|
علي شرطاني
إن المتأمل في تطور الحركة العلمية والتاريخية للحضارة الغربية المعاصرة
لا يسعه إلا أن يقول، انه ومنذ اكتشاف معدن اليورانيوم والانتهاء إلى
حقيقة أن ذرته يمكن أن تكون من أكثر ذرات ما سواه من المعادن تفجرا بعد
دراسته وإجراء التجارب عليها، وانتهاء العلماء الفيزيائيين وعلى رأسهم
العالم الفيزيائي اليهودي الشهير انشتاين: صاحب نظرية النسبية، إن السباق
كان محموما بين ألمانيا النازية وأمريكا على امتلاك السلاح النووي الذي
كان سائدا في الأوساط العلمية على انه السلاح الأشد خطرا والأكثر فتكا في
مرحلة الحرب العالمية الثانية التي كانت رحاها تدور بين دول المعسكر
الغربي الليبرالي الرأسمالي، والتي كان المعسكر الشرقي قبل اكتمال تشكله
واخذ امتداده الجغرافي بأكثر توسعا إلى أوروبا الشرقية كذلك طرفا فيها
حليفا لدول الحلفاء من الغرب الرأسمالي الامبريالي وعدوا لدول المحور من
نفس المعسكر، من اجل مناطق النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي.
وقد أثبتت التجارب أن قدرته التدميرية، قد فاقت كل الاحتمالات والتوقعات،
وقد انتهى ذلك السباق إلى فوز أمريكا على عهد الرئيس ترومن بقصب السبق في
ذلك.
وبمجرد امتلاكها لأول قنبلة نووية عرفها تاريخ البشرية في ما هو معلوم من
التاريخ، واثر قيام سلاح الجو الياباني بتدمير ميناء بيرل هاربر
بالولايات المتحدة الأمريكية اتخذ القرار السياسي في واشنطن بحسم المعركة
نهائيا لصالح دول الحلفاء، بإلقاء قنبلتين نوويتين على المدينتين
الشهيرتين باليابان، هيروشيما ونقازاكي مازال تأثيرهما السلبي متواصلا
حتى اليوم على المحيط والإنسان والحيوان والنبات ... بعد أن أودت بحياة
عشرات الآلاف من السكان.
ومنذ ذلك التاريخ والتسابق على امتلاك أسلحة الدمار الشامل التي شهدت
تطورا كبيرا عبر الزمن، ولم تعد الأبحاث فيها مقتصرة على المجال النووي
بل تعدته إلى المجال الكيميائي والبيولوجي-على أشده بين الدول.
والذي زاد هذا السباق المحموم وهذا التنافس حدة هو انقسام العالم الغربي
بين معسكرين – واحد شرقي أصبح له امتداداته وعلاقاته ومناطق نفوذه، وآخر
غربي له مستعمراته وامتدادات ولاءاته ومجاله الحيوي.
وقد أصبح امتلاك هذا السلاح بل هذه الأسلحة محط أنظار كل القيادات
السياسية في أوطان شعوب العالم، لتامين استقلال أوطانها، وضمان مجرد عدم
تفكير أي جهة في الاعتداء عليها أو تهديد أمنها واستقرارها أو مصالحها
وعلاقاتها الخارجية.
وإذا كانت الأبحاث النووية والكيميائية والبيولوجية قد تعددت أغراضها
وأصبحت موادها الأولية ومعظم تجهيزاتها تدع الحاجة إليها في الاستعمالات
والأبحاث ذات الأغراض السلمية، فان ذلك قد أصبح مفضيا – في غياب الرقابة
– إلى تطوير الأبحاث للانتهاء بها إلى تحقيق كل ما يمكن تحقيقه للراغب في
ذلك والقادر عليه من إغراض عسكرية.
وإذا كان كل دعاة الإسلام والمحبين للأمن والاستقرار العالمي حريصين على
عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل في العالم والداعين لذلك، فان كل الدول
المالكة لهذه الأسلحة وعلى رأسها السلاح النووي- وخاصة بعد سقوط المعسكر
الشرقي واختلال التوازن لصالح المعسكر الغربي الاستعماري بقيادة الولايات
المتحدة الأمريكية – كانت تبدو على درجة اكبر من الحرص وعلى درجة اكبر من
الدعوة لذلك والعمل عليه ولكن ليس في الحقيقة لنفس الغاية.
فإذا كان حرص دعاة السلم والأمن والاستقرار من اجل الإنسانية والبيئة
والحياة فان حرص هذه الدول إنما هو من اجل احتكارها امتلاك هذه الأسلحة
لضمان استقلالها ومصالحها هي فقط، ولتكون هي وحدها المهددة لاستقلال
ومصالح غيرها من دول العالم.
لماذا هذا
الحرص الأمريكي المتزايد؟
فإذا كانت هذه هي خلفية كل الدول المالكة للسلاح النووي إضافة إلى ما هو
ممكن من أسلحة الدمار الشامل الأخرى، فان خلفية الدول الغربية ذات
الطبيعة الصليبية الاستعمارية أكثر تأكدا وأكثر وضوحا.
ذلك أن امتلاك الاتحاد السوفيتي سابقا لمثل هذه الأسلحة إنما كان مما
لابد منه لإحداث الرعب المطلوب لتحقيق التوازن الدولي ولحماية المعسكر
الشرقي كله إضافة إلى الأهداف الأخرى التي يمكن أن تتحقق له من خلال ذلك
من حماية لمناطق نفوذه ومصالحه في إطار المعسكر وخارجه. وبدون امتلاك هذه
الأسلحة فاني اعتقد انه لا يمكن الحديث بل لا معنى للحديث عن معسكرين
واحد شرقي والآخر غربي يتجاذبان شقي العالم.
وإذا كانت الصين قد سعت منذ وقت مبكر كذلك لتفجير قنبلتها النووية وقد
انتهت إلى تحقيق ذلك منذ سنة 1956 لضمان استقلالها واستقلال قرارها
السياسي ولضمان مصالحها دون أن يبدو منها أي اعتداء به على أي جهة من
الجهات سواء المالكة أو غير المالكة له. وإذا كانت باكستان والهند
الجارتان المتنازعتان على إقليم جامو وكشمير قد سعت كل واحدة منهما
لامتلاك السلاح النووي لتحقيق توازن القوى كل واحدة منهما مع جارتها من
اجل عدم اضطرار أي واحدة منهما للتنازل عما
تعتبره
حقا لها
في إقليم جامو وكشمير إضافة إلى خلفية ضمان الاستقلال إنهاء للاعتداء
عليها وضمانا
لمصالحها دون
الذهاب
أبعد
من ذلك،
إذا ما استثنينا بعض الدول التي أوجدها انهيار الاتحاد السوفيتي والتي
وجدت نفسها مستقلة عنه وبحوزتها ترسانة من السلاح النووي وغيره من أسلحة
الدمار الشامل، وقد أصبح من قبيل العبء عليها أكثر ما هي في حاجة إليه
لحماية حدودها ولضمان مصالحها مثل أوكرانيا...
