قراءة في الوضع السياسي التونسي
بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية

العدد الثالث عشر
السنة الرابعة/ ينابر - فبراير 2005

أحمد قعلول

تحاول هذه الورقة أن تقرأ الوضع السياسي في تونس من خلال مكونات الساحة السياسية، وسيبدأ التحليل بتناول الوضع الدولي من حيث تأثيراته على الوضع المحلي ومن ثم يمر إلى تناول الوضع الشعبي والاجتماعي وأخيرا  يتناول التحليل الفاعلين السياسيين أي السلطة وأحزاب المعارضة.

وقبل تناول العنصرين الأولين لا بد من التنبيه إلى أن هذه الأوضاع في عمومها عادة ما تكون مفتوحة على عديد الاحتمالات كما أنها عادة ما تكون قابلة للاستثمار، وعلى هذا المستوى تستوي السلطة والمعارضة. فالحديث مثلا في ما يخص الوضع الدولي عن وجود عوامل فيه تدفع في اتجاه فرض إصلاحات سياسية لا يعني انه ستقع إصلاحات كما أن الحديث عن تململ في الوضع الاجتماعي لا يعني انه ستقع ثورة فكل من الوضع الشعبي والدولي هي أوضاع مرتبطة بإمكانية استثمارها وبالإرادة والفاعلية السياسية للأطراف ذات المصلحة.

أ) الوضع الدولي:

يتناول هذا العنصر الفاعلين الأساسيين على الصعيد الدولي وتعتبر الولايات المتحدة وفرنسا أهم مؤثرين في الوضع التونسي. فأما ما يعود إلى السياسة الأمريكية، فقد رفعت الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة شعار الإصلاحات السياسية في العربي والإسلامي على أن هذه الأجندة ليست منضبطة بسياسة واحدة في كل دول المنطقة بل إنها تتعامل مع كل دولة كملف خاص، فطبيعة تدخلها في بعض الدول العربية التي تمتلك دورا إقليميا غير تدخلها في الدول الصغرى كما ان تدخلها في الدول المطبعة مع الكيان الصهيوني غير تدخلها في غيرها وتدخلها في الدول التي تمتلك ثروات نفطية او طبيعية غير تدخلها في تلك التي لا تمتلك من هذه الثروات ما يغري، فسياستها مرتبطة بميزان مصالحها في المنطقة. وقد اكتست السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة وخاصة مع صعود المحافظين الجدد مسحة ايديولجية جذرية في علاقتها بالمنطقة العربية والإسلامية على غير ما عُرفت به في السايق. فالتوجه الامريكي في موضوع الإصلاح لا يراعي مسائل التحالفات ونوعية الخدمات التي يمكن ان تقدمها بعض الدول في المنطقة بقدر ما يراعي ما يعتقده هذا التيار من ان مصلحة أمريكا تتمثل في إكراه الجميع على تبني الإصلاحات التي تريد فرضها على العالم العربي والإسلامي. ومهما كان الامر في ما يخص هذا النقاش حول غلبة الجانب العقائدي على الجانب البراغماتي في السياسة الأمريكية  فان المتابع للسياسة الامريكية يلاحظ أنها لا تتخلى كليا عن جانبها البراغماتي والمصلحي النفعي بالدرجة الاولى خاصة في ظل وجود نزاع في المصالح بين الولايات المتحدة والمجموعة الاوربية بقيادة فرنسا وألمانيا، وكذلك في ظل وجود مقاومة شعبية عنيفة للسياسات الامريكية في المنطقة. كل هذا يجعلنا نرجح ان السياسة والبرنامج الأمريكي سيحافظ على جانبه النفعي، وما يؤكد ذلك سعي الخارجية الأمريكية من خلال الوزيرة الجديدة كندوليزا رايس إلى فتح أبواب مع الدول الاوربية ما يرجح ان يخف الضغط الأمريكي على منطقة المغرب العربي لصالح النفوذ الفرنسي دون أن يختفي الصراع كليا. وبما ان التدخل الأمريكي مرتبط أساسا بميزان مصالحها فان  حدوده مرتبطة بمستوى حيوية الوضع المحلي لكل حالة عربية فحيث ترتفع الأصوات يرتفع الضغط الأمريكي اقتناعا من الأمريكان ان ارتفاع التوتر المحلي سبب في العنف الموجه ضد الولايات المتحدة. وفي هذا السياق يمكن للمتابع أن يفهم شذوذ الحالة التونسية وانزلاقها عن منطقة الضغط الأمريكي إلى حد الآن، ذلك ان المتابع للوضع الإقليمي يسهل عليه ملاحظة ما يقع من مصالحات سياسية في دول الجوار العربي المغرب والجزائر وليبيا والسودان ومصر، إلا تونس فقد نجحت في المحافظة على شذوذها وعلى شعاراتها التقليدية "مقاومة الإرهاب مع تحقيق الازدهار والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي". ويعود ذلك لعدة أسباب منها فشل قوى المعارضة العلمانية منها والإسلامية في كشف الصورة الحقيقية للوضع وفي تعرية السلطة من حجتها في استدامة إرهاب الدولة ضد المجتمع، إضافة إلى نجاح السلطة في حبك سيناريو النجاح على مستويات عدة خاصة في علاقاته بالمؤسسات المالية الدولية. وما دام النظام قادرا على إقناع الآخرين بنجاحه في نهجه فلا يمكن للمرء أن ينتظر أن يكون مضطرا لتغييره.

