مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

الحركة الإسلامية والإصلاح
معضلة البحث عن نقطة التوازن

 

 

في هذا العــدد

العراق من التحرير إلى التدمير الرئاسيات الأخيرة وتسريح المساجين حوارات أسرة التحرير
بين أبي غريب وسجون تونس نحو صياغة جديدة لعلاقة الإسلاميين بالسّلطة الحركة الإسلامية والبحث عن نقطة التوازن
الخرطوم تخطط للتخلص من الترابي العلاقات المغربية الجزائرية في اتجاه المجهول الحركة الإسلامية والإصلاح: المنظور البديل
النقد كوسيلة للارتقاء بقدرة العقل العرب بين قمع السلطة وخداع المعارضة المصالحة الوطنية في الجزائر
واقع التيار القومي العربي في تونس ما هو دور الشعوب في تحقيق طموحات أمتنا الزيتونة.. تاريخ طويل من العلم والإصلاح


د.خالد الطراولي (*)

حديث الإصلاح

إن الحديث عن الإصلاح والمصلحين ذو شجون، ولا تخلو منه نظرية أو برنامج أو تصور أو رسالة، عايش كل أطراف انسياب التاريخ وكل محطاته، حمله الحاكم وهو يسعى إلى تركيز ذاته وإنجاح مشروعه، حبا لشعبه أو استخفافا بحاله، مكرها في غالب أمره وتحت ضغوطات رعيته..،  وحمله المحكوم وهو يأمل إلى تغيير واقعه وقد رأى الجور والظلم يجتاح أركان بيته ومجتمعه.

ويظهر الإصلاح هذه الأيام وكأنه موضة الموسم، أو أطروحة العقد، أو اكتشاف القرن، المشبع بدخان سياسات مواجهة الإرهاب، وأيديولوجيات صراع الحضارات. إن مصطلح الإصلاح من كثرة ما تداولته الألسن والأقلام هذه الأيام حتى لا تخاله  من مكتشفات هذا القرن كما كان البينيسلين في القرن الماضي، وأصبح ترياق الحل الكامل والجاهز لتخلفنا وسقوطنا وفقرنا ومآسينا وهزائمنا، ولعله يصلح لزكامنا وتورماتنا!

لعل الإضافة التي يحملها هذه الأيام تجاذب أطراف الحديث عن الإصلاح، أنه لم يعد مطلبا جماهيريا يتيما، أو تغليفة أميرية مباركة، أو ضغطا خارجيا مصلحيا، ولكنه كل ذلك، في لحظة من لحظات عودة الوعي أو تزييفه، في محطة من وطنية زاحفة، لعلها كانت متأخرة، ومن إجماع داخلي وخارجي تشوب بعض مناطقه الكثير من التساؤلات والحيرة!

لم يعد الإصلاح مطلب الفرد المعزول والمهموم والممكروب، لم يعد مطلب المعارضة وهي في ميدان المطالب والكرّ والفرّ والسعي إلى منازل التمكين، ولكن أصبح يُنادَى به من داخل القصر وفي بيت الحاكم علنية ومن خارجه على السواء، على اختلاف الرؤى والثنايا والأهداف، حتى قال أحدهم متهكما :" حتى الحاكم الذي يسافر إلى الخارج للتداوي والعلاج (هذه الأيام) تقول أجهزته للناس أنه ذهب في مهمة إصلاحية، خالطة بذلك بين الإصلاح العام والإصلاح الجسدي!"

والتحق بهذا الركب طرف ثالث، وليس بالهين ولا بالثانوي، ولكن لعله الأصل في هذه الأيام العجاف، والدافع في هذا المسار، وهو الخارج المهيمن، بجلبته وقوته ومصالحه. إن مجموع ما يطرح في هذه الفترة الحضارية الحرجة التي نعيشها، من إشكاليات وتصورات وبحوث يبدو فيها الجانب الخارجي ورائها، ودافعا أساسيا ومنطلقا لها. فكان الإصلاح إحدى هذه الثنايا التي كثر ضجيجها هذه الأيام كما صاحبه أو سبقه لمدة وجيزة  الضجيج حول تطوير الخطاب الديني وتقارب الأسواق وفتح الحدود وغيرها، وهو ما يعقّد الإشكال ويجعل الإمساك بأطرافه مهمة ليست بالهينة، ويتطلب الكثير من التريث والتعمق وعدم السقوط في الأحكام المسبقة ولا في الهامش قبل المتن، والحضور الدائم لإشكالية المصلحة والمبدأ ومحاولة التوازن الرشيد والواعي بينهما، حيث يظل الهدف الأسمى والمحدد لشرعية وكفاءة وصلوحية أي منهج وتصور ومشروع للإصلاح مدى، قابليته وقبوله من حامليه قبل منظريه.