فإذا كانت مثل هذه الدول قد انجرت إلى
ملكية هذه الأسلحة وعلى رأسها السلاح النووي لهذه الأغراض وبهذه الخلفيات
ولهذه الدوافع والأسباب، فان سعي كل من فرنسا والمملكة المتحدة والكيان
الصهيوني في فلسطين المحتلة والولايات المتحدة الأمريكية لمزيد تطوير هذه
الترسانة من أسلحة الدمار الشامل المختلفة، وقد رصدت امريكا هذه السنة
ثلاثة مليار دولار لتطوير جيل جديد من الأسلحة النووية في عالم تسود فيه
المجاعة وتجتاحه الأمراض الفتاكة مثل مرض السرطان – وقد تضاعفت في العالم
عوامل وأسباب الإصابة به، والايدز والملاريا ومرض جنون البقر وأنفلونزا
الطيور وغيرها من الأمراض، فإنما هو دائما زيادة على حماية حدودها وضمان
مصالحها الخارجية به، فهي في سعيها لامتلاكه كسلاح ذي قوة تدميرية قد
جعلت في اعتبارها الصفة الهجومية له، وبذلك يكون الفرق بين بعض الدول
المالكة لهذه الأنواع من الأسلحة والمطورة لهذه البرامج ذات الأغراض
العسكرية أو الساعية لامتلاكها وتطوير مثل هذه البرامج،
والدول الغربية إضافة إلى الكيان الصهيوني هو أن البعض ممن ملكته والبعض
ممن هي ساعية أو تسعى لامتلاكه كانت إنما تفعل ذلك لأغراض دفاعية بحتة
بينما فعلت الأخرى وما زالت تفعله لأغراض هجومية.
أسلحة
الدمار الشامل والأمن والاستقرار والسلام في العالم؟
إن امتلاك
أسلحة الدمار الشامل لا يعني بالضرورة استعمالها مثلما استعملتها
أمريكا
في اليابان إبان الحرب العالمية الثانية وكما استعملتها في العراق، وإنما
مجرد امتلاكها واحتكارها والتهديد باستعمالها ومجرد التفكير في استعمالها
دفاعا عن النفس ومنع الآخرين من ذلك هو نوع من الهجوم والذي يملكها بهذه
الخلفية وبهذه العقلية إنما هو مالك لها لأغراض هجومية. وبهذا المعنى
وبهذا الحرص على عدم انتشار هذه الأسلحة من طرف الدول المالكة لها
والماضية في تطويرها وخاصة الدول الغربية الكبرى والمعروفة تاريخيا
بنزعتها الاستعمارية والهجومية العدوانية والكيان الصهيوني ذي النزعة
العنصرية التوسعية تكون هذه الدول مصرة على فرض تفوقها العسكري حفاظا
منها على سيطرتها على العالم وإخضاعه لشروطها تحقيقا لمصالحها، ولا معنى
للأمن والاستقرار والسلام بعيدا عن هذا المعنى ولا استقرار ولا سلام إذا
أصبحت ما تعتبره هذه الدول مصلحة لها مهددة. فالأمن هو أمنها والاستقرار
هو استقرارها والسلام هو الذي تريده هي، وإلا فلا امن ولا استقرار ولا
سلام.
وإذا كانت أمريكا قوة نووية كبيرة إبان الحرب الباردة فهي اليوم القوة
النووية الأكبر في العالم، وقد نصبت نفسها مسؤولة على العالم ومشرفة
عليه، تساندها في ذلك الدول الغربية، وخاصة الدول النووية مثلها، على بعض
الاختلاف أحيانا، خاصة في ما يتعلق بمحاصرة ظاهرة محاولة بعض الجهات
والأطراف الدولية امتلاك هذه الأسلحة مثل: كوريا الشمالية وإيران
والعراق، قبل إسقاط القوات الغربية الغازية بتحالف مع جهات داخلية – نظام
صدام حسين – لقد كانت امريكا تعتبر نفسها دوما مسؤولة عن السلام العالمي،
وتعتبر أن تعزيزها لقدراتها العسكرية والنووية وأسلحة الدمار الشامل
عموما إنما هو لمصلحة الأمن والاستقرار والسلام في العالم والذي يعلمه كل
الناس والذي يؤكده النظام الأمريكي في كل مرة انه لا معنى للأمن خارج امن
امريكا ولا امن
يخالف
المعنى
الذي يريده النظام الأمريكي، ولا استقرار ولا سلام خارج استقرار وسلامة
امريكا.
وبدافع من هذا الشعور بالتفوق أصبحت أمريكا لا تبالي كثيرا حتى بمصالح
البلدان الغربية الكبيرة والمالكة مثلها لهذه الأسلحة ولكنها اقل تطورا
منها مثل فرنسا وبريطانيا إلا أنها تنتهي معها في الصراع من اجل المصالح
إلى صيغ توفيقية وحلول سياسية استبعادا لأي نزاع عسكري مباشر، وإبرام
تحالفات عسكرية يتم على أساسها اقتسام المنافع مثلما حصل في حرب الخليج
الثانية لإخراج النظام العراقي من الكويت، وكما حصل في احتلال العراق
لاحقا مع المملكة المتحدة واسبانيا واستراليا والدول التي وافقت على ذلك
واستعدت للمشاركة وإرسال قواتها هناك، كما حصل استبعاد كل من فرنسا
وألمانيا هذه المرة لما ظلت قيادة البلدين متمسكة بمعارضة إسقاط نظام
صدام حسين بالقوة بدون اخذ تفويض في ذلك من الأمم المتحدة، وكانت الذريعة
الكبرى للاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق هي امتلاك النظام العراقي
لأسلحة الدمار الشامل، والتي أصبح بمقتضاها يمثل تهديدا لجيرانه وللعالم
كما كانت القيادة الأمريكية تدعي وكما كانت تقدمه للعالم، وكما كانت
الدول الغربية المالكة هي نفسها لهذه الأسلحة ترى، وهي على وفاق مع
امريكا في ذلك.