هذا بالنسبة للراعي الأمريكي أما بالنسبة للطرف الفرنسي فيبدو أن التدخل الأمريكي اثر سلبا على النفوذ الفرنسي في المنطقة عموما ما جعل الديبلوماسية الفرنسية تلجأ إلى تقديم إغراءات للسلطة من اجل الحفاظ على ولائها ومن ذلك مغازلتها لابن علي في كثير من المناسبات، هذا بالإضافة إلى الدور السلبي الذي تلعبه بعض الأطراف الإستئصالية في السلطة والمعارضة العلمانية في تجريم حركة النهضة وإقناع النخب الأوربية بان الضغط في اتجاه أي انفتاح سيكون لصالح "الحركة الأصولية" وضد مصالح "القوى الديمقراطية". كما يعاني الموقف الفرنسي من عائق أيديولوجي يفقده المرونة اللازمة للتعامل مع الوضع التونسي ويحصره في مجال التعامل مع النخبة الحاكمة ومع فريق من النخب العلمانية مع إقصاء واضح للإسلاميين، في حين لا يجد الأمريكيون وحتى البريطانيون حرجا من التعامل الديبلوماسي مع كل أطراف الساحة التونسية. وقد يقول قائل إن الطرف الفرنسي خصوصا والأوربي عموما غير جاهل لحقيقة الوضع في تونس أكان في ما يخص الطبيعة السياسية لحركة النهضة أو طبيعة السلطة الاستبدادية ولذلك فان الدعم الذي يلقاه نظام ابن علي لا يرجع لضبابية الصورة ولا لعجز أطراف المعارضة التونسية عن شرح طبيعة الوضع والسلطة ولا شك أن هذا الأمر صحيح ولكن فشل المعارضة عموما يكمن في عجزها عن دحض حجة السلطة وإن على المستوى الشكلي بحيث تصبح عاجزة عن التشدق بها في كل مقام وبحيث تصبح المؤسسات الدولية غير قادرة على تبني مقولات السلطة في النجاح الاجتماعي والتحديثي والسياسي وهذا سيزيد من حرج الأطراف الدولية في تعاملها مع سلطة ليس لها من الحداثة إلا ما تدعيه والاستبداد الذي توفره لها أداة الدولة الحديثة.

يشهد عدد من دول الجوار حالة من الانفراج النسبي الأمر الذي يقلب المعادلة التي قامت ضمنها منهجية الاستبداد في تونس إذ لم يكن الوضع المغربي على ما هو عليه من انفتاح رغم انه كان في حال احسن، على أن الوضع الجزائري والليبي والمصري كان في كل الأحوال أسوأ من الوضع التونسي خلال بداية التسعينات هذا ما مكن سلطة ابن علي من أن تشرع وتبشر بالاستبداد من اجل تحقيق الاستقرار والأمن الاجتماعي، ولذلك فمن المرجح أن يمثل الوضع الإقليمي ضغطا على الوضع المحلي وذلك من خلال رفع سقف مطالب الشعب التونسي الذي سيقارن نفسه بمساحات كان من المفروض أن يكون وضعه فيها اكثر انفتاحا. فهذه الجزائر التي كان النظام التونسي يفاخر العالم بنفسه مقارنة بها استقرارا وأمنا تتحسس طريقها في اتجاه العفو الشامل والمصالحة الوطنية. وكذلك ليبيا التي بدأ الحديث فيها عن مصالحات وإصلاحات يأخذ مجراه، ومهما كان سقف هذه الإصلاحات منخفضا فهو بالتأكيد ارفع من سقف الوضع السياسي التونسي. إضافة إلى مضي الوضع المغربي إلى مبادرات نوعية في طي صفحة الماضي. لقد استعمل النظام التونسي حجة التفوق على الجيران خلال مرحلة التسعينات ولا شك أن سقوط هذه الحجة سيؤثر عاجلا أم آجلا على مجريات الوضع في تونس، ويبقى السؤال هو حجم هذا التأثير ومدى قدرة قوى المجتمع المدني على استثمار هذه المعطيات ليس الإقليمية منها فقط ولكن الدولية كذلك؟ ولعل هذا السؤال يدفعنا إلى الانتقال بالحديث عن الوضع القطري.

ولكن قبل ذلك تجدر الإشارة إلى ان تونس ونظرا لحجمها الاقليمي والديمغرافي ليست في طليعة الاهتمام الدولي، فمصر والجزائر وليبيا لا شك أهم في الأجندة الدولية من تونس ولذلك فان الاهتمام بوضعها والصراع على رقعتها اشد. كل هذا يمكن السلطة في تونس من الاختفاء وراء الآخرين وهذا يمكن السلطة من وقت ضائع تستعد خلاله وتلتهم فيه مواقع أخرى ومساحات أوسع إلى أن تكون مضطرة إلى تسليم بعض ما اغتصبته دون التسليم في الأصل.

ب) الحالة الشعبية:

تعرف الحالة الشعبية في تونس مجموعة من المظاهر المتناقضة والمتنافرة تعرب في أغلبها عن عمق الأزمة التي يمر بها المجتمع التونسي ومن أهم هذه المظاهر العنف ومظاهر التطرف الذي يعبر من خلاله المجتمع عن نفسه.

