كيف نعيد التوازن للعلاقة بين الدولة والمجتمع

العدد الثالث عشر
السنة الرابعة/ ينابر - فبراير 2005

علي كردي

لقد كشف الغزو الأمريكي البريطاني للعراق والانطلاق السريع والقوي للمقاومة المسلحة للاحتلال الأجنبي كشف كلّ ذلك عن حالة من المفارقة العجيبة تعيشها الشعوب العربية. والمفارقة هنا هي تلك المعارضة العنيفة من القوى الوطنية في عالمنا العربي لأي تدخل خارجي بينما تسيطر حالة من السلبية واللامبالاة حينما يتعلق الأمر بالتصدّي للأوضاع الداخلية والتي على رأسها مواجهة الاستبداد المحلي والظلم الاجتماعي بأنواعه، وكأن القضايا الداخلية لا تكتسب معنى إلا إذا ارتبطت  بالآخر الأجنبي. لمذا هذا التناقض؟ لمذا الرفض هناك والتسليم هنا؟ أليس من الغريب أن تنطلق المظاهرات في جل العواصم العربية ضدّ الوجود الأجنبي في العراق بينما لا تحرك هذه الشعوب ساكنا من أجل مقاومة الاستبداد وإعادة الاعتبار للمواطن المنتهكة حقوقه في أبسط أشكالها. ألا يشكل هذا خللا في شخصيتنا يحتاج إلا معالجات جدية؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هو موطن الخلل؟ وما هي طبيعة المعالجة؟ هل يتعلق الأمر بإعادة الاعتبار إلى جملة من المفاهيم الأساسية مثل الديمقراطية وحقوق الانسان أم أن الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع برمتها؟

يرى البعض أن جذور ما نحن فيه الآن مرتبط بالثقافة الإسلامية (السنية منها بالأساس) التي توجب الصبر على السلطان ما دام يقيم الصلاة ولا يجاهر بالكفر، في حين يرى البعض الآخر أن هذا المفهوم قد تعمق أكثر من خلال التجربة القومية التي كرست هيمنة الدولة على المجتمع عندما أعطت الأولوية لحركة التحررالوطني على حساب مقاومة الدكتاتورية والاستبداد المحلي

ولكن لو تناولنا وضعية الدولة في صدر الإسلام فإننا سنجد أنه لم يكن لها من السلطات إلا ما يتعلق بحماية الحوزة و الجباية وحفظ التوازن الاجتماعي وفي المقابل سنجد أن المجتمع الأهلي كان ناضجا ومتنوعا وفعالا. ومن ثم يمكن فهم وتبرير موقف الفقهاء من مسألة الخروج على السلطان الجائروالذي لم يكن استبداده بالسلطة ليعيق حراك الأمة وتطورها وتحقيق مصالحها.  فلقد حققت الأمة الإسلامية أكبر فتوحاتها العسكرية وأهم إنجازاتها المعرفية في ظل دولة الاستبداد الأموي. لقد كانت دائرة نفوذ الدولة المركزية محدودة مقارنة بمجالات الفعل المتاحة أمام المجتمع الأهلي سواء في الجانب الاقتصادي والاجتماعي أو الجانب المعرفي. أما الدولة الحديثة فقد امتدت أذرعها لتطال كل جوانب الحياة العامة منها والخاصة. وفي سبيل تركيز استقرارها وأمنها عملت الدولة باستمرار على ممارسة الضغوط التي تزداد لتصبح تسلطا وشمولية خانقة في كل مجالات الحياة، الخاص منها والعام، إلى أن تم  إعادة الاعتبار لمفهوم المجتمع المدني مع الثورتين الفرنسية والأمريكية. وفي أواخر القرن الثامن عشر كرس فلاسفة الأنوار مفهوم المجتمع المدني باعتباره كيانا مستقلا عن الدولة ينتظم المواطنون فيه لخدمة مصالحهم وحاجياتهم. وقد ظهر هذا المفهوم بشكل واضح في كتابات انطوني غرامشي التي نشرها بعد الحرب العالمية الثانية، محددا ان المجتمع المدني ما هو الا صورة للكفاح ضد الدكتاتورية، وانه نشاط سياسي مستقل عن هيمنة الدولة وسلطتها، وسرعان ما لبث ان تحول هذا الشعار الى سلاح يستخدم لوقف طغيان الدولة

أما الدولة العربية الحديثة فحينما تأسست قامت  بضرب التنظيمات الأهلية (القضاء الشرعي، الحبس والأوقاف، الزوايا .....) وفرضت سيطرتها فطغت الدولة على الأمة وشددت الخناق عليها عندما قامت بهدم البنى التقليدية في حين لم تستطع أن تجذر بدلا من ذلك البنى الحديثة التي هي أساس إنشائها. كل ذلك أدى الى خلق مجتمعات ضعيفة ومتخلفة

