|
نور الدين
العويديدي
بدأت بعض
النخب وبعض المؤسسات الرسمية في تونس، مثل الديوان الوطني للأسرة
والعمران البشري، تعي أخيرا الخطر المحدق بالبلاد، الناجم عن سياسة
الدولة في ما يتعلق بالمسألة الديمغرافية، والآثار الخطيرة لبرنامج تحديد
النسل، الذي أقدمت عليه السلطة التونسية في عهد الرئيس السابق الحبيب
بورقيبة، منذ عام 1966، وما ترافق معه من تدبير، على صعيد السياسة
الثقافية والأخلاقية، وعلى صعيد الترسانة القانونية، لموضوع الأسرة ولنمط
العلاقة بين المرأة والرجل.
وقد أحدث
ذلك التدبير وما نجم عنه ورافقه من تغيرات اجتماعية واسعة عرفتها تونس،
تحولات عميقة في بينة المجتمع، قادت في مجملها إلى تناقص النمو السكاني
في تونس، وتراجع دور وأهمية العائلة، وتناقص الإقبال على الزواج، وتزايد
نسب الطلاق والتفكك العائلي، واستفحال العنوسة والعزوبية، وتراجع معدل
خصوبة النساء، بما جعل البلاد مقبلة، خلال الفترة المنظورة على "تصحر
سكاني"، وارتفاع نسبة المسنين في المجتمع، حتى إن البعض بات يتوقع أن
يعجز المجتمع التونسي، خلال عقد ونصف إلى عقدين، عن توفير اليد العاملة
الشابة، التي تحرك دواليب الاقتصاد.
صورة المشهد
الديمغرافي التونسي
فاجأ
الإحصاء السكاني الأخير، الذي عرفته تونس في شهر أبريل 2004، السلطة
والمهتمين بالوضع الديمغرافي في البلاد. فالمختصون كانوا يتوقعون أن يصل
عدد التونسيين إلى 12 مليون ساكن، خلال العام الماضي. لكن الإحصاء كشف عن
أن العدد لم يتجاوز 9 ملايين و910 آلاف نسمة، بانخفاض يزيد عن مليوني
نسمة عن التوقعات، التي كانت سائدة قبل الإحصاء، وبزيادة ضعيفة، بنحو
مليون نسمة فقط عن إحصاء العام 1994، وهي زيادة محدودة جدا، إذا قيست
ببعض الشعوب العربية الأخرى، مثل الشعب الفلسطيني الذي يتضاعف عدد سكانه
مرة كل 17 عاما.
ويتوقع
العديد من الخبراء أن يستمر المجتمع التونسي في تسجيل زيادة سكانية
محدودة، خلال العقود الأربعة القادمة، حتى يبلغ إلى ما بين 12 و13 مليون
نسمة، ثم يبدأ في التراجع، تماما كما هو حاصل في بعض المجتمعات الغربية،
التي صارت تعاني من شيخوخة، ومن تراجع في الحجم الكلي للسكان، تحاول أن
تتغلب عليه من خلال تشجيع الولادات، وتقديم حوافز للنساء للإنجاب، أو من
خلال الهجرة واستيعاب مهاجرين جدد لديها، حتى تضمن سير دواليب حركتها
الاقتصادية.
وكشف
الإحصاء الأخير عن أن خصوبة المرأة التونسية قد باتت في حدود 1,9 أطفال
للمرأة الواحدة، مثلها مثل المرأة الفرنسية تماما، وهي نسبة لا تسمح
بالتجدد السكاني، إذ يقتضي ذلك أن تبلغ نسبة المواليد 2,1 لكل امرأة، حتى
يتجدد المجتمع سكانيا ولا يصاب بالتهرم، الذي صار يهدد المجتمع التونسي
خلال العشرين عاما القادمة. وتبلغ نسبة التونسيين ما بين 20 و59 عاما ما
نسبته 55 في المائة من مجموع السكان. غير أن هذه النسبة تتراجع بسرعة، في
اتجاه زيادة من هم فوق الستين، على حساب من هم في سن العمل والإنتاج.
وكشف
الإحصاء أيضا عن أن كبار السن من التونسيين ممن بلغوا الـ60 عاما أو
جاوزوها بلغ في العام 2004 ما نسبته 9,5 في المائة من التونسيين، بعد أن
كانت هذه النسبة في حدود 5 في المائة في العام 1960، أي إنها تضاعفت
تقريبا خلال 45 عاما. ويتوقع الخبراء أن تصل هذه النسبة إلى 16,8 في
المائة في العام 2029، أي أقل قليلا من خمس السكان، وهو ما يكشف عن نسق
سريع من التهرم السكاني، ستكون له آثار خطيرة على المجتمع والبلاد وعلى
الدورة الاقتصادية، وسيفرض استحقاقات متنوعة، لا تبدو البلاد مؤهلة لها
على جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والصحية.
