|
تأليف
أوليفيه روي
تقديم عزالدين عبد المولى
نقلة كبيرة يقف عليها القارئ لكتاب روي الجديد "الإسلام المعولم" بعد
"فشل الإسلام السياسي" الذي صدر قبل نحو عشر سنوات. فمن دركات الفشل إلى
آفاق العولمة يبدو للوهلة الأولى أن النقلة حصلت من النقيض إلى النقيض.
غير أن الكاتب وكثير من القراء الغربيين على وجه التحديد يؤكدون أن الحجج
التي قام على أساسها العمل الأول تدعمت في العمل الجديد وأن "الإسلام
المعولم" تحول منطقي فرضه "الفشل" الذي انتهت إليه تجربة الإسلام
السياسي.
كثير من المصطلحات الجديدة صكها أوليفييه روي في هذا الكتاب لينسج من
ترابطها سياقه النظري الذي لا يتفق كثيرا مع القراءات التقليدية السائدة
في الغرب وفي عالم المسلمين على حد السواء، والتي تقيم بين الإسلام
والغرب تقابلية تامة وتمايزا شاملا لا يؤديان في الغالب إلا إلى الصدام
والتنافي المتبادل.
فـ"الأصولية الإسلامية الجديدة"
(neo-fundamentalism)
التي خاضت
صراعا مريرا مع قوى العولمة واندرجت في مساراتها بصيغ وأشكال متعددة،
أكرهت في الأخير على التسليم لمقتضيات العولمة وخضعت لشروطها فانقطع
الحبل الذي يربطها بـ"الأمة الأصلية" بعد ما تزعزت لديها يقينيات عصر
الإسلام الذهبي وحلت محلها شكوك "عصر الغرب الزاحف" التي تدفع بها إلى
أعماق الذات المسلمة إيقاعات الحياة اليومية لحقبة "ما بعد الإسلام". هذا
الانقطاع أو "الانتزاع من الأرض"
(de-territorialiation)
ومن
الثقافة
(de-culturalization)
الذي فرضته حركة العولمة وكرسته آلياتها المتغلبة فقدت بمقتضاه "الأصولية
الجديدة" قواعدها في جغرافية الشرق وتاريخه وأخذت تبحث عن قواعد جديدة
تتناسب وعصر العولمة الذي لم يعد فيه بالإمكان التشبث بالأوصول الأولى
التي حاول "الإسلام السياسي" استلهامها والبناء عليها ففشل مشروعه وتبخر
حلم "الدولة الإسلامية"، وصار "الإسلام المقتلع" قابلا للانغراس في كل
أرض ومستعدا للتكيف مع كل الثقافات والتعايش مع كل المجتمعات.
المسلمون في الغرب والذين يعيشون على شكل أقليات في مجتمعات غير إسلامية
يبدو أثر العولمة في تكوينهم أو في "إعادة أسلمتهم"
(re-islamization)
بتعبير
الكاتب، أبلغ. ونمط الحياة الغربية التي تنشرها العولمة صباح مساء لم يعد
يلقى لدى المسلمين في الغرب، لاسيما شباب الجيل الثاني وما بعده، ما كان
يلقاه لدى "الآباء المهاجرين" من معارضة واستنكاف، بما في ذلك الفردانية
كمبدأ وكسلوك. بل إن أحد أهم المؤشرات التي يسوقها الكاتب مستدلا بها على
التحول الكبير الذي حصل في سلوك وأذهان المسلمين وفي نمط حياتهم
"الغربية" جراء حركة العولمة، هو أن مبدأ الفردانية ذاته صار الأساس الذي
عليه تعاد صياغة الفرد المسلم بما في ذلك علاقته بالدين. فالإسلام حسب
الكاتب أصابته لوثة العلمنة كما أصابت الأديان الأخرى من قبله، فغدا
الانفصال بين ما هو ديني محض وما هو من قبيل الممارسة السياسية والثقافية
أمرا واقعا. هذا الانفصال، كما جرى على أرض الواقع فأنتج ثنائية الدين
(religion)
والتدين (religiosity)،
ينغي أن نجريه في تحليلنا حتى نفهم آليات انتشار "الأصولية الجديدة" ونقف
