بين يدي العدد الثالث عشر

العدد الثالث عشر
السنة الرابعة/ ينابر - فبراير 2005

الحريات في دول المغرب العربي 

لم تتبين بعد صورة الموقف في ليبيا، ولم تعرف حدود الانفتاح، الذي دخلت فيه الجماهيرية العظمى، وهل يشمل الجانب السياسي ومجال الحريات، أم يقتصر على الانفتاح الاقتصادي، ومحاولة تحسين العلاقات مع الغرب. ففي المشهد الليبي تتزاحم معطيات متناقضة، تتراوح بين دعوة العقيد القذافي معارضيه في الخارج إلى العودة إلى البلاد، وبين إصدار محكمة الشعب، وهي محكمة استثنائية وغير دستورية، أحكاما قاسية على معارضين من جماعة الإخوان المسلمين، وصلت إلى حد الحكم بالإعدام.

أما في الجزائر فإن قطار المصالحة الوطنية يسير ببطء، لكن سيره يبدو هذه المرة بخطى ثابتة. ويبدو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عازما، في دورته الرئاسية الثانية، التي بدأت قبل نحو عام، على إخراج بلاده من وهدتها، التي تردت فيها منذ أكثر من عقد، من خلال العفو الشامل. وقد وصل قطار المصالحة الجزائري إلى محطة تبدو متقدمة، جعلت الجميع يتزاحمون على ركوبه، حتى إن حزبا كان يضع نفسه، طيلة تاريخه، في الصفوف الأمامية للتيار الاستئصالي، نعني حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الذي يقوده رئيس الحكومة الحالي أحمد أويحيى، قد بات يتبنى خطاب المصالحة والعفو الشامل. وعلى العموم فإن تراجع العنف، وتحسن الوضع الأمني، وانحسار الجماعات المسلحة، يضع الكرة في مرمى السلطة الحاكمة في الجزائر. ويبدو الرئيس بوتفليقة، بعد أن أمسك بمعظم خيوط الحكم بيده، حريصا على أن يسجل إنجازا عظيما يذكره به التاريخ، هو إنجاز المصالحة والعفو الشامل، والطي النهائي لصفحة الفتنة والتحارب الداخلي، التي عصفت بالبلاد وكادت تمزقها.

حالة المغرب الأقصى تبدو نسبيا الأفضل في المغرب العربي. فالحياة السياسية في هذه البلاد تستوعب، في إطار القانون والشرعية، معظم مكونات المشهد السياسي من يمين ويسار، ومن علمانيين وإسلاميين. والدولة في عهد الملك الشاب محمد السادس تجاهد من أجل النأي بنفسها عن سنوات "الدم والرصاص" وانتهاكات حقوق الإنسان، التي ميزت فترات من حكم الملك الراحل الحسن الثاني. والدولة المغربية هي الوحيدة، عربيا، التي فتحت ملف انتهاك حقوق الإنسان لديها، واضطهاد معارضيها. وسمحت لهم بالحديث في قنواتها التلفزيونية عما تعرضوا له من تعذيب واضطهاد في العقود السابقة. لكن المشكل في المغرب حاليا، أن قوانين وسياسة مكافحة "الإرهاب" تجر البلد تدريجيا إلى التورط في أخطاء لابد من العمل على تلافيها، وإصلاح ما يترتب عليها من أخطار، قبل فوات الأوان.

الحالة التونسية وحدها تبدو النغم النشاز. ففي الدول الثلاث بعض حركة إلى الأمام، وبعض مراوحة في المكان. أما الحالة التونسية فتغط في نوم الركود الثقيل. فالحياة السياسية تعاني من الاختناق الشديد، وهي في حاجة ملحة إلى نسمة هواء نقية، وديكور الديمقراطية الرسمي لا يسير إلا إلى الوراء، وإطلاق سراح بعض العشرات من المساجين الإسلاميين فتح أفقا للأمل سرعان ما انطفأ وتبخر.

فآلة التنكيل استمرت تفعل فعلها ضد المساجين الحاليين والسابقين، وحالة الصحفي عبد الله الزواري، المضرب عن الطعام، خير شاهد ودليل. والعشرات الذين سرحوا، قبل أشهر معدودة، وجدوا أنفسهم تحت الحصار، ممنوعون من الكلمة، ومحظور عليهم الاتصال بالصحافة والإعلام.

وحالة الاضطهاد لا تتوقف عند الإسلاميين، فالأحزاب القانونية وغير القانونية في حالة اختناق، لا تكاد تجد فضاء حرا تتنفس فيه، والإعلام التونسي يعاني من الرقابة التي مسخته وشوهت صورته، وجعلته في السلم الأدنى عربيا ودوليا. وحتى الإعلام "الحر" أو "الخاص" السمعي والبصري، الذي تتبجح به الحكومة، فلا يكاد يتمحض سوى للتفاهة والرداءة والانحطاط.

الحالة التونسية محتاجة لوضعها في قسم الإنعاش لعلها تجد أطباء مهرة يحفظون عليها الحياة.. أما لدى الأجوار فالأمل في التحسن قائم، وكثير من مؤشرات الواقع تؤكد ذلك.. ويحزن التونسي كثيرا أن يرى بلاده على تلك الشاكلة.

 

© aqlamonline 2005