العمل العربي المشترك بين الحلم والكابوس

العدد الثالث عشر
السنة الرابعة/ ينابر - فبراير 2005

محمد الحمروني

لا يكاد اتحاد المغرب العربي يخرج من أزمة حتى يغرق في أخرى، فمنذ مدة أعلنت الجماهيرية العربية الليبية تخليها عن رئاسة الاتحاد احتجاجا على عدم فاعلية أجهزته إضافة إلى عدم تفعيل اغلب قراراته. وتأتي هذه الأزمة لتضاف إلى العدد الهائل من المشاكل التي يتخبط فيها الاتحاد كاتهام الجماهيرية بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية في موريتانيا والصراع القديم المتجدد بين المغرب والجزائر حول معضلة الصحراء الغربية. يضاف إلى ذلك عدد من الصراعات الخفية حول السيطرة على أجهزة الاتحاد والتي تلعب فيها أطراف خارجية دورا في إطار صراعها للسيطرة على المنطقة.

وما يقال عن اتحاد المغرب العربي يقال أيضا عن مجلس التعاون الخليجي، فبعد أن اعتقد كثيرون أن تجربة هذا المجلس في العمل المشترك قد رسخت وأنها يمكن أن تكون منطلقا لعمل عربي أوسع، مما خلق نوعا من الأمل في  رؤية عمل عربي مشترك يجمع تشرذمنا ويوحد قرارنا السياسي ويبني تعاوننا الاقتصادي. إلا أن هذه التجربة أيضا أصابها ما أصاب شقيقتها في المغرب، فأجهزة المجلس اغلبها إن لم يكن كلها معطلة وقراراتها لم تغادر دفاتر المجلس.

وإذا كانت دول مجلس التعاون قد نجحت ولو بشكل بسيط في إحداث نوع من التقارب الاقتصادي في ما بينها، إلا أن ما برز مؤخرا من خلافات بين بعض أعضائه شكل تهديدا حقيقيا لهذا المجلس وقد يكون مؤذنا بخراب ما تبقى منه حتى ولوكان رمزيا. فالخلاف الحاد بين قطر والسعودية لم يقع تجاوزه بصفة كلية وان خفت حدته بعض الشيء ليضاف إليه خلاف جديد بين البحرين والسعودية على خلفية توقيع البحرين لاتفاقية تعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، والذي أدى إلى غياب ولي العهد السعودي عن القمة الأخيرة للمجلس وتجميد اغلب قراراتها مما شكل تهديدا حقيقيا لها بالفشل.

هذا فيما يخص اهم تجربتين للعمل العربي المشترك أما عن التجارب الوحدوية والتي كانت تظهر كالفقاقيع لتختفي بأسرع مما ظهرت، فأمثلتها كثيرة، بل إن التجارب الجنينية لفتح الحدود أمام تنقل البضائع ومرور الأشخاص كلها فشلت.

والسؤال الآن هو لماذا فشلت كل هذه المحاولات؟

إن المطلع ولو قليلا على حقائق الأمور لا يأمل في رؤية عمل عربي مشترك، ذلك لان هذا العمل  يتطلب جملة من المقدمات تفتقدها الساحة العربية ومن أهمها:

1 الالتزام بمتطلبات العمل الجماعي والذي يعني نكران الذات والنزول عند رغبة الأغلبية وحسم الخلافات بالطرق الديمقراطية، وهذا ما لم تنجح في العمل به اغلب الأنظمة العربية. فإذا كانت هذه الأنظمة قائمة على حكم فردي، تكون فيه الكلمة للأمير أو الملك أو الرئيس في كافة النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويكون هو مصدر التشريع وجهاز التنفيذ ومصدر الأحكام ويكون هو الدولة والدولة هو، فكيف يمكن لهذا الحاكم العربي ان يتنازل لرأي الأغلبية وان يقبل المناقشة دون أن يتعكر له مزاج. إن أنظمة قائمة على حكم فردي لا يسمح بأي رأي مخالف حتى وان كان يخص رفع الزبالة أو تصريف مياه الأمطار لا يمكن بأي حال أن ينخرط في عمل أساسه احترام رأي الأغلبية والانصياع لإرادتها