إن الإصلاح عملية ومسار تغييري وليس ورشة ترقيع، يتأسس على وعي ورشد ينطلق من الواقع ليعود إليه، لا يحتمل الإسقاط ولا الانعزال والتقوقع،وهو يتمثل حسب زعمنا في المحطات والمنهجيات التالية :

·        الإصلاح عملية داخلية، بما تعنيه من منبت ومسار وهدف.

·        الإصلاح مسار متدرج ولكنه جذري، لا ترقيع فيه ولا تلفيق.

·        الإصلاح حالة تكاتف وتعاون ومشاركة وليس انفرادا وعزلة.

الحركة الإسلامية والإصلاح

لقد بدأ مصطلح الإصلاح عند المسلمين ديني المقصد والطابع، وكانت آية الإصلاح من سورة هود (إن أريد إلا الإصلاح ماستطعت) تذكيرا دوريا بهذا المفهوم التغييري والثوري الذي حفل به المقدّس الإسلامي. وكانت إطلاقية المصطلح  تعبيرا على ولوجه عوالم الاجتماع والسياسة والاقتصاد، وعدم حبسه في إطار ديني وشعائري ضيق. ولقد اعتمدت الحركة الإسلامية في بداية نشأتها على هذا الفهم السلمي والمتعدد الأبعاد للإصلاح والتغيير. يقول حسن البنّا "كان من نتيجة هذا الفهم العام للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمة، وتمثلت فيها كل عناصر غيرها من الفِكَر الإصلاحية، وأصبح كل مصلح مخلص غيور يجد فيها أمنيته، والتقت عندها آمال محبي الإصلاح الذين عرفوها وفهموا مراميها" [1].

لقد رافق مشروع الإصلاح الذي حملته الحركة الإسلامية هنات ومعضلات في مستوى المنهجية والماهية والهدف، رجت أطراف المشروع وساهمت في ضبابيته عند أصحابه وذويه، قبل خصمه ومنافسيه، وساعدت على انتكاسة بعض الأطراف، وتهميش البعض الآخر، ودخول البعض في متاهات العنف والمواجهة.

فعلى مستوى منهجية الإصلاح، إذا كانت السلمية وتعددية الأبعاد، منهجا ظاهرا للخطاب في مفهومه للتغيير والإصلاح، غير أن واقع الممارسة قد أخلّ بهذا الطرح ووقعت الحركة الإسلامية في فخ المواجهة وردات الفعل، وحملت ولا شك نصيبا في هذا الانحراف في بعض بطونها، فأصبحت منهجية الإصلاح عند البعض تغييرا قسريا، أو انقلابا عسكريا، أو مواجهة شاملة رغم عدم توازن القوى، فوقع المحظور ودخلت الحركة الإسلامية في بعض المواقع والأزمنة أنفاقا مظلمة من التشريد والنفي والجور.

وفي مستوى الماهية فقد غلب على مشروع الحركة الإسلامية التذبذب والفراغ و حتى العدم في بعض الأحوال، وعوضت الشعارات والرموز عبئ الاجتهاد والبناء، وكانت الإضافات والإبداع نابعا من خارجها، وكثيرا ما عقم الداخل عن الإنجاب والإنشاء إلا ما ندر.

أما عن الهدف، فكثيرا ما كانت إسلامية الدولة وتطبيق الشريعة في مستواها الجزائي، الهم الأكبر والهدف الأسمى، حتى اختُزِل مشروع الإصلاح في تغيير عنوان القصر وقطع الأيادي ورجم الزاني، وأصبح شعارها إن الله يزغ بالسلطان ما مالا يزغ بالقرآن، ومن أجل ذلك هيمن السياسي وهُمِّشت أبعاد الثقافة والنفس والاجتماع.

