزيد على 300 من ممثلي الشركات الأمريكية التي
تعمل في
مجالات الطاقة والتجارة، شددا فيهما على اهمية عودة الشركات
الاميركية للعمل في ليبيا.
ومن
الواضح أن الاهتمام الأوربي الأمريكي ينصب على قطاع النفط إذ يرى فيه
الأوربيون والأمريكيون القطاع الذي يمكن أن تتحقق منه مكاسب اقتصادية
كبيرة لبلدانهم، وكذلك ما يمثله هذا القطاع من اهمية استراتيجية لكلا
القوتين في مرحلة يتصور أن يشتد فيها التنافس الاقتصادي على مصادر الطاقة
الحيوية. ويرى العديد من المحللين أن التحرك الأمريكي العسكري في المنطقة
إنما يأتي في أحد أهم دوافعه لأجل محاصرة الاتحاد الأوربي المتعاظم
اقتصاديا وتضييق الخناق عليه من خلال التحكم في شريان الطاقة. وهناك رابط
بين مبادرة الشرق الأوسط الكبير التي تبنتها الإدارة الأمريكية كوسيلة لـ
"تعزيز الديمقراطية" في العالم العربي والإسلامي وبين مساعي كبح جماح
التمدد الأوربي، حيث أن مؤسسة التراث التي ساهمت في بلورة هذا المشروع
تتبنى مشاريع لمواجهة محاولات أوربا الانفصال عن النفوذ الأمريكي ولعب
دور أكثر حيوية على الساحة الدولية.
ولقد
جاءت تصريجات خبراء الاقتصاد الأمريكيين والبريطانيين، الذين شاركوا مع
نظراء ليبيين في اجتماع في طرابلس في يوليو الماضي وذلك للمساعده في
تقديم المشوره ومناقشة نماذج للتنميه الاقتصاديه والاجتماعيه وعمليه
التحديث في ليبيا، في هذا السياق. إذ أظهرت تصريجات كل من الدكتور
مايكل بورتر رئيس الوفد الاقتصادي الامريكي والدكتور دانيال من الوفد
البريطاني أن قطاع النفط يمثل مجال استثمار حيوي بالنسبة للشركات
الأمريكية والأوربية بخلاف القطاعات الأخرى. ويتأسس هذا التقييم على
الدراية بأوضاع صناعة النفط في ليبيا التي تعاني من إشكاليات مزمنة
وتفتقر إلى التقنية الحديثة. مضافا إلى ذلك عزم الحكومة الليبية على
إنفاق 30 مليار دولار أمريكي للنهوض بالقطاع ورفع طاقة الانتاج إلى
مليوني برميل بحلول عام 2010م. وهذا وقد فازت شركات أمريكية بامتياز
التنقيب عن النفط في تسع مناطق من أصل خمسة عشر عرضتها المؤسسة الوطنية
للنفط للمناقصة الشهر الماضي، وتستعد شركات أمريكية وأوربية للحصول على
أمتياوات أهم في المناقصة التي تنوي الؤسسة الوطنية إجراءها في النصف
الثاني من هذا الشهر.
ويأتي في
الترتيب الثاني من حيث الأهمية الاقتصادية قطاع السياحة والذي رصدت له
الحكومة الليبية مبلغ 7 مليارات دولار أمريكي تنفق خلال العشر السنوات
القادمة. ويبدو أن الشركات الأوربية تنفرد بفرص الاستثمار لتطوير البنية
التحتية للسياحة في ليبيا في هذه المرحلة وتأتي على رأس القائمة شركات
هولندية وبريطانية وإيطالية. فقد تحصلت الشركات الهولندية على عقود تقدر
بـ 1200مليون دولار لبناء فنادق ومنتجعات سياحية في شرق ليبيا، كما وقعت
شركة ماجنا الانجليزية عقدا مع الهئية العامة للسياحة لاقامة منتجع سياحى
فى منطقة
غنيمة شرق العاصمة طرابلس بقيمة 1000 مليار دولار أمريكي. أما مجموعة
نورمان الايطالية فقد فازت بعطاء بناء منتجع سياحي في جزيرة فروة غرب
طرابلس بقيمة 300مليون يورو.
