مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

الشعوب العربية بين قمع السلطة وخداع "المعارضة الديمقراطية"

 

 

في هذا العــدد

العراق من التحرير إلى التدمير الرئاسيات الأخيرة وتسريح المساجين حوارات أسرة التحرير
بين أبي غريب وسجون تونس نحو صياغة جديدة لعلاقة الإسلاميين بالسّلطة الحركة الإسلامية والبحث عن نقطة التوازن
الخرطوم تخطط للتخلص من الترابي العلاقات المغربية الجزائرية في اتجاه المجهول الحركة الإسلامية والإصلاح: المنظور البديل
النقد كوسيلة للارتقاء بقدرة العقل العرب بين قمع السلطة وخداع المعارضة المصالحة الوطنية في الجزائر
واقع التيار القومي العربي في تونس ما هو دور الشعوب في تحقيق طموحات أمتنا الزيتونة.. تاريخ طويل من العلم والإصلاح


أحمد السميعي (*)

في البداية أود توضيح معنى المعارضة الديمقراطية الموضوعة بين ظفرين.

لقد برزت في السنوات الأخيرة وفي المجتمعات الإسلامية بالتحديد عبارة "أحزاب ديمقراطية" ومنها "معارضة ديمقراطية" للتدليل على الأحزاب التي لا تهتم بموضوع الدين وتعتبره شأنا خاصا بكل فرد ولا علاقة له بالسياسة. وبهذا المعنى وقع الخلط بين "الديمقراطية" وما يسمى ب"العلمانية". ومفهوم العلمانية في حد ذاته يكتنفه الكثير من الغموض وقد رفعت هذه الكلمة كشعار من طرف كل الذين تمردوا على سلطة الكنيسة في الغرب المسيحي قبل الثورة الفرنسية وبعدها وليس لهذه الكلمة أي معنى في مجتمع مسلم لم يعرف في تاريخه ثورة على الدين بل كانت كل ثوراته تتم باسم الدين وتطالب بالعودة إلى تعاليمه كلما حادت السلطة عنها. وخلفية هذا الخلط هي أن كل من يرى أن السياسة لا يمكن أن تكون بمعزل عن الدين لا يعتبر ديمقراطيا وينعت عادة بـ"الإسلامي" أو "الأصولي" أو "السلفي" ولربما سينعت مستقبلا بـ"الإرهابي" حتى تأخذ "الحرب على الإرهاب" مفهومها الحقيقي.

فلا شك في أن المصطلحات المستعملة في عالم السياسة ليست دائما بريئة وهي تحمل في أغلب الأحيان شحنات تضليلية ودعائية وتحريضية.

فهذا التصنيف للأفراد والمجموعات -أكانت أحزابا أم جمعيات- بين "ديمقراطي" و"إسلامي" هو تصنيف تعسفي في حقيقته ويدخل ضمن المغالطات الكثيرة التي يلجأ إليها كل الذين يريدون التخلص من الإسلام في حياتهم وممارساتهم اليومية لأن الإسلام عقيدة متكاملة تحدد علاقة الإنسان بربه كما تحدد علاقته بغيره من البشر في كل مجالات التعامل ولا يمكن فصله عن السياسة بأية حال. كما لا يمكن إيجاد تعارض مبدئي بين الديمقراطية والإسلام لأن الديمقراطية ليست عقيدة في حد ذاتها بل هي عبارة عن جملة من الآليات تحدد كيفية تسيير المجتمع وتنظم العلاقة بين فئاته المختلفة كما تضبط الوسائل التي يمكن استعمالها للوصول إلى تحمل مسؤولية السلطة وممارستها. وكل إقصاء أو تهميش لأي فئة من المجتمع عن الحياة السياسية يعتبر نقضا للديمقراطية.

واني سأستعمل هنا عبارة ديمقراطية كما يروج لها وأضعها بين ظفرين للتمييز بينها وبين الديمقراطية الحقيقية التي لا تقبل إقصاء أي كان عن الحياة السياسية وترفض شعار "فصل الدين عن السياسة" الذي لا معنى له في الواقع.