لقد كانت الوسطية والتوازن ميزة الرسالة المحمدية، حملتها شعارا ومحتوى وتنزيلا، وهي زاوية الرؤية أو عدسة الأمة حسب محمد عمارة [2]، ولم يكن خطاب الحركة الإسلامية المعاصرة بعيدا عن هذا الفهم، غير أن إشكالا عويصا سرعان ما برز عند تعميق التنظير وقرب ملامسة التنزيل حول تحديد المفهوم. هل هو نقطة توازن رياضية تحمل نفس المسافة بين ضدين؟ أم هي منطقة يتموج فيها التنزيل بين طرفين دون أن يلامسهما؟

معضلات سبع رافقت حسب زعمنا منطلقات ومسارات الحركة الإسلامية، وساهمت بنسب مختلفة، وحسب الإطار الزمني والمكاني وخصوصيات الزعامات والمجموعات، في التقريب أو إبعاد حراك المشروع الإسلامي حول هذه الوسطية والتمركز حول نقطة التوازن المنشودة، التي تشكل العنصر الأساسي للإصلاح. و لقد ساهم تداخل هذه المعضلات في جعل الإصلاح عملية تلامس بداية المؤسسة في أفرادها ومنهجيتها وبرامجها، قبل أن تستجيب لمطالب وتحديات واقعها الخارجي وأطرافه، الذي تشكل كلا من الجماهير والمجتمع المدني والأنظمة والغرب، جوهره النابض و المستفز والمتحدي! والإصلاح بحر سوف نقف هذه المرة عند شواطئه... 

1 معضلة العلاقة مع الصحوة

هذه العلاقة العجيبة والتي تعرضنا لها بتفصيل كبير في كتابات سابقة [3]، تجعلنا نكتفي بالتذكير بهذه المعضلة الحساسة في مشروع الإصلاح، حيث تظهر صعوبة التمركز في مقابل هذه الجماهير التي تحمل نفس مرجعية المشروع ونفس أهدافه تقريبا. فالمفارقة مع الصحوة تتمثل في أن الحركة إن اقتربت أكثر من المطلوب احترقت الصحوة، وإن تباعدت أكثر من اللزوم احترقت الحركة. فالبحث عن نقطة التوازن بين هذين الطرفين يمثل إحدى ركائز نجاح مشروع الإصلاح وإحدى تحدياته الكبرى.

لم تفرق الحركة الإسلامية بينها وبين الظاهرة الإسلامية، وخلطت عن وعي أو بغير وعي بالبعد الإسلامي للشعوب ومرجعيتها وهويتها الإسلامية، مما جعل في العديد من الحالات المواجهة بين تصور سياسي للإسلام من جهة والأنظمة الحاكمة من جهة أخرى، تتحول إلى مواجهة بين الإسلام كدين وعقيدة وهوية وحضارة، وبين سلطة تتطرف في بعض الأحيان نحو علمانية جارفة وحادة ومعاداة واضحة للدين ومظاهره. فقاست الحركة وقاست الجماهير وقاسى الإسلام.

لقد حاولنا في حديث سابق تحديد مهمات وأهداف كل طرف، والوعي الكامل بحدود التماس والخطوط الحمراء، التي لا يجب ملامستها فعلا ونظرا، والاحترام الكامل لسنن التدرج والفعل الهادئ والبنّاء، وجمعناهم في مراحل متتالية حوت على نقلات عقائدية وروحية ومنهجية وتعاملية، زعمنا أنها تشكل خلاصا وحلا لهذه العلاقة الحساسة والخطيرة، حتى يحصل  اللقاء الحتمي والناجح، إذا روعي تباينه وانفصاله السابق، وسعى كل طرف إلى استكمال مراحله، دون تسرع أو مشي على أطر الطرف الآخر، وعدم خلط في المناهج والأساليب والقيادات.

2 معضلة العلاقة مع الأنظمة

لقد كان قدر الحركة الإسلامية أن تمثل مركز قوى في بلدانها، وتكون قطبا جماهيريا يحسب له كل حساب في منازعته للسلطان. ولقد فهم الحاكم قوة هذا المنافس وخطورته فسعى في أغلب الأحيان إلى استئصاله في معارك حامية يشيب منها الولدان، وقبل في البعض الآخر بتواجدها القانوني ولو على مضض، محاولا استبعاد وصولها إلى السلطة ولو على حساب قوافل من التوابيت وسيارات الإسعاف.