وإذا كانت الدول الغربية المالكة لأسلحة الدمار الشامل تريد أن تظل ملكية
هذه الأسلحة حكرا عليها فان حرصها على نزعه من الجهات المالكة لها ومنع
الدول الأخرى من الحصول عليها لا يرتقي ربما إلى مستوى الحرص الذي أصبحت
عليه أمريكا خاصة بعد جموح رغبة القيادة اليمينية المتطرفة على بسط
نفوذها على العالم مستغلة:
1- تفوقها الاقتصادي.
2- تفوقها العسكري.
3- ضعف القوى الدولية من حولها بعد سقوط المعسكر الشرقي.
4- ثم استهدافها من طرف تنظيم القاعدة في نيويورك وواشنطن يوم 11/09/2001
وتوجيه أنظار العالم كله إلى عدو موهوم أسمته "الإرهاب" في حرب مفتوحة
ومعلنة على العروبة والإسلام.
ومن موقع صاحب الإمكانيات والقدرات الكبيرة اعتبرت نفسها مسؤولة حسب
زعمها على امن واستقرار العالم، والمحافظة على السلام فيه. في حين انه لا
سلام في اعتقاد القيادات الأمريكية المدعومة باللوبي الصهيوني العالمي
إلا بالإشراف المباشر على إنهاء أي محاولة لأي جهة أو دولة لامتلاك أسلحة
الدمار الشامل التي يمكن أن تهدد الاستقرار والسلام في عالم أصبحت تعتقد
أنها هي المسؤولة عنه. وحتى لا تجد نفسها في مواجهة حلفائها في المعسكر
الغربي إبان الحرب الباردة، فقد بدت حريصة على عدم التدخل منفردة في أي
قضية من القضايا الدولية التي تستدعي تدخلا دوليا لمعالجتها، بدءا
بالبوسنة والهرسك ومرورا بكوسوفو وأفغانستان والعراق وانتهاء أخيرا وليس
آخرا بفلسطين المحتلة. ولكنها كانت حريصة على إيجاد موطن قدم معها، خاصة
في معالجة القضايا التي تقتضي معالجتها تدخلا عسكريا لكل أو بعض الدول
الغربية على الأقل، مع الحرص على تحييد الصين ومحاولة استقطاب روسيا
الاتحادية للتدخل أو الإبقاء عليها جانبا مع العمل على الإبقاء عليها
ضعيفة وفي حاجة دائمة لها، حتى لا تنازعها القرار السياسي والنفوذ
العسكري، حتى أنها أصبحت اليوم على مشارفها خاصة بعد سقوط شيفرناتزة في
جورجيا وصعود يوشنكا في اكرانيا، إضافة إلى توسع حلف النيتو شرقا بتهافت
دول أوروبا الشرقية إلى الحصول على العضوية فيه بما يضطرها إلى أمرين:
- إما
القبول بضيق بعدها الاستراتيجي ومجالها الحيوي كدولة كبيرة.
- أو الاضطرار إلى الالتحاق كالكثير من مثيلاتها من دول المعسكر الشرقي
سابقا للظفر بعضوية في حلف الناتو.
فالذي يبدو واضحا أن أمريكا تود لو أنها وحدها المالكة لهذه الأسلحة في
العالم حتى لا تجد من ينازعها القرار السياسي، أو يكون لها شريكا في
المغانم الاقتصادية أو يمثل لها تهديدا عسكريا.
وإذا كانت هذه الأسلحة قد أصبحت ملكا للكثير من الدول التي فاتها أن تحول
دونها ودون امتلاكها لها، فان جل هذه الدول هي في النهاية قريبة منها أو
دائرة في فلكها أو غير معادية لها، أو بحكم تفوقها عليها لها عليها نفوذ،
وواقعة تحت سيطرتها بتفوقها عليها عسكريا واقتصاديا، وحاجة الأخرى إليها
في هذين المجالين ملحة بالنظر إلى العوامل الذاتية والموضوعية الداخلية
منها والخارجية مثل:" باكستان" برويز مشرف.
ولقد
حرصت
أمريكا
أشد الحرص
على منع امتلاك أي دولة إسلامية لأسلحة الدمار الشامل، وخاصة السلاح
النووي وإذا كانت باكستان قد فاجأتها بذلك فإنها لم تجد ما تفعله مما يجب
فعله لتأديبها إلا فرض حصار اقتصادي عليها. ويبدوا أن أمريكا وحلفاءها
الغربيين سواء ممن أصبحوا مالكين لهذه الأسلحة أو الذين مازالوا لم
يملكوها بعد أو الذين لا يريدون امتلاكها لا يمانعون في امتلاك إحدى
الدول الإسلامية لها حين لا يستطيعون أن يحولوا دونها ودون ذلك لأسباب
مختلفة.
ولكن
الذي لا يمكن أن تقبل به أمريكا وهذه الدول أن يكون ذلك لدولة عربية أو
تسعى إليه للاعتبارات التالية:
1- لان
المنطقة العربية أكثر المناطق أهمية وحساسية:
أ- فهي منطقة إستراتيجية من الناحية الاقتصادية والعسكرية
ب- وهي المنطقة الأكثر استهدافا من طرف الغرب الصليبي عموما وأمريكا
خصوصا لأنها المنطقة التي انطلق منها الإسلام ليكون اكبر حضارة عرفها
التاريخ، وهي التي يمكن أن تتوحد على أساس العروبة والإسلام لتكون طرفا
قويا ومهما في المعاهدات الدولية في الحضارة المعاصرة.
2- لأنها مخترقة "بدولة" الكيان الصهيوني المدعومة دعما مباشرا وواضحا
وصريحا من الغرب عموما وأمريكا خصوصا للحيلولة دون وحدتها أولا ثم للعمل
على تعميق الخلافات فيما بينها والإبقاء عليها ضعيفة دائما ثانيا.
3- لتظل "الدولة العبرية" فيها الطرف الأكثر تفوقا على كل الأصعدة، وخاصة
عسكريا. وليظل الكيان الوحيد المتمتع بحق امتلاك أسلحة الدمار الشامل
وتطويرها.
