|
إجابة على سؤال طرحته "أقلام أون لاين" على بعض الشخصيات الفكرية
والسياسية: كيف تنظرون إلى المشكل السياسي في تونس، تفضل الأستاذ الشاعر
بحري العرفاوي مشكورا، بالحديث التالي:
إن طبيعة
الحياة بما هي تجدد وتغير يقتضي وجودا دائما لمشاكل. فالمشكل هو ما أشكل
من الأمور وهوما يتطلب النظر والتفكير والبحث عن الحلول بما يحقق رفاه
الإنسان وسعادته وليست المشاكل بالخطر بل هي ضرورية وايجابية ولكن الخطر
في سوء التعامل معها بحيث تنقلب إلى أزمات أوحين لا يتعامل معها أصلا
فتتحول إلى كوارث حقيقية.
كل
مجتمعات العالم تشهد مشاكل مختلفة ومتفاوتة التعقيد والفارق هو في طرائق
معالجة هذه المشاكل وفي مدى الوعي بها وسرعة الكشف عنها. فوجود المشاكل
إذن ليست حالة خاصة بقوم دون قوم وإنما هو حالة إنسانية ضرورية لكي نفكر
ونتقدم.
أما إن
كنت تقصد وجود "أزمة" وفي تونس تحديدا، فالأمر أعمق من أن ينظر إليه
بمعزل عن أزمة عالمية. والأزمة هنا ليست في كثرة المشكلات وإنما في عقم
منهج التعامل مع تلك المشكلات، أنا لا أرى "أزمة" تونسية محضة وإنما أرى
"أزمة إنسان" وانه لمن التبسيط والتسطيح اختصار الأزمة في نظام سياسي
وتقديم علاج مستحضر في علب "ديمقراطية" أوفي نظام اقتصادي ورفع شعارات
العدالة والاشتراكية أوفي خطاب ديني والتصدي له بمنطوق "العقلانية"
و"العلمانية"...
أرى
الأزمة كامنة في عمق "الإنسان"
وإن صورة
العالم تتشكل ملامحها داخل ذواتنا قبل أن ترتسم خارجنا... وعلى من أراد
التخلص من المياه الآسنة أن يسارع بمعالجة المستنقعات بدل الانشغال
بمطاردة المجاري.
ليس
بإمكاننا معالجة أزماتنا ما لم نع معنى "الإنسان" وطبيعته، فالذين
يتحدثون مثلا عن وجود أزمة سياسية ويرون أن الحل في "الديمقراطية"
و"الحرية" و"التعددية" والتداول على السلطة... لن يقدروا على تغيير أي
شيء ما لم ينفذوا إلى عمق "الإنسان"
إننا حين
نتحدث عن "الديمقراطية" لا نتحدث عنها كنظرية جميلة وإنما نطمح إلى
تحققها لتتحول إلى واقع عملي والى أسلوب في التعامل. ولن يتحقق ذلك بمزيد
من القوانين أوتحوير الدساتير أوكثرة المناسبات وأعراس "الديمقراطية"
وإنما يتحقق ذلك بوعي الأفراد بذواتهم وبمعنى الإنسان، وطبيعته.
فليس
بإمكان أي سلطة إنتاج مجتمع الديمقراطية والحرية ما دام الأفراد يحملون
في ذواتهم نزعة استبدادية أو استعلائية أو أقصائية أو تكفيرية أوتآمرية،
وما داموا عاجزين عن احتمال بعضهم عند الاختلاف أو الخطأ وما دامت نفوسهم
ضعيفة يخشون حتى من إبداء النصح فينقادون إلى التملق والمجاملات ويتعالون
عن النقد فيعادون من يحالفهم ويضمرون له الأذى ويكابرون بجهلهم فلا
يتواضعون لمن هو أعلم منهم.
إن
الأزمة الحقيقية هي في أن يكون "المثقفون" على هذا الحال من ضعف وتملق
ومكابرة زائفة... إنهم يغشون السلطة فلا ينصحون ولا يشيرون إنما يجارونها
بهدف احتلابها!
