|
أجرى الحوار محمد
الحمروني
أستاذ لطفي نشكرك على قبول هذه الدعوة للحديث إلى قراء مجلة "أقلام أون
لاين" ونود في البداية لو تقدم لنا حوصلة لأهم
ما جاء في الكتاب؟
درست في هذا الكتاب
علاقة بورقيبة بالإسلام من خلال القضايا التي راهن عليها بورقيبة في
تعامله مع الإسلام مثل التعليم، والمرأة، والقضاء الشرعي والقضاء المدني،
والصوم.
وقد تطرقت إضافة إلى
تلك القضايا، إلى المواقف الشائعة حول علاقة بورقيبة بالإسلام من ذلك
تكفيره من بعض خصومه وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز المفتي العام
الأسبق للمملكة العربية السعودية الذي أصدر سنة 1974 عندما كان رئيس
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فتوى كفر فيها بورقيبة على إثر خطاب
ألقاه بورقيبة في افتتاح ملتقى تربوي للأساتذة الجامعيين عقد بتونس.
كما تناولت في
الكتاب علاقة بورقيبة بالزعيم التركي كمال أتاتورك ومرد ذلك أن الفكرة
الشائعة في العالم العربي والإسلامي أن بورقيبة هو نسخة من أتاتورك في
حين كانت هناك خلافات جوهرية في التصورات والأسلوب بين الرجلين.
وقد حاولت في الباب
الأخير من الكتاب تحليل مواقف بورقيبة كما تجلت في مرحلتين مختلفتين هي
مرحلة الاستعمار الفرنسي لتونس والمرحلة الثانية إثر الاستقلال سنة 1956
ومحاولة بناء الدولة الحديثة، وكذلك من خلال تناول المعجم القرآني للخطاب
البورقيبي، ومن خلال مقارنة تلك المواقف البورقيبية مع رؤى الحركة
الإصلاحية التونسية التي انطلقت في نهاية القرن التاسع عشر.
وتضمن الكتاب بابا
خاصا احتوى قصصا نادرة عن علاقة بورقيبة بالإسلام استقيتها من شخصيات
سياسية عاصرته واحتكت به فاختزنت ذاكرتها قصصا لم ترد في الكتب والخطب.
ونشرت في نهاية
الكتاب قسما خاصا بملاحق نادرة منها ما ينشر لأول مرة مثل النص الكامل
لفتوى الشيخ بن باز المذكورة آنفا، وفتويين لعدد من الأئمة التونسيين
ساندوا برقيبة في موقفه من الصوم سنة 1960 وخطابين لبورقيبة يعدان مفصلين
لفهم تصوره للإسلام عامة.
ماهي الإضافة التي يمكن أن يحدثها هذا الجهد الفكري المتميز إلى ما كتب
حتى الآن بخصوص المرحلة البورقيبية؟
هو
مساهمة بسيطة من بين مساهمات أخرى لإعادة
النظر – حتى لا أقول إعادة القراءة
- في تاريخنا السياسي والفكري، وعسى أن يكون هذا
الكتاب دعوى لجميع الباحثين، ولمن بقى حيا من الفاعلين السياسيين للكتابة
حول هذه المرحلة الهامة من تاريخنا. ولن تكون تلك الكتابة ذات معنى إلا
متى ما ابتعد الراغبون في القيام بها عن القراءات التخوينية اوالتمجيدية
في مقابلها. لأننا اطلعنا على محاولات بدأت تبرز في السنوات الأخيرة طغى
على بعضها الرغبة في تصفية الحسابات، أوتبرئة الذات وتمجيدها وإبراز
حكمتها مقابل تخوين الآخر، وهي قراءات تبقى في نظري محدود لان قراءة
التاريخ ليست جردا لتصفية الحسابات. فهي أعمق بكثير لأنها تتجاوز الأفراد
لتهم مصير شعب وأمة بأسرها.
أين تضع هذا
الكتاب ضمن الجدل الدائر الآن حول الإسلام والديمقراطية؟
الكتاب قطرة
في بحر يعج بالكتابات في هذا الصدد، لأنه محاولة لإبراز تعدد الزوايا
التي يمكن أن نقرأ من خلالها الإسلام، فنصيب في بعضها، ونخطئ في بعضها
الآخر. وإني اعتبر أن تعدد الكتابات في الفترة الأخيرة عن الإسلام
والديمقراطية، وعن تعدد القراءات للإسلام، هو تعبير عن شعور المسلمين
بمحدودية القراءات القديمة التي لا تجيب على كثير من أسئلة الحاضر. كما
انه تعبير عن رغبة عدد متزايد من المسلمين للمساهمة في الحضارة المعاصرة
التي تجاوزت المسلمين أشواطا واسعة.