وقد بدأ
التونسيون يلمسون في الأعوام الماضية تأثيرات واضحة لتقلص حجم المواليد
الجدد. فقد أغلقت المئات من المدارس الابتدائية أبوابها في مناطق عديدة
من البلاد. وبلغ حجم نقص عدد التلاميذ الملتحقين بالتعليم الابتدائي خلال
العقد الماضي وحده 300 ألف تلميذ، عن العقد الذي سبقه. وبلغ نقص
الملتحقين بالتعليم الابتدائي خلال العام الماضي عن العام السابق له أكثر
من 40 ألفا، مما يكشف عن أن النقص يتزايد عاما بعد عام، وبنسق متسارع.
وكشف إحصاء
العام 2004 عن معطيات تبين حقيقة الواقع المزري للحالة الديمغرافية
للمجتمع التونسي. فقد بلغ حجم العزاب والعازبات من التونسيين، فوق سن 15
عاما، أكثر من 3 ملايين نسمة، وهو رقم كبير جدا في مجتمع دون العشرة
ملايين نسمة. ففي مصر التي يبلغ عدد سكانها أكثر من سبعين مليون نسمة،
وتصل بعض التقديرات بالرقم إلى 90 مليون ساكن، يبلغ عدد العزاب والعازبات
9 ملايين، وهو ما يعني أن حجم العزاب والعازبات في تونس سيكون في حدود 21
إلى 22 مليون نسمة، لو كان حجم المجتمع التونسي مثل حجم المجتمع في مصر.
ومما يزيد
الطين بلة تأخر سن الزواج. فمعدل سن الزواج للشبان التونسيين بات في حدود
32 عاما. في حين بلغ معدل سن الزواج للفتيات 29 عاما، وهي سن مرتفعة جدا،
ولا نظير لها في أي بلد عربي. ومعلوم أن تأخر سن الزواج للنساء يعني
تراجعا بيولوجيا طبيعيا للخصوبة. وبات عاديا وجود تونسيات في عمر
الأربعين، غير متزوجات، وهو ما يعني ترجح حرمانهن من الإنجاب، حتى لو
تزوجن، وحرمان المجتمع من التجدد الديمغرافي من خلال حملهن وإنجابهن.
مخاطر
التراجع السكاني
يلخص الصحفي
التونسي المخضرم عبد اللطيف الفراتي المخاطر الناجمة عن "التصحر" السكاني
الذي بات يهدد تونس في ما يلي:
- أن
الشريحة العمرية القادرة على العمل ستجد نفسها غير قادرة لوحدها على
تحريك عجلة الاقتصاد التونسي في غضون عام 2020، وأن البلاد ستجد نفسها
مضطرة لتوريد العمالة من الخارج، وهو ما سيساهم في رفع الأجور، ورفع
الأجور من شأنه أن يهدد قدرة البلاد التنافسية، في ظل تزايد المنافسة
الدولية، فضلا عن تأثيراته الاجتماعية والثقافية.
- أن كبار
السن الذين ستتزايد نسبتهم إلى عموم السكان سيحتاجون
إلى رعاية صحية من نوع خاص، لطبيعة الأمراض التي يصابون بها، والكثير
منها مزمن. ولا تبدو تونس في وضعها الراهن قادرة على توفير تلك الرعاية.
- أن التقدم في السن يعني دفع مرتبات تقاعد لمدة أطول، وهو ما من شأنه أن
يثقل كاهل الصناديق الاجتماعية التي تدفع تلك المرتبات. وفي رأي الفراتي
أنه عندما يبلغ عدد الذين تجاوزوا الستين من العمر نسبة 17 في المائة من
العدد الجملي للسكان، فإن ذلك سيفرض على تلك الصناديق أعباء لا قبل بها،
وزيادة الاقتطاعات التأمينية سواء تم تحميلها للعاملين وحدهم أو للعاملين
وأصحاب المؤسسات سيكون لها تأثيرها على المرتبات وكلفة تشغيل المؤسسات،
في وقت يجري فيه إحكام الضغط على التكاليف لمواجهة المنافسات الخارجية.
من المسؤول
عن هذه الحالة؟
مما لا شك
فيه أن عوامل كثيرة كانت سببا في تراجع خصوبة المرأة، وفي تناقص أعداد
الولادات، وأن عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية عديدة، مثل انتشار
التعليم، وعمل المرأة خارج البيت، وتغير ثقافة المجتمع، ونظرته للمرأة
وللإنجاب، ساهمت في ما وصل إليه المجتمع التونسي من تراجع سكاني.
غير أن ذلك
لا يعفي السلطة التونسية من الجانب الرئيس للمسؤولية عما بات يهدد
المجتمع من "تصحر" سكاني. فعدد السوريين في أواسط الستينيات، عندما انطلق
برنامج تحديد النسل في تونس، كان مثل عدد التونسيين. لكن سكان سورية بلغ
في العام 2004 نحو 17 مليون نسمة، في حين لم يصل عدد التونسيين إلى
العشرة ملايين بالكاد، رغم تزايد التعليم، وانتشار عمل المرأة في سورية
خارج البيت، مثلها مثل المرأة التونسية.
غير أن ما
تغير في الحالتين أن سورية لم تعرف ما عرفته تونس من برنامج متطرف لتحديد
النسل، وصل في أحيان كثيرة، في الأرياف والقرى، إلى عمليات استئصال
الرحم، أو التعقيم التام للنساء، حتى لا ينجبن. وكاتب هذه السطور يعرف
نساء بالاسم تم تعقيمهن، أو استئصال أرحامهن، وحرمانهن من القدرة على
الإنجاب، دون علمهن، في أحيان كثيرة.
كما إن ما
تغير هو الترسانة القانونية، ممثلة في مجلة الأحوال الشخصية، التي أعادت
تنظيم الأسرة، ونمط العلاقة بين المرأة والرجل، والروح الثقافية التي
غذتها الدولة، والتي جرّمت تعدد الزوجات، وبشّعت كثرة الإنجاب، وقرنته
بالجهل والتخلف والفقر، وجعلت "تحرير" المرأة طريقا ملكية لخلخلة استقرار
الأسرة، وخلخلة علاقات "السلطة" فيها، وهو ما أدى واقعا إلى تزايد الطلاق
والتفكك العائلي. كما خلقت السياسة الاقتصادية والتعليمية للدولة الظروف
المناسبة لارتفاع سن الزواج، وانتشار العزوبية والعنوسة بين الشبان
والشابات التونسيات. وأدى كل ذلك إلى تراجع خصوبة النساء، ومعدل إنجابهن
للأطفال، وهو ما لم تعرفه سورية، وعانت منه تونس.
كيف يمكن
علاج "التصحر" السكاني؟
إن أول خطوة
لعلاج هذه المشكلة الوعي بخطورتها، وتحويلها إلى قضية رأي عام، والعمل
على إشراك عامة التونسيين والتونسيين في مناقشتها، والبحث لها عن حلول.
ويجب على الواعين بخطورة هذا الأمر أن يبادروا إلى تشكيل جمعيات أهلية
ومدنية في كل مدينة وقرية وحي وشارع، للتشجيع على الزواج، والتخفيف من
أعبائه وتكاليفه، وتشجيع الآباء على تزويج أبنائهم وبناتهم بشكل مبكر،
دون تطرف ولا مغالاة، وتشجيع المرأة التونسية على زيادة معدل الإنجاب.
لقد واجه
الإسلاميون برنامج تحديد النسل مبكرا، وخاضوا معه معارك عديدة، لدوافع
دينية وثقافية، أكثر من وعيهم بخطر ذلك البرنامج على المجتمع والبلاد،
لكن الموجة كانت كاسحة، وأكبر من قدرتهم على مواجهتها. ووجب اليوم، بعد
أن اتضح الخطر وبان، أن تتجند سائر القوى الفكرية والسياسية والاجتماعية
التونسية، في الحزب الحاكم وفي أجهزة السلطة وفي المعارضة وفي النقابات
والجمعيات، لمواجهة الخطر، وأن تقوم بعمل إيجابي واسع لإعادة التوازن
الإنجابي للمجتمع، والتظافر على التوعية بخطورة المشكلة ومعالجتها، بداية
بمراجعة وتغيير الشروط السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، التي
خلقت مناخا بات يهدد بلادنا بالتهرم والشيخوخة والتصحر السكاني.
إن الثقافة
والسياسة والقانون يجب أن تكون في خدمة الفرد والمجتمع. وعلى النخبة
والسياسيين والمثقفين التونسيين أن يغادروا عزلتهم، وأن لا يقصروا
انشغالهم بالقضايا الحقوقية والسياسية العاجلة، وأن يهتموا بقضايا
مجتمعهم الأساسية، وعلى رأسها بقاءه على قيد الحياة. وهذا يقتضي مراجعة
الكثير مما بات من المسلمات، في اتجاه علاقة أكثر توازنا بين المرأة
والرجل، تضمن استقرار الأسرة، وتحظ على التساكن والرحمة بين الأزواج
والزوجات، ولا تجعل "تحرير" المرأة مدعاة للصراع بين النساء والرجال، في
اتجاه إعادة الاعتبار لقوامة الرجل على الأسرة، دون حيف ولا طغيان، وفي
التقليل من العنوسة إلى الحد الأقصى الممكن، ولو اقتضى ذلك مراجعة مجلة
الأحوال الشخصية، ومراجعة منع تعدد الزوجات، من دون ظلم للنساء، وأيضا
للمجتمع. |