في ندوة فكرية استقطبت اهتمام يساريين وإسلاميين وليبراليين
تونس: جامعيون ومفكرون عرب يبحثون علاقة الإسلام بالديمقراطية

العدد الثالث عشر
السنة الرابعة/ ينابر - فبراير 2005

 محمد فوراتي - تونس

طالب مفكرون وجامعيون وحقوقيون تونسيون وعرب باعتماد الديمقراطية أسلوبا للتعايش بين مختلف مكونات الأمة، ومنهجا للتنمية، كما دعا المشاركون في ندوة فكرية بالعاصمة التونسية إلى اعتماد منهج الحوار بين كل تيارات الأمة العربية والإسلامية في المرحلة القادمة لحل كل الخلافات وتجديد الفكر الإسلامي ليواكب التحولات العالمية في جميع المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية.

وكان عدد كبير من المفكرين والباحثين العرب اجتمعوا في ندوة بعنوان "الديمقراطية والإسلام: أسئلة العلاقة وآفاقها" يومي 15 و16 ديسمبر الماضي بدعوة من المعهد العربي لحقوق الإنسان ومركز دراسة الإسلام والديمقراطية بأمريكا ومنتدى الجاحظ. وواكب هذه الندوة الهامة عدد من الديبلوماسيين كما حضر جلستها الأولى سفير الولايات المتحدة الأمريكية ووزراء سابقون في الحكومة التونسية. واعتبر بعض المشاركين في الندوة الحوار الذي دار لمدّة يومين بين النخبة العربية من إسلاميين ويساريين وقوميين وليبراليين زلزالا في تقاليد النخبة العربية التي غيبت الحوار فيما بين تياراتها الفكرية والسياسية على مدى سنوات طوال. وبدا جميع المشاركين من محاضرين ومشاركين في النقاش حريصين على حسن الاستماع واحترام الرأي المخالف رغم حدّة النقاشات واختلافها حول محاور الندوة التي مست كل مجالات الحياة وكل القضايا المحرجة والخطوط الحمراء التي تشغل بال المواطن العربي والمسلم.

وأكد عدد من المفكرين اليساريين أن الاسلام كدين لا يجب أن يتدخّل في الشؤون العامة للانسان مطالبين بفصل الدين عن السياسة، وأن يظل الاسلام دينا فرديا، وأن يظل القرآن كتاب تعبّد لا قانونا للحياة. وقال الدكتور عبد المجيد الشرفي الباحث والأستاذ في الجامعة التونسية أن مشكلة التأويل التي ظلت ملتبسة بالنصّ لم تنجح على مدى التاريخ الاسلامي في إيجاد الحلول الناجعة للقضايا المطروحة، مستشهدا بالأحداث التاريخية والصراعات بين المدراس والمذاهب الإسلامية التي قامت كلها على تأويل النصّ ومحاولة احتكار الحقيقة.