السلطة في البلاد العربية

إن كل الحكومات العربية تمارس القمع على شعوبها بدون استثناء ولو بدرجات متفاوتة. وهذا القمع نابع من عقلية الحاكم العربي الذي ما زال يعتبر السلطة غنيمة حرب يحق له أن يتمتع بها هو وأفراد عائلته بعد أن انتزعها من غيره بالقوة وأن يدافع عنها بكل الوسائل وأن لا يفرط فيها إلا إذا انتزعت منه بالقوة. وهذا المفهوم للسلطة عند الحاكم العربي جعل مواطنيه (أو قل رعاياه) ينظرون إليه وكأنه من صنف الوحوش الضارية التي لا تتردد في الانقضاض على كل من يقترب من فريستها. وبقي المواطن العربي يعيش بشكل دائم تحت كابوس الخوف من الحاكم فلجأ للانزواء على نفسه وعزف عن الاهتمام بالشأن العام وهو يتجنب كل ما يمكن أن يفسر على أنه عدم رضا عن السلطة القائمة. وقد أدى هذا الوضع إلى تكبيل كل الشعوب العربية وجعلها غير قادرة على مقاومة الفساد في الداخل أو التصدي للتدخل الأجنبي في شؤون البلاد الداخلية.

ولبنان هو البلد العربي الوحيد الذي يتوفر فيه قدر وافر من الحريات السياسية. والسلطة فيه هي أقل قمعا لمواطنيها من باقي البلدان العربية. ولهذا السبب تمكن اللبنانيون من مقاومة الاحتلال الصهيوني وتحقيق النصر. كما استطاع هذا البلد الصغير أن يحافظ على أمنه ووحدته رغم جواره مع العد وكثرة طوائفه. ولا يمكن لأحد أن يتصور أن المقاومة المسلحة التي قام بها حزب الله كانت تستطيع أن تنشأ وتترعرع وتدوم وتحقق النصر في لبنان لولا الحريات المتوفرة ولو نسبيا في هذا البلد. فنحن رأينا كيف أن الأنظمة العربية الاستبدادية المسكونة بهاجس التمسك بالسلطة والانفراد بها تسارع إلى قمع الحركات الإسلامية بكل شراسة لأنها تخشى منها على سلطتها (مثل ما وقع في سوريا ثم في تونس والجزائر ومصر وغيرها...) وقد وجدت هذه الأنظمة في شعار "الفصل بين الدين والسياسة" أحسن وسيلة لتبرير هذا القمع بل وادعت أنه ضروري لإرساء "الديمقراطية"!

كما رأينا كيف أن النظام العراقي السابق قد انهار بالكامل غير مأسوف عليه من طرف الشعب رغم مرارة الغزو الأجنبي للبلاد وذلك بسبب القمع والإرهاب والقهر الذي كان يمارسه هذا النظام على المواطنين العراقيين. وقد دفع هذا القمع بعدة أطراف من المعارضة العراقية إلى الارتماء في أحضان الولايات المتحدة لمساعدتها على إسقاط النظام. وهانحن نلاحظ اليوم تداعيات هذا التدخل الأجنبي وأبرزها تدمير البلد والتنكيل بأبنائه وقهرهم وإذلالهم ولا أحد يستطيع أن يتكهن إلى متى ستتواصل هذه المعاناة والى أين ستصل المأساة.

فالسلطة القمعية والمعارضة العميلة تتحملان معا مسؤولية هذه المأساة على حد السواء.

الغطرسة الأمريكية وردود الفعل العربية

إننا نعيش اليوم في عالم تسيطر عليه الولايات المتحدة بمفردها وبدون منازع. فهي تغزو ما تريد من البلدان وتنهب ما تريد من الثروات وتقهر الشعوب التي لا تروق لها وتهدد بالتدخل في كل مكان من العالم وتأمر وتنهي بكل صلف وعنجهية ولا يخجل المسئولون فيها من الجرائم التي يقترفونها في حق الشعوب ولا يتحرك لهم ساكن عندما ينكشف كذبهم ونفاقهم أمام العالم. إنهم مستكبرون بما لهم من أسلحة متطورة ولا يعبئون بالقوانين الدولية ولا بالقيم الأخلاقية ولا بالمباديء الإنسانية التي يرفعونها والتي طالما خدعونا بها.

وأمام هذه الأوضاع المؤلمة تعالت أصوات كثيرة من أوساط المعارضة والجمعيات المدنية والنخب الفكرية في البلاد العربية تحمل مسؤولية هذا الوضع للحكام وتطالبهم بالقيام بإصلاحات جوهرية تفسح المجال أمام الشعوب حتى تتمكن من التعبير عن آمالها وطموحاتها بكل حرية وحتى تصبح درعا واقيا لبلدانها تدافع عنها وتتصدى لكل محاولات التدخل الأجنبي في شؤونها.

لكننا عندما نتأمل عقلية "المعارضة الديمقراطية" العربية وتصرفاتها وكيفية تعاملها مع الدوائر الغربية يساورنا الشك في قدرة هذه المعارضة على تحقيق ما تطالب به الحكام لو تسنى لها أن تتقلد هي زمام الأمور.