وإنهم يغشون العامة ليستمدوا منها وقارا زائفا وليجدوا لديها التقدير
والتبجيل.. إنهم أخطر من الكوارث الطبيعية... لسنا بحاجة إلى المزيد من
المنظرين والمتكلمين إنما نحن بحاجة أكيدة إلى ذوات صادقة متدفقة حبا
ومندفعة مسؤولية.
إن
الحاقدين والمتعصبين والمكابرين وضعاف النفوس لا يقدرون على شيء حتى وان
كانوا متعلمين أوما يصطلح عليهم بـ"مثقفين" وحتى إن كانوا "متدينين" أو
"عقلانيين". إننا نفتقر إلى "عقيدة في الإنسان" تؤهلنا لتحمل المسؤولية
واحتمال أخطاء الآخرين في اصطبار ورحابة صدر فلا ننظر إلى الإنسان على
انه "مستحضر كيماوي" غير قابل للتغير فنحدد أعداءنا وأصدقاءنا نعادي
هؤلاء إلى الأبد ونصادق هؤلاء ما لم يتغيروا أويختلفوا معنا.
اعتقد أن
المسؤولية تقتضي الاقتراب أكثر من مخالفينا نحاورهم ونستمع إليهم توسيعا
لدائرة الالتقاء. وكم نكون سعداء يوم يتحول "خصم" إلى صديق، لا فقط بفعل
تأثيرنا فيه وانضمامه إلينا بل وبفعل تأثرنا به واقترابنا منه.
فـ"الاختلاف" ليس مجرد شعار أخلاقي أو سياسي نكتفي منه بالاستماع إلى
الآخرين بل انه مبدأ معرفي وفلسفي بحيث نستمع إلى الرأي الآخر بهدف
الاستفادة منه وإفادته. وإن الحوار ليس مجرد منازلة كلامية نرجو منها
الانتصار لرأينا وإنما هو نشاط عقلي وتدافع فكري بحثا عما يمكن أن يكون
أقرب إلى الحقيقة والمصلحة.
لماذا
نتعامل مع "الإنسان" كما لو أنه "مستحضر كيماوي" معلب لا يتغير فنصنف
الأفراد تصنيفا سياسيا أو إيديولوجيا أو دينيا أو أخلاقيا فنطمئن لبعض
الأفراد أوالجماعات ونيأس من الآخرين؟ إنه الجهل بطبيعة "الإنسان" الوحيد
العصي عن التحديد. أليس بالإمكان أن يتحول من نعتقد أنه مجرم إلى مواطن
سوي؟ أليس بإمكان من نعتقد انه متخلف إلى حداثي مستنير؟ أليس بالإمكان أن
يتحول من نظنه جاهلا إلى عارف؟ ثم أليس بالإمكان أن يتحول من نحسبه خصما
إلى صديق أوشريك؟
أي فضل
لمن يزعمون أنهم مستنيرون حين لا يقتحمون الظلمة يخرجون أهلها؟ وأي جدوى
من معرفة من يدعون إنهم عارفون ومثقفون حين لا يواجهون الجهل؟ وأي
إنسانية لمن يظنون أنهم سعداء حين لا ينهضون لإنقاذ من يرونهم أشقياء؟
إنها
إعاقة في "الذات" وإنها أعظم من أن تتحملها أية سلطة سياسية حين لا يتحمل
الأفراد مسؤولياتهم وخاصة من يزعمون أنهم "مثقفون".
إن
أحد وجوه الأزمة في عصرنا هو فقدا ن "الجوهر" جوهر "الإنسان" وجوهر
"الكلمة".
الإنسان
بقوته الروحانية وملكاته الإدراكية وانفعالاته النفسية يتحول إلى مجرد
ظاهرة طبيعية لا يختلف عن بقية الظواهر في خضوعه إلى قوانين الطبيعة،
أوإلى مجرد "كائن" استهلاكي في سوق العولمة والإشهار.