 لقد حملت الحركة الإسلامية معضلة عويصة بين جنبيها تجاه خصم عنيد علم حجمها وفقه دورها وحمل تجاهها الريبة والخوف. فهي إن صالحت أكثر من اللزوم فقدت تميزها وسقطت في "العادية" وانضمت إلى معارضة "الديكور"، وما أكثرها في أيامنا، وإن عادت زيادة عن المقبول، سقطت في التطرف والمواجهة والتواجد على التماس والاستئصال والخروج من الحلبة برمي المنديل أو محمولة إلى غرفة الإنعاش. ولقد عاشت الحركة الإسلامية المثالين في بعض تجاربها، فمن واجه ولم يعرف قوة عضلاته ولا عضلات خصمه سقط مغشيا عليه، ومن أصبح قطعة غير مهيبة في رقعة سياسية مغشوشة، فقد أصالته وتميزه ولعله خسر الكثير من جماهريته.

ولعل بين هذا وذاك يلوح بين الموقفين موقف التواجد القانوني ولو على رجل واحدة، خير من البقاء داخل السراديب حيث تتهيأ الظهور للانحناء ولو بإكراه أو تتعود على الانفراد فتتكون عقلية الاستبداد وثقافة الاستفراد في العقول قبل منازلته لاختلافات الواقع واستفزازاته. وحتى في عدم توفر هذا الغطاء القانوني فإن الحركة الإسلامية مطلوب منها الكثير من الصبر والمعاناة والثبات على مبدئية العمل السلمي مهما كانت ردود الخصم وإثاراته فعنصر الزمن يخدمها، والعواصف لا تؤدي إلا إلى استئصالها، ومشروعها ليس سياسيا فحسب بل حضاريا، بما يعنيه هذا المنحى من طول نفس وعناء طريق وتدرج في التنزيل وصبر على البلى.

إن الحركة الإسلامية وهي تحمل هذا المشروع الحضاري لا يمكن أن تنزل إلى مستوى معارضة الديكور، فالبديل المقترح يحمل الكثير من الجديد والفريد الذي تحميه مرجعيتها، سواء في مشروعها الاقتصادي أو الاجتماعي، ولكنه بين السكون والموالاة العمياء، أو المواجهة والتهور، توجد مناطق الكلمة الطيبة والمنطق السوي والذي تمثله مرحلة التحكيم.

"إننا لنزعم أن مرحلة البحث المباشر عن الحكم قد استنفذت أغراضها، وان مرحلة أخرى أقل فتكا وجدبا وانهيارا، وأكثر واقعية وفاعلية، تبدو ممكنة الحصول. فإذا كانت المرحلة الأولى تأسست على المنهجية السلطانية الكاسحة والتي أطنبت في هيمنة السياسي وتهميش الأبعاد الأخرى، والتي أثبتت فشلها، فإننا نرى أن المرحلة الجديدة تحفها المنهجية المجتمعاتية المتأنية، ومن حركة دولة وسلطة، إلى حركة إنسان ومجتمع، ومن إنسان الدولة،  المقصد والنهاية، إلى دولة الإنسان  الوسيلة والهدف، ومن الحكم إلى التحكيم.

إن الدور السياسي الذي نطرحه للحركة الإسلامية الإصلاحية هو التخلي عن الحكم المباشر، ونبذ نظرية الاكتساح، وأنها الممثل الوحيد والشرعي للإسلام والمسلمين، والسعي في المقابل إلى أن تكون حركة "لوبي" مؤثر وموجه في المجتمع في إطار حزبي وتواجد سياسي ضيّق، لا استعراض فيه لعضلات، ولا تنابز فيه بألقاب التخوين والتكفير، يكون أساسه التواجد القانوني والمشاركة في البرلمان مع سقوف محددة وملزمة لكل الأطراف" [4].

وإذا كان عالم السياسة هو عالم التوافق والتفاوض، فإن السقوف التعجيزية وتجاوز السنن ومناطحة الواقع لا يمكن أن تؤدي إلى الحوار والتعاون، وأن عالم السياسة يتطلب الكثير من المرونة والقبول بأنصاف الحلول في انتظار استكمالها، ولو تطلب ذلك أجيالا وعقودا في ظل إطار من الهدوء والبناء الرصين والمتواتر، بعيدا عن العواصف وردات الأفعال، التي لا تقيم عودا ولا تنشئ صرحا ولو من الرمال!