من جهتها طالبت الأستاذة رجاء بن سلامة بتجاوز النص الديني في ما يخصّ قضايا المرأة واعتماد القانون الوضعي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان كمصادر أساسية في قوانين الأحوال الشخصية، مثيرة قضية تعدد الزوجات ومسألة القوامة للرجل والمساواة في الارث التي لا يستطيع المجتهد تجاوز النصّ فيها إذا ظلّ أسير النصّ الديني. ودعت بن سلامة المفكرين والفقهاء المعاصرين إلى استنباط الحلول الفكرية والفلسفية للتوفيق بين المعتقدات الدينية وضغوط الواقع ومفاهيم العصر التي تجاوزت وقوف المسلمين على الربوة حسب قولها. وفيما يخص علاقة الاسلام بحقوق الانسان قال الجامعي سليم اللغماني أن النص الديني في هذه القضية يتحمل كما هو الحال في قضايا أخرى أكثر من معنى ويكفي للتوصّل إليها اعتماد قواعد أخرى للتأويل كإعادة النظر في مدلول أسباب النزول مثلا. وسواء ركزنا على الجانب الأخلاقي أو التشريعي، سواء ركزنا على القرآن المدني أو على القرآن المكي، سواء انطلقنا من منظومة أشعرية أو من منظومة معتزلية، فإننا سنتوصل إلى تأويلات متضاربة متناقضة، كما ورد على لسان الأستاذ اللغماني الذي أكد من جهة أخرى، أنّ الاسلام يمهد لنظرية حقوق الانسان، فكونه يحتوي أو لا يحتوي على حقوق النسان، يتجاوز أو لا يتجاوز مفهوم حقوق الانسان، كل ذلك يخضع للرؤية التأولية التي نعتمدها. ولا يجوز من منظور النظرية الواقعية للتأويل نعت ذلك التأويل أو الآخر بأنه صواب أو خطأ لأن النصّ لا يحتوي على معنى موضوعي واحد. لا بدّ إذا من الاختيار، والمحدد الوحيد في الاختيار يجب أن يكون المصلحة. إن قضية علاقة الاسلام بحقوق الانسان ليست قضية معرفية بل مسألة إراديّة. وانتقد اللغماني الحركات الاسلامية والمؤسسة الدينية التقليدية والسلطة السياسية في العالم العربي التي تتعامل مع منظومة حقوق الانسان برفض مبدئي أو استغلال تكتيكي حسب تعبيره. وهي نفس الآراء التي عبّر عنها محاضرون آخرون من التيار العلماني ولكن رضوان المصمودي رئيس مركز دراسة الاسلام والديمقراطية قال بنسبية الحديث في مسألة حقوق الانسان والديمقراطية لدى الغرب أو لدى شعوب أخرى، مضيفا أن الإسلام في نصوصه وتجاربه التاريخية يحتوي الكثير من بذور حقوق الانسان بمفهومها الحديث، بل لقد سبق الإسلام، كما قال، في كثير من الاحيان كل الحضارات الأخرى في توفير كرامة الانسان والسعي إلى مصلحته. وطالب رضوان المصمودي بتطوير الخطاب الديني والفكري لدى المسلمين حتى يقنعوا الآخرين من ناحية بعدم تعارض الإسلام مع الديمقراطية وحقوق الانسان، وحتى يستطيع المسلمون من ناحية أخرى، الخروج من مرحلة التحنيط والتقليد إلى مرحلة الابداع.

كما رفض بعض المفكرين اعتبار الإسلام دينا فرديا لا يتدخل في باقي شؤون الحياة. فقد اعتبر الدكتور احميدة النيفر في هذا الخصوص "أن الاسلام ايمان وتوق إلى المقدّس، ومن ثم فهو عنصر رئيسي في تشكيل وعي المتديّن بالكون والطبيعة والمجتمع. من هذه الجهة فهو لا ينفصل عن تجليات واقعية وممارسات اجتماعية موصولة بمجالي السلط والنظام الاجتماعي. من ثم فمن التعسّف القول إن الدين مسألة تتعلّق بالفرد فحسب والحال أننا نعلم أن ماهو فردي لا ينفكّ عن التحول إلى اجتماعي أي أنه قابل ليصبح ذا صلة بالسياسي". وأضاف النيفر إن علاقة الاسلام بالديمقراطية علاقة قابلة للبحث والتطوير بل هي علاقة متأكدة في عالم ينحو إلى ضرورة التعايش بين مرجعيات ثقافية مختلفة. وهي متأكدة موضوعيا لأن الرابط بين الدين والديمقراطية هو الانسان.

من جهته انتقد محمد القوماني النظرة التي تستبعد الدين من الحياة العامة، مؤكدا أن الاسلام يشمل كل جوانب حياة المسلم وهذا ما لم يستطع فهمه كثير من المفكرين العلمانيين، فالنص القرآني والمنظومة التشريعية عموما تحتوي على قسمين العبادات والمعاملات، وقسم المعاملات هو بالتحديد ما تتناوله هذه الندوة.