1) انتشار مظاهر العنف في المجتمع، ذلك أن مظاهر العنف خاصة تجاه الذات قد اتسعت في المجتمع التونسي ومن ذلك ارتفاع نسب الانتحار بين جميع الفئات الاجتماعية إضافة إلى عمليات الانتحار الجماعي التي يمارسها الشباب التونسي من خلال رمي نفسه بين أمواج البحر زد على ما تنقله وسائل الإعلام من عنف زاد شيوعه ومصاحبته للمناسبات الرياضية وانتشار الجريمة المنظمة بالإضافة إلى التحاق عدد من الشباب التونسي بالتنظيمات العنيفة. لا نريد هنا تحليل هذه المظاهر أو إحصاءها ويكفينا للغرض الإشارة إليها والقصد هو التنبيه إلى انتشار العنف داخل المجتمع ولا شك أن عنف الدولة سبب مهم في انتشار هذه التعبيرات الاجتماعية وهذا ما يمكن أن يفسر عنف الجماهير الرياضية في الملاعب والمصادمات التي أصبحت تقع بينها وبين قوات الأمن في العديد من المناسبات.

2) التحلل الأخلاقي: حرصت الدولة، وفي إطار خطة تجفيف الينابيع التي مثلت قاعدة تحركها ضد الحركة الإسلامية بداية التسعينات من القرن الماضي، على نشر مجموعة من السلوكيات  المنحلة خاصة داخل فئات الشباب. ولا شك أن انتشار هذه المظاهر كان نتيجة من نتائج هذا التشجيع ولكن لا يمكن أن نحصرها في ذلك ذلك أن الدارس للشعوب العربية الإسلامية خلال تاريخها يلاحظ أنها عادة ما تلجأ إلى المجون أوالتصوف عندما تعيش حالة من القهر والاستبداد تعجز فيها هذه الشعوب أو هذه الفئات الاجتماعية عن رد الفعل والدفاع عن نفسها، ولكنها ترفض في نفس الوقت القبول بالواقع والتسليم به بحيث يصبح المجون معبرا في أحد وجوهه عن نوع من العنف تجاه الذات كما أنه تعبير عن العجز واليأس من التغيير ولا شك أنه في أحد أوجهه الضيقة يعبر عن موقف من الحياة ككل بغض النظر عن حيثيات الواقع ولكنه في اغلبه تعبير عن ردة فعل سلبية تجاه واقع القهر.

3) انتشار مظاهر التدين: بدأت مظاهر التدين تنتشر وباتساع داخل فئات الشباب منذ النصف الثاني من التسعينات وقد عجزت الدولة عن الإحاطة بهذه المظاهر أو منع انتشارها ولا شك أن لذلك عدة أسباب ولكن من البين أن الواقع الاجتماعي الجديد ولد طلبا ملحا على التدين. ويفسر بعض الملاحظين والسياسيين هذه المظاهر بنوع من ردة الفعل السلبية ومن الهروب والاحتماء بالغيب عوض مواجهة الواقع على أن التدين الإسلامي لا يمكن بطبيعته أن يبقى سلوكا سلبيا ذلك أنه يحمل في جذوره أسباب تسييسه اذ الفرق بين المجون والتدين هو أن الأول في طبيعته فردي وان مارسته مجموعات بينما الثاني جماعي منظم ومهيكل وإن بدأ بأفراد وكلما وجدت مجموعة مهيكلة كلما أصبح الانتماء إليها تعبيرا جماعيا مستقلا عن الدولة وهذا يفتح بطبيعته باب التعبيرات المتناقضة مع  طبيعة الدولة الهيمنية والاستبدادية ما يضع التدين في حالة صدام مستقبلية في بعض أوجهه مع الدولة ولا شك أن شيئا من ذلك واقع  وأن السلطة في تونس قد انسحبت من العديد من المواقع التي كانت قد اغتصبتها سابقا لمحاصرة هذه التعبيرات، لذلك فان مظاهر التدين وان بدت في أولها سلبية وتعبيرا عن العجز والهروب إلا أنها بطبيعتها تبني سلوكا إيجابيا يدفع الفرد إلى تغيير موقفه من محيطه ومن نفسه ودوره في المجموعة ولذلك فان انتشار التدين في فئات الشباب هو تعبير في عمق إيجابي من حيث انه يمكن المجتمع من آليات للتعبير عن نفسه. ولكن هذا لا ينفي أن هذه المظاهر يمكن أن تنحرف في اتجاه أو آخر كما أنها تحتاج إلى وقت طويل كي تصل إلى مرحلة نضج يمكنها من تقديم خدمات للمجتمع خاصة في غياب قيادات موجهة وذات أجندة وطنية واضحة.

إن جميع المظاهر التي عددناها آنفا يشترك في عدد منها المجتمع التونسي مع بقية المجتمعات العربية والإسلامية وهذا ما يجعلنا نتصور أن ما سيقع في دول الجوار سيكون مؤثرا على الواقع الاجتماعي التونسي وهذا يؤكد التقدير الذي قدمه هذا المقال بأن التحولات التي تقع في الجزائر وليبيا والمغرب ستمثل ضغطا ما على السلطة من خلال رفع سقف مطالب الشعب التونسي. ولعل الوضع الاجتماعي والاقتصادي سيكون محركا لدفع هذه المطالب إلى السطح، وفي الفقرة التالية سنتناول هذا الموضوع ببعض التفصيل.