لهذه الاعتبارات وغيرها، وحفاظا منها على تفوقها ومصالحها وإنهاء لأي
تهديد يمكن أن يشكل خطرا على الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة الملتزمة
علانية بمساندته ودعمه مختلقة له كل الأعذار في الجرائم البشعة التي
يرتكبها كل يوم وعلى امتداد عقود من الزمن في حق الشعب الفلسطيني الأعزل
وفي المنطقة كلها،
نظمت حملتها العسكرية لاحتلال العراق مع حليفتها بريطانيا وبدعم وتأييد
من الكثير من الدول الغربية وحتى العربية والإسلامية سواء بالمشاركة أو
الموافقة تصريحا أو تلميحا- للأسف الشديد - بذريعة امتلاك النظام
العراقي لأسلحة الدمار الشامل وتطويرها، وما كان لهذا التحالف أن يتدخل
عسكريا بهذا السفور لولا أن قياداته السياسية كانت لديها معلومات مؤكدة
أن نظام البعث في العراق لا يملك يقينا أيا من هذه الأسلحة ولذلك كانت
الحملة العسكرية للإطاحة بالنظام ليقدم الغزاة أنفسهم للعالم وللشعب
العراقي كسابقاتها من الحملات في التاريخ المعاصر كقوة تحرير لا قوة
احتلال وتدمير بهدف الإطاحة بالدكتاتورية والاستبداد واقامة
الديمقراطية والحرية والأمن والاستقرار في البلاد وفي المنطقة وذلك ما
يجعل المسالة أكثر خطورة واشد تعقيدا، لان حقيقة المشهد تتمثل في
الاستيلاء على منابع اكبر احتياطي للنفط والغاز في العالم ولفرض النمط
الحضاري الغربي والثقافة الغربية ذات الأصول الليبرالية الرأسمالية
وإزالة بقايا الثقافة الشرقية ذات الأصول الاشتراكية الماركسية، وللتصدي
للبديل الحضاري الإسلامي الآخذ
في الظهور في أكثر
المناطق
حساسية، والذي أعلن حلف الناتو مباشرة بعد انتهاء الحرب الباردة مع
المعسكر الشرقي الغربي الاشتراكي أن معركته ستكون مع الإسلام، وكان ذلك
قبل أحداث 11/09/2001 بسنوات، وما هذه الأحداث إلا القشة التي قسمت ظهر
البعير.
وهاهي أمريكا وحلفاؤها اليوم قد حشدوا جيوشهم الجرارة مدججة
بأحدث
أنواع الأسلحة
في
العراق وعلى
خط التماس مع سوريا تتحرش بالنظام السوري الذي يبدو أن تعاونه المطلق أو
اللا مشروط معها في ما تسميه حربها على الإرهاب قد لا يشفع له عندها إذا
لم يبد استعداده للقبول بكل شروطها والإذعان لأوامرها ونواهيها. ولا
يستبعد أن تكون سوريا الهدف
الثاني
أو الثالث
بعد
العراق من اجل إرغام
نظامها
على القبول بشروط تسوية هضبة الجولان المحتلة ومزارع شبعا
جنوب شرقي
لبنان والقضية الفلسطينية على اعتبار أن النظام السوري
في نظر
الولايات المتحدة
هو
من الأنظمة الراعية للإرهاب، خاصة وان سوريا مازالت ملتزمة باحتضان
بعض
التنظيمات الفلسطينية المصنفة إرهابية على اللوائح الأمريكية.
والذي زادها جرأة على إسقاط الأنظمة واحتلال الأوطان ونهب ثروات الشعوب
وتثبيت قواعدها العسكرية في كل مكان، وخاصة في المنطقة العربية، هو
الإذعان الكامل للأنظمة السياسية ولقيادات الشعوب لها والقبول بكل شروطها
واملاءاتها حفاظا منها – وهي الفاقدة لكل مصداقية وكل شرعية عند شعوبها
انطلاقا من طبيعتها الاستبدادية والرجعية – على مواقعها في سدة الحكم.
والملاحظ أن الذي يسهل عليها إحداث ضغوط متزايدة على النظام السوري
لترويضه وفرض وجهة نظر قيادتها عليه – وهو الذي يريد أن يظل مصرا على
تمسكه بحقوقه في استعادة هضبة الجولان المحتلة دون أي تنازل وبدون شروط.
ولكن نظرا لطبيعته الاستبدادية كغيره من الأنظمة العربية زيادة على
طبيعته الطائفية، فانه لا يستطيع في النهاية أن يكون له موقف مخالف لبقية
الأنظمة – إن الذي يسهل عليها ذلك هو
رضوخ
النظام الليبي
لضغوطها
وتخليه عن برنامجه التسلحي الذي استنزف ميزانية الشعب الليبي
لسنوات طويلة.
فبمجرد اشتداد الأزمة في المنطقة العربية،
وفي ظل تغير موازين القوى في المنطقة
بعد انهيار
المعسكر الشرقي
لتكون
الولايات المتحدة هي الخصم والحكم،
وبمجرد إسقاط التحالف الأمريكي
البريطاني
لنظام صدام حسين بمباركة غربية
وعربية،
اسقط في أيدي الزعيم الليبي معمر القذافي،
الحريص
حرص
زملائه في النظام العربي على البقاء في سدة الحكم مهما كان الثمن،
فقدم
لأمريكا كل التنازلات واستجاب لكل طلباتها دون قيد
أو
شرط
ففتح
منشآته
النووية وقدم كل الوثائق والبرامج المتعلقة بالأسلحة التي يمتلكها والتي
كان يسعى
لامتلاكها. ولم يتردد في شحن مئات الآلاف من الأطنان من المعدات والمواد
والأسلحة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وبهذا الخضوع
والاستسلام
اللا
مشروط للإرادة الأمريكية يكون النظام الليبي
قد
ساهم في إضعاف
الموقف الإيراني
والموقف الكوري الشمالي
والموقف السوري في مواجهة الضغوط الأمريكية خاصة في
ما يتعلق
ببرامج
التسلح.
وإذا
كانت الضغوطات مازالت متواصلة على إيران فان نفس الضغوطات ما تزال
متواصلة على كوريا الشمالية ولكن بطريقة مختلفة
على اعتبار
أنها من بقايا المعسكر الشرقي التي لا يؤمن جانبها،
ولكن تبقى في النهاية دولة
غير
عربية ولا إسلامية.
كما
انه ليس من
مصلحة الصين،
القوة الدولية الصاعدة،
ولا من مصلحة دول المنطقة لما عليه الوضع من توتر دائم بين كوريا
الشمالية وكوريا الجنوبية،
أن
يبلغ
الوضع
درجة
الصدام العسكري والتدخل الأمريكي المباشر.