ما الفرق
بين "الحياة" و"العيش"؟ ما الفرق بين "الكينونة" و"الوجود"؟ ما الفرق بين
"الإنسان" و"الحيوان"؟ إن مثل هذه الأسئلة لا تنتظر إجابات بقدر ما تنتظر
تمثلا والتزاما، وهذا ما أعنيه بغياب "جوهر الكلمة"
"الكلمة"
التي هي أرقى علامات إنسانيتنا تتحول إلى مجرد "شحنة كيميائية" – كما
يقول
أدونيس
– أي إلى مجرد صوت لا علاقة له بما نفكر فيه أو بما نشعر به. وقديما قال
الفيلسوف "تكلم حتى أراك" الكلمة ترجمة للذات حين يتلازم المقول والمعقول
والمعمول في لحظة سوية فتكون "الكلمة" ولادة معنى و"فعلا" في الواقع
وشهادة على العصر.
إن
الكلمات الجميلة تحولت إلى ما يشبه زهور البلاستيك بلا روح ولا رائحة ولا
"حياة" إنها مجرد رموز خاوية.
يتكلم
الجميع في السلطة والمعارضة وحتى العامة عن "الحرية" و"الديمقراطية"
و"حقوق الإنسان" وكرامة الذات البشرية و"المدنية" و"العقلانية"
و"الإبداع" و"الفن" و"الوطنية".
وتتكلم أعظم دولة في العالم بهذه الشعارات الجميلة بل وتزعم أنها حامية
"الإنسان" وتسعى إلى فرض "الديمقراطية" و"الحرية" ومع ذلك نرى الإنسان
"يشقى".
يشقى
بفساد "جوهره" حين نضب فيه دفق الحياة واعتملت فيه نوازع الكراهية
والأنانية والقسوة والحقد والتعصب والتكبر والخوف والنفاق فأصبح لا يقدر
على تحمل الاختلاف أو الخطأ بل وحتى لا يقدر على تحمل ذاته فلا يعترف
بخطإ أو جهل ولا يقبل بنصيحة ولا يتواضع فلا يسأل عما يجهل... ويشقى بما
يسلط عليه من خارج من عدوان مادي ومعنوي ممن هو أقوى وحتى أضعف.
لقد
استطاع أفراد صادقون أن يغيروا مجرى تاريخ مجتمعاتهم واثروا في العالم
تأثيرا ايجابيا فكيف يعجز ملايين "المثقفين" في العالم على إيقاظ
"الإنسان" النائم فينا؟ كيف لم يستطيعوا إنقاذ البشرية من هذا النزوع
المريع نحو الخراب؟
إن إلقاء
المسؤولية على ما يسمى "بصناع القرار" أو الأنظمة السياسية هو
ضرب من "الجبرية الجديدة" وإعفاء للمثقفين ورجال الإعلام والمربين ورجال
الدين والعامة من كل مسؤولية.
إن
"أسوأ" إنسان في العالم هو تعبير عن تعبير صادق عن سوءة العالم. إنه
صنيعة ثقافية ودينية واجتماعية واقتصادية... وان يأسنا من إصلاح
المنحرفين هو تعبير عن انحراف منهجي في الإصلاح وعن يأسنا من "الإنسان".
ليس هذا
كلاما صوفيا أو أخلاقيا تجريديا بقدر ما هو واقعي نابع عن عقيدة في
"الإنسان" هذا الكائن العصي عن التحديد. وسيظل العالم يسبح في سراب
ودخان، ستظل البشرية تغرق في الدماء وفي الشقاء ما لم نكشف عن عمق
"الإنسان" بقوته الروحانية وملكاته الإدراكية وانفعالاته النفسية
واستعداداته الكامنة على التغير والتطور نحو معاني "الحياة" و"الوجود".
فهل
أزمة بمثل هذا العمق يمكن أن تكون قطرية؟ وهل يمكن أن تكون من صنع جهاز
حاكم؟
الذين
يشتغلون على هذه الفرضية سينتهون إلى اليأس أو إلى تعقيد الأزمة يوم
يقررون مواجهتها بنفس الآليات التي صنعتها وها نحن نشهد تراشقا بكل
النبال الصدئة من مختلف الجهات حتى أن الفكرة الحرة لا تجد مكانا آمنا
توقد فيه.