3) الوضع الاجتماعي: عبر عدد من رموز النخبة عن ضجرهم مما يعتبرونه تخلي الشعب عن الشان العام، ومال بعض آخر إلى التعويل على ما يمكن أن تقدمه الأزمات الاجتماعية الناتجة عن المصاعب الاقتصادية المنتظرة من فرص سياسية يمكن استثمارها لافتكاك بعض الحقوق السياسية والمدنية. وفي هذا الإطار يعتبر الملف الاجتماعي بتحدياته من أهم الملفات التي ستقدم عليها البلاد خلال السنوات الخمس القادمة وذلك مرتبط بملف تحرير الدينار ورفع الحماية عن قطاع النسيج وما سيتولد عنه من أزمات اجتماعية ويبدو أن السلطة تحاول أن تستعد في هذا المجال لكل الاحتمالات ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن من استعداداتها إدخال إصلاحات اقتصادية واجتماعية بل الأمر في رأيي مرتبط بحجم الأزمة وبحسب القدرة على تأجيل أي تنازل سياسي للمجتمع ما أمكن لها ذلك، فالسلطة في تونس تعمل من خلال منهجية إدارة الأزمة لا سياسة التخلص منها إذ من البين أن هذه الأزمات السياسية منها والاجتماعية تمثل أحد أدوات السلطة كي تحافظ على وجودها وهيمنتها على المجتمع. ولذلك فان التعويل على الأزمة الاجتماعية من اجل توفير فرصة للحراك الاجتماعي والسياسي ربما يكون تعويلا غير ذي جدوى في ظل غياب إرادة سياسية واضحة لدى أطراف المعارضة من اجل النضال في سبيل رفع المظالم السياسية منها والاجتماعية ذلك أن ما يمكن وصفه بالأزمة الاجتماعية حاصل بعضه في تونس ولكن دون أي نتائج سياسية.  كما ان الوضع أسوأ مما كان عليه سنة 1984 وربما حتى أسوأ من السنوات التي فجرت تحركات 1978 والتي أدت إلى هزات سياسية اضطرت الدولة إلى بعض الإصلاحات السياسية ولذلك فانه إن بقيت الإرادة السياسية للدولة ولأطراف المعارضة على ما عليه فانه من المرجح أن تبقى الأمور على ما هي عليه مشرفة على الهاوية لكن ممسكوة أن تقع فيها. ولذلك فان الوضع الشعبي ما لم تسبقه نضالات تقوم بها نخب ترفع شعارات مناسبة وفي الوقت المناسب فانه من الصعب التعويل عليها كي تؤدي إلى تغير حقيقي في الوضع السياسي. هذا إضافة الى حاجة المجتمع إلى كيانات منظمة تقود هذه التحركات. وهذا يحتاج إلي تقييم جدي لوضع اتحاد الشغل كقوة تقليدية وقفت وراء أهم التحركات الاجتماعية ثم وضع الجامعة والقطاع التلمذي بدرجة اقل إضافة على وضع الاحزاب وقدرتها على التعبئة.

ج) وضع السلطة:

حافظت السلطة ومنذ بداية التسعينات على شعار مقاومة الإرهاب الذي على أساسه تشرع لكل أعمالها القمعية ولتجاوزاتها الواضحة لأبسط قواعد حقوق الإنسان المدنية والسياسية. كما ان النظام التونسي وعلى مستوى السياسات الاقتصادية يعمل جاهدا على أن يكون تلميذا نجيبا مستجيبا لكل الإملاءات الدولية وكذلك هو الشان على مستوى ما يرفعه من شعارات الحداثة والتقدم وحقوق المرأة واصلاح التعليم الى غير ذلك من الاملاءات الدولية هذا على المستوى الداخلي. أما على المستوى الخارجي فان سلطة ابن على منساقة  في إطار السياسة الدولية والأمريكية منها بالخصوص وذلك بتعبيرها المتواصل عن استعدادها لتقديم خدمات للراعي الأمريكي والصهيوني وبيّن في هذا الإطار الدور السلبي الذي قامت به السلطة التونسية خلال القمة العربية الأخيرة والذي كان دورا متجها أساسا ضد الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول ذات الثقل الاقليمي خاصة الدور المصري إضافة إلى السعودية وسوريا. كل هذه العوامل مكنت السلطة التونسية من الإفلات من الضغط ومن تقديم نفسها في دور الخادم المرغوبة خدماته ومنها أن يسمح لنفسه اقتراف عدد من الانتهاكات والتجاوزات ما كان ليقترفها لولا نهجه ذاك. ومن البين أن السلطة مازالت ترى أن هذا النهج هو النهج الأنسب لخدمة مصالحها ولذلك فان رأس الدولة قد سارع إلى التذكير بنفس المبادئ أثناء تأديته اليمين الدستورية بعد مهزلة الانتخابات الأخيرة.