ولهذه
الاعتبارات
فمن
المرجح أن يتم التوصل
إلى صيغ من التفاوض
وآليات
في التعاطي مع موضوع إصرار كوريا الشمالية على التمسك بحقها في امتلاك
السلاح النووي
دون اللجوء
إلى
الحلول
التي
تستعمل مع توترات منطقة الشرق الأوسط.
الطريق إلى
الأمن والاستقرار والسلام في العالم:
إن ما يمكن أن يكون صحيحا وما يتجه إليه رأي العقلاء والمراقبين
الدوليين، وما فيه صلاح البشرية وأمنها
وسلامتها هو خلو
العالم كل العالم من أي نوع من أنواع أسلحة الدمار الشامل. إلا أن هذا
الأمر لم يعد اليوم ممكنا لاعتبارات كثيرة منها:
- فسح المجال للتطور العلمي وسوف لا يكون ذلك مقتصرا على المجال السلمي،
وقد تجاوزه إلى المجال العسكري.
- النظر إلى البلدان التي امتلكت هذه الأسلحة على أنها الأكثر احتراما
وأكثر أمنا والأكثر استقلالية وضمانا لمصالحها.
- امتلاك القدرة الكافية في الدفاع عن حدودها وتجاوز ذلك إلى الاعتداء
على غيرها حين يكون لابد من ذلك، أو كلما أرادت ذلك لأي غرض من
الأغراض.
وإذ تأكدت استحالة وجود عالم خال من كل أنواع أسلحة الدمار الشامل على
اعتبار أن وجودها قد أصبح اليوم في متناول العديد من دول العالم، ولعله
من أكبر
ضروب الخور والغباء التفكير في استجابة هذه الدول إلى الأصوات المتصاعدة
من هنا وهناك والداعية إلى التخلص من هذه الأسلحة الفتاكة،
فان سلام العالم وأمنه واستقراره لا يمكن أن يتم بامتلاك اقل ما يمكن من
الدول لها. لان العالم قد أصبح في هذه الحالة خاضعا كله لسيطرة أكثرها
تفوقا فيه. وبهذه السيطرة للكبار على الصغار والأقوياء على الضعفاء يراد
لنا أن نقبل أن هذا هو الأمن وهذا هو الاستقرار، وهذا هو السلام المطلوب
أن يكون سائدا في العالم.
فليس
السلام هو ما يفرضه الأقوياء، ولكن السلام هو ما يتواضع عليه الأقوياء
والأقل منهم قوة والضعفاء بوضع
حد
لاعتداء البعض على
البعض الآخر وعدم استغلال البعض للبعض الآخر والكف عن ابتزاز البعض للبعض
الآخر وإنهاء زمن السيطرة والإكراه والإذلال وليس ذلك ممكنا إلا في
حالين:
- إما بإعدام كل هذه الأسلحة لتستفيق الشعوب ذات يوم على عالم بدون أسلحة
دمار شامل ونعتقد أن ذلك أصبح غير ممكن كما سبقت الإشارة.
- وإما أن تأخذ هذه الأسلحة مداها في الانتشار بين أكثر ما يمكن من الدول
الراغبة في الحصول عليها والقادرة على ذلك وهي الحالة التي إن لم تجعل
نهاية لإخضاع العالم لسيطرة القلة القليلة من الأقوياء فإنها ستخفف من
ذلك على الأقل.
ولعل هذا الوضع هو الذي يمكن أن يقلل من محاولة أي جهة من هذه الجهات
المتعددة من استعماله ولعلها المرحلة التي يصبح فيها الانتهاء إلى اتفاق
على عالم خال من هذه الأسلحة أوفر حظا ذلك أن السلام في العالم لا يمكن
أن يتحقق إلا بتوازن القوى والرعب بين الشعوب والدول أو بإخلائه من كل
الوسائل المسببة للرعب والدمار وإقامة برنامج تنموي عادل ونظام سياسي
شوري ديمقراطي وبرنامج ثقافي إنساني يفسح المجال للخصوصيات والثوابت في
إطار انفتاح واسع بين الشعوب لتكون العلاقة مباشرة بين الإنسان وأخيه
الإنسان في كل مكان.
يقول
صلى الله عليه وسلم:
"كلكم من آدم وآدم من تراب" وقد جاء في القرآن الكريم كذلك:
"يا
ايها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله اتقاكم".
إن
المتتبع للسلوك الأمريكي والدول المالكة للأسلحة الهجومية ذات الصفة
النووية والكيماوية والبيولوجية البعيدة المدى يتأكد لديه أن هذه الدول
وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد عالما خال من هذه الأسلحة
ولا تريد عالما تكون فيه هذه الأسلحة قد وجدت فيه طريقها إلى الانتشار
على أوسع نطاق ممكن لان السلام سيكون له معنى
مختلف هذه المرة ولان الأمن والاستقرار ستكون الكثير من الدول ضامنة لهما
اعتمادا على قدراتها الذاتية. ولان الكثير من الدول ستكون ضامنة
لاستقلالية قرارها السياسي ولان الكثير من الدول كذلك ستصبح قادرة عن
جدارة على حماية ثرواتها ومتحصلة على حقها كاملا في الوجود في محيطها
الجغرافي ضمن خصوصياتها الثقافية والتاريخية والحضارية والعقائدية وبقدر
ما تتسع دائرة
الشعوب
الضامنة لاستقلالها بقوتها العسكرية المعززة بهذه الأنواع من الأسلحة
بقدر ما تضيق الدائرة على الدول القليلة المستقوية بها اليوم.
ولهذه
الاعتبارات وغيرها فان أمريكا لا تدخر أي جهد هي قادرة عليه اليوم في
التصدي وبكل الوسائل لمنع انتشار هذه الأسلحة ضمانا منها لاستمرار
سيطرتها وهيمنتها على العالم وليس ضمانا للسلام كما تدعي.
