|
مريم
التيجي - الرباط
اعتبر أغلب المتتبعين للحقل السياسي المغربي أن جلسات الاستماع العمومية
التي نظمتها هيأة الإنصاف والمصالحة أهم حدث حقوقي في العالم العربي، حيث
أنها أول تجربة في المنطقة، ولأول مرة في تاريخها يجلس ضحايا انتهاكات
حقوق الإنسان وخصوم الأمس تحت الأضواء الكاشفة ليستمع لتجربتهم الرأي
العام المحلي والدولي، ولتخرج صور المعتقلات السرية الرهيبة إلى النور،
ليسمع الموطن المغربي لأول مرة على الهواء مباشرة كلمات مثل "الفلقة،
الطيارة، الشيفون، القرعة.." وغيرها من الكلمات التي تحيل على أساليب
التعذيب التي مارستها الدولة طيلة العقود الماضية على خصومها السياسيين.
تباين مغربي
في تقويم الحدث
إلا أن هذا الحدث على أهميته خلق نقاشا حادا في الأوساط السياسية
المغربية حيث تعالت أصوات رافضة لما جرى معتبرة أن جلسات الاستماع كانت
إساءة للنظام المغربي ولصورة المغرب في الخارج، وتكريما "لمجرمين
وصعاليك" ارتكبوا جرائم ضد الدولة وضد المجتمع استحقوا لأجلها ما تعرضوا
له، وهذا ما صرح به الدكتور عبد الكريم الخطيب أحد زعماء جيش التحرير،
وأحد رجال المقاومة المغربية ضد الاستعمار الفرنسي، حيث طالب من يعتبرون
ضحايا السنوات الماضية بأن يعتذروا هم أيضا عن الجرائم التي ارتكبوها في
حق الشعب وفي حق الملك الحسن الثاني خلال صراعهم على السلطة معه، حيث أن
أغلبهم كانوا متورطين في محاولات انقلابية ذهب ضحيتها أبرياء.
ورغم أن
الأضواء تسلطت أكثر على تصريحات عبد الكريم الخطيب التي اعتبرت سباحة ضد
التيار، فإن صوتا من داخل ضحايا سنوات المواجهة مع نظام الراحل الحسن
الثاني سبح أيضا ضد التيار وحمل المسؤولية لمن يوصفون اليوم بـ"الضحايا"
رغم أنه أحد المعتقلين السابقين، وواحد ممن جربوا طعم التعذيب في الأقبية
السرية. ويتعلق الأمر بأحمد حرزني الذي أدلى بشهادته في الجلسة الثانية
لجلسات الاستماع يوم 22 ديسمبر 2004، فقد اعترف في تصريحاته بأن "معارضي
الأمس" كانوا أيضا يمارسون العنف الذي مورس عليهم وقال معترفا "بأنني
لم أكن ملاكا وبأن ثقافتي لم تكن ثقافة ديموقراطية وبأنني لم أكن أستثني
العنف كوسيلة لتطبيق ما كنت أعتقد أنه الخط الصحيح" مما أثار عليه نقمة
الرفاق الذين خصصوا لشهاداته مقالات نارية.
ومقابل من اعتبروا أن ما حدث مبالغة لا مبرر لها وأنها تدخل في سياق
الترف السياسي، هناك أطراف أخرى اعتبرت تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة
مجرد خطة "مخزنية" (نسبة إلى النظام المغربي) لتقوية أركان الملكية
المغربية، وللتخلص من عثرات الماضي من أجل بناء شرعية الحاضر التي
يحتاجها العهد الجديد، ويستدلون على ذلك بأنه في الوقت الذي يتم فيه
تعويض ضحايا انتهاكات العقود الماضية إلى حدود عام 1999، يتم إنتاج ضحايا
جدد للعهد الجديد، حيث هدم معتقل تازمامرت سيء الذكر وأقيم معتقل تمارة،
وأفرج عن معتقلين قضوا زهرة الشباب تحت الأرض، ويزج اليوم بالعشرات من
المعتقلين الجدد بمباركة قانون مكافحة الإرهاب الذي رفضه الجميع.
كما أن عددا من المعتقلين السياسيين السابقين رفضوا الحضور إلى جلسات
الاستماع واعتبروها "مجرد منبر للمخزن" كما صرح أحدهم، في حين اعتبر عدد
من الفاعلين الحقوقيين وعلى رأسهم الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن
الاستماع للضحايا دون الاستماع لجلادي الأمس ودون السماح بذكر الأسماء
التي كانت وراء انتهاك حقوق الإنسان أفرغ التجربة من محتواها الحقيقي،
خصوصا أن هناك شخصيتين تنتميان للحقل الأمني المغربي خلال سنوات
السبعينات اقترحتا أن تحضرا وتعترفا وتعرضا تجربة وشهادة الطرف الآخر،
لكن هيأة الإنصاف والمصالحة رفضت السير في هذا المسار.