ولذلك فانه وإذا تجاهلنا الضغط الخارجي يصعب أن نتصور ميل السلطة إلى التغيير من نهجها البوليسي في التعامل مع المجتمع بكل قواه خاصة إذا ما اعتبرنا الضعف الذي تعاني منه أطراف المعارضة السياسية والمدنية. وباستثناء ما راج أخيرا من بعض التحليلات التي تقول إن إطلاق سراح الفوج الأخير من المساجين هو خطوة في إطار مسار، فانه ليس بين أيدينا أي معطى يمكننا من التفاؤل بأي انفراج حقوقي أو سياسي في البلاد كما انه لا يوجد في الساحة ما يدفع السلطة إلى التنازل عن أي كسب لمنافسيها. ولذلك فانه من المرجح أن تواصل الدولة سياستها في الإحاطة بالوضع، ربما مع بعض التنفيسات الشكلية، ولكن مع المحافظة على قدرتها على السيطرة. أي دون التنازل عن أي مساحة فيها مجال للسلطة مدنية كانت أم سياسية رمزية أم مادية، ولعلها ستسعى في كل مناسبة إلى تذكير الجميع بهيمنتها من خلال التضييقات التي تمارسها على الجميع وحتى الاعتقالات. لقد بينت السلطة وخلال السنوات الماضية على قدرة عالية على ادارة الازمة دون حل لاي مشكلة وذلك بين من خلال كل الحالات تقريبا أكان ذلك من خلال الصحفي بن بريك الذي تمارس السلطة على اسرته انتقاما للمعركة التي خاضها ضدها او من خلال حالة السيد حمة الهمامي الذي لا نكاد نرى له نشاطا علنيا حرا او من خلال حالات المسرحين من المساجين الاسلاميين الذين حرصت السلطة على توضيح حدودهم السجنية الجديدة بعد خروجهم من السجن الضيق.

لقد أدركت السلطة لعبة المعارضة ولذلك فهي تحافظ على شكل يجنبها الدخول في معارك تشوش عليها لكن مع المحافظة على نفس السياسة الانتقامية وإذا ما صح الحديث عن أزمات اجتماعية قادمة ربما تولد ضغطا داخليا وخارجيا فانه من المرجح ان تشدد السلطة من قبضتها خلال فترة الوقت الضائع الذي بقي لديها وذلك من اجل تجميع كل الأوراق في يديها كي تتمكن من إدارة الأزمة القادمة. هذا في حين لا نرى من أطراف المعارضة قدرة على الإعداد للمعارك القادمة أو الراهنة وهذا ما سنبينه في الفقرة المخصصة للمعارضة. ولكن قبل المرور إليها لعله يكون مناسبا تبيان وجهة نظر أخرى لوضع السلطة لعلها تحمل في طياتها جانبا مهما من توصيف حالها ذلك أن الانغلاق والتشدد ليس دائما تعبيرا عن القوة بل لعله إشارة إلى الضعف والخوف. فالخواء من الشرعية يجعل السلطة في خوف دائم من الآخر وان كان تابعا لها أو من داخلها، وهذا ما يفسر بطش سلطة بن علي بكل اتباعه ووضعهم في حالة عدم استقرار بين غضب ورضى لا يدوم فالواضح أن السلطة تخشى أي انفتاح وأي منافسة. صحيح أن السلطة مهيمنة على الوضع وعلى خيوط اللعبة ولكن من المهم الإشارة إلى فشلها في عدد من المساحات ومن أهمها عجزها عن تضييق مساحة المعارضين لها التي تتسع ولا تضيق وكذلك فشلها في مشروع تجفيف الينابيع الذي من خلاله كانت تأمل أن "تحارب الإرهاب" وتقضي  من خلاله على أقوى طرف سياسي بينت انتخابات 1989 أهميته على الساحة، والمتأمل لمرحلة النصف الأول من التسعينات ووضع التدين خلالها يدرك حجم فشل السلطة وحجم الحرج الذي تعاني منه في علاقتها بمجتمع لم ينسق في سياستها وهي لا تزال محتاجة لادارته الى حجم كبير من العنف ومن ادوات السيطرة ولا شك انها تخشى ردود فعله ومن هنا سلوكها المتطرف والمرضي تجاهه وتجاه مكوناته ولا شك ان مكونات المجتمع المدني والسياسي وان لم تنجح في تحقيق انتصارات نوعية فانها لم تنهزم. واذا ما نظرنا إلى هذا في علاقته بسلطة تجد دعما ماليا وماديا ضخما من عدد من المؤسسات والجهات الدولية بل حماية من عدد من الأطراف الأوربية مثل فرنسا وإيطاليا واسبانيا فاننا ندرك حجم انزعاج السلطة من عجزها عن تحقيق أهدافها في الهيمنة والسيطرة ومن هنا عنفها وخوفها من أي انفتاح.

د) المعارضة:

 تنقسم المعارضة في تونس الى أطراف حزبية وجمعيات مدنية. وبما ان العديد من المناضلين المدنيين او اغلبهم أعضاء في الأحزاب السياسية فان حديثنا سيقتصر على التعبيرات الحزبية للمعارضة، وسنقسمها الى معارضة علمانية واسلامية وهذا التقسيم ليس تبنيا للتقسيم العقائدي ولكن الساحة منقسمة واقعيا على هذا الأساس، كما ان وصف العلماني لا يلغي التنوع الحاصل إذ الأطراف العلمانية متنوعة ومختلفة في تونس بينما لا نجد في تونس والى حد الآن طرفا إسلاميا حزبيا معتبرا سوى حركة النهضة.