ومتى كانت أمريكا بطبيعتها الامبريالية ونزعتها الاستعمارية مستعدة
لإهدار هذه الإمكانيات المادية الهائلة في تمويل عملياتها العسكرية
وانتشار أساطيلها وقواعدها العسكرية في الكثير من أنحاء العالم من اجل
السلام إذا لم يكن للسلام عندها غير معنى واحد هو ضمان مصالحها وإحكام
سيطرتها على العالم وهذا الذي لا يخفيه زعماؤها
في خطابهم وهذا الذي يبررون به احتلالهم لأفغانستان بعد إسقاط نظام حركة
طالبان
واحتلال
العراق
بعد إسقاط نظام صدام حسين وهي تجتاح العالم اليوم، تسقط الأنظمة وتحكم
سيطرتها على الأوطان وتذل وتهين الشعوب، فان حكام واشنطن يعملون على
إقناع شعبهم وشعوب العالم وقياداته أنهم في حالة دفاع عن النفس، خاصة بعد
هجمات
الحادي عشر من
سبتمبر 2001 دون أن يجد التنظيم
الذي كان
وراءها
حاجة
للأسلحة التقليدية المتعارف عليها في العالم ولا حاجة لأسلحة الدمار
الشامل التي تعمل الدول التي أصبحت مالكة لها على احتكار ملكيتها لها ولا
تدخر جهدا في منع غيرها من الحصول عليها وعلى التقنيات والبرامج المفضية
إلى امتلاكها.
لقد كانت القيادات الأمريكية عبر التاريخ تحاول دائما إيجاد غطاء
لحملاتها العسكرية واعتدائها على الشعوب فتراها تارة تتذرع بحماية الشعوب
وأخرى بتحريرها ومرة ثالثة بمحاربة الإرهاب وأخرى بنزع أسلحة الدمار
الشامل وحماية السلام العالمي يحدوها في ذلك حرص على عدم وصول هذه
الأسلحة إلى أطراف وقوى "شريرة" وهذه اللهجة هي التي كانت طاغية على خطاب
الرئيس بوش الابن وهو يعمل على حشد كل القوى "المتحضرة"
و"الحرة"
إلى جانبه في الصيحة التي أطلقها لإعلان حربه على الإرهاب في محاولة
لإظهار بلاده على أنها الضحية وانه ابعد ما يكون عن الشر وعليه أن يعلن
حربه على
"الأشرار"
في كل مكان وان يعمل كل ما في وسعه
لمنع
وصول أسلحة الدمار الشامل إليهم
ووقوعها بين أيديهم.
وقد تبين من خطابه هو بصفة خاصة ومن خطاب الزعماء الغربيين في العواصم
الغربية
بوجه عام
أن القوى
"الشريرة"
والمشار إليها بالإرهاب
ليست إلا العرب والمسلمين. ولا نظن
إقحام كوريا في مثلث "محور الشر"
إلى
جانب
العراق
وإيران
إلا
محاولة تمويهية لمغالطة الرأي
العام.
هكذا يعتبر الرئيس الأمريكي نفسه ومن يشاطره الرأي أنهم ابعد ما يكونون
عن الشر،
وانه اتخذ قرارا بمواجهة هذا الشر وإعلان الحرب على الإرهاب وانه لابد من
العمل على إنقاذ السلام العالمي بشن الحرب على كل من يرى انه يمثل تهديدا
له وانه مكلف من السماء بهذه المهمة لأنه طالما كانت هذه الأسلحة بيد
القوى الخيرة المتحضرة فانه لا خوف على البشرية منها لأنها لا تستعملها
ضدها. أما إذا وصلت إلى يد
"الأشرار"
و"القوى
الشريرة"
وليس
المقصود بذلك غير
العرب
والمسلمين،
الذين يريد أن يظهرهم للعالم على أنهم برابرة ومتوحشون وعلى أنهم أعداء
للحضارة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام فان العالم كله
سيصبح
في خطر،
فإنهم لا يترددون في استعمالها. وليست المسألة في الحقيقة مسألة بربرية
أو توحش أو معاداة للحرية والتحضر والديمقراطية وحقوق الإنسان والأمن
والاستقرار والسلام، ولكنها مسألة اختلاف في النمط الحضاري والثقافي
والعقائدي، والرئيس الأمريكي يعلم أن فرط القهر والظلم والتسلط الذي
يتعرض له العرب والمسلمون من طرف الغرب عموما وأمريكا بصفة خاصة والكيان
الصهيوني الغاصب لأرض العرب والمسلمين فلسطين بصفة اخص هو الذي يجعلهم
يعتبرونهم أعداء حقيقيين وتاريخيين للأمة العربية والإسلامية. وذلك هو
مصدر خوف الرئيس الأمريكي من بلوغ أي دولة أو جهة عربية أو إسلامية أي
مستوى من القوة تجعل منه رقما مستعصيا على الإسقاط ولو كان ذلك دون
امتلاك هذه الأسلحة.
فليست القضية في الحقيقة قضية محور شر ولا إرهاب، ولا أسلحة دمار شامل،
ولكن المسألة مسألة ظلم وتسلط وسيطرة جعلت هذه الأمة تشعر بالمهانة التي
لا يرفعها عنها إلا بلوغ مستوى من القوة العسكرية والاقتصادية تعيد بها
الاعتبار لنفسها، وترفع بها الظلم، وتستعيد بها الأرض وتحقق بها الوحدة
والحرية والسيادة.
إن حرص الرئيس الأمريكي على الحد من الانتشار النووي لا مصدر له إلا
الإبقاء على بلاده بمنأى عن أي خطر قد يتهددها من الجهات التي هو ممعن في
ظلمها وإحكام سيطرته على بلادها وثرواتها وجعلها مسرحا لمعاركه وعملياته
العسكرية، وما من شيء من ذلك حاصل إلا في بلاد العرب والمسلمين.
وانطلاقا من هذا الوضع فانه يعتبر أن أي جهة من الجهات في هذه المنطقة
يمكن أن تمثل تهديدا لبلاده ولمصالحها، وللكيان الصهيوني المغتصب للأرض
والمدعوم دعما معلنا لا مشروطا من قبله. وليست حقيقة المسألة في اعتقاده
أن أي جهة من الجهات أو دولة من الدول في العالم العربي و الإسلامي يمكن
أن تسارع باستعمال أسلحة الدمار الشامل في حال الحصول عليها ضد بلاده وضد
الكيان الصهيوني، ولكن المشكلة تكمن في أن مسألة وجود قواته الضامنة
لمصالح بلاده الإستراتيجية والحيوية في المنطقة هي مشكلة حياة أو موت، وأن
إخراجها يستدعي وجود قوة ما تفرض عليها الخروج سواء من المنطقة أو بتشكيل
خطر حقيقي على بلاده نفسها. وأحسب
أن القيادة الأمريكية ليست خائفة على قواتها بالمنطقة ولا على مصالحها
ولا حتى على بلادها بقدر ما هي خائفة على
الدولة العبرية التي ترعاها في قلب المنطقة العربية من العالم الإسلامي.
