مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

ظلم ذوي القربى
بين التعذيب في أبي غريب والتعذيب في سجون تونس

 

 

في هذا العــدد

العراق من التحرير إلى التدمير الرئاسيات الأخيرة وتسريح المساجين حوارات أسرة التحرير
بين أبي غريب وسجون تونس نحو صياغة جديدة لعلاقة الإسلاميين بالسّلطة الحركة الإسلامية والبحث عن نقطة التوازن
الخرطوم تخطط للتخلص من الترابي العلاقات المغربية الجزائرية في اتجاه المجهول الحركة الإسلامية والإصلاح: المنظور البديل
النقد كوسيلة للارتقاء بقدرة العقل العرب بين قمع السلطة وخداع المعارضة المصالحة الوطنية في الجزائر
واقع التيار القومي العربي في تونس ما هو دور الشعوب في تحقيق طموحات أمتنا الزيتونة.. تاريخ طويل من العلم والإصلاح

هذا المقال شهادة جديدة من الصحافي والسجين السياسي السابق الأستاذ عبد الله الزواري عن واقع السجون في تونس، وهي شهادة نابعة من معاناة طويلة مر بها الأستاذ الزواري، الذي يستغرب في هذا المقال كيف يغضب أبناء تونس على انتهاك حرمة العراقيين على أيدي جنود الاحتلال الأمريكي، ولا يغضبون لانتهاك حرمة أبناء بلدهم، والأمر يتم بين أظهرهم منذ نحو 14 عاما

عبد الله الزواري (*)

إثر نشر وسائل الإعلام العالمية على مختلف مشاربها ومحاملها صورا تظهر من بين ما تظهر مجندة أمريكية تسحب سجينا عراقيا عاريا من رباط في عنقه ارتفعت عديد الأصوات في بلدنا منددة بتلك الممارسات وقد أنحت عليها بأوصاف مختلفة فهي وحشية ومروعة وفظيعة وسادية ولاإنسانية، ومحتجة على ممارسيها مبرزة زيف دعواهم التي أوهموا السذج بأنهم من أجلها قدموا إلى العراق، مطالبة بمحاسبة من مارسها ومن غض الطرف عليها ومن أمر بها أو حث عليها ومن غفل عنها ولم يتفطن لها كذلك... ولم يترددوا في إدانة مختلف الرتب العسكرية والسياسية بدءا من المجندة إلى قائد الجيوش بل إلى وزير الدفاع ذاته...

وككل نظام ديمقراطي يحترم مواطنيه ويحترم حقهم في الإعلام تكونت لجان التحقيق والتقصي في صلب الإدارة العسكريـة والمجالس المنتخبة وأصدرت تقاريرها واطلع عليها الـرأي العام.. وقامت وسائل الإعلام بدورها في إنارة الشعب فأخضعت تلك التقارير للتمحيص والنقد ولم تتردد في تعبير عن خيبة أملها في نتائج التحقيقات وعدم رضاها عنها، ولم يتهم مسـؤولوها ومحرروها في وطنيتهم ولم يمثلوا أمام النيابة العامة ولم يقدم أحدهم استقالته محافظة منه على حياة الصحيفة، ولم تصادر أعدادها، فهذه "الواشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" تعنونان افتتاحيتيهما يوم 24 جويلية 2004 بنفس الكلمة (تبرئة) وتبرز الأولى خبث النية في إصدار التقرير الخاص بتعذيب المساجين في نفس يوم صدور تقرير 11 سبتمبر، وهذه الإذاعات المسموعة والمرئية تتسابق للظفر بتصريحات الجنود والمسؤولين دون أن يذكٌروا بضرورة الامتثال إلى واجب التحفظ...

ونحن إن حاولنا تحديد هذه الانتهاكات والتجاوزات نقول:
- عزل بعض المساجين مدة لا تتجاوز شهرا.
- عزل بعضهم في غرف باردة أو مرتفعة الحرارة.
- ضربهم والدوس على أصابع أيديهم وأرجلهم.
- تعريتهم.
- إجبارهم على الاستمناء أمام بعضهم البعض.
- إجبار سجين على تمثيل عملية رضع العضو الذكري لسجين آخر.
- سحب سجين من رباط في عنقه.
- منعهم من الماء والطعام والذهاب إلى المراحيض.
- سبهم وشتمهم واستخدام نعوت غير لائقة.
- تركهم في أوضاع مرهقة لساعات طويلة ومنعهم من النوم.
- تحريش الكلاب بهم أثناء التحقيقات.
- وضعهم في غرف مظلمة أو شديدة الإضاءة...

ونحن نذكر أن هذه الانتهاكات كانت تمارس أثناء التحقيقات مع الموقوفين لا مع مساجين صدرت الأحكام في شأنهم لا سعيا إلى تبريرها، ولا بحثا عن أعذار لممارستها، تخفيفا من فظاعتها بل لنقول لمن غاضتهم تلك التجاوزات ـ وهي تغيض حقا ـ في حق إخواننا في العراق فهبوا منددين، محتجين، مستنكرين، مطالبين بمقاضاة كل من ثبت تورطه في هذه الجرائم... نقول لهؤلاء جميعا إن مثل هذه المخازي وأقبح منها وأشنع كانت – ولا يزال بعضها- تمارس بين أظهركم وعرفناها في سجوننا تمارس على الأطباء والجامعيين والمهندسين والأئمة والطلبة و... تمارس عليهم وقد انتهى التحقيق معهم وصدرت الأحكام في شأنهم بل ظلت تمارس سنوات وسنوات بعد صدور تلك الأحكام، وارتفعت أصواتهم وأصوات عائلاتهم مستغيثة لكن لا مجيب... فأين كنتم يا سادتي؟ إن لم تكونوا سمعتم بها فهذه تقارير منظمة العفو الدولية بين أيديكم وهذه بيانات الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمجلس الوطني للحريات والجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين بتونس كلها بين أيديكم.

إننا لن نتحدث عن السب والشتم واستخدام النعوت غير اللائقة فلا شيء في الواقع السجني يشير إلى إمكانية التخلص منها، بل تعتبر عند الكثيرين " ماعون صنعة" ضرورية للنجاح في التعامل مع المساجين، ولا غرابة أن يستمرئ كثير من المساجين هذه المغالطة، ولن نتحدث عن وضع سجين في غرفة باردة أو حارة بل نقول إن السجين المعاقب ولسنوات طويلة وفي برد الشتاء القارس كان يمكن من "زاورة" واحدة كغطاء وفراش معا يتسلمها عند انتهاء التعداد المسائي (ساعة سادسة مساء ) وتسحب منه في الثامنة صباحا من اليوم الموالي، بل كان بعضهم يعمد إلى سكب الماء في الزنزانة ليقضي السجين يومه واقفا وهو حافي القدمين.

أما الضرب بمختلف أنواعه من لكم ودهس وركل وصفع فحدث عن البحر ولا حرج، بل كانت " الولائم " تنظم تحت إشراف مدير السجن وضباطه، وتستعمل فيها الهراوات و"الفلقة" ... والكل يعلم بذلك. أما تعرية المساجين فالحالات كثيرة واكتفي هنا بما عمد إليه ذلك الاختصاصي النفساني وتحت أعين مدير السجن عندما أجبر 5 مساجين على نزع ثيابهم كلها... بل لم يتورع عن دعوة السجناء في دروس التأهيل إلى ممارسة اللواط قائلا إنه ممارسة سوية لا يستقذرها إلا الفكر الديني الرجعي المتخلف، كما أجبر آخر سجينا على التجرد تماما من ثيابه والمرور أمام بقية زملائه...

ولا بأس هنا من إضافة نماذج أخرى من العقوبات اعتمده آخرون " لإصلاح "' المساجين مثل وضع سجين في برميل من ماء الجير بل تغطيسه فيه تماما، كما وقع تغطيس سجين آخر في بالوعة مياه مستعملة، وحقن آخر سجينا بكمية من الحليب الساخن أثناء إضرابه عن الطعام مما أدى إلى تعفن في المستقيم، كما وقع تعرية مجموعة أخرى وتزحيفهم مسافة طويلة وهم عراة أكثر من مرة... والقائمة طويلة جدا، بل تكاد الانتهاكات تعادل عدد المساجين، كما يكاد عدد المنتهكين لحقوق السجين يعادل عدد ضباط السجون وأعوانها...

لكن المفجع حقا، والمزري كذلك، أن لا يجد المرء في أي من سلط المجتمع ومن جمعياته- على كثرتها- من ينصفه، بل من يستمع إلى شكواه فحسب... ولعل البعض يذكر يوم وقف العقيد عبد الفتاح القلال أمام المحكمة العسكرية ببوشوشة مستعرضا أصناف العذاب التي سلطها عليه مدير سجن برج الرومي ومطالبته بمقاضاة من اعتدى عليه، واكتفى رئيس المحكمة بتسجيل طلبه في محضر الجلسة دون أن يسفر ذلك عن شيء يذكر، بل تواصلت تلك التجاوزات بشكل أوسع وبصورة أفظع... وبقيت "ولائم" الاستقبال تنظم إلى حدود 1995 بل بعد ذلك...

ولا زلت أذكر يوم زار رئيس الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية سجن تونس العاصمة في صائفة 1991 وارتأى دعوة بعض المساجين وكان من بينهم المهندس ع. ج. المقيم بغرفة 17 بالجناح المضيق ولم يتردد قي نقل ما رآه من تعذيب ممارس على بعض السجناء في رواق الجناح فكان جزاؤه أن أودع مباشرة غرفة المعاقبين...

أما العزلة التي اعتبرت -وهي كذلك- انتهاكا لحقوق الإنسان، بل تجريدا له من آدميته رغم أنها لا تتجاوز شهرا في العراق، فاعلموا يا سادتي، يا من أرقكم ما حصل هناك، أنه يوجد من أبناء بلدكم من لم يقتل جنديا أمريكيا أو عراقيا ولم يفجر طائرة "أباتشي" أو سيارة" هامفي" ولم يحجز يوما رهينة... لكنه مع ذلك يقبع في أجنحة العزلة المغلظة منذ ما يقارب 14 سنة! فهل تراها كافية لا لتنددوا بها بل لتهمسوا "كفى ما حدث"، فما قولكم؟ وما رأيكم؟

 سادتي: أي شعور تراه يتملك ذلك الشاب الدانماركي مثلا عندما يرى المسؤولين في بلده يوقفون أحد الضباط ويحقق معه وقد تسلٌط عليه عقوبة تصل خمسا وعشرين سنة إن ثبت تورطه فيما اتهم به من الاعتداء على أسرى عراقيين بعيدين عنه آلاف الكيلومترات ويخالفونه في العقيدة والعرق وغير ذلك...؟ إنه الشعور بالنخوة والاعتزاز وحب الوطن والغيرة عليه! أليس هو على يقين من انه لن يعتدي أبدا على حرمته الجسدية وأن لا وجود لأحد فوق القانون في بلده كما يستطيع مقاضاة أيا كان فيه... وأي شعور يتملك أحدنا والعربي عموما عندما يجرع العذاب ألوانا في بلده ومع ذلك قد مجت آذاننا الحديث عن حقوق الإنسان واحترامها والمقاربات الفذة للزعماء والقادة العرب؟!


(*) صحافي وسجين سياسي تونسي سابق
 

© Aqlamonline 2004