ويمكنني
القول إن جميع تلك المحاولات هي ظاهرة صحية، على عكس ما يرى أصحاب الفكر
التقليدي الذين يبادرون بمهاجمة تلك القراءات الجديدة. لان من تلك
القراءات بغثها وسمينها سيخرج المسلمون برؤية جديدة للعالم ولدورهم في
الحضارة المعاصرة.
لامست
في كتابك عددا من القضايا المفصلية المطروحة في العالم الإسلامي اليوم،
هل يمكن أن تحدد لنا أهم هذه القضايا؟ وإلى
أي مدى تعتبر نفسك قد
نجحت في معالجتها من خلال قراءتك لتجربة بورقيبة؟
- هناك
مستويان للإجابة على هذا السؤال: الأول يتعلق بآليات تفكيرنا في العالم
العربي، والثاني يتعلق بالقضايا الملحة المطروحة علينا.
المستوى
الأول؛ فيما يخص آليات التفكير فقد بدأت الكتاب بمسالة خطيرة هي التكفير.
فالعديد من خصوم بورقيبة بادروا بتكفيره قبل فهمه. والتكفير هنا يتجاوز
بورقيبة لأنه مؤشر فعلي على طريقة تفكير عدد من العلماء المسلمين الذين
يجنحون أولا إلى التكفير لاكتساب نوع من الاطمئنان الخاطئ. والتكفير هو
جدار سميك بين المسلم وبين الفهم من ناحية، وبينه وبين التواصل مع الآخر
من ناحية أخرى، والمجال لا يسمح لإبراز خطا ذلك من الناحية الإسلامية.
والتكفير يقود إلى آلية أخرى من آليات التفكير الإسلامي السائد والمهيمن
وهي الاطلاقية، لأن من خلال النزعة الاطلاقية لا يرى العالم المسلم في
الآخر الذي كفره إلا الشر المحض، فيعجز عن تفكيكه، ومن ثمة الاستفادة من
حسناته وتجاوز سيئاته، لأنه في النهاية لا يوجد الإنسان الكامل والفكر
الشامل إلا في أذهان أصحابه فنحن ننشد الكمال لنعمق الخلافات ونغذيها في
نهاية الأمر سواء تعلق ذلك بالعلاقات داخل المجتمع الواحد، أو بالعلاقات
بين الشعوب والأمم.
المستوى
الثاني؛ يتعلق بالقضايا المطروحة على المسلمين والتي لامس بعضها الكتاب
من خلال مناقشة مواقف بورقيبة وهي:
- التعليم؛
يعلم العديد من القراء جيدا أن أغلب الدول الإسلامية لم ترتق أنظمتها
التعليمية إلى المستوى الكوني، والكثير منها لا يزال يبحث عن التوفيق بين
التعليم الشرعي والتعليم العصري، ولم يهتد بعد إلى الصيغة المثلى. وهي
معضلة تهم الأجيال الحالية والقادمة من أبناء المسلمين الممزقة بين ثقافة
تقليدية وثقافة كونية متفجرة وسريعة التحول.
- المرأة؛
لم تعد قضية المرأة في العالم الإسلامي مسألة داخلية بل أصبحت مسالة
عالمية خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتركيز على النموذج
الطالباني المسيء للإسلام. ولئن كان بورقيبة قد حسم هذه المسألة منذ سنة
1956 بسن قانون للأحوال الشخصية فان العديد من الدول الإسلامية لم تحسم
هذه المسالة بعد وهي تشهد إلى الآن جدلا حادا حول مكانة المرأة في
المجتمع وفي المدونة القانونية وفي مشاركتها السياسية.
- الدين
والدولة؛ وهي معضلة تاريخية لم يحسمها المسلمون منذ قرون وازدادت
استفحالا عندما برزت أطراف متعددة يحتكر كل واحد منها الحديث باسم
الإسلام ويمزج بين حديثه الإنساني والإسلام ويصور المواقف الذاتية على
أنها قرآنا منزلا، وهو مزج غريب لم يحسم منذ قرون، ولئن دخل برقيبة في
صراع مع المؤسسة التقليدية فانه عجز عن حسم هذه المسالة بل قدم نموذجا
معكوسا احتكرت فيه الدولة الدين فأصبح بمثابة المجال الخاص يمنع على من
هو خارج الدولة أو خارج جهازها الديني الخوض فيه. فهي تتحكم فيه من تعيين
الطاقم الديني إلى تمويله وصولا إلى ضبط الخطاب، وهو ما سميناه في الكتاب
بدولنة الدين وهوالنموذج المعكوس للدولة الدينية.