هذه هي هواجس أمريكا، وهذه هي مخاوفها من انبعاث قوة إقليمية في المنطقة
وفي
العالم الإسلامي يمكن أن تشكل خطرا حقيقيا على الكيان الصهيوني الذي
تتحقق به للغرب عموما من خلال وجوده في قلب الأمة مصالح وأهداف كثيرة.
إن العقل
والواقع التاريخي يفرضان
علينا القول انه إذا كان هناك جهة في العالم ليس من حقها امتلاك ترسانة
كبيرة من الأسلحة التقليدية فضلا عن أسلحة الدمار الشامل فيجب أن تكون
الولايات المتحدة الأمريكية، لأنها الدولة الوحيدة التي يعلم العالم كله
أنها استعملت السلاح النووي في اليابان في الحرب العالمية الثانية في وقت
لا يمثل فيه اليابانيون تهديدا حقيقيا لها. وكانت رحى الحرب تدور خارج
أراضيها، و بعيدا عنها، مما يجعل ضربها بالقنبلة النووية غير مبرر، ذلك
أن أمريكا كانت قد دخلت الحرب في السنوات الأخيرة، وبكامل قوتها
العسكرية والاقتصادية لا سيما وأنها لم تشارك في الحرب العالمية الأولى
ولم تدخل في الثانية منذ البداية، مما يجعل إمكان إلحاق الهزيمة بدول
المحور بالأسلحة التقليدية أمرا ممكنا، مما يحيل المتأمل إلى القول أن
استعمالها للسلاح النووي
كان
أمرا اختياريا، ولم
يكن
الغرض منه
غير
إحراق الأرض وتدمير الإنسان،
وإجراء التجربة
على
مثل هذا
السلاح الذي ما يزال لحد تلك الساعة لا يعرفه احد، ولا يعلم احد حتى ذلك
الوقت هول قوته التدميرية. وما إن رأت أمريكا أنها قد استكملت الظروف
المناسبة لحسم المعركة، وإنهاء الصراع لصالح الحلفاء وبالتالي لصالحها،
حتى سارعت باستعمال السلاح النووي:
- لوضع
حد للحرب أولا
- ثم لمعرفة التأثيرات الحقيقية لهذا السلاح واختبار قدرته التدميرية على
ارض الواقع بما يفتح أمام البحث العلمي آفاقا
جديدة
-
ثانيا.
- وللظهور أمام العالم أنها القوة التدميرية
الأولى
دون
منازع - ثالثا.
ولهذه الاعتبارات كلها تبدو النزعة الدموية واضحة وصريحة في القرار
السياسي القائم على ثقافة الاستئصال والتصفية الجسدية للعنصر البشري.
وقد كان للإنسان الغربي المكون للشعب الأمريكي بعد اكتشاف القارة من
التقاليد العنصرية والبربرية في التعامل مع الملونين
من غير
الإنسان الغربي الأبيض ابتداء بماساة
الزنوج، ومرورا بالإبادة العرقية للهنود الحمر وانتهاء بالفضاعات التي
ارتكبها الأمريكيون في حرب فيتنام، وما يرتكبونه إلى حد الآن في
أفغانستان والعراق، وما يرتكبونه في فلسطين المحتلة عبر الكيان الصهيوني.
وإذا كان التاريخ لم يسجل لأمريكا نشاطا عسكريا باتجاه احتلال الأوطان في
الحركة الاستعمارية للنظام الليبرالي الرأسمالي المتصارعة دوله على مناطق
النفوذ في العالم، فلأنها كانت طيلة تلك المرحلة من التاريخ منشغلة
تقريبا بالتصفية العرقية للهنود الحمر، ثم أنها كانت في النهاية هي الطرف
الوحيد الرابح، باعتبار أن كل مرحلة من مراحل حركة الاستعمار الغربي
تنتهي بحرب غربية
-
غربية تدور
رحاها في الغالب بين الدول الأوروبية ومن يكون أحيانا إلى جانبها في
تحالفات مختلفة، فتأخذ بذلك بعدا عالميا بالنظر لاقتسام هذه الدول للعالم
في شكل مستعمرات كانت مسرحا للاقتتال الغربي
-
الغربي على
مناطق النفوذ، ومن اجل الأسواق والثروات. فكانت المرحلة الأولى قد انتهت
بالحرب العالمية الأولى والمرحلة الثانية بالحرب العالمية الثانية. ولئن
كانت أمريكا قد أنقذت الموقف في الحرب العالمية الثانية بمشاركتها فيها
في
مرحلتها
الأخيرة فان ذلك لم يكن في جانب كبير منه لصالح احد سواها، وان كان
العالم الحر كله قد تنفس الصعداء، ولكن لتتواصل بعد ذلك معاناة
الشعوب الواقعة أوطانها تحت نير الاحتلال عقودا من الزمن.
وفي كل حرب من الحروب كانت الدول الغربية الاستعمارية المتحاربة تلحق
ببعضها
أضرارا وخسائر مادية كبيرة، ورغم الإيرادات المادية الهائلة التي تتدفق
عليها مما يقع تحت سيطرتها من المستعمرات فإنها تجد نفسها بعد كل ذلك في
حاجة إلى إعادة اعمار وإعادة بناء اقتصادياتها. فكانت أمريكا هي الجهة
التي يقع اللجوء إليها في النهاية للقيام بذلك. وبذلك كانت أمريكا هي
المستفيد الأكبر في النهاية من الحربين العالميتين، باعتبارها لا تجني
إلا أرباحا مقابل الحاجة إليها لإعادة الاعمار دون أن تكون قد دخلت في
تمويل المعارك والحروب، وظلت محافظة على كل قوتها تقريبا، وتشهد تطورا
مستمرا في كل مجالات الحياة. وذلك ما جعل منها قوة متنامية الإمكانيات
والقدرات في مواجهة المعسكر الشرقي الذي لم يصمد طويلا في الحرب الباردة
التي كانت دائرة بينه وبين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة
الأمريكية كأكبر قوة في ذلك المعسكر من المنظومة الرأسمالية. وفي هذا
الإطار كانت الأقدر على تطوير قدراتها العسكرية التقليدية والنووية بما
يشكل توازن الرعب في العالم الغربي المنقسم على نفسه في ذينك المعسكرين
الذي انتهى فيهما الصراع ليس لصالح المعسكر الغربي الرأسمالي في الحقيقة،
ولكن لصالح أمريكا أولا وآخرا. وإذ لم يكن من الصدفة أن يتصادم الغرب
مرتين ويجعل العالم كله في حالة صدام تقريبا في ظرف 41 سنة من الزمن فان
الظروف التي
فجرت
الحربين العالميتين في ذلك الوقت قد بدأت تكتمل، وبدأت التناقضات تتأكد
في صلب المعسكر الواحد الذي بحكم الطبيعة المادية الصرفة التي تميزه،
وبحكم نزعة الجشع التي تسيطر على أنفس القائمين على إدارة أوضاعه وشعوبه،
وطغيان حب السيطرة على الآخر فيه... فانه قد بات في شبه المؤكد باعتبار
طبيعته العدوانية، واستنادا لثقافته التي انتهت إلى الاستقرار على مركزية
الإنسان الغربي الأبيض والتي من أصولها وثوابتها: انه
"المسلح
المحارب، والمبشر، والباحث عن الثروة" أن يشعلها حربا عالمية ثالثة. وما
حصل مرة يمكن أن يحصل ألف مرة، فما بالك إذا كان ذلك قد حصل مرتين في ظرف
زمني وجيز.