تطور
العلاقة مع الغرب من منظور ليبي
لقد
أدركت القيادة الليبية منذ بداية العقد الماضي أن أوضاع ما بعد الحرب
الباردة وزوال الاتحاد السوفياني فرضت وضعا يهيمن فيه المعسكر الغربي
بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على القرار الدولي، هذا علاوة على
اتجاه واشنطن إلى إعادة تشكيل المنطقة العربية سياسيا من خلال خطط
المحافظين الجدد الذين هيمنوا على صناعة القرار بعد قدوم بوش الابن للبيت
الأبيض. وليقين القيادة الليبية بأنها لا تملك مقومات الصمود والاستمرار
في سياسة المواجهة التي انتهجتها خلال عقدي السبعينات والثمانينات، فقد
أبدت استعداداً للتكيف مع كل ما يضمن عدم المساس بالنظام السياسي وينتهي
إلى تسوية الملفات العالقة سلميا. وبالفعل هبت الرياح في الاتجاه الذي
تتمناه القيادة الليبية ووجد الغرب حاجة في إنهاء الخلاف مع ليبيا
دبلوماسيا كما أسلفنا دون تغيير في النظام السياسي أو الهيكلية السياسية.
وتهتم القيادة الليبية بتطور علاقات مع الولايات المتحدة وأوربا لأسباب
عدة منها:
1)
الحاجة للتقنية والاستثمار الغربي: إذ هناك قناعة بالحاجة للاصلاح
الاقتصادي لدى صناع القرار الليبي، وفي وضع الدكتور شكري غانم على رأس
القيادة التنفيذية ما يؤكد ذلك. وبغض النظر عن دوافع هذا التوجه وأسلوبه،
فإن مجرد إقراره يلزم بضرورة تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية مع
الغرب للحصول على الدعم اللازم لانجاح الاصلاح الاقتصادي. فالقطاع
النفطي، المصدر الرئيسي للدخل، والذي شهد تدهورا كبيرا وتدنيا في مستوى
كفاءته الانتاجية خلال العقدين الماضيين هو في حاجة ملحة لتقنية الحفر
والاسترداد والصيانة والاستكشاف المتطورة، وقس على ذلك محتلف القطاعات
الحيوية والتي تفتقر إلى التحديث والتطوير.
2) حاجة
النظام الليبي للقبول الغربي لأجل دعم الموقف الرسمي داخليا من خلال ضمان
عدم تدخل القوى الغربية في الشأن الداخلي، تحت أي مسمى، والقبول بنموذج
الحكم المعمول به حاليا وربما تأييد، أو عدم عرقلة، أي مشروع يتعلق بنقل
السلطة في المستقبل.
3)
الحاجة إلى الدعم الغربي للسياسة الليبية تجاه أفريقيا: فعلى صعيد
السياسة الخارجية فإن الاهتمام الليبي بلعب دوراً عالمياً يتأسس، في هذه
المرحلة، على تعظيم النفوذ الليبي في أفريقيا، وتحتاج ليبيا إلى مباركة
غربية للعب دور بارز في أفريقيا أو على الأقل غض الطرف عن التحرك الليبي
في القارة، إذ تدرك القيادة الليبية من خلال تجربة مجموعة "النيباد" أن
زعامة القارة الأفريقية لابد وأن تحظى بقبول الغرب. وستكون هذه المسألة
إحدى نقاط الخلاف بين ليبيا والغرب بسبب تناقض توجهات ومصالح الفريقين.
إذ أن الدخول الأمريكي لأفريقيا، والمنطلق من رؤية استراتيجية في إطار
التنافس الدولي ورغبة في حماية مصالح اقتصادية ونفطية، يزداد باستمرار
وبشكل سيعرقل الطموح الليبي. ثم هناك الفرنسيون الذين يعتمدون بشكل كبير
على علاقاتهم الاقتصادية بالمستعمرات القديمة ويقاومون القومية الأفريقية
التي تحاول السياسة الليبية إحيائها. ولقد أعلنت القيادة الليبية تحفظها
على ممارسات فرنسا وعلى تدخل وحدات من الجيش الفرنسي في أفريقيا الوسطى
وساحل العاج. كما أن البريطانيين لا يبدون ارتياحا للدعم المعنوي الذي
يلقاه موغابي من العقيد القذافي.
الدبلوماسية الليبية تحاول أن تجعل الاتحاد الأفريقي، ومن خلال توجيه من
قبل العقيد القذافي، صاحب دور أكبر في حل النزاعات الأفريقية وفرض
الاستقرار في القارة وذلك كوسيلة لتكريس الحضور الليبي وتحجيم الدور
الغربي دون أن يفضي ذلك إلى تصادم، وبدا ذلك واضحا من خلال النهج الليبي
في التعامل مغ أزمة دارفور في السودان.