أما عن
الجزء الثاني من سؤالك حول نجاحي في معالجة تلك القضايا فالحكم يبقى
للقراء وللنقاد، خاصة وأن الكتاب عندما يصدر يبتعد عن الكاتب ويصبح ملكا
للمتلقين، كل يؤوله حسب وجهة نظره. لأنه في مجال الفكر ليس هناك أفكار
صحيحة كليا وأخرى خاطئة كليا، فالمسالة نسبية.
المنهج"
التفهمي" الذي اعتمدته هل فرضته طبيعة الموضوع أم اقتضته الأهداف التي
تريد الوصول إليها؟
طبيعة
الموضوع هي التي فرضت هذا المنهج، لأنه كان علي أن استقرئ المنطق الداخلي
للخطاب البورقيبي، وأن أحلل جميع عناصره، لذلك كان طبيعيا استعمال المنهج
التفهمي حتى يقع التدرج بالقراء لفهم هذا الخطاب موضوع الدرس.
والموضوعية
تقتضي تحليل الخطاب دون رسم أهداف مسبقة للوصول إليها. لأننا إذا ما
فعلنا ذلك فسنقوم بعملية إسقاط لأفكارنا ومواقفنا القبلية على النص وذلك
لا ينفع في شيء لأنه سيجعلنا نكتفي بترديد الأفكار والأحكام السائدة عن
موقف بورقيبة من الإسلام.
يلام عليك
أنك استعملت هذا المنهج" التفهمي" إلى حد التعاطف حين قرأت مواقف بورقيبة
في حين أنك لم تفعل الشيء نفسه عند تعرضك لمواقف معارضيه، وهوما أعطى
الانطباع بأنك انخرطت في الصراع إلى جانب بورقيبة. كيف تنظر إلى هذا
الرأي؟
لعلك تعلم
جيدا أن الثقافة السائدة عندنا تقوم في معظمها على المواجهة والصراع،
وعلى حب الانتصار للأفكار السائدة، وتلك الخصائص تجعل أصحاب تلك الثقافة
غير قابلين بالنتائج الجديدة حتى ولو استعمل أصحابها الموضوعية والدقة
العلمية. وبناء على تلك الملاحظة أقول إن الفئة التي ذكرتها في سؤالك
ربما تكون من الذين يريدون الانتصار لخصوم بورقيبة لأنهم يعتقدون أنهم
على حق مقابل خطا بورقيبة، وتلك رؤية لم أحاول أن أجاريها في كتابي لأنني
حاولت تحليل الخطاب البورقيبي وفق الصيرورة التاريخية. وهو ما حتم علي
النظر إلى مواقف بورقيبة من خصومه وخاصة في المعارك الرئيسية التي خاضها
معهم في التعليم والصوم والمرأة، ولم اعتمد في تلك القراءة مبدأي التبرير
والأحكام القيمية وإنما اكتفيت بالعرض المبوب. ولو كان الأمر يتعلق
بقراءة مواقف خصوم بورقيبة لفعلت ذلك أيضا، دون أن ابررها أوأصنفها.
الكثير من
القراء والناقدين الذين اطلعوا على الكتاب انتظروا ان انخرط في موجة
التهجم على برقيبة دون تحليل لتكريس ما هو سائد من الأفكار في الثقافة
الشعبية لذلك خاب أملهم حين لم يجدوا ذلك.
أنت تقدم
بورقيبة كمجتهد ومجدد في صلب الدين، وليس في قطيعة معه في حين أن هناك من
يرى انه ليس اكثر من مثقف عضوي عمل على استعمال الدين بشكل فيه الكثير من
البرغماتية؟
على امتداد
صفحات الكتاب لم اذكر أن بورقيبة مجتهد أومجدد في الدين، بل بينت الآليات
التي استعملها لإبراز رؤيته. وربما المفاجأة هي أن بورقيبة استعمل نفس
آليات الفقهاء في استنباط الأحكام، وشدد على الاجتهاد والعقل وتأويل
النص. وعندما نتأمل في تلك الآليات نجد أن بورقيبة - مهما كان رأينا فيه
- كان ينطق من داخل الدين على عكس ما يقال من أنه في قطيعة مع الدين.