إن لم
تكن "زيدا" فأنت "عمر" وإن لم تكن "أبيض" فأنت "أسود" وليس لديك متسع من
الصدور وانفتاح العقول لكي تقول بأنك تشفق على هؤلاء وهؤلاء، وإن الحرية
أرحب من أن تضيق بفكرة، وإن الطبيعة تحتمل كل الألوان وكل الأشكال وكل
الأحجام وكل الأصوات وإن الحقيقة موزعة بين كل العقلاء وإنه لا يأس من
"الإنسان" ما دام فيه قبس من روح الله.
أنا لست
محترف "سياسة" لا أصلح لها ولا تصلح لي ولكني ولكوني مواطنا ووطنيا واعيا
أعي تفاصيل ما يحدث من حولي وأستشرف ما سيحصل... ففجر إعلان بيان السابع
من نوفمبر سنة 1987 تدفق فيّ أمل طافح ثم ما لبثت أن شعرت بالقلق...
فكتبت مقالا عن البيان وبناء الإنسان وقلت إن مسؤولية التغيير لا تتحملها
السلطة لوحدها وإنما هي مسؤولية كل المواطنين وخاصة المثقفين والمربين
ورجال الإعلام والفنانين وان بداية التغيير لا تكون إلا ببناء الإنسان
الجديد في وعيه ومفاهيمه وقيمه ووطنيته ومنهج تفكيره. وقلت إن الكثير من
المنافقين سيندفعون إلى المقاعد الأمامية وسينشغلون بالمدح والإطراء بدل
التجديد والبناء...
لماذا
نخشى النقد والنصح ما دمنا صادقين؟ لماذا لا نقول إلا ما نظنه إرضاء
للسلطة بدل قول ما ينفعها وينفع البلاد؟ وكتبت مقالا سنة 1989 بإحدى
الصحف العربية حذرت فيه من سوء استغلال أجواء الحرية المتاحة يومها، من
قبل بعض المثقفين والأحزاب السياسية، وقلت حينها إن الحرية مسؤولية وإن
الكتابة فعل تاريخي وشهادة على العصر وليست إذكاء للأحقاد أوتحريضا على
الفتنة...
إن أي
سلطة في أي عصر لا تحتاج إلى من يمدحها لأن من بين مهامها التقليدية
الحديث عن إنجازاتها والتعبير عنها بالصوت والصورة والحبر، ولكنها تحتاج
من يطرح عليها الأسئلة المنبهة ويقدم لها النصح ويكشف عن بعض النقائص
بنية صادقة في الإصلاح.
لماذا
يشغل الكثير من المثقفين أنفسهم إما بالدفاع عن السلطة وإما بالكشف عن
نرجسيتهم وسلطتهم الأدبية أوالفنية ولا يهتمون بالكشف عن عمق الإنسان
وجوهره؟
لماذا يستعمل "السياسيون" خطابا متحفزا نافرا مشحونا إقصاء وعدائية تجاه
المخالفين؟
إننا
بصدد أزمة في عمق "الإنسان"، وإن الذات البشرية لا يمكن أن تكون خاوية.
فإذا لم تنشأ على قيم الحياة ومعاني "الوجود" بما هي حرية ومسؤولية ووعي
وإبداع وتجدد، فستكون بالتأكيد وعاء لقيم تدميرية سواء أكانت دينية أو
فوضوية.
سيلجأ
شباب كثير إلى معان يظنونها "دينية" نافرة حاقدة سدا لفراغهم من معنى
"الحياة" وسيكونون خميرة فاسدة لأي نزعة فوضوية يندفع إليها اليائسون.
وسيلجأ شباب كثير إلى ما يظنه مصادر اللذة تعويضا عن لذة المعنى
والمسؤولية والوعي بالذات فيسلكون كل مسلك مخالف للتقاليد والقانون.
وبعدها سيكون يسيرا على أي قاعد أن يلعن الظلمة ألف مرة. وقد جاء في
الحديث "من قال هلك الناس فهو أهلكهم". |