1) الأطراف العلمانية:

تمثل الاطراف العلمانية بتنوعها وتعددها تعبيرا مهما في الساحة السياسية التونسية وقد كانت في اكثر من مناسبة عامل ترجيح سياسي في صراع المجتمع مع الدولة وقد اتسعت خلال الفترة الأخيرة مساحة الأطراف المعارضة منها للسلطة وذلك بالتحاق الحزب الشيوعي القديم بالمعادلة من خلال واجهة المبادرة الديمقراطية التي برزت بمناسبة الانتخابات التشريعية والرئاسية. تعاني هذه الأطراف من عدم القدرة على التعبئة الشعبية ومن هنا عقدة بعضها مع الحزب الحاكم والحركة الإسلامية. ولذلك فان عددا من هذه الأطراف يرون أن الأولوية تتمثل في أن تجتمع في إطار سياسي موحد يمكنها من التصدي للخطر الأصولي او ما يسميه البعض بالرجعية ومن مواجهة استبداد السلطة وذلك من اجل توفير حظوظ اكثر للتمكين للمشروع العلماني. وفي سبيل ذلك يرى البعض انه من المناسب تأجيل مطالب الإصلاح السياسي إلى أن يتحقق هذا المطلب. وتعتبر المبادرة الديمقراطية تعبيرا عن هذا التوجه (*)، بينما يرى آخرون انه لا مجال للحديث عن الديمقراطية والتمكين للمشروع العلماني اذا ما تخلى اصحابه عن مطالبهم التحررية دون اقصاء لأحد.

والمبادرة الديمقراطية ليست هي المحاولة الأولى لتجميع الأطراف العلمانية التي تصر على تمييز نفسها تحت لافتة "الديمقراطية"، ذلك أنه وبعد فشل تجربة التحالف مع السلطة خلال النصف الأول من التسعينات فان هذه الأطراف لجأت إلى طرح هذه الأجندة بحيث تمكنهم من الخروج من مأزق القطبين المسيطرين على المجتمع إما السلطة واما الحركة الإسلامية. على ان هذا الحلم المطروح منذ اكثر من عشر سنوات لم يتحقق بعد إضافة إلى أن تصوره ليس عليه إجماع بل هناك اختلاف واضح بين الذين يطرحون هذا الخيار طرحا أيديولوجيا وبين الذين يطرحونه بخلفية سياسية. ويبدو أن المبادرة الديمقراطية ومن خلال بياناتها تميل إلى الطرح الأيديولوجي الراديكالي بحيث بدا موقفها متصلبا ليس فقط مع من يلتقون معها على نفس الأرضية السياسية من حيث معاناتهم من ظلم الدولة وتصلبها، أي الحركة الإسلامية، بل كذلك حتى مع الذين تلتقي معهم هذه المبادرة على مستوى الأرضية الفكرية والعقائدية ذلك أن الالتقاء الفكري لا يعني بالضرورة الالتقاء السياسي وهذا ما يفسر عدم التحاق بقية أحزاب المعارضة بهذه المبادرة، إذ بخلاف الحزب الشيوعي وعدد من الشخصيات العلمانية لا نجد فيها أحزابا سياسية أخرى ما يجعل الملاحظ يعتبر المبادرة نوعا من التوسعة لحزب التجديد أو تغييرا لغطائه السياسي. وإضافة إلى ضيق قاعدة هذه المبادرة فان اعتمادها في مواقفها السياسية على أسس أيدلوجية يثقل هذه المبادرة ويضيق من مجال أجندتها السياسية كما يضعف بقية عناصر هذه الأجندة. فمن البين أن هذه المبادرة تريد أن تطرح اجندة النضال الديمقراطي وقد فعلت ذلك من خلال مساهمتها في الانتخابات الرئاسية والتشريعية إلا أن ضيقها الأيديولوجي يجعلها اقرب إلى السلطة في ما يخص عددا من ممارساتها الاستبدادية على المستوى الثقافي والسياسي ومن هنا صمت هذه المبادرة تجاه التضييق على حرية اللباس مثلا وحرية الاعتقاد، بل لعل بعض المنضوين تحت هذه المبادرة يعتبرون أن السلطة لا تمارس ما يكفي من المراقبة تجاه تصاعد مظاهر التدين داخل المجتمع. كما أن هذه المبادرة تقف صامتة أمام أهم مظلمة سياسية يعاني منها المجتمع التونسي وذلك فقط لان ضحاياها هم من أبناء الحركة الإسلامية. كل هذه العوامل تجعل من هذه المبادرة عاجزة عن تمثل الحلم الديمقراطي الذي ترفعه عدد من الجهات العلمانية.

مقابل هذا التوجه نجد الرباعي (الحزب الديمقراطي التقدمي، المؤتمر من أجل الجمهورية، التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، حزب العمال الشيوعي). والحقيقة أن أطراف هذا الرباعي تطرح أجندة وطنية شاملة ولكنها في نفس الوقت تعاني من اختلاف في المسار السياسي أكان ذلك متعلقا بكيفية التعامل مع السلطة بين الذين يتخذون موقفا راديكاليا في مقاطعة السلطة واعتبار أنها غير شرعية وبالتالي عدم الدخول معها في أي مناورة سياسية سواء خلال المناسبات الانتخابية أو في ما يخص رفع شعار رحيلها أولا، هذا من جهة، كما أنها تختلف في كيفية تقدير السياسة التي تحكم مواقفها من الحركة الإسلامية بين الذين يعتبرون ان هذه الحركة ذات مخزون شعبي وشرعية سياسية كبيرة وانه من المصلحة الدخول معها في تحالفات سياسية لا يمكن تأجيلها وفي هذا الإطار يقع تأجيل الاختلافات الأيديولوجية من اجل تقديم المصلحة السياسية، وبين الذين يرون أن هذا أمر مؤجل إما لظروف دولية لا تسمح بالاقتراب من الإسلاميين أو محلية محكومة بالخطوط الحمراء التي تضعها السلطة، إضافة إلى تأثير العامل الأيديولوجي في تبرير الموقف من التعامل مع حركة النهضة.

