|
تونس –
أقلام أون لاين - خاص
المحاضر هو
الدكتور الصادق بالعيد، أستاذ بكلية الحقوق تونس 2 عميد سابق بنفس
الكلية، أستاذ زائر لعدد من كليات ارو ربا وأمريكا، دارس وباحث في
القانون له العديد من الدراسات والبحوث منها على سبيل المثال كتابه
"الإسلام والتشريع" الذي كان محور المحاضرة التي ألقاها يوم السبت
14/1/2005 بمقر منتدى الجاحظ.
"في محاولة
للإجابة على جملة التساؤلات الهامة التي تتعلق بالإسلام وتحديدا نشأة
المعارف والعلوم الإسلامية، مثل هل هذه العلوم داخل التاريخ أم خارجه هل
هي مسقطة من الماوراء أم هي نتاج للتجربة الاجتماعية، تتنزل هذه
المحاضرة، وهي عبارة عن حلقة في سلسلة من الأنشطة الفكرية التي ينظمها
المنتدى تحت عنوان "تحديد الإطار الذي ضبط من الناحية التاريخية نشأة
العلوم والمعارف الإسلامية".
هكذا افتتح
صلاح الدين الجورشي رئيس منتدى الجاحظ ومنسق الجلسة مداخلته الافتتاحية
واضعا الإطار الذي تتنزل فيه المحاضرة مؤكدا على راهنية وإلحاحية القضايا
التي سيقع تناولها بالنسبة للعالم الإسلامي اليوم.
في بداية
كلمته أعرب الدكتور عن سعادته وامتنانه لهذه الدعوة مثمنا إياها وشاكرا
الساهرين عليها، ليدخل بعدها مباشرة في صلب الموضوع. الدكتور بدأ
بالتأكيد على أن أحد أهم الثوابت في طريقة تفكيره هي إيمانه الكبير
بأهمية المنهج المقارن كطريقة للبحث والاستقصاء، فهو يمكننا كما يرى من
طرح المسائل التي لا يمكن للفكر أن يهتدي إليها (بمجهوده الخاص) كما قال.
المقارنة
بدأها الدكتور بهذه المسلمات البسيطة وهي أن الإسلام هو دين جاء عن طريق
الوحي إلى نبي مختار، وفي هذه النقاط يشترك الإسلام مع المسيحية
واليهودية، نحن إذا كما قال أمام ثلاثة أديان قائمة على الوحي.
أما الدين
اليهودي فقد نشا حوالي 1500 سنة قبل ميلاد السيد المسيح عليه سلام الله،
ولكنه استرسل لمدة طويلة من خلال تسلسل الوحي والأنبياء ، تواصل ذلك حتى
بداية القرن قبل ظهور المسيح عليه السلام، حين وقع مؤتمر لبنة(لبنة بلدة
صغيرة قرب غزة)الذي وقع الاتفاق خلاله بين الأحبار والكهنة على إيقاف
العمل بالوحي، في نفس هذه الفترة ولد السيد المسيح عليه السلام واتى
برسالة قام بالدعوة إليها لمدة ثلاثة سنوات
وفي حين أن
الأحبار كتبوا العديد من الكتابات المنسوبة إلى سيدنا موسى عليه السلام
ومن جاء بعده، فان المسيح لم يكتب كلمة واحدة، الوحي المنسوب إلى السيد
المسيح إذا لم يأت مباشرة منه بل أتى من خلال التأويل الذي قام به
الحواريون من بعده .
أما بالنسبة
للإسلام فنحن أمام وضعية مختلفة تماما، نحن أمام رسالة قامت على قاعدة
تراث قديم ومعروف في المجتمع الذي نزل فيه الوحي كما يرى الدكتور، وعلى
عكس الوضعيتين الأخريين، هذا الوحي قاله الرسول (ص) ووقع نشره وحفظه في
حياته، وأمام هذه الخاصيات للقرآن الكريم من حيث نزوله كله على الرسول
(ص) وحفظه وكتابة اغلبه في حياته (ص) نجد فوارق بين التجربتين الوحييتين
والإسلام.