 وأغلب الظن أن فقهاءنا القدامى لو أتيح لهم معايشة الدولة الحديثة ومعاينة حالة الخراب الذي ألحقته بالأمة لكان لهم موقفا فقهيا مغايرا من مسألة الولاء للسلطان المستبد، لأن فساد السلطان القائم على رأس الدولة الحديثة يعني أن هذا الفساد سيطال جميع جوانب الحياة. و قد ظلت الشعوب العربية خلال القرن الماضي تكافح، ولاتزال، من أجل إعادة الاعتبار للمجتمع الأهلي ولكن دون أن تفلح في ذلك. والسؤال هنا لمذا فشلنا نحن في حين نجح الآخرون؟ لقد أصبح المجتمع المدني في الغرب يلعب دورا هاما في الإنتاجية والتفاعل ضمن منظومة متوازنة تتمثل في الرقابة على الدولة ومساعدتها في خططها وبرامجها في آن واحد. إلا أن ميلاد المجتمع المدني ليس نتيجة لقرار سياسي وإنما هو مزيج بين إرادة جماعية مضاف إليها بنية قانونية دستورية يحتكم إليها المجتمع المدني وتمثل مرجعيته في عملية الرقابة على الدولة. إن مجتمعاتنا لا ينقصها الوعي ولا الإرادة وإنما تنقصها المنظومة القانونية التي تسمح بتحول المجتمع المدني من حالة الوجود بالقوة إلى حالة الوجود بالفعل. إن البنية القانونية في عالمنا العربي تجرم جل أنشطة المجتمع المدني و تجعلها خارجة عن القانون. ذلك القانون الذي صيغ بطريقة تكرس هيمنة الدولة على كل شيء. ومن المفارقات أن نجد المنظمات المدنية في دول ديمقراطية كاليابان ليست فعالة بدرجة كبيرة، وذلك ليس راجعا إلى ضعف فيها بل لأن الدستور والقانون هو الذي أخذ على عاتقه تحقيق التوازن ضمن برامج ونصوص وقوانين تؤدي في نهاية المطاف الى تحقيق الاستقرار وزيادة الانتاجية

أما الواقع الحالي في البلاد العربية فلا يمكن أن ينتج إلا أنظمة استبدادية في مقابل مجتمعات عاجزة ومهمشة مهما اختلفت ايديولوجية الطبقة الحاكمة أو ايديولوجية النخب المعارضة. وهذا الوضع سيظل مستمرا حتى تتمكن الدولة والمجتمع، وبتكريس من دستورها وكيانها السياسي إلى تحقيق التوازن بين الدولة والأمة ضمن برامج ونصوص وقوانين تؤدي في نهاية المطاف الى تحقيق الاستقرار والتكامل، بحيث يصبح الدفاع عن الديمقراطية والدفاع عن الوطن أمرا واحدا. بالتأكيد سيحتاج هذا الأمر إلى نوع من التوازن يقتضي بالأساس توزيع القوة بالتكافؤ بين الدولة والمجتمع، بعد تخليص المجتمع من أسر الدولة.
صفوة القول إنه ليس شرطا أن أنقل المفهوم الغربي كما هو، ذلك أن جميع هذه التعاريف نابعة في الأساس من بيئاتها الأوروبية وممزوجة بتطورات الواقع الأوروبي خلال عملية الانتقال الى مرحلة الحداثة خلال القرون الأخيرة. فالاشكال ليست مهمة، بقدر ما أن المراد يكمن في المضمون والمفهوم. إن نجاح العلاقة بين الدولة والمجتمع يكمن في (عقلية السلطة)، إذ ينبغي عليها أن تعقلن السياسة وذلك بأن ترتكز على المعطيات الراهنة ضمن المعقول والممكن، ثم تضع برنامجها العام متوازنا ما بين مصالحها العليا ومطالب شعبها، تاركة النوافذ مفتوحة للمشاركة وللإصغاء وللممارسة المجتمعية الفعلية، وأن ترفع يدها عن كل شيء ما عدا الأمن والدفاع، وتترك المجتمع يقوم بدوره دون وصاية أو استعلاء، إلا وصاية القانون مما يؤدي في نهاية المطاف الى تثقيف المجتمع وبالتالي يتحول الى عنصر دعم وليس الى طابور خامس، لا سيما في المواقف التي تتطلب الثبات والوحدة الوطنية. فيصيح بذلك المجتمع المدني والدولة مفهومين متلازمين لا يمكن لأحد الطرفين أن يؤدى رسالة بالصورة المطلوبة دونما مساعدة ودعم من الطرف الآخر. فمن الصعب تصور دولة وطنية يلتف حولها المواطنون دونما مجتمع مدني يساندها. ولا يمكن للمجتمع المدني أن يؤدى  دوره بشكل فاعل دون وجود الدولة الدستورية القوية. ولكن هذا التلازم والتكامل لا بد له من عمود فقري يدعمه ويؤكده ألا وهو سيادة القانون

 

© aqlamonline 2005