|
د. مهدي مبروك
إجابة على سؤال طرحته "أقلام أون لاين" على بعض الشخصيات الفكرية
والسياسية: كيف تنظرون إلى المشكل السياسي في تونس، تفضل الدكتور مهدي
مبروك مشكورا، بالحديث التالي:
رغم وضوح السؤال وبساطته الظاهرية فانه محفوف بالمخاطر والمطبات، انه
الوضوح الملتبس الذي يفضي إلى بساطة هي في غاية التعقيد.
كل إجابة عن
هذا السؤال ستكون بالضرورة انتقاء مغرضا لمعنى ما من المعاني التي يحملها
في طياتهأ أي إغفال بعض من السؤال وإتلاف ضمنياته. لن أشذ عن هذا المسلك
ولكن سأحاول أن ابرر علميا مقتضيات الإتلاف الذي سأعمد إليه استنادا إلى
ضرورة ابستمولوجية هي الآتية: ينبهنا ماكس فيبر إلى الخطأ الفادح الذي
يرتكبه الباحث الاجتماعي حين يصر على إدراك الكلي. فإذا كان الواقع
الاجتماعي هو هذا الكل المركب والمعقد إلى حد اللامتناهي فان معرفته
الكلية لن تكون سوى ضرب من الادعاء الباطل لذلك تقتضي العلمية منا – قبل
التواضع الضروري – أن ننكب على دراسة قسم / جزء
fragment
صغير من هذا الواقع على شرط أن ننزله في الكل الاجتماعي الذي فيه ينخرط.
ضمن هذا المنظور إن الحديث عن مشكل اجتماعي لن يكون سوى أمر انتقائي
بمقتضاه نختار – ما نرتئيه مشكلا – يتصدر ضمنيا بقية المشاكل الأخرى وهو
إذ يتصدرها فانه يترابط معها ارتباطا وثيقا وهذا الانتقاء والتصدير يستند
إلى صلتنا الشخصية بسلم القيم التي بدورها توجه فعل الانتقاء ذاك. إنه
عمل شديد الذاتية – وتلك ليست نقيصة – لكونها أساس الموضوعية في العلوم
الاجتماعية.
ولكل تلك المنطلقات فإنني اعتقد أن هناك مشكلا سياسيا في تونس يخفي
ويتقاطع مع عدة مشاكل أخرى سياسية وغير سياسية تكوّن في تشابكها هذا
الكلي الاجتماعي. أما طبيعة هذا المشكل فهو عائد إلى حالة التخلف السياسي
المفزعة التي تعيشها بلادنا منذ ما يقرب
من
عقدين. هذا التحقيب هو بدوره قائم على انتقاء علمي، لا يعفي ما سبقه من
عقود من النعت بتلك الصفة (التخلف السياسي)
وإذ انتقي من المفردات، مفردة التخلف فهذا بدوره مقصود لأسباب موضوعية
ثلاث:
1 تخلف ناجم عن تعمق الهوة الفاصلة بيننا وبين الأمم التي أنجزت أو تكاد
أبجديات الحداثة السياسية في موجاتها الأولى والتأسيسية. إنها هوة تتمطط
وتتعمق، إن ما راكمناه كتونسيين وكعرب في هذه المجالات الثلاث ضحل، بل
ومحبط والأغرب من ذلك أن الوعي بتلك المقتضيات نشا في فترة زمنية ليست
متأخرة عن وعي الغرب بها إلا بنصف قرن تقريبا. أما الآن فنحن بيننا وبين
تلك الأسئلة / الحلول أكثر من قرن ونصف لذلك قلت إن الهوة تتمطط وتتعمق،
لان أسئلة / حلول الغرب في منعطف القرن الواحد والعشرين لم تعد تلك التي
اشرنا إليها في البداية: هناك حركة مراجعة ونقد وتفكيك بمقتضاه تتناسل
أجيال متسارعة من الحقول والمفاهيم: الدولة / العالم، المواطنة الكونية،
العدالة الانتقالية، الحق في الاختلاف، الحقوق الخصوصية...الخ .
ولو عدنا إلى ذلك الثالوث لوجدنا الحصيلة كما قلت محبطة، دولة تبتلعها
العائلات (ملكية أو جمهورية) وتسيرها الأمزجة والأهواء، وقانون انتقامي
موجه ومسير يفتقد الموضوعية والعقلانية في الكثير من الحالات. سيادة لا
سند شعبي لها، مشروعيتها الكبرى مستقدمة من الآلة الأمنية المتغولة والتي
ازدادت شراسة حينما انتشرت سياسة تعلي الفردانية المتورمة والمنطوية على
شانها الخاص، وتحض على اللامبالاة مما أهدر طاقات سياسية كبرى وأمات
سياسيين مهمين، وحقوق سياسية ومدنية في جوهرها مصادرة ومشوهة.