أدت هذه الاختلافات بين الأطراف العلمانية أكان في ما يخص طريقة التعامل مع السلطة أو الحركة الإسلامية إلى تشتيت صفوفها وإضعاف موقفها خاصة في محطة الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة كما ساهم ذلك في تقوية الحجة السياسية التي ترفعها السلطة في شعارها الذي به بررت تسلطها على المجتمع عموما ألا وهو مقاومة الإرهاب ذلك أن المعارضة العلمانية بدت في النهاية بقصد أو بغير قصد متحالفة موضوعيا مع السلطة في رفع هذا الشعار بما أنها تتبنى نفس مقولاته (تصريحا أو سكوتا) في ما يخص وصفها وتقييمها لحركة النهضة وهي لم تقدر إلى حد الآن باستثناء الموقف الصريح لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية أن تتعامل مع هذا الموضوع بدرجة من البراغماتية والنضالية السياسية. فمن البين أن من أهم التحديات التي تحتاج هذه الأطراف أن تجيب عليها هو رد حجة السلطة في تسلطها على المجتمع والدولة، أي مقاومة الإرهاب الذي يهدد الدولة إن هي ذهبت في أي انفتاح سياسي وليس فقط رفع شعار الديمقراطية والتعامل مع ملف المساجين بصفته ملفا حقوقيا. كما أنها تحتاج أن ترد على حجج الإرهاب الذي تصم به الدولة مكونات المجتمع بداية بحركة النهضة وذلك من اجل فسخ الخط الأحمر الذي تضعه السلطة وإضعاف حجتها الأساسية التي بها تشرع  قمعها للجميع. يمكن القول إذا أن هذا الطرف من المعارضة يعاني من عائقين مهمين: تشتته من حيث تصور عناصره للموقف السياسي المناسب تجاه السلطة وكذلك تجاه الحركة الإسلامية، وضعف حجته في الرد على السلطة واتهامها بالدكتاتورية إذ يبدو انه وضمن الأجواء السياسية الدولية ليس كافيا رفع شعار الديمقراطية في وجه دولة تدعي أنها تتصدر بقية الدول في مقاومة الإرهاب ومن اجل ذلك فإنها مضطرة لتأجيل مجموعة من الملفات من مثل قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية.

قبل المرور للحديث عن حركة النهضة من المهم أن نبين ان أطراف المعارضة العلمانية مدركة أغلب الاخلال التي تعاني منها ويبدو ان بعضها بدأ يتنادى للتنسيق او لاقامة ندوة وطنية في الغرض ولا شك ان نتائج هذه الحوارات ستبدو واضحة من خلال مواقف هذه الأطراف من الانتخابات البلدية القادمة، فإما ان تواصل هذه الأطراف تشتتها وبالتالي تعجز عن استثمار هذه المناسبة سياسيا واما ان تتمكن من التوصل إلى التنسيق السياسي وان اختلفت مواقفها ولذلك فانه من غير المناسب الآن تقديم اي تكهنات ولكن من البين أن الملفات القديمة لا تزال مطروحة بين الذين يقدمون أنفسهم كخيمة يجب ان يلجأ إليها الجميع (المبادرة الديمقراطية) والذين يدعون إلى مقاطعة أي عمل يمكن أن يضفي شرعية على السلطة (حزب المؤتمر وحزب العمال بالتحديد) والذين يرون أن البراغماتية السياسية تقتضي الدخول واستغلال كل المعارك السياسية في الساحة من اجل افتكاك ما يمكن افتكاكه دون التنازل عن الموقف المبدئي المعلن من قضية الشرعية (الحزب الديمقراطي التقدمي).

لا شك ان الضعف الذي تعاني منه الأطراف العلماني يمثل عائقا في سبيل تحقيق توازن مع السلطة وتحقيق ترجيح لصالح المجتمع وهو ما يطرح عدة تحيات أخرى على حركة النهضة التي عولت على المعارضة خلال العشرية الماضية وربما يدفعها إلى التفكير في تغيير أسلوب تعاملها مع أطراف المعارضة، وهذا يجرنا إلى تناول وضع الحركة الإسلامية:

2) التيار الإسلامي: بخلاف الكثير من دول الجوار عبر التيار الإسلامي في تونس عن نفسه من خلال حركة النهضة أساسا حيث لا يكاد يدرك المتابع وجود تنظيمات سياسية إسلامية أخرى. ولكن السنوات الأخيرة بدأت تدفع إلى الساحة بمدارس جديدة من أهمها التيارات السلفية بما في ذلك تيارات السلفية الجهادية والتي تعتبر أن العنف هو الأداة الأساسية للتغيير وربما يكون هذا التيار مرشحا للتوسع خلال السنوات القادمة خاصة إذا ما تواصلت الأزمة التي توفر أجواء مناسبة لنمو مشاعر الغضب والأجواء التي تجعل من خطاب حركة النهضة غير مقنع لشباب يواجه واقع متطرفا وعنيفا تجاه الجميع. والمعلوم أن هذه التنظيمات لا تحتاج لقاعدة واسعة كي توقع أثرها في المجتمع ذلك أن أساليبها العنيفة كفيلة بهز الاستقرار الذي تسعى الدولة لتحقيقه من أجل تسيير شؤونها ولكنها تعتمد في نفس الوقت على اتساع مشاعر الغضب والدعم المعنوي داخل المجتمع الذي تتحرك على أرضه. على أن أجندة هذه التنظيمات لا تزال خارجية متجهة إلى القضايا الكبرى للأمة على حساب القضايا المحلية ولكن هذا لا يعني أن ذلك لن يكون له اثر على الوضع القطري إما من خلال الضغط الذي سيسببه تكاثر عدد الشباب التونسي في الخلايا التي يقع القبض عليها في الدول الغربية أو من خلال العمليات التي يمكن أن توجه إلى الساحة الداخلية وليست حادثة تفجير المعبد اليهودي في جربة عنا ببعيد. وإلى جانب هذا النوع من التيارات السلفية هناك تيارات أخرى لا تزال تعمل في مرحلة الاستقطاب والتربية وهي مرحلة تجعلها بعيدة في نشاطها عن القضايا السياسية التي يمكن أن تستفز الدولة تجاههم. ولذلك فإنه وفي ما يخص الحركة الإسلامية تبقى حركة النهضة المعبر الأساسي عنها على المستوى السياسي على الأقل، كما تبقى أهم تيار يتبنى قضايا المجتمع في عمومها وشمولها وبصوت مرتفع متحملة في ذلك ثمنا باهظا، ولا شك أن ذلك يوسع من شرعيتها ومن رمزية أعضائها.

حركة النهضة: تعاني حركة النهضة منذ فترة من ضمور في الفعل السياسي المباشر داخل البلاد وذلك بسبب حملة الاستئصال التي استهدفتها بها السلطة منذ مطلع التسعينات. وقد انحسر نشاطها السياسي خارج البلاد أيضا رغم نجاحها في الحفاظ على رمزيتها التنظيمية والسياسية. كما أن حركة النهضة تمكنت من تجنب مطبات العنف السياسي الذي يمكن أن يقع فيه أي تنظيم يتعرض لما تعرضت له إضافة إلى تعبيرها عن استعدادها للتعامل مع الجميع على أساس برنامج سياسي وطني. كل هذا مكنها من أن تتجنب ارتكاب أخطاء سياسية يمكن أن تستغلها السلطة التي ساهمت من جهتها باستعدائها للجميع في دفع بقية أطراف المعارضة لإعادة طرح سؤال التعامل مع حركة النهضة. على أن حركة النهضة مثلها مثل بقية الأحزاب المعارضة لم تنجح في إسقاط شعار مقاومة الإرهاب من خطاب السلطة وذلك برغم المسلكية السياسية السلمية التي طلت تنتهجها وبرغم فشل السلطة في إلصاق هذه التهمة بها في عدد من القضايا التي أرادت أن تستغلها للغرض. ومن البين أن هذه الخطوة لا يمكن أن تنجزها حركة النهضة وحدها بقدر حاجتها إلى تحالفات محلية ودولية للغرض. أما في ما يخص ملف الديمقراطية فان حركة النهضة ومن خلال قرارات مؤتمرها الأخير أرسلت برسالة للمعارضة لم تستقبلها بإيجابية وذلك بإعلانها أنها غير معنية بالانتخابات الرئاسية. فلا النهضة انتفعت بهذه الخطوة سياسيا ولا هي تمكنت من استغلالها في إطار نضالها السياسي من خلال التشكيك في شرعية السلطة. ومن البين أن السلطة تمكنت، وان لوقت، من تحييد الفعل السياسي المباشر لحركة النهضة من خلال استعمالها لورقة المساجين ترغيبا وترهيبا ومن ذلك تأثير السراح الشرطي الذي تمتع به عدد من مناضلي الحركة على خطاب الحركة إذ في حين كان موقفها من الانتخابات سلبيا تمكنت السلطة من افتكاك موقف إيجابي من حركة النهضة مباشرة على اثر الانتخابات. وفي حين تستعد بقية القوى السياسية الأخرى إلى بلورة موقف من ملف الانتخابات البلدية فان موقف حركة النهضة غير معلوم لحد الآن وليس هناك مؤشرات تمكن الملاحظ أن يتنبأ بموقفها ولكن من البين أن موقف حركة النهضة سيكون محكوما بموقفها من السلطة وتقديرها لمصلحتها السياسية خاصة في ارتباطها بملف المساجين كما أن موقف أطراف المعارضة من الحركة سيكون لا شك مؤثرا سلبا أو إيجابا في ميلها لتبني مواقف تلك الأطراف أو اتخاذ موقف خاص بها خاصة في ظل التململ الذي بدأ يعبر عنه عدد من مناضليها تجاه الأطراف الأيديولوجية من المعارضة باعتبار أن موقفهم يزكي سياسة السلطة وبالتالي يطيل من محنة الحركة والبلاد.

(*) أنظر "البيان الختامي للمبادرة الديمقراطية، 18 – 19 ديسمبر 2004"

 

© aqlamonline 2005