على مدى اندراجها في سياق العولمة التي نجحت إلى حد كبير في سحبها من
فضائها الأصلي وتحويلها إلى ظاهرة اجتماعية حديثة. ضمن هذه الظاهرة يعيد
الأفراد رسم علاقتهم بالدين انطلاقا من تجربتهم الاجتماعية والسياسية
والثقافية الخاصة فيجيء تدينهم مطبوعا بخصوصيات تلك التجربة التي ساهموا
في بنائها، لا تأسيسا على ثقافة أو حضارة معطاة سلفا، بعيدة عنهم في
الجغرافيا وتاريخها ليس جزء من تاريخ المجتمعات التي نشأوا فيها والتي
صاروا جزء من تكوينها. تجربة ذلك المسلم الفرنسي ذي الأصل التونسي تحكي
درجة التركيب والخصوصية التي عليها تدين مسلمي الغرب، فهو "يبيع الخمر في
متجره الباريسي ويرتاد المسجد ويتبرع ببعض ماله لمنظمة أصولية، وفي الوقت
نفسه يصوت في الانتخابات لصالح الجبهة الوطنية لثقته أنها ستضع حدا
لتصاعد الجريمة". فالإسلام في الغرب لم يعد دينا أجنبيا وكذلك المسلمون،
فهم اليوم "مسلمون غربيون" دينهم إسلامي وثقاقتهم غربية. والعلاقة بالدين
لم يعد مطلوبا أن تمر عبر بوابة الشرق فتلتبس بتجربته الطويلة والمركبة،
وإنما صار بالإمكان الارتباط بالنبع مباشرة لا يُتوسط في ذلك إلا بعناصر
الثقافة المحلية الراهنة التي لم تعد تستوعب مفاهيم مثل "دار الإسلام"
التي انتفى وجودها الواقعي ولم يبق من حكمها الفقهي إلا صورة مشوشة.
ليس الإسلام كدين هو ما يهم الكاتب في هذا المقام، وإنما التدين بما هو
ممارسة اجتماعية وبما هو انعكاس لتصور المسلمين عن الإسلام. "المسألة
ليست في ما يقوله القرآن وإنما في ما يقول المسلمون أن القرآن يقوله،
والإشكال ليس في الإسلام باعتباره دينا وإنما في ممارسة المسلمين وفي ما
ينتجونه من خطاب ديني". أهمية التركيز على الخطاب الإسلامي والممارسة
الدينية لمسلمي الغرب تنبع من كونها تعبيرا حيا ومؤشرا واقعيا على اتجاه
التطور لدى تلك الفئات، كما أنهما يكشفان إلى أي حد تمكنت العولمة من جر
المسلمين إلى سياقاتها الخاصة. حتى "الجهاد"، ذلك الواجب الذي كانت
مسؤولية القيام به تقع بالدرجة الأولى على عاتق "ولاة الأمر" من
"الأمة"، تحول عند هؤلاء إلى "مشروع فردي" يسهمون عبر ممارسته في بناء
أمتهم الجديدة، "أمة الانترنت الافتراضية"، تماما كما يسهمون بفاعليتهم
الخاصة في تشكيل جماعاتهم المحلية أو الوطنية، دون الرضا بانتماء سلبي
إلى أمة مفقودة.
هذا
التحليل، وإن كانت العينة الرئيسية التي ارتكز إليها هي مسلمو الغرب،
ينطبق أيضا على المسلمين في بلدانهم الشرقية. فزحف أنماط الحياة الغربية
بتفاصيلها الصغيرة على المجتمعات الإسلامية تؤكد هذا الاتجاه، وحتى الذين
يحاولون الوقوف في وجه هذا الزحف إنما يحاولون ذلك بغرض "أسلمة الحداثة"
لا بهدف العودة إلى عصر الإسلام الذهبي.
في الكتاب
لاشك إضافة هامة إلى مبحث الإسلام المعاصر وخاصة لدى دوائر الاهتمام
الغربية، وقيمة هذه الإضافة تأتي بالأساس من الزوايا الجديدة التي ينظر
منها أوليفيه روي إلى موضوعه، والتي مكنته من تقديم تأويلات لا تتوافق
كثيرا مع ما هو سائد، ولكنها ستغير بالتأكيد مجرى النقاش الأكاديمي حول
علاقة الإسلام بالغرب.