ولعل تلك نقطة الخلاف بينه وبين كمال اتاتورك الذي كان في قطيعة تامة مع
الدين وحاصر جميع الرموز الدينية. ولذلك خصصت فصلا كاملا في الكتاب
للمقارنة بين بورقيبة وأتاتورك لان الفكرة السائدة في العالم العربي
الإسلامي أنهما على رأي واحد وهوخطا شائع لان بورقيبة عارض أتاتورك ولامه
علنا على الكثير من الإجراءات التي اتخذها، فاعتبر مثلا حل الخلافة خطأ
كبيرا في حق المسلمين لان الأجدر تطوير جسم مريض أحسن من قتله. ونقد
بورقيبة بشدة موقف أتاتورك بعزل الدين وذلك في خطاب له في أنقرة بالذات
وكاد أن يتسبب في أزمة دبلوماسية بين تونس وتركيا.
وإذا كنت لم
أصنف بورقيبة كمجتهد ومجدد في الدين فإنني كتبت عن بورقيبة الذي وظف
الدين لاعتقاده بدور الدين في المجتمع. وقد وظفه بطريقتين مختلفتين
الأولى كانت في مرحلة مقاومة الاستعمار حين دافع عن الرموز الإسلامية مثل
الحجاب والشاشية وغيرها باعتبارها من رموز الذاتية التونسية كما عارض
بشدة مبدأ التجنيس لما فيه من ذوبان لتلك الذاتية. وقد تفاعل بورقيبة في
تلك الفترة مع الإسلام كما هو سائد خوفا من إحداث التفرقة داخل المجتمع
فتضعف الجبهة الداخلية في مواجهة الاستعمار الفرنسي.
أما التوظيف
الثاني للإسلام فكان بعد سنة 1956 أثناء بناء الدولة، وهنا بدأ بورقيبة
في الإعلان عن أفكار تتناقض مع الأفكار الإسلامية السائدة، وكان يعتقد أن
الإسلام- متى تخلص من أفكار ما يسميه بعصر الانحطاط - يمكن أن يكون دافعا
قويا نحو التنمية. ففيه الكثير من القيم والآيات القادرة على تحريك سواكن
المسلمين ودفعهم للانطلاق نحو ركب الحضارة.
أنت تعلم أن الكثيرين من معارضي بورقيبة شككوا في
الطرح الذي تحاول تقديمه، وقد سهل عليهم بورقيبة نفسه المهمة من خلال
جملة من المواقف التي أعلنها مثل الدعوة إلى الإفطار، والاستهزاء من شخص
الرسول، ومحاربته للمؤسسة الدينية، وإلغاء جامع الزيتونة، وضرب مؤسسة
القضاء الشرعي؟
إن الإجابة
عن هذا السؤال تعني إعادة كتابة الكتاب من جديد لما فيه من مسائل هي جوهر
الكتاب، ولكي لا نعيد كتابة الكتاب الآن، ولكي يتشوق قراؤكم لقراءته لأنه
تضمن أجوبة مفصلة عن تلك المسائل، حتى لا يقع ذلك أقول إن ما ذكرته في
سؤالك فيه الصحيح، وفيه ما يندرج ضمن الأخطاء الشائعة التي يتم ترديدها
جيلا من بعد جيل دون الرجوع إلى المصادر الأصلية، لأن ثقافتنا هي ثقافة
شفهية تقوم على الاستماع، وقدرة عامة الناس على الاطلاع محدودة.
وإذا أردت
الاختصار الذي يقتضيه المقام قلت إن بورقيبة بالغ في الاستفزاز أحيانا
مثل ما فعل في الصوم، ويمعن في طرح الأسئلة النقدية المحرجة التي لم يعتد
المسلمون على سماعها مثل تعرضه لشخصية الرسول وبعض القصص التي وردت في
القرآن. ولكن لم يكن عنده ثبات في هذا المنهج لأنه كان يتعامل مع القضايا
التي يطرحها من منطلق سياسي وليس عقائدي. فبورقيبة - وهنا نحن نفسر - لم
تكن تعنيه كثيرا التفاصيل والخلافات العقائدية بقدر ما كان يهمه التركيز
على الدور الذي يجب أن يؤديه الإسلام حتى ولو أدى به الأمر إلى إحداث
الصدمة بمواقفه لدى عامة المسلمين، بل لقد كان يتعمد تلك الصدمة لتحريك
السواكن. ولا يجد بورقيبة حرجا بعد إحداث تلك الصدمة في التراجع عن
مواقفه إن رأى أن المعارضة شديدة لما طرحه. وقد تراجع مثلا في موقفه من
الصوم بعد أشهر قليلة ليعلن أن الصوم فرض وسيبقى فرضا إلى ما لانهاية،
وانه دعا إلى التوفيق بين الصوم والعمل ولم يدع إلى إبطال الصوم.
