|
صلاح الدين
الجورش
إجابة على سؤال طرحته "أقلام أون لاين" على بعض الشخصيات الفكرية
والسياسية: كيف تنظرون إلى المشكل السياسي في تونس، تفضل الأستاذ صلاح
الدين الجورشي مشكورا، بالحديث التالي:
في البداية
لا بد أن أشير إلى ملاحظتين:
أولا، لا
يمكن اختزال أوضاع بلد لا يزال في حالة انتقالية في مشكل واحد، مهما كان
حجمه وثقله.فالتحديات كثيرة ومتداخلة وغير قابلة للفصل بين مكوناتها،
حتى لو بدا أن أحد هذه التحديات قد طغى على البقية وغطاها.
ثانيا:
عندما نتحدث عن وجود مشكلة أو أكثر لا يعني ذلك تعمد التغاضي عن وجود
ايجابيات في الوضع القائم. فتونس تتوفر فيها عديد المكاسب التي تحققت منذ
الاستقلال مما يؤهل مواطنيها لكي يكون حاضرهم أفضل مما هو عليه الآن.
كل
المقاربات التي تناولت الوضع التونسي تكاد تلتقي حول القول بأن هذا البلد
الذي يحتل موقعا استراتيجيا في وسط المتوسط يعاني من مشكلة سياسية.هذه
المشكلة لم تولد اليوم، ولكنها تعود إلى الظروف التاريخية التي حفت
بتأسيس ما يسمى بدولة الاستقلال أو "الدولة الوطنية".
لقد انصهرت يومها
النخبة والمجتمع في الحزب الذي قاد الحركة الوطنية، والذي تم تفويضه
بالكامل لكي يؤسس هذه الدولة على مقاسه ووفق نظرته المتعالية عن
الجماهير، والتي رأى فيها أداة تنفيذ وليست مصدرا للشرعية والسلطة.
هكذا منذ
البداية، تأسست علاقة مغلوطة بل ومقلوبة بين الحزب والدولة من جهة،
والدولة والمجتمع من جهة أخرى. وبدل أن تزيد مرحلة الاستقلال من تقوية
المبادرة الفردية باعتبارها وجها من وجوه المواطنة الفاعلة، وتعزيز
دينامية الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني التي لعبت دورا ملموسا
منذ مطلع القرن العشرين، تم القضاء على مجمل ذلك النسيج الثري من النشاط
الجمعوي الذي قاوم الاستعمار بطرق متعددة وفي جبهات متكاملة، حيث تم
إدماجها جميعا في اطر الحزب الحاكم، والتي رفضت أو اعتبرت غير مرغوب فيها
تم حلها وشطبها من الوجود. وهكذا الجسم الاجتماعي، حيث تضخم الرأس ممثلا
في الدولة المندمجة في الحزب المندمج في الزعيم.
اليوم
يتواصل هذا الاختلال بشكل مزمن، فبالرغم من وجود أحزاب تعارض، وبعض
الجمعيات تدافع عن استقلاليتها، وأفراد من المثقفين يتمسكون بوظيفتهم
النقدية، إلا أن ميزان القوى مختل بشكل كبير، وهو يشكل أكبر عائق على
تحقيق تنمية سياسية ديمقراطية.وإذ تتحمل السلطة مسؤولية رئيسية
باعتبارها المستفيد من تمديد هذا الوضع وتكريسه، فان النخبة السياسية
والفكرية وشرائح المواطنين الواسعة تتحمل قسما لا بأس به من هذه
المسؤولية. فحالة التفكك التي تعاني منها هذه النخب، واللامبالاة المقيتة
التي يتعامل بها المواطن مع الشأن العام وقضاياه المصيرية، قد ساعدت على
أن تنفرد جهة واحدة باحتكار التخطيط والتسيير والتنفيذ. وهكذا يتبين أن
المشكلة السياسية التي يعتبرها الكثيرون العامل المحدد، تخفي وراءها
مشكلا ثقافيا خطيرا. فالمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان وترسيخ قيم
العمل والمبادرة والمشاركة كلها مفاهيم وقيم لا يمكنها أن تنتعش وتترسخ
وتترجم إلى سلوك فردي وجماعي إلا إذا ارتبطت بثقافة متأصلة في ذات
التونسي، بعد أن يكون قد تحرر من تقاليده التي رسختها فيه دولة
الاستقلال. والقائمة على التواكل وتسليم الأمور للدولة والخوف من
الانشغال بالسياسة وعدم الانخراط في جمعيات تربي فيه أخلاقيات التضحية
والتعاون والدفاع عن حقه وحقوق الآخرين. |