|
تأليف
لطفي حجي
تقديم
سليمة
عرفاوي
حول
مفهوم الزعامة والإمامة يدور كتاب "بورقيبة والإسلام" للصحفي التونسي
اللامع لطفي حجى. وهو كتاب أراده صاحبه أن يكون قطيعة مع الدراسات
السابقة حول بورقيبة خاصة في استعراض تجربته السياسية والفكرية،
برغماتيته وبالأساس طريقة تعامله مع التراث الديني وهي محاولة لإنصاف
الرجل وفكره.. الكتاب صدر في طبعة متوسطة الحجم في 262 صفحة عن دار
الجنوب للنشر بتاريخ ديسمبر 2004.
أول ما
يشد في هذا الكتاب هو طريقة الطرح والتعامل الجريء مع تجربة شهت الكثير
من الانتقاد إبان تطبيقها إلا أنها تبرز في الواقع السياسي العربي الراهن
طريقة شاملة في الطرح سبقت زمنها لأنها اعتبرت الاستثمار في الرأس مال
البشري أساس التنمية، واعتماد الجرأة والإقناع والتدرج أداة لتحضير الشعب
للتغييرات التي اعتمدها بورقيبة، عكس التجارب العربية الأخرى التي تبنت
إيديولوجيات مغلقة حاولت أن تفرضها فرضا لتغيير الواقع، وهذا ما تسبب في
فشلها لأنها لم تحقق أيا من الشعارات التي رفعتها حول التنمية وتحرير
فلسطين والقضاء على الطبقية...
جدير
بالقول
إن
التجارب السياسية الوطنية
التي أعقبت
الاستعمار
كانت تحمل الكثير من الطموحات للشعوب العربية غير أن التعامل مع
الايدولوجيا
التي حملتها تلك التجارب
بتصلب
وشمولية
أفرز واقعا رديئا نرى نتائجه الآن في التخلف الحضاري والاقتصادي
والاستبداد السياسي والانفراد بالسلطة الذي
ظل
صفة ملازمة
للنظام العربي في عمومه،
وهو ما
أساء
لتوجه العديد من التجارب الإصلاحية التي كان يمكن أن تكون ناجحة
مثلما كان
الشأن
مع
التجربة البورقيبية
حسب ما يرى الكاتب.
ولكن من مفارقات هذه التجربة انه عند وفاة بورقيبة مشى في جنازته معارضوه
قبل مؤيديه، فتجربته حسب العديد من الباحثين كان يمكن أن تكون نموذجا لو
أن بورقيبة تخلى عن السلطة في زمن مبكر وانه، كما فعل سنغور، عمل على
تأسيس فكرة التداول على السلطة وإيجاد آليات للعمل الديمقراطي. إذن تتنزل
قراءة
التجربة التونسية البورقيبية كغيرها من التجارب في إطار جهد يروم قراءة
تجارب سياسية متميزة للاستفادة منها في إطار التوجه الحالي الذي يدعمه
العرب والغرب للإصلاح السياسي داخل العالم العربي الذي يكاد يكون
استثناء عالميا فلا المجتمعات الغربية ولا الإسلامية ولا الآسيوية ولا
الإفريقية وجدت صعوبة في تبني الديمقراطية، الدول الوحيدة التي فشلت في
اعتماد هذا المسار هي الدول العربية.
لماذا
بورقيبة؟ سؤال شرعي والإجابة هي أن بورقيبة دون بقية الزعماء العرب جمع
بين بعد النظر السياسي وبين الإصلاح
كممارسة. فالرجل، حسب المؤلف، أكد انه امتداد
لحلقة متواصلة من المصلحين والزعماء الذين عرفتهم البلاد التونسية
والعالم العربي والإسلامي. وقد جمع إلى جانب زعامته السياسية الاهتمام
بإصلاح الجوانب الاجتماعية والدينية والثقافية... كما أنه تميز بأسلوب
جديد في التعاطي مع الواقع السياسي وهو اعتماد الواقعية والعقلانية
والابتعاد عن العواطف والديماغوجيا، خاصة وانه ظهر وسط واقع إقليمي تهيمن
عليه الشعارات والعاطفة والأحلام. والسؤال المزدوج الذي يطرحه الكاتب هو
لماذا بورقيبة ثم لماذا الإسلام. فعن السؤال الأول يفترض أن بعد النظر في
السياسة البورقيبية أثبتتها التوجهات التي وجد العرب أنفسهم مساقين إليها
وأفقدتهم الكثير من المبادرة والامتيازات. وكان يمكن تجنب ذلك لو تم
التعامل بايجابية معها مثل مبادرته لحل القضية الفلسطينية. فأوسلو مثلا
حمل للفلسطينيين أقل بكثير مما كانت ستحمله المبادرة البورقيبية، وحرب
الخليج الثانية أثبتت تهافت الشعارات الطوباوية حول الوحدة العربية...