وبعد أن بين
الدكتور ما شاب عملية تدوين الوحي بالنسبة لليهودية والمسيحية من شوائب
كامتداد التدوين على مسافة من الزمن تصل إلى 1500عام واحتواء ما سمي
بالوحي على بعض من كلام سيدنا موسى عليه السلام وكلام الأنبياء من بعده
وكتابات وآراء العلماء يخلص بالنسبة إلى اليهودية إلى أن مادون في
التوراة ليس وحيا خالصا بل هو خليط من كل ما ذكرنا، أم بالنسبة إلى
المسيحية فنكتفي بالشارة إلى أن 99 في المائة مما جاء في التوراة هي
عبارة عن ذكريات غير مباشرة كتبها الحواريون
الدكتور
انتقل للحديث بعدها عن الإسلام فأوضح أن القرآن كتب بإملاء الرسول (ص)
وحفظ الكثير منه كتابة هذه الخصوصية للنص القرآني ستجعل منه عند البحث في
مصادر التشريع المصدر الأول والمرجع الأساس لكل اجتهادات الفقهاء.
وقبل أن
يتعمق الدكتور في بحث هذه المسالة يعود مجددا إلى المقارنة، مقارنة الكتب
السماوية الثلاثة وهذه المرة من جهة كونها مصادر للتشريع فيذكر أن في
التوراة تشريعات كثيرة ومدققة تهم كل مناحي حياة الفرد من أكله إلى
معاملة زوجته... في حين أن في الإنجيل لا نجد تشريعا، نجد فقط رسالة
يطالب فيها المسيح عليه السلام إخوانه من اليهود العودة إلى صحيح العقيدة
وما جاء به الأنبياء من قبله وكان يقول كما يذكر الدكتور "أنا أتيت لا
لأشرع ولكن لأصحح ما جاء من قبلي" فما جاء إذا من تشريع في المسيحية هو
من صنع القساوسة والكهان.
أما بالنسبة
للإسلام فمن يقرا الكتاب العزيز من أوله إلى آخره يتأكد لديه بصفة واضحة
حسب الدكتور ان هذا الكتاب كتاب هداية ودعوة إلى الرجوع إلى الدين الحق
فـ90% من آيات القران الكريم تتحدث عن الغيبيات والكونيات وعلاقة الإنسان
بربه و10 في المائة فقط تتحدث عن علاقة الإنسان بالإنسان أي تتحدث عن
التشريع.
هذه العشرة
بالمائة قام الكاتب بغربلتها من خلال إزالة الآيات التي هي في ظاهرها فقط
آيات أحكام أو هي حكمية من الناحية اللغوية فقط وهي الآيات التي تأتي
بصفة مباشرة آو غير مباشرة بأمر كان يقال افتح الباب مثلا ذلك أن ابن
عربي كما يرى الباحث قد ضمن كتابه "آيات الأحكام" العديد منها دون أن
تكون آيات حكمية من الناحية التشريعية.
أما إذا
طبقنا التعريف الذي يقول إن الآيات الحكمية هي الآيات التي تتحدث عن موقف
وتقدم جزاء لذلك الموقف كقولك لا تقتل جارك فإذا قتلته فانك تتعرض إلى
كذا... فلن يتبقى لدينا من الـ600 آية سوى ما يزيد قليلا عن 200. فإذا
أدخلنا في الاعتبار أسباب نزول بعض الآيات وناسخها ومنسوخها باعتبار أن
بعض الآيات نزلت لتعالج مسالة ظرفية محددة وأخرى تم نسخها فلن يتبقى
لدينا سوى ما يقارب الـ50 آية هي التي يمكن أن توضع على أنها آيات
الأحكام بالمعنى التشريعي.