3 معضلة العلاقة مع الغرب

تبقى علاقة الحركة الإسلامية مع الغرب حساسة وهشة، تطبعها الريبة والتوجس من الجانبين، كان للتاريخ البعيد والقريب دور كبير وضاغط على تأزمها، وساهمت الأحداث الأخيرة في تشعبها. لقد وجدت الحركة نفسها في موقع صعب وتحديات كبيرة تمليها خصوصيات كل طرف ومرجعياته وتاريخه واختلاط المبادئ والمصالح، وتدعو إلى الجرأة والوضوح والتفهم.

فالحركة الإسلامية تبدو في تعاملها في هذا الشأن بين سندان ومطرقة، إن قبلت "بالتصالح" بدا لها أنها فقدت رمزا لمشروعها واقتربت من صفات "العمالة" و"الخيانة" ودخلت إلى بيت الطاعة، عند منافسيها ولعله حتى عند مناضليها وجماهيرها، وإن رفضت أكثر من اللزوم وحملت راية المواجهة والعداء، فإنها أمضت على بقائها خارج اللعبة التي يملك الغرب الكثير من أوراقها داخلا وخارجا، وظلت منبوذة غير مستأمنة، وعين الريبة والخوف  تلاحقها.

لقد حمل الخطاب الحركي الإسلامي ولا شك توجسا مُعيقا تجاه الغرب بجناحيه اللاتيني والأنقلوسكسوني، وما الكتابات والتنظيرات في هذا الباب إلا تعبير عن هذا الخوف والعداء الذي ابتدأ تجاه بلدان الاستعمار الأولى فرنسا وانقلترا ليتعزز لاحقا بأمريكا. كانت الخنادق متوفرة في بعض الكتابات والرؤى من هنا وهناك، كان الاستنجاد بالعامل الأخلاقي أول جنود المعركة تجاه هذا الغرب "المتداعي للسقوط الحضاري"، ثم تبلور هذا العداء إلى مواقف تحمل مضامين سياسية وحتى حضارية، وكانت الأحداث المتسارعة التي خضت العالم منذ عقدين سببا في تعميق هذه الهوة وتسعير نارها. ولم تكن الضفة المقابلة بريئة في هذا التصعيد وهذه المواجهة، وتأصّل العداء في بعض الأزمنة والأمكنة حتى وقع الطلاق بين الحركة الإسلامية والغرب، حيث اختطف الإرهاب كل محاولة للتقارب والتفهم والتعاون.

يهمنا في هذه الورقة نصيب الحركة الإسلامية في هذا التوجس والتنافر والعداء، ورغم تعقيدات العوامل وخصوصية الزمان والمكان، إلا أن بعض الأسباب تبدو جلية وتكاد تصبغ كل الحركات الإسلامية، وأهمها التوجس والخلط الحاصل بين المبدأ والمصلحة، وهو حسب ظني أساس كل هذا التباعد والنفور الذي ساهمت الحركة الإسلامية في إيجاده وتعميقه. كيف يمكن أن تكون مبدئيا دون الإخلال بمصالحك، وعالم السياسة كر وفر ومناورات ؟ كيف لك أن تسعى إلى كسب مصالحك دون التعرض لمبادئك؟ هذه المفارقة شكلت المفصل ومربط الفرس في انحراف هذه العلاقة وعدم نموذجيتها.

ليست المصلحية نقيض المبدئية، وهو ما يتسارع إلى الذهنية الإسلامية وكأن المبادئ لا تحمي المصالح، والمصالح لا تحترم المبادئ. فكل مصلحي غير مبدئي، والمبدئي غير مصلحي بداية. لقد خدم رسول الإسلام (ص) دينه وقومه وعشيرته، وسعى إلى ذلك في العديد من أطوار مشواره المدني. كان دستور المدينة عنوانا كبيرا لهذه الخدمة المدنية تجاه كل فرد وقبيلة، فكانت المصلحة عامة دخلت كل بيت وخيمة، ولم يتخلى الرسول الكريم (ص) عن مبادئ العدل والحرية وحق الإنسان في العيش في أمان واستقرار والوئام مع كل الأطراف.

وكان عهد الحديبية نقلة نوعية في فهم العلاقة المعقدة ظاهريا بين احترام المصلحة وعدم التخلي عن المبدأ، سعى الرسول الكريم (ص) إلى ضمان مصلحة الدين الجديد في كسب إطار زمني ومكاني من الهدوء والاستقرار، يؤهل لفهم هذا الدين الجديد، والتفاعل معه عقلا وتمحيصا، رغم عتاب أصحابه وشكهم في جدواه، حيث غابت عليهم أبعاد كان الرسول الكريم (ص) ماسكا بأطرافها، وحيث كان الغيب وحبل السماء متمكنا في هذه الصورة الخاصة. بل سعى عليه السلام إلى ضمان مصالح الطرف المقابل، حتى أنه رضي بمسح صفته كصاحب رسالة في إعلان العهد، كسبا لنجاحه. ولم يكن الرسول الكريم (ص) مناوئا لمبادئه وهو يمضي على الصحيفة، ولم تسقط القيم النبيلة والفضائل وهو يخط للمسلمين أكبر معاهدة خدمت مصالحهم ومصلحة دينهم، حيث دخل في الإسلام في سنتي سريان العهد أكثر ممن دخل طيلة الخمسة عشر عاما السالفة!

إن الحركة الإسلامية وهي تطرح برامج إنقاذ لمجتمعتها لا يجب أن تنس في معادلاتها هذا البعد الخارجي الذي تزايد تأثيره وأصبحت له صولات وجولات داخل أوطانها. فمبدئية التعارف والتصالح، والعمل من أجل التقارب والتفهم، يجب أن يشكلا ثقافة الحركة وعقلية وسلوك أفرادها ومنهجية برامجها وخطوط مشاريعها.

4 معضلة العلاقة بأحزاب المعارضة

لقد تعرض مسار العمل السياسي والتواجد القانوني للشأن الإسلامي وعلاقته بأطراف المجتمع المدني وخاصة الأحزاب منها، تغيرات هيكلية عميقة تمثل تناقضا صريحا بين رؤى الانطلاقة والتصورات الحالية. فمن الرفض القاسي لتواجد الأحزاب وجمعها في إطار واحد [5]، إلى قبول بوجودها والتعامل معها على أساس من الندية والاحترام المتبادل، تَشكّلَ المسار الصاعد للحالة الحركية الإسلامية والنقلة النوعية لعلاقة الحركة مع أطراف مجتمعاتها، وهو يمثل ولا شك الصورة الجديدة لمفهوم السياسة والعمل السياسي في أطروحاتها.

هذه الإشكالية وإن تم حسمها نسبيا نحو القبول بالأطراف الأخرى داخل رقعة التجاذب السياسي، إلا أن إشكالا جديدا ومعضلة عويصة طرحت نفسها ومثلت تحديا آخر للحركة الإسلامية في مشوارها السياسي بين التحالف مع هذه الأطراف، أو رفضها والعمل المنفرد.  فهي إن قبلت بالتحالف السياسي، انتهت قطبيتها وزعامتها التي أوردتها الجماهير، وأصبحت رقما في معادلة يمكن أن تتجاوزها. وإن أرادت الاستفراد بالساحة فإنها عولت على قوى ذاتية يمكن أنها لم تبلغ كمال نضجها، واستضعفت في الأثناء قوة خصم، لم ترع امتلاكه لمراكز الهيمنة، من دولة وجيش وثروات، وتجاهلت عدم توازن الكفة لصالحها. مما هوّن الاستفراد بها لاستئصالها أو استبعادها في ظل سكون البعض ولامبالاته أو شماتة البعض الآخر ومناوراته.  يقول الكواكبي في هذا الباب: " إن الاستبداد محفوف بأنواع القوات التي فيها قوة الارهاب بالعظمة وقوة الجند، ولا سيما إذا كان الجند غريب الجنس وقوة المال وقوة رجال الدين وقوة أهل الثروات وقوة الأنصار من الأجانب.." [6]

إن عالم السياسة هو عالم التوافق والتفاوض، و تكوين الأحلاف والأقطاب، فالسقوف التعجيزية والاستكبار والاستعلاء لا يمكن أن يؤدوا إلى الحوار والتعاون، وعالم السياسة يتطلب الكثير من المرونة والتفهم وسعة الصدر والرؤية البعيدة، والقبول بأنصاف الحلول في انتظار استكمالها. 