ثم لماذا
الإسلام؟ لأنه منذ أيام حكمه الأولى بدا بورقيبة ينبش في الموروث الحضاري
ويعيد التعاطي مع الإسلام السائد فانتهج رؤية إصلاحية تعتمد الاجتهاد فهو
يدعو "إلى اعتماد الاجتهاد حتى مع الخطأ" كما يقول المؤلف. وشملت
"اجتهاداته" ميادين كثيرة مثل القضاء والمراة والتعليم وحتى العبادات وهي
فضاءات كانت تعتبر حكرا على مشائخ الإسلام بجامع الزيتونة وكانت جامدة لا
تتفاعل مع تغير الزمن. ومما يزيد من أهمية اليحث في موضوع بورقيبة
والإسلام أن ما تعرض له بورقيبة من نقد وصل حد التكفير لا يزال محط جدل
إلى اليوم. وقد كانت له الجرأة ليحسم في قضايا لا زال يتخبط فيها العالم
الإسلامي من مثل هل أن الإسلام هو المصدر الأساسي للتشريع أم هو مجرد
مصدر، على أهميته، يظل في حاجة إلى معاضدته بمصادر أخرى.
قسم
الكاتب النص إلى ثلاثة أبواب تحدث في الباب الأول منها عن بورقيبة
والعلمانية معتبرا أن العلمانية مفهوم لم يكتمل تحديده وأن وصم بورقيبة
بهذه الصفة بعد اعتبارها -أي العلمانية- لا دينية قد تكون مجحفة بحقه
خصوصا وان بورقيبة قد اعتبر نفسه مجتهدا ولم يحقر من شان الدين أو يحاربه
وإنما حارب بعض المتحدثين باسمه مثل مشائخ الزيتونة في إطار صراع سياسي.
حتى وإن كان قد دخل في صدام مع زعمائهم فان هم بورقيبة كان الخروج بتونس
من التخلف بشتى تمظهراته والإسلام الذي كان سائدا كان مظهرا من تلك
المظاهر. وقد ابرز حجي في سياق هذا الباب رسالة الشيخ عبد العزيز بن باز
مفتي السعودية التي كفر فيها بورقيبة، كما وقف عند رد الشيخ يوسف
القرضاوي على اجتهادات بورقيبة والخاصة بضرورة اعتماد ولاة الأمر في
الاجتهاد، والموقف من المرأة وخاصة في مسألتي الميراث وتعدد الزوجات. وهي
مسائل لم تحسم إلى اليوم في المجتمعات العربية حتى وان لقيت دفعا من قبل
قوى عالمية لجعل العالم العربي يتبنى الإصلاح خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر.
فبورقيبة
الذي كان يعتبر أتاتورك مثالا يحتذي به لم يساند رؤيته للدين على انه سبب
للتخلف بل أن الدين كان في رأيه سببا في أن الحضارة العربية أشرقت في وقت
من الأوقات على العالم كما أن الدين كان أداة للحفاظ على الهوية التونسية
ودافعا لاستنهاض الشعوب مثلا للجهاد ضد المستعمر وضد الذوبان في هوية
أجنبية. لكن إعجابه بأتاتورك يبقى في مستوى إعجاب بقائد شجاع استطاع أن
يحافظ على وحدة بلاده من التفرقة بعد الحرب العالمية الأولى كما استطاع
الخروج ببلاده من التخلف، رغم الاعتراض على محاولته فصل تركيا عن محيطها
الجغرافي والسياسي واعتباره أن أتاتورك لم يهيئ المجتمع التركي لقبول
النظام الجمهوري فلم يتحول هذا إلى مطلب جماهيري.