السؤال الذي
يطرحه الدكتور هنا هو: من أين جاءت إذا كل هذه المدونة التشريعية التي
أصبحت ميزة لحضارتنا العربية الإسلامية؟ من أين يأتي التخويل – كما قال –
وهذا التأهيل للتشريع؟
للإجابة على
هذه التساؤلات لابد حسب الدكتور من العودة إلى الإمام الشافعي وقوله من
أن كل نازلة تنزل بالإنسان تهم دينه أو دنياه فلها في كتاب الله حل
.الشافعي كما يرى الدكتور لم يقدم دليلا على ما ذهب إليه ويجب أن ننتظر
10 قرون حتى نجد الاجابة عن ذلك عند الإمام الشاطبي حين قال أن الإمام
الشافعي لم يقل إن القرآن هو مدونة تشريعية كاملة وصالحة لكل زمان ومكان
وإنما أراد أن يقول أننا نجد في القرآن الأصول الكافية لنستنبط التشريعات
والأحكام لما يستجد لنا من أحداث.
ويختم
الدكتور حديثه بالتأكيد على أن جملة من الإشكالات تعترض قراءتنا لآي
الأحكام منها مثلا علاقة الخاص بالعام والظرفي بالأزلي، كما تطرح علينا
إشكالات أخرى من نوع كيف نحاول مقاربة النص القرآني هل من خلال ما جاء
فيه وتضمنه أم من خلال ما ركب عليه من قراآت الفقهاء والمحدثين
والمفسرين. والرأي عنده هو أننا أولا يجب أن نبتعد عما تسرب إلينا من
اليهودية في هذا الخصوص، فاليهود يقولون لا تقرؤوا التوراة بل اسألوا أهل
التلمود وأهل التلمود هم الأحبار والكهنة.
ويدعو الدكتور إلى القفز فوق ابن عاشور والشاطبي والشافعي والعودة لقراءة
الكتاب مباشرة.
بعد انتهاء
المحاضرة
فتح باب التدخلات
التي
أعرب من خلالها كل المتدخلين
عن
تنويههم بالباحث واهتمامه بالمدونة التشريعية الإسلامية، ذلك أن هذه
المدونة على أهميتها وارتباطها الكبير بمجلة العقود والالتزامات التونسية
إلا أن قلة من أهل الاختصاص أولوها بعضا من اهتمامهم.. القانوني يوسف
الرزقي أثار في تدخله أيضا علاقة الدين بالقانون وأشار إلى أن بعض
الحدثيين كما اسماهم ذهبوا إلى القول بعدم وجود علاقة بين الدين
والقانون، وقال إن المسالة حسب رأيه ليست إمكان وجود هذه العلاقة أم لا؟
إنما هو اختيار أن تكون هناك علاقة بين الدين والقانون أم لا؟
كما أثيرت
أيضا مسالة وصم التشريع بالإلهي أو الإسلامي، فإلصاق صفة الإسلامي
بالتشريع ليس فيه إشكال على اعتبار انه ينطلق من أرضية إسلامية إنما
الإشكال عندما نضيف كلمة الإلهي إلى تشريعنا لنصب عليه هالة من القداسة
ونعطيه الشرعية. كما أثيرت أيضا مسالة الاكتفاء بالقرآن لوحده كمصدر
للتشريع وتساءل أحد المتدخلين إلى أي مدى يمكن التركيز على القرآن لوحده
لتأسيس المنظومة التشريعية.
أما عن
الصعوبات الناجمة عن التأرجح بين الناسخ والمنسوخ والظرفي والأزلي فهي
كما يرى احد المتدخلين لا تخص المنظومة التشريعية الإسلامية لوحدها، بل
تهم كل المنظومات التشريعية، وعلى الفقهاء تبيان ذلك، يعني تبيان الظرفي
من الأزلي والمحكم من المتشابه والناسخ من المنسوخ. وأضاف أن أهم المشاكل
التي يمكن أن تعترضنا في هذا الصدد هي تناثر عدد كبير من النصوص
التشريعية في القرآن وسط عدد هام من النصوص التي تتحدث عن الكونيات
والغيبيات والأخلاقيات وهذا المشكل سيكون مضاعفا برأيه إذا أردنا التعامل
مع السنة النبوية. فإذا تم تجاوز الإشكال نسبيا بتحديد السند فان المطلوب
الآن هو تحقيق المتن. |