فتغلب
العولمة وما أدى إليه من انفصال المسلمين وخاصة أولئك الذين يعيشون في
بلاد الغرب،عن أمتهم الأصلية واقتلاعهم من حضارتهم القديمة وقابليتهم
للانغراس في أية ثقافة، غربية كانت أم شرقية، يفقد النقاش حول صراع
الحضارات معناه ويذهب بحجج القائلين به وبمنطق التقابل الأزلي بين
الإسلام والغرب.
ومع حركة
الهجرة الواسعة، التي هي أيضا سمة من سمات العولمة، والتي حولت أعدادا
هائلة من المسلمين إلى أقليات "مشاركة" في مجتمعات غير مسلمة، ومع بروز
تجارب سياسية ديمقراطية غير عربية، إما في بلدان إسلامية أو في بلدان
المسلمون فيها طرف أساسي، يصبح التسليم بأن الإسلام هو سبب التخلف
السياسي الذي يعيشه العرب أمرا غير مقبول، يقترح المؤلف بدلا من ذلك
التساؤل عما إذا كانت الثقاقة العربية هي السبب وليس الإسلام.
في الكتاب
أيضا دعوة إلى تفكيك علاقة الديمقراطية بالعلمانية خاصة إذا تعلق الأمر
بمنطقة الشرق الأوسط. "ليس صحيحا أن العلمانية تؤدي إلى الديمقراطية،
يقول المؤلف، ففي الشرق الأوسط، العلمانية مرتبطة بالدكتاتورية سواء
أخذنا مثال شاه إيران أو صدام حسين أو الرئيس ابن علي في تونس أو إلغاء
نتائج الانتخابات التشريعية في الجزائر سنة 1992 على خلفية أن الإسلاميين
سيفوزون بها". صحيح أن روي لم يكتشف هذه الحقيقة وإنما سبقه إليها
كثيرون، ولكن أن يصدر هذا التأكيد عن مثقف وأكاديمي فرنسي بالتحديد فإن
ذلك يجعل للأمر أهمية خاصة.
النتيجة
الأخرى التي أكد عليها الكاتب وهو يحلل علاقة الأصولية الجديدة بالدين،
والتي تجاوزت فيها تراث القرون الأربعة عشر لترتبط مباشرة بالـ"منابع
الأصلية" للإسلام، تضعنا أمام مفارقة يبدو أنها مصاحبة لكل محاولات
والنهوض المتكررة التي عرفتها الأمة، بل ربما تكون آلية ضرورية من آليات
التجدد. إذ بقدر ما تكون عودة المسلمين إلى الماضي أبعد، تاركين وراءهم
ما راكمه أسلافهم على مدى التاريخ من تجارب، بقدر ما تكون صلتهم بالعصر
أوثق وقدرتهم على التفاعل معه والتأثير فيه أكبر.
يبقى أن نشير إلى أن تأكيد الكاتب على أن "موجة العولمة والتغريب لم يعد
بالإمكان إيقاف زحفها، وليس ذلك في أوساط المسلمين
الذين يعيشون في الغرب وحسب، وإنما أيضا داخل المجتمعات الإسلامية
ذاتها"، قد لا تكفي في إثباته جملة الملاحظات التي انبنت عليها الدراسة
ومثلت أساسا منهجيا لما انتهت إليه من نتائج. فمسلمو الغرب تماما كما هو
الحال مع مسلمي الشرق، يعيشون دينامية متعددة الأوجه وليس الوجه الذي
يؤكد تحليل الكاتب إلا أحدها، وحتى الأمثلة التي وردت في ثنايا النص
والتي أراد من خلالها المؤلف إبراز خصوصية تجربة "التدين" في الغرب، لا
تعكس حقيقة الصورة بشمولها، وحتى إذا ما اعتبرنا تلك الأمثلة عينة ممثلة
لنمط حياة المسلمين في الغرب، وهذا ليس صحيحا، فإنها في حد ذاتها ليست
ساكنة، واللحظة التي أبرزها الكاتب هي لحظتها الراهنة ولا تدلنا على
اتجاه التطور الذي يمكن أن تسلكه. فمعادلة بيع الخمر وارتياد المسجد
والتبرع لجماعة أصولية والولاء السياسي للجبهة الوطنية، ليست معادلة
ثابتة ولابد من تتبعها في الزمن حتى نقف على مدى التحول الذي يجري في عمق
الشخصية التي تجتمع فيها هذه العناصر.
|