الطموح
الليبي قد يلتقي مع المصالح الأمريكية أو الفرنسية إلا أن الموقف المبدأي
يقوم على رفض تدخل الغرب في أفريقيا، والنأي بالقارة، كما ورد على لسان
العقيد القذافي مؤخراً، عن "مشاكل الشرق الأوسط" وعن التنافس الغربي على
المصالح الاقتصادية، وتأكيد الهوية الأفريقية والقومية الأفريقية وتحمل
الغرب مسؤوليته في مواجهة الرباعي المقيت "الجوع والمرض والجهل
والاقتتال" الذي عانت، ولاتزال، منه القارة، والدبلوماسية الليبية تتحرك
أفريقياً وفق هذه السياسة. وبين الحاجة للدعم الغربي الذي تحتاجه ليبيا
لمقارعة دول كبيرة في قيادة القارة والرغبة في عدم تدخله، خاصة وأن للغرب
حلفاء في القارة، فإن السياسة الليبية تجاه أفريقيا ستواجه العديد من
الصعوبات وستكون أفريقيا عامل توتر في العلاقات الليبية الغربية. وننوه
أنه قد تكرر المطالبة بتحجيم الدور الليبي في أفريقيا ضمن اشتراطات
التقارب الليبي الأمريكي، الأمر الذي تجد القيادة الليبية صعوبة في هضمه
والتكيف معه كما فعلت مع مطالب الإدارة الأمريكية المتعلقة بأسلحة الدمار
الشامل والتعاون في مواجهة الإرهاب وتسوية ملف لوكربي وفق الشروط
الأمريكية.
أثر تطور العلاقة مع الغرب على السياسة الداخلية
التوجه
الليبي الرسمي يركز على إحداث تغييرات إقتصادية يرى الغرب ضرورتها
لارتباط تحقيق مصالحه بإحداث هذا التغييرات. ولأن الغرب لا يضع على قائمة
اجندته مسألة الاصلاح السياسي كشرط أساسي وفوري لعودة البلاد إلى
المنطومة الدولية فإن النظام الليبي يسعى إلى فرض واقع يقوم على اقتصار
التغيير على النشاط الاقتصادي والاحتفاط بالهيكلية السياسية القائمة على
فكرة المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية بديلا عن الأنظمة والوسائل
التقليدية للمشاركة السياسية والحرية الفكرية. وقد كان هذا مضمون النقاش
بين العقيد القذافي وعضو الكونغرس بايدن، ووزير الدولة للشؤون الخارجية
البريطاني مايك أوبراين عندما زار طرابلس العام الماضي، وهو مضمون
الدعوات الموجهة مؤخرا للإدارة الأمريكية وغيرها للاستفادة من الكتاب
الأخضر. ويبدو أن الحكومات الغربية، في زحمة التنافس على المصالح
الاقتصادية، تتقبل الموقف الليبي وتترك مسألة الديمقراطية وحقوق الانسان
إلى التأثير غير المباشر من خلال سياسة الاشتباك (Policy
of Engagement)
والحوار البناء.
وتقود
هذه المسألة إلى طرح سؤال من المهم البحث عن إجابة له وهو: هل الغرب معني
فعلا بتعزيز الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان في ليبيا؟
وفي
محاولة لمناقشة الموضوع بطريقة قد تساعد على الوصول إلى إجابة أقول بأنه
لا توجد أية مساع حقيقية لتعزيز الديمقراطية والحريات في ليبيا تتضمنها
سياسة محددة من قبل الغرب، وإنما تدخل ليبيا في ثنايا التوجه العام نحو
المنطقة العربية والإسلامية. حيث أن هناك شبه إجماع بين النخب الفكرية
والقيادات السياسية في الغرب على حاجة المنطقة إلى الديمقراطية لأسباب
أهمها مواجهة ظاهرة "التطرف الديني". وبالرغم من أن المطالب الغربية
تضمنت الاصلاحات الديمقراطية وحقوق الانسان إلا أنها تاهت وتلاشت في زحمة
التطورات بعد إعلان ليبيا قبولها بالشروط الأمريكية الأوربية لتسوية قضية
لوكربي ثم قرارها بالتخلي عن تطوير الأسلحة القتاكة.
ومن خلال
استعراض الموقف الأمريكي والأوربي نجد أن الإدارة الأمريكية تبنت مبادرة
الشرق الأوسط الكبير كمشروع يهدف إلى تعزيز الحريات في المنطقة العربية
الإسلامية، غير أن المشروع يفتقر إلى آليات تنفيذ فاعلة ويبدو أن المصالح
الاقتصادية والأمنية الآنية تطغى على مسألة الحريات السياسية في المشروع.