5 معضلة العلاقة مع الشعب

إن المتتبع لمسار الحركة الإسلامية لا يسعه إلا الانبهار بطابعها الجماهيري، وضخامة تأثيرها في شعوبها ولو من بعيد. حتى أنها تظل حاضرة ولو غابت قانونية تواجدها، وسعت عديد الأنظمة إلى تهميشها أو استئصالها. فمن المفارقات أن غيابها عن الشأن العام المباشر، جعلها حديث الداخل والخارج، و الغائب الحاضر على الدوام، إعلاما وحكاما وشعوبا. إن هذه الجماهيرية التي تحصلت عليها الحركة الإسلامية تخفي في الحقيقة معضلة وتحديا لن يتركا الحركة الإسلامية في راحة من أمرها، فستكون مضطرة إلى الحسم المباشر في مسائل لعلها تعد من ثوابتها أو من أصولها حتى لا تخسر هذا الزخم المتعاطف معها وتخيب آماله فيها.

هل تنطلق من قدسية مرجعيتها لتطال قدسية مواقفها وأطروحاتها وعصمة رجالها وروادها فيصبح خطابها إسقاطا وعملها تعليما، وممارستها أستاذية، لشعوب لا تفقه، وجماهير لا تعقل، تعيش أمية شرعية وحياتية؟ أم أنها تقبل أكثر من اللزوم مطالب جماهيرها وتخضع لتوجيهاتها وميولها، ولو كان فيها كثير أو قليل من "اعتداء" على بعض "مبادئها" وانسلاخ عن بعض أهدافها، وتغيير بيّن لمنهجيتها؟

إن علاقة واضحة مع الشعوب تؤدي إلى استبعاد  الآمال المفقودة والأحلام المنشودة، ولا تؤدي إلى الإحباط والفشل والهزيمة. فالمعادلة الصعبة التي ينبغي على الحركة الإسلامية النجاح فيها تتوازن بين احترام ثوابتها ومرجعيتها من جهة وتدافعات الواقع ومطالب الجماهير من جهة أخرى، هذه المطالب الضاغطة والمتسرعة أحيانا نظرا لتشوق هذه الجماهير وتعطشها للإشباع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي فقدته طيلة عقود وعاشت في يتم إنساني رهيب. فالحركة الإسلامية وهي لا تزال في موطن المعارضة لا ينبغي أن يكون خطابها اليوم مخالفا لخطابها في مرحلة التمكين، لن تكون دعاوي الحرية والديمقراطية والتعددية وتحرير المبادرة يافطات انتخابية فقط تمليها مناورات اللحظة، ولكن ثوابت لها مرجعيتها وتراثها و"قدسيتها" تحملها الحركة الإسلامية في ثقافة روادها وكتابات منظريها وسلوك أفرادها.

إن هذه العلاقة مع الشعوب في فهم دورها ودور الحركة تدعو في الحقيقة إلى حركة اجتهادية مع المنقول في حدود المعقول وفيما يسمح به المقدس،  فلا يكون المرجع في واد والواقع في واد آخر، حتى لا تفقد الحركة الإسلامية جماهيرها وتقفز على واقعها، ولا تصطدم بثوابتها. ولعل البعض من الأقوال والأفعال التي خالتها الحركة من الثوابت والمقدس الذي لا يُمس، وهو في الحقيقة من تجليات التراث والتاريخ، واجتهادات الرجال، وإفرازات واقع غير واقعها.

6 معضلة الديني والزمني

عندما نطرح هذه المفارقة يخيل إلينا أن طرحها مغلوط، فوجود الحركة الإسلامية نفسها دليل على الحسم الذي تم، باعتبار التلازم العضوي بين السياسي والديني، والذي يمثله في الواقع هذا التحزب الذي تعيشه الحركة الإسلامية كحاملة لمشروع تعود مرجعيته الأساسية إلى تصور لاندماج الديني في الإطار السياسي. في الحقيقة فإنه رغم نسبية الحسم حيث مازالت بعض الأطراف التي بقيت محسوبة على التيار الإسلامي تلوّح بهذا الا&#