2 الإيمان بأهمية العمل الجماعي: إن أي عمل جماعي لابد وان ينطلق من إيمان عميق بضرورته وحرص شديد على تحقيق الغاية التي من أجلها وجد، ويتأكد ذلك خاصة في زماننا الذي نعيش، زمن التكتلات الكبرى والأسواق المشتركة والشركات متعددة الجنسيات، زمن العولمة، فلا مكان اليوم للدويلات الصغيرة التي لا يتعدى عدد سكانها عدد سكان احد الأحياء الفقيرة ببعض مدننا العربية أو عدد العاملين بإحدى شركات صنع السيارات في البلدان المتقدمة. وفي الوقت الذي تجهد كل بلدان العالم للدخول في أحلاف والانخراط في تكتلات يطلع علينا في كل يوم رئيس عربي ليعلن انسحابه من هذه المؤسسة ورفضه لتلك. إن أصحاب القرار في بلداننا لا زالوا يتعاملون بمزاجية ولا مبالاة واستخفاف مع مؤسسات طالما شكلت الحلم العربي 

3 وحدة الأهداف والغايات: إن كل عمل يستهدف تحقيق غرض ما، والعمل الجماعي المشترك لا بد وان تكون له جملة من الأهداف والغايات التي يرمي إلى تحقيقها ولابد أيضا، وهذا من الشروط الأساسية لكل عمل جماعي، أن يكون هناك حد أدني من الاتفاق على هذه الغايات والأهداف والتي تتطلب قدرا من الاتفاق على طرق تحقيق هذه الغايات وسبل الوصول إليها. وهذا ما لا نجده بأي حال من الأحوال في أوطاننا العربية فجمهورية هنا ومملكة هناك وإمارة في مكان آخر وهذا يدعو إلى ليبرالية علمانية والآخر إلى قومية جماهيرية والثالث إلى ملكية ثيوقراطية، فعلى أي أساس سيتفق هؤلاء وأي السبل سيختارون. إننا نرى قضايا خطيرة ومصيرية في حياة امتنا يقع الاختلاف حولها كفلسطين والعراق وهي القضايا التي من المفترض أن لا جدال حولها، نراها تحولت إلى موضوع لمزايدات بين هذه الأنظمة ورأس مال رمزي تبتزه لتلمع به صورتها أو لتعلق عليه إخفاقاتها المتتالية.

هذه بعض مستلزمات العمل العربي المشترك فهل تتوفر مؤسساتنا العربية على هذه الشروط أو بعضها على الأقل؟

إن الأمراض التي تعاني منها مجتمعاتنا كالفردانية والديكتاتورية والتهميش والإقصاء قد وقع نقلها إلى مؤسسات العمل العربي المشترك مما شل عمل هذه المؤسسات وجعلها تتحول إلى منابر تلقى فيها الخطب الرنانة وتأخذ فيها الصور التذكارية. باختصار أصبحت ديكورا كباقي المؤسسات في عالمنا العربي من برلمانات ومؤسسات استشارية وغيرها. في الوقت الذي نرى فيه بلدان الاتحاد الأوروبي تتقدم في مراحل بناء اتحادها بكل ثبات رغم بعض المعوقات التي تبرز أحيانا معتمدين في ذلك على شروط أساسية في مقدمتها:

1- رؤية استراتيجية واضحة اعتمدت التدرج في بناء الاتحاد ابتداء بمجموعة صغيرة من الدول ثم التوسع شيئا فشيئا وفي نفس الوقت الابتداء بالسوق الأوروبية المشتركة قبل التحول إلى صيغة الاتحاد.

2- أهداف واضحة أهمها تقوية البناء الداخلي لأوروبا وتشكيل قوة سياسية لها وزنها في المحافل الدولية وسوق اقتصادية مشتركة تمثل إحدى اهم الكتل الاقتصادية في العالم

3- رصيد هائل من الديمقراطية وحرية الرأي والتداول السلمي على السلطة وحسم الخلافات بالرجوع إلى رأي الأغلبية بما يضمن وحدة الصف وسرعة تجاوز الخلافات ولو نسبيا، إضافة إلى اقتصاد قوي وتقدم علمي وتكنولوجي

أما نحن فعلى ماذا نعتمد في دخولنا تجربة العمل العربي المشترك ومحاولة تحقيق أحلامنا في التقدم والرقي والحرية والديمقراطية. هل على حكمنا الفردي المطلق وأنظمتنا الاستبدادية أم على جهلنا وتخلفنا بين الأمم. إن العمل العربي المشترك الذي نحلم أن نراه يتحقق ليحمي حقوقنا ويعيد فلسطين ويحرر العراق يتطلب عملية إصلاح عميقة وجذرية تصلح ما فسد من أوضاعنا وتداوي كل أمراضنا لتتحقق نهضتنا وتعود لنا كرامتنا بين الأمم. وإذا لم يتحقق فان الحلم سيتحول إلى كابوس وسنصبح نعيش في محميات تحيا على هامش التاريخ وتدرس كنماذج لتطور الإنسان البدائي كما قال احد الباحثين. 

 

© aqlamonline 2005