وإذا كانت الحربان
العالميتان
قد ألحقتا دمارا هائلا بالأوطان والشعوب والثروات أي بالإنسان، ومن رحمة
الله بخلقه أن الأسلحة التي قد استعملت كانت أسلحة تقليدية واقل تطورا من
الأسلحة التقليدية التي بين يدي
تلك
الشعوب اليوم،
إذا ما استثنينا ما يمكن اعتباره إعلانا لانتهاء الحديث عن الأضرار التي
سببتها وتسببها وما يمكن أن تسببها هذه الأسلحة التقليدية بانتهاء الحرب
العالمية الثانية بأول استعمال للسلاح النووي بقرار من الرئيس الأمريكي
ترومان ضد اليابان سنة 1945، فان إمكان
قيام
حرب عالمية
ثالثة قد أصبح ممكنا، وسيكون الدمار هذه المرة في ظل امتلاك الكثير من
الدول ترسانة من السلاح النووي والكيميائي والبيولوجي أي من أسلحة الدمار
الشامل، إلى جانب
الترسانة
التقليدية
التي
شهدت
تطورا كبيرا جدا باتجاه إكسابها قدرة تدميرية مضاعفة اضغافا.
ولسائل
أن يسال: أي مستقبل وأي مصير لهذا العالم في ظل امتلاك، من لا خلاق لهم،
والذين لا إيمان لهم بغير أنفسهم ومصالحهم،
لما يمكن أن يدمر الكرة الأرضية مئات المرات، ولما يمكن أن لا يبقى على
وجهها ولو كائنا حيا واحدا. وان اشد الخطر على الإنسان وعلى الكائنات
الحية كلها أن
تكون
تلك الأسلحة
اليوم بين يدي الحمقى والمجانين من أمثال الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن
ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة اريال شارون. وإذا كان
المشهد الدولي الآن والعلاقات القائمة فيه يبدو على ما نرى ونسمع انه من
المستحيل الحصول فيه على الاتفاق على عالم خال من أسلحة الدمار الشامل،
بل الذي يبدو أكثر وضوحا هو الحرص على أن تظل حيازتها حكرا على الذين
أصبحت في متناولهم، وحرص الآخرين على امتلاكها والالتحاق بهم واحتلال
مقعد لهم في النادي النووي، فان الحل الأنسب حين يكون ذلك ممكنا وكلما
كان ذلك ممكنا لأي دولة من دول العالم حين تصبح قادرة على امتلاك أسلحة
الدمار الشامل أن تفعل ذلك، لان الذي بدا أكثر وضوحا اليوم انه بقدر ما
تتسع رقعة امتلاك هذه الأسلحة على ما هي عليه من خطر يهدد البشرية حتى في
حال عدم استعمالها في الحروب، وإنما بمجرد عدم القدرة على تأمينها
وصيانتها لما يتطلبه ذلك من عناية فائقة ومن نفقات عالية،
ولما يصدر عنها من تلوث إشعاعي – بقدر ما يكون العالم أكثر استقرارا
وأكثر عدلا وأكثر سلاما، وبقدر ما تصبح هذه الأسلحة ممثلة لتهديد اكبر
بقدر ما يصبح ربما الاتفاق على عالم خال منها أكثر إمكانية،
فتصرف تلك المقدرات
لتطوير
الأبحاث
العلمية السلمية ومطاردة شبح المجاعة التي تشهد استشراء كبيرا في الكثير
من أنحاء العالم المعاصر والعمل على القضاء على الكثير من الأمراض
المستفحلة التي تزهق الكثير من الأرواح البشرية في عالم متحضر تزعم
قياداته أن حقوق الإنسان تتصدر كل اهتماماتهم. ذلك أن حظوظ استعمال هذه
الأسلحة من طرف الدول التي تملكها تصبح أوفر بقدر ما يتقلص عدد الدول غير
المالكة لها. وبقدر ما تكون الدول المالكة لها أكثر بقدر ما تتقلص حظوظ
استعمالها. إن الذي يسّر
اخذ القرار السياسي باستعمال السلاح النووي ضد اليابان في هيروشيما
وناقازاكي في الحرب العالمية الثانية، هو اطمئنان القيادة السياسية في
الولايات المتحدة الأمريكية إلى استحالة ردة فعل مماثلة من أي جهة كانت
باعتبارها المالك الوحيد لذك
السلاح
في العالم في ذلك الوقت.
إن الحرص الأمريكي المحموم على عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل لا يخلو
من إرادة سياسية للمحافظة على
السيطرة
الأمريكية
على العالم والحفاظ لنفسها على أوفر الحظوظ لاستعمالها ضد كل من لا
يملكها
متى قدرت أن
في
ذلك
مصلحة
لها. ولتبقى بمنأي
عن أي تهديد من أي جهة
كانت وخاصة
تلك الشعوب التي مارست ولا تزال تمارس عليها أشكالا مختلفة من الظلم
والقهر والإهانة،
وعلى
رأسها شعوب العالم العربي والإسلامي.
ولذلك
ظلت
أمريكا
أحرص
ما تكون على
أن لا يمتلك
هذه الأسلحة أي شعب من
تلك الشعوب. |