وبين الأطراف التي تطالب بالاستمرار في عرض المزيد من جلسات الاستماع
لضحايا انتهاكات سنوات الجمر، وبين الأخرى التي تعتبر ما يجري تجاوزا
للحدود وظلما لتجربة الملك الراحل الحسن الثاني تقف أصوات أكثر واقعية
تضع التجربة في سياقها، ولا تنسى أنها أول بارقة أمل على طول العالم
العربي.
وفي هذا السياق أكد محمد الصبار رئيس المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف
أن جلسات الاستماع لضحايا انتهاكات حقوق الانسان بالمغرب تشكل محطة
أساسية في مسلسل تسوية ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
واعتبر في حديث لجريدة "النهار المغربية" نشرته يوم 22/12/2004 أن هذه
الجلسات "ستتيح إمكانية للضحايا المستمع إليهم لكي يستعرضوا جزءا من
معاناتهم الشخصية وإبراز قضايا وحقائق مرتبطة بالانتهاكات التي وقعت
ببلادنا طيلة الأربعة عقود الماضية".
وبخصوص الطي النهائي لملف انتهاكات حقوق الانسان بالمغرب قال الصبار إن
ذلك يبقى رهينا بـ"ترضية الضحايا من خلال الكشف عن مصير باقي المختفين
وإطلاق سراح ما تبقى من المعتقلين والقيام بإجراءات لإدماج الضحايا
اجتماعيا وتوفير الرعاية الطبية والنفسية والكشف عن الحقيقة وصدور تقرير
عن هيئة الانصاف والمصالحة يتضمن خلاصات الابحاث والتحقيقات والتحريات
وتصنيف الانتهاكات وتحليلها وتحديد أسبابها ومسبباتها وتضمين التقرير
توصيات لكي لا يتكرر ما وقع في الماضي".
شهادات من
الخارج
ومن خارج المغرب كتبت مقالات كثيرة بروح منبهرة بالتجربة المغربية خصوصا
داخل بعض بلدان المنطقة التي لا تزال تعاني من استمرار تردي وضع حقوق
الإنسان وتأجيل المصالحة بين المعارضة والنظام القائم.
فقد اعتبر أحمد نجيب الشابي الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي
بتونس، بأن جلسات الاستماع العمومية لماضي انتهاكات حقوق الإنسان بالمغرب
حدثا غير مسبوق ولا مألوف في العالم العربي والإسلامي.
وأشار في افتتاحية أسبوعية "الموقف" التونسية التي يديرها، إلى أن هذه
الجلسات تم بثها مباشرة على أمواج الإذاعة والتلفزة مسجلا أن المغرب يكون
بذلك قد قطع خطوة أخرى "على طريق الحرية والانتقال إلى الديمقراطية..
خطوة تثبت لمن يساوره شك، نضج شعوبنا وقدرتها على تخطي العقبات ورفع تحدي
الإصلاح والتغيير".
ولاحظ الشابي في الافتتاحية التي عنونها بـ 'سنة الحقيقة والإنصاف'، أن
المغرب الذي "لم يختر إنكار وجود السجناء السياسيين ولا طمس حقيقة ما
نالهم من ألوان العذاب والتنكيل"، اختار أن يظهر هذه الشهادات للعالم
لـ"طي صفحة أليمة و(فتح) أخرى جديدة تليق بتاريخ الشعب المغربي وبطموحات
أبنائه".
كما اعتبر مارك إيريك فريمان مدير المركز الدولي للعدالة الانتقالية في
حوار مع أسبوعية "الصحيفة" المغربية المستقلة، أن يوم افتتاح جلسات
الاستماع في إطار هيأة الإنصاف والمصالحة يعتبر يوما تاريخيا في حياة هذه
الأمة، لأن الأمر يتعلق بسابقة حسب رأيه، خصوصا أن هذه الشهادات سيكون
لها تأثير على حرية التعبير وعلى المستوى الوجداني للشعب المغربي.
وبين الراضين عن التجربة المغربية والغاضبين والمطالبين بالمزيد، ستستمر
قافلة الإنصاف والمصالحة في السير متوغلة في ظلمات سنوات الرصاص، حيث أن
عمر الهيأة سينتهي خلال شهر أبريل المقبل، وقبل أن تنهي رحلتها فهي
مطالبة حسب برنامجها بأن تطوف عددا من المناطق المغربية خصوصا تلك التي
سالت جراحاتها أكثر من غيرها منذ مطلع الاستقلال إلى عام 1999 لتستمع
لضحاياها ولشهادات أبناء شهداء أقبية التعذيب وتعرض بعضها للأضواء
الكاشفة، قبل أن ترفع تقريرها النهائي للعاهل المغربي محمد السادس لإعلان
دفن حقبة من الزمن وتعويض ضحاياها ماديا ومعنويا.
إلا أن السؤال الملح هو "هل ستتمكن قافلة الإنصاف والمصالحة من أن تطوي
صفحات الماضي، أم أنها ستحرك الأبواب المهترئة لتسقط آخر أخشابها ويصعب
إغلاقها بعد ذلك وتستمر الأشباح المنبعثة منها تزعج الحاضر المغربي؟ |