2 تخلف ناجم عن تمطط وتعمق الهوة الفاصلة بين ريادية اصلاحيتنا الوطنية
المبكرة وبين واقع الحال. فمنذ بدايات القرن الفارط رفعت نخبنا السياسية
وكانت لها الريادة في العالم العربي والإسلامي، جملة من المطالب تمحورت
حول الدستور، الحزبية، الحرية، ولكن بعد ما يقرب عن قرن فإن الحصيلة
بدورها مخيبة، دستور فاقد لحرمته كمسودات الأطفال "يراجع" على المقاس
ووفق المزاج، حالة حزبية هزيلة: أحزاب غير ممثلة وحزبيين غير ممثلين وذلك
ما أحدث تخارجا خطيرا بين الخارطة السياسية من جهة والخارطة الحزبية من
جهة ثانية، هذا دون أن ندخل في تفاصيل الحياة الحزبية ذاتها من حيث
الثقافة السياسية السائدة بها وأخلاقيات العمل الحزبي ناهيك عن طرق
التسيير وغيرها من المسائل التي تدفعنا إلى التساؤل فعلا هل لدينا أحزاب
سياسية.
أما الحريات فإن أمرها لا يختلف عن باقي المسائل الأخرى التي طرحتها
الإصلاحية الوطنية في أجندتها منذ قرن من الزمان.
إن مساحة الحريات تتراجع وتضيق، وقد تبتلع في قادم السنوات حتى تلك
الفضاءات التي ظلت نسبيا صامدة (البيت، الجامعة...) الغول الأمني مد
أصابع جثته المفزعة إلى النقابة، الجريدة، الشارع، الملعب، المدرسة...
حتى المقهى والحديقة العمومية والساحات العامة (لاحظ كيف امتلأت الساحات
العامة بتونس العاصمة، والتي كانت تنطلق منها المظاهرات الحاشدة في
الثمانينات – ساحة برشلونة، ساحة الباساج وغيرها - بالأكشاك والحواجز
الحديدية)
تبدي بلادنا كفاءة عالية في توظيف تكنولوجيا الرقابة على الجسد والفكر
والروح: القيس البيومتري في تحديد الهويات الفردية وكاميرا المراقبة على
حركة سيلان المرور العمومي فقط ... إنها براهين على أننا الأجدر باحتضان
القمة العالمية للمعلومات.
3 تخلف
سياسي مقارنة مع ما يحصل بدول الجوار، هناك في جل الدول العربية حراك
سياسي وجدل ثقافي يسعى إلى توسيع مجالات الحقوق والحريات: المغرب يتقدم
باتجاه حالة برلمانية حقيقية ومصالحة وطنية تقوم على حق الاختلاف
واحترامه. هناك بالتأكيد ثغرات ونواقص وعراقيل ولكن المهم هو حالة النقاش
العمومي الذي يؤسس إلى حقل عمومي مهم تثار فيه القضايا وتعرض فيه المواقف
وينتقى أجدرها، الجزائر بدورها ورغم موقع المؤسسة العسكرية الخصوصي في
الحياة السياسية، غير مستثناة من هذا الحراك، رغم الثمن الباهض الذي دفع
ويدفع حاليا، لكن ربما كان "ضروريا" للوصول إلى حالة أفضل تقطع مع
الانحباس
blocage
الذي وصلت إليه بعد ثلاثة عقود من الاستبداد والكليانية. حيثما وقع بصرك
في إرجاء الوطن العربي أو خارجه هناك حراك سياسي يغنم منه المجتمع على
حساب الأنظمة... الاستثناء تونسي وفي ذلك تكمن الغرابة.
البحث عن تفسير مقنع لهذا الاستثناء لابد أن يتجاوز حقل السياسة الصرف
ويتجه للبحث في الثقافة عامة والثقافة السياسية على وجه الخصوص أي تلك
الهندسة الثقافية الماكرة والداهية التي اعتمدت في العقدين الأخيرين
والتي أحالت شعبا كاملا إلى "خدامة حزام" يجرون وراء القوت وينتظرون
الموت. أما النخب فتلك مسالة أخرى يكفي أن نقول إنها غدت هزيلة فاقدة
للوعي النقدي مستلبة. إنها يد عاملة
في المعرفة الأداتية فحسب... هل هو مشكل أم مشاكل... الإجابة تظل ملتبسة
ومستعصية. |