فموقف
بورقيبة لا يقوم إذا على العداء للدين، وهو ليس في قطيعة معه، وإنما يقوم
مثلما أسلفنا على توظيف الدين حسب أفق سياسي محدد يعطي الأولوية للتنمية
والتطور. لذلك كان كثيرا ما يميز بين تصور عهد الانحطاط الذي يتسم
بالقدرية والتواكل والتسليم بالأمر الواقع، وبين التصور الإسلامي الذي
يجب أن يسود والذي يقوم على العمل، وإرادة التغيير "إن الله لا يغير ما
بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" وهي الآية التي كان بورقيبة يرددها كثيرا.
وإذا حللنا
ذلك مليا يمكن أن ننتقل من التشكيك الذي أوردته في سؤالك إلى التصورات
المختلفة للإسلام المتضاربة في كثير من الأحيان، وإلى الدور الذي يمكن أن
يقوم به الإسلام اليوم، وذلك مجال خلاف سيستمر بين المسلمين.
يلام عليك
ايضا انك اعتمدت في قراءتك للصراع الدائر بين بورقيبة والمؤسسة الدينية
على الرواية الرسمية وهي رواية بورقيبة، وهي ليست بالضرورة الرواية
الصحيحة؟
- الفعل
– يلام - مبني للمجهول هنا، ولست أعلم إن كان الذي يلوم اطلع على
الكتاب أم لا؟ لأنه لواطلع عليه لوجد أنني اعتمدت جميع الروايات بما فيها
الأكثر تشددا تجاه بورقيبة وعرضتها، ثم إن الرواية الأكثر رواجا عن علاقة
بورقيبة بالإسلام ليست الرواية الرسمية بل الرواية الشعبية والتي غذتها
الصراعات السياسية في تونس التي كان محورها الدين. لذلك تعاملت مع جميع
الروايات، لكن لا تنسى أن محور بحثي تحليل الخطاب البورقيبي ومحاولة
فهمه، وليس تحليل خطاب خصومه.
المشكل في
اعتقادي أبعد من مجرد اللوم والقول باعتمادي الرواية الرسمية، فهوأعمق من
ذلك ويتعلق بثقافة سائدة لدى عامة الناس والنخبة معا. وهي الثقافة التي
تريد الحسم قبل الفهم، وتبحث عن المواقف القطعية قبل الرؤى التوليفية
التي تبحث عما يفيد المجتمع ويوحده. ومثل تلك الثقافة تبحث عن الحل
السهل.
وأسوق أمثلة
على ذلك؛ إذ يعترضني أصدقاء شاهدوا الكتاب في المكتبات فيسألونني هل
هاجمته؟ بمعنى هل أرجعته إلى حجمه الطبيعي في هذه المسألة؟ وكأن الأمر
عندهم يتعلق بمقابلة في الملاكمة، فهم ينتظرون مني الضربة القاضية
لبورقيبة، وعندما لا يجدون ذلك التمشي يخيب أملهم.
ويسألني
آخرون؛ في النهاية كيف وجدت بورقيبة مسلما أم كافرا؟ هل هو مع الإسلام أم
عدو له؟ وينتظرون مني جوابا بسيطا وشافيا حتى يحافظوا على اطمئنانهم
الإيماني.
إذا كان هؤلاء هم الذين يلومونني، أقول إن المسالة أعمق من اللوم، وأبعد
من التصنيف الثنائي السطحي الذي يعطي أصحابه اطمئنانا مؤقتا، إنها مسألة
ثقافة في طور التغير كل يساهم فيها بما يستطيع، فقد يكون بورقيبة ساهم من
موقعه الذي يختلف بالتأكيد عن موقع خصومه السياسيين الذين لا يرون فيه
إلا الشيطان الذي يجب أن يرجم. وقد أكون أنا أيضا ساهمت في هذا الجدل
الثقافي الذي لا يملك أحد فيه الحقيقة
المطلقة،
وهوجدل يحتاج بالتأكيد إلى جدل اكبر. |