وقال الباحث سامي براهم أن التحدي الذي يواجه كثير من التحديثيين الذين يريدون استبعاد الدين عن كل مجالات الحياة أن خطابهم يظل فوقيا طوباويا في المجتمع المسلم لأن الإنسان عموما لا يستطيع أن يفصل في حياته بين عبادته وسلوكه، وبالتالي فإن الدين كمنظومة حياة يتدخل في كل جزئيات المسلم من تجارة وزواج وعلاقات اجتماعية وتربية وسياسة وغيرها، وطلب سامي براهم من المفكرين العلمانيين أن يحاولوا تفهم العلاقة بين الإسلام والإنسان، والتي لا يمكن أن تكون شعائرية فقط وإلا تحول الإسلام إلى مجرد طقوس كنسية. وأكد الباحث سامي براهم أن التجربة الفقهية على مدى التاريخ الإسلامي كانت تجربة إنسانية وضعية ولم تكن تجربة مقدسة وأن الفقهاء تعاملوا مع النصّ الديني بكل حرية وهو ما جعل المذاهب تتعدد والاجتهادات تختلف بدون أن يفقد الإسلام بريقه أو فعله في حياة الانسان، وهو ما يتطلب في الوقت الحاضر أن يجتهد العقل البشري في فهم هذا الدين وهذا النصّ طبقا لمقتضيات الواقع لا أن يُقصيه من كل مجالات الحياة. كما انتقد المتدخل إصرار بعض المفكرين والجهات البحثية على التعامل مع النصّ الديني بانتقائية تخدم أغراضهم الايديولوجية التي تحول بينهم وبين أن يكونوا موضوعيين ومحايدين في دراسة علاقة الإسلام بقضايا العصر.

وأثارت علاقة الاسلام بالديمقراطية جدلا كبيرا داخل القاعة كما أثارت علاقة الإسلاميين كتيار سياسي بالتحولات الديمقراطية جدلا أكبر، خاصة مع حضور عدد من رموز حركة النهضة الذين خرجوا من السجون منذ أشهر ومنهم السيد علي العريّض الناطق الرسمي بإسم الحركة.

 وإذا كان البعض قد اعتبر أن الاسلام كدين والديمقراطية كآلية للممارسة السياسية متعارضان لأن لكل منهما مجاله، وهو ما ذهب إليه محمد مواعدة ومحمد عبد المطلب الهوني من المؤسسة العربية للتحديث الفكري بلبنان الذي قال إن على المسلمين اليوم أن يدركوا بأن ليس ثمّة دين صالح لكل زمان ومكان إلا في شكله الإيماني وطقوسه التعبيرية أما عندما يتدخّل الدين في تنظيم العلاقات بين البشر فإنه لا محالة سيدنّس نتيجة الصراعات الدنيوية بعد كل عراك إنساني، فلا بدّ أن تهب اليوم النخب الدينية والعلمانية لنجدة هذا الدين بتخليصه من براثن السياسية وانتهازية الفقهاء، وإلا سيواجه المسلم آجلا أم عاجلا أسئلة لا بدّ من الإجابة عليها.

وهو الرأي الذي رفضه الكثير من المتدخلين حيث قال الباحث القومي عفيف البوني أن الاسلام كدين شامل يتدخل في جزئيات يومية كثيرة للمسلم ومن العبث محاولة إقصائه نهائيا من الحياة لأن ذلك غير ممكن إجرائيا أولا ثم لأن إمكانية تطوير فهم النص الديني من عصر إلى آخر ممكنة حسب تطور وتقدم العقل البشري وهذا ما يعني أنه صالح لكل زمان ومكان.

من جهته نسّب صلاح الدين الجورشي رئيس منتدى الجاحظ كل الآراء التي قيلت في علاقة الاسلام بالديمقراطية أو بحقوق الانسان أو غيرها مثمنا أجواء الحوار التي دارت بين المشاركين، طالبا من كل الأطراف العلمانية والإسلامية أن تنبذ التطرّف من الجهتين وأن تحاول فهم ديناميكية الإسلام وعلاقته بالناس التي تجعله دينا مختلفا عن الديانات الأخرى لأنه دين منفتح على الحوار وعلى الاجتهاد وتعددية الفهم وهذه نقطة القوة التي تجعله حيا في قلوب المسلمين طيلة 14 قرنا. كما نبّه الباحث الجامعي محمد الرحموني إلى أن حوار الأيديولوجيات هو حوار الصمّ، طالبا من التيارات السياسية والحكومات العربية فسح المجال للجامعيين والمفكرين غير المنتمين لتنشيط حوار حقيقي بين النخب المختلفة بعيدا عن الإقصاء والتكفير.

وإذا كان بعض المتدخلين انتقدوا الحركات الإسلامية وحمّلوها جزء من المسؤولية على تردي الأوضاع وجمود العالم العربي والاسلامي، فإن آخرين قالوا بضرورة دمج الحركات الإسلامية المعتدلة في العملية الديمقراطية لأن اقصاءهم هو أولا ضدّ المبدا الديمقراطي، كما أن إبعادهم عن المشاركة السياسية سيزيد الأمر تعقيدا ويجعل كثيرا من المجتمعات تدخل في دوامات من العنف والعنف المضاد. وقال محسن مرزوق أحد زعماء اليسار التونسي أنه على الحكومات أن تقبل بدخول الحركات الإسلامية إلى مجال المشاركة السياسية والاندماج في المجتمع أولا لأنها حركات شعبية وثانيا لأن دخولها المعترك السياسي يجعلها تطوّر خطابها ويضعها على محكّ الاختبار.

وقال سعد الدين ابراهيم مدير مركز ابن خلدون بمصر أن مشاركة الإسلاميين في الحياة السياسية أصبحت ضرورية وخاصة التيارات المعتدلة، مستعرضا حواراته المباشرة مع الإسلاميين في السجون المصرية والتي أفضت إلى قناعته بضرورة إدماج الحركات الإسلامية في الحياة العامة لمحاصرة مظاهر العنف والتطرّف وطالب سعد الدين ابراهيم بتطبيق النهج الديمقراطي على الجميع وقال إن أمتنا لا مخرج لها من حالة الاستبداد والتخلّف إلا بالممارسة الديمقراطية ودعم الحوار بين جميع الفرقاء حكومات ومعارضة كما بين الفرقاء السياسيين والإيديولوجيين.

واستعرض السيد محمد أوجار الباحث المغربي ووزير حقوق الإنسان سابقا تجربة الديمقراطية في المغرب مثنيا على مشاركة حزب العدالة والتنمية الاسلامي، ومعددا نقاط القوة والايجابيات التي حققها الحزب المغربي في البرلمان معددا بعض المواقف الايجابية للحزب من قضايا طرحت على الشارع المغربي. وقال أوجار "أطمئن الإخوة العلمانيين وأتفهم قلقهم من دخول الإسلاميين اللعبة السياسية ولكني أقول لهم إن الحركات الإسلامية يمكن أن تشارك في العملية الديمقراطية وتكون ضمان نجاح لها لا سببا للفشل".

كما استعرض الباحث السوري عبد الله تركماني تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا بمداخلة عنونها بـ"جدل الإسلام والحداثة في التجربة التركية" قال فيها بعد استعراض التطورات التاريخية للتجربة أن تركيا ستكون أكثر ديمقراطية وعدالة وأقوى اقتصادا وأقل فسادا وأكثر أمنا، وستنتج عن التجربة خبرة ثرية، ليس فقط للمجتمع التركي والحركة الإسلامية التركية فحسب، وإنما لحركة الإحياء الاسلامي في العالم كله، وكذا السلام العالمي وجهود الحوار والتعايش بين الثقافتين الاسلامية والغربية.

 

© aqlamonline 2005