كما أن مضمون المبادرة يختلط فيه الموقف من الوضع السياسي والحالة
الدينية في المنطقة بطريقة لا يؤيدها الرأي العام العربي الذي يرى في
المشروع محاولة للاختراق الثقافي أكثر منه ضغطا على الأنظمة الحاكمة من
أجل تخفيف نزعتها التسلطية. من ناحية أخرى فإن النظر إلى السياسة
الأمريكية في المنطقة وموقفها من بعض الأنظمة الاستبدادية كإلاشادة
بالرئيس الباكستاني مشرف المستولي على السلطة بالقوة والثناء على الرئيس
زين العابدين بالرغم من سياسته التسلطية، إلى جانب عدوانها على العراق
وممارساتها القمعية تجاه شعبه، والدعم غير المحدود للحكومة الإسرائيلية
وسياستها الدموية في الأراضي المحتلة، يكشف مدى الخلط وعدم الصدقية في
التوجه الأمريكي ودعوى تعزيز الديمقراطية في المنطقة.
هناك
عوامل تدفع باتجاه معاكس لما يقترحه العديد من المنظرين الأمريكان من
ضرورة إحداث تغييرات ديمقراطية تفرض فرضا في المنطقة العربية لأجل مواجهة
"أخطر تحدي تواجهه السياسة الأمريكية اليوم..الإرهاب"، أبرز هذه العوامل
ما يحدث اليوم في العراق بعد اسقاط نظام صدام من فوضى وفراغ سياسي زاد من
تفاقم "الظاهرة". العامل الآخر متعلق بالبديل السياسي في حال الانتقال
التدريجي إلى الديمقراطية، ويدرك الأمريكان أن التيار الإسلامي هو المرشح
الأكثر حظا بالفوز ويشمل ذلك الاستقراء ليبيا. ولم تغير الإدارة
الأمريكية من موقفها تجاه الحركة الإسلامية بشكل صريح، غير أن هناك أصوات
في المؤسسات التي تقدم الاستشارة للبيت الأبيض، وحتى من بين صناع القرار
الأمريكي، تطالب بإعادة النظر في الموقف من الحركات الإسلامية ومحاولة
دمجها في العملية السياسية في المنطقة لأجل استيعابها واحتواء ظاهرة
التشدد الديني التي تقود إلى الإرهاب بحسب التصور الغربي ويعني الاهذ
بهذا الخيار الضغط لأجل تعزز الانفراج السياسي وتوسيع هامش المشاركة
السياسية. وسيعتمد تغيير الموقف من الحركة الإسلامية من الرفض إلى القبول
على إمكان تغير السياسة الأمريكية التوسعية المهيمنة من عدمه وعلى تطورات
الموقف على الساحتين العراقية والفلسطينية سلبا أو إيجابا وعلى موقف
الحركة الإسلامية من تلك التطورات ومدى تقديرها لضرورة إنهاء حالة العداء
مع أمريكا أو تحييد موقفها.
أما فيما
يتعلق بالأوربيين، فإن اتفاقيات الاتحاد تجعل من الديمقراطية وحقوق
الإنسان شرطا لتطوير العلاقات السياسية وتعزيز الشركات الاقتصادية مع
الآخر. ثم إن الشراكة الأوربية المتوسطية تجعل لهذا المطلب مكانة مهمة في
تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والأمنية. والأوربيون وإن كانوا
أكثر وضوحا في الموقف وأقرب في صدق التوجه فيما يتعلق بالديمقراطية وملف
حقوق الانسان من الأمريكيين، إلا أن العجز الذي يواجهه الاتحاد على مستوى
السياسة الخارجية وعدم التزام الدول الأعضاء بما تُلزم به اتفاقيات
الاتحاد يجعل تأثير النزوع الأوربي إلى تعزيز الديمقراطية وحقوق الانسان
قليل الجدوى خصوصا في هذه الظروف التي تهيمن فيها أحداث كبيرة في المنطقة
على أولويات السياسة الأوربية وهي تحاول أن تجد لها موقعا على خارطة
الفعل الدولي.
ويبقى
استعداد القوى الغربية للضغط على النظام الليبي رهن بمدى استمرار تكيفه
مع التوجهات الأمريكية في المنطقة بحيث تكون قضايا الديمقراطية وملف حقوق
الانسان ورقة الضغط الحاضرة دوما. وقد تلجأ القوى الغربية إلى الضغط على
النظام الليبي لتحقيق مزيد من الانفراج السياسي من أجل حماية مصالحها في
حال تطور حالة الاحتقان الداخلي إلى شكل من أشكال الرفض الذي قد يفضي إلى
أضطربات قد تهدد المصالح الغربية التي لا يلائمها أجواء الفوضى وعدم
الاستقرار.
(*) كاتب
وباحث ليبي |