الباب
الثاني تعرض فيه الكاتب إلى معارك الإصلاح أو ما يسميها بورقيبة "الجهاد
الأكبر" وهي التي تزامنت مع خروج المستعمر وتخص بالأساس قضايا المرأة (إذ
صدر قانون الأحوال الشخصية بعد 3 أشهر فقط من الاستقلال) معتبرا عمله
امتدادا للفكر الإصلاحي العربي عموما، متأففا من النظرة التحقيرية التي
ينظر بها إلى المرأة فعمل على نقد الأسس الإيديولوجية التي تبرر امتهان
المرأة معتمدا عل قراءة النص الديني بعيدا عن تفسيرات الفقهاء. نفس
الآليات التي اتخذها في مسالة إصلاح التعليم لجعله مواكبا للتقدم الفكري
والتكنولوجي خصوصا وان مفهوم التقدم صار يتمحور حول الحرية، العدل،
العقلانية.. ومن هنا الإصلاحات التي عمل على القيام بها ابتداء من إصلاح
التعليم الزيتوني وتوجيهه نحو التعليم الديني فحسب وتطوير بقية المؤسسات
التعليمية لتلقي التعليم العصري واللغات. وقد كانت أهم المعارك التي
خاضها تصب في هذا الباب وفي مجال العبادات التي أراد أن ينشئ فيها رؤية
جديدة جوبه بصد من الناس فتراجع عنها مثل مسالة "الدعوة إلى الإفطار في
رمضان للاستقواء في معركة التنمية". وهذا ما اعتبره حجي الحلقة الأضعف في
تعامله مع الإسلام.
وفي
الباب الثالث تحدث حجى عن التأويل البورقيبي للإسلام مستهلا الحديث عن
ضرورة رفع صفة عدم اللامبالاة بالإسلام عنه وهو الذي كانت له مواقف تستند
إلى اعتبار الدين من مكونات الهوية التونسية وظهر ذلك جليا في اعتراضه
على إقامة المؤتمر الافخرستي بتونس أيام الاحتلال أو في قضية الحجاب التي
اعتبرها في البداية من مكونات الهوية التونسية وفي مسألة التجنيس التي
عدها منافية للدين لأنها مساهمة في تذويب الشخصية التونسية في هوية اكبر
استعمارية مستندا إلى بعض الفتاوى التي عمل على أساسها الوطنيون لتحريك
المقاومة ضد الاستعمار ولكن في نفس الوقت كشفت بعض المواقف التي اعتمدها
بعض المشائخ وظهروا بها وكأنهم غير وطنيين، استخدمها بورقيبة ضدهم
لاستمالة الرأي العام. وهذا ما مكن بورقيبة وحزبه من أن يكونا ناطقين
باسم الإسلام بعد أن تم استبعاد الناطقين باسمه وهم مشائخ الإسلام
الزيتونيون.
فالنص
يعد محاولة لإنصاف الزعيم بورقيبة من خلال تبيان مفهوم الجهاد الأكبر
الذي عناه والذي سعى على أساسه أن يطور المجتمع التونسي. فبورقيبة، كما
يؤكد صاحب الكتاب، لم تكن لديه إيديولوجيا واضحة، وما ساعده في عمله هو
ان رؤية لم تكن مرتبطة بضوابط معينة ولم يسع لتطبيق النظريات التي تبنتها
حكومات عربية أخرى وطبقتها تعسفا على شعوبها دون تهيئتها للقبول بها
طوعا، خصوصا وان أول معركة خاضها بورقيبة بعد الاستقلال هي معركة
الإنسان، فكان يجب أن يقع تطوير الأذهان أولا والتحضير المادي المساعد
لذلك مثل فرض مجانية التعليم واجباريته والعمل على بروز الطبقة المتوسطة
التي ستعمل الكفاءات التي ستفرزها على النهوض بالمجتمع فيكون النهوض
شاملا وبأيدي جميع التونسيين. والعمل على القضاء على الأمراض بتكفل
الدولة بمجانية الصحة ونشر التثقيف الصحي في القرى والأرياف. وتطبيق أكثر
الرؤى الاقتصادية التي اعتبرها ناجعة، ومن هنا مثلا محاولة فرض تجربة
التعاضديات الفلاحية التي لم تثبت جدواها فتخلى عنها وقد كانت الرؤية
البوقيبية غير متحجرة فالرجل على عكس الزعماء العرب كان يطبق رؤى إن
أثبتت عدم فاعليتها تخلى عنها وسعى إلى غيرها. وكانت نظرته خصوصا في
بداية عمله السياسي تعتمد التجريبية فكان يحاول من خلال الخطب والتوجيهات
أن يوجه الرأي العام ويقنعه بالتوجهات التي يزمع أن يسير عليها ومن هنا
مثلا طريقته الذكية في جعل التونسيين يتبنون رؤيته حول حرية المراة. فقد
كان يستند في طريقته في الإقناع على أمثلة من الواقع بإثبات التضحيات
التي تقوم بها المراة كأخت وأم وزوجة. وكان يضرب الأمثلة بوالدته
ومعاناتها وزوجته وتربيتها لشقيقها. فالعدالة التي يطلبها هي مساوية
للتضحيات والمجهود في البناء الذي تقوم به المراة. |