فـ"الديمقراطيون العرب" يتراكضون وراء السفارات الغربية ويفتخرون بلقاء هذا المسئول أو ذاك من هذه البلدان كما أنهم يتسابقون للمشاركة في ندوات تنظم هنا وهناك للحديث عن "الإصلاحات" التي اقترحتها مجموعة الثمانية ضمن ما سمي ب"مشروع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" وذلك رغم ما يقوم به جنود الاحتلال في العراق من تدمير وقتل وتعذيب ومداهمات منازل وانتهاك حرمات ورغم الدعم اللامحدود الذي تقدمه الإدارة الأميركية للكيان الصهيوني وتواطئها معه فيما يقوم به من جرائم يومية في حق الشعب الفلسطيني ورغم بقاء زعماء كل الدول الغربية مكتوفي الأيدي أمام هذا الوضع المأساوي ورغم الدعم الذي تقدمه هذه الدول للأنظمة العربية الأكثر قمعا لشعوبها!

فإذا كان استسلام الحكومات العربية لقوى الاستعمار المتجبر وتفريطها في كرامة ومصالح شعوبها بات أمرا بديهيا يدركه الجميع فهناك خطر محدق بمستقبل هذه الشعوب لا يقل خطورة - أو ربما يزيد- عما تمثله الحكومات الحالية وهو خطر ما يسمى "المعارضة الديمقراطية" التي تشمل عديد "الجمعيات المدنية" و"الأحزاب الديمقراطية".

موضوع "المجتمع المدني" بشكل عام

بدون تعميم مطلق وبدون إنكار للدور الايجابي الذي تقوم به بعض جمعيات المجتمع المدني فان هناك نقاط استفهام كثيرة تحيط بمعظم هذه الجمعيات وتفرض علينا جميعا الانتباه واليقضة بخصوص الأعمال التي تقوم بها والأهداف الحقيقية التي تريد تحقيقها.

فعلى أي أساس يتم انتقاء أفراد هذه الجمعيات؟
وما هي مصادر تمويلها؟
ما هي خلفيات الصراع الذي ينشأ من حين لآخر بين بعض أعضائها؟
لماذا يقع التركيز على حقوق المرأة كمرأة في معظم هذه الجمعيات ولا يقع التركيز على الأسرة؟
لماذا يقع تضخيم دور بعض الأشخاص والجمعيات في وسائل الإعلام الغربية بينما يقع التزام الصمت بخصوص شخصيات وجمعيات أخرى أكثر أهمية؟

هذه الأسئلة وغيرها تستدعي منا دراسة معمقة لفكرة "المجتمع المدني" التي يقع التركيز عليها في الأوساط السياسية والثقافية والأكاديمية ولا يكاد يخلو منها أي خطاب. وعلينا ألا نعيد الأخطاء التي وقعت في السابق والمتمثلة في نشر ثقافة الشعارات والمفاهيم السطحية وتبسيط الأمور والهتاف لزعماء لا ندري من أين أتوا ولا من يقف وراءهم حتى استفقنا ذات يوم لنجد أنفسها قد أظللنا الطريق وأنهكنا التعب وفقدنا الكثير من قوتنا وعزتنا وها نحن اليوم نقاوم من أجل البقاء والحفاظ على ما تبقى لنا من مقومات الكرامة.

فعلى القوى الحية في هذه الأمة أن تسعى إلى تعميق الحوار في هذا الموضوع وعلى كل المستويات. واني أريد هنا أن أشير فقط إلى بعض النقاط الهامة المتعلقة بهذا الأمر:

- لقد وقع انفجار هائل في عدد جمعيات المجتمع المدني عبر العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبالتحديد بعد مؤتمر القمة العالمي حول "التنمية المستديمة" في مدينة "ريو دي جانيرو" بالبرازيل سنة1992 .

والآن هناك مئات الآلاف من الجمعيات عبر العالم. وهذا العدد في ازدياد مستمر وربما لا نبالغ إذا قلنا أن هذه الجمعيات ستمس كل قرية وكل حي وكل عائلة من المجتمع البشري بعد سنوات قليلة.

- إن كل الهيئات الدولية (منظمة الأمم المتحدة وكل المؤسسات التابعة لها) وكل التجمعات السياسية الكبرى (منظمة الأمن والتعاون في أوروبا- المجلس الأوروبي- الاتحاد الأوروبي- منظمة البلدان الفرنكوفونية... ) وكذلك الدول وحتى بعض الشركات الكبرى أصبحت كلها تعتمد على جمعيات المجتمع المدني لتستعين بها في تخطيط وتنفيذ سياساتها في مختلف المجالات وذلك حسب اتفاقيات شراكة تتم بين الطرفين لهذا الغرض. فأغلبية الجمعيات التي تسمى "جمعيات غير حكومية" هي في الواقع أدوات تنفيذ لسياسة الحكومات.

- إن تمويل هذه الجمعيات في الدول الغربية يتم بشكل أساسي من طرف الهيئات والمنظمات والدول التي أمضت معها اتفاقيات شراكة. أما بالنسبة لجمعيات المجتمع المدني في بلدان الجنوب فتسعى دول الشمال إلى تمويلها مباشرة مستغلة اتفاقيات "الشراكة" التي عقدتها مع الدول التي تنتمي إليها هذه الجمعيات مثل اتفاقية الشراكة الأورو-متوسطية. ومن خلال هذا التمويل يسهل على دول الشمال أن تضغط على حكومات دول الجنوب من جهة وأن تبسط نفوذها على كل فئات المجتمع في هذه الدول من جهة ثانية.

"المعارضة الديمقراطية" العربية ومطالب "الإصلاح"

منذ أن طرحت في الغرب فكرة إدخال "إصلاحات" على المجتمعات العربية والإسلامية تركز أساسا على التعليم والمرأة وحقوق الإنسان عمدت "المعارضة الديمقراطية العربية" المتمثلة في شخصيات وجمعيات مدنية وأحزاب إلى تكثيف أنشطتها من أجل المطالبة بهذه الإصلاحات. وقد تم تنظيم عدة ندوات لهذا الغرض في القاهرة وبيروت وصنعاء والدوحة وغيرها. ورغم أن هذه المعارضة تحاول دائما أن تتبرأ من التبعية للغرب وإقناعنا بأنها تتصرف من تلقاء نفسها وبمحض إرادتها فان هناك دلائل كثيرة تبين عكس هذا الادعاء. ومن أهم هذه الدلائل تمويل هذه الندوات الذي يأتي من الاتحاد الأوروبي ومن الولايات المتحدة الأميركية.

ولعله من المفيد التذكير ببعض ما جرى في اللقاءات الأخيرة التي تمت بخصوص هذا الموضوع.

ففي البيان الختامي للقاء القاهرة الذي انعقد من 05 إلى 07 جويلية الماضي تحت عنوان "أولويات وآليات الإصلاح في العالم العربي" وقعت الإشارة إلى"ايجابية المبادرات الدولية" ووقع التأكيد على أنها "دفعت الحكومات العربية إلى الاهتمام بقضية الإصلاح" بينما الواقع يبين أن الحكومات العربية المدعومة من الغرب ما زالت متمادية في سياسة القمع إلى هذا اليوم بل وازدادت شراسة في اضطهاد الإصلاحيين الإسلاميين مثل ما وقع في مصر وتونس والمغرب والأردن واليمن والسعودية وغيرها...

وفي بيروت تم تنظيم لقاء يوم 05 سبتمبر الفارط وقد حضره حوالي ثلاثون شخصا من شخصيات "المجتمع المدني العربي" لمناقشة موضوع "الإصلاح" و"مشروع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا". وقد انتهت هذه الندوة التي دامت يوما واحدا بالاتفاق على إرسال لجنة تتكون من عشرة أشخاص من مختلف الأقطار العربية إلى نيويورك لملاقاة وزراء خارجية مجموعة الثمانية وفي مقدمتهم وزير الخارجية الأميركي وتسليمه بيانا يتضمن "أولويات الإصلاح" كما يراها "ممثلو المجتمع المدني العربي". ويندرج هذا اللقاء ضمن أجندة المجموعة التي تريد بعث "منتدى من أجل المستقبل" يجمع ممثلي هذه المجموعة مع ممثلي الحكومات والمجتمعات المدنية في منطقة "الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" وذلك حسبما جاء في توصيات مؤتمر "سي آيلند" الذي انعقد في شهر جوان الفارط.

بمعنى أن هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم ممثلين للمجتمع المدني العربي هم في الواقع ممثلون لمجموعة الثمانية داخل هذا المجتمع.

وفي تدخلات معظم المشاركين في ندوة بيروت وقع التأكيد على أهمية المبادرات الدولية وتأثيرها على الحكومات العربية وقد وصل الأمر بأحد المتدخلين اليمنيين إلى المطالبة ب"عدم إحباط الدور الأميركي وضرورة تشجيعه".

كما أن أحزاب المعارضة "الديمقراطية" العربية هي الأخرى تتحرك بكل قواها في نفس هذا الاتجاه.

ففي القاهرة تجمعت أحزاب "المعارضة الديمقراطية" المصرية المقطوعة عن الجماهير الشعبية لمناقشة موضوع الإصلاح ورفضت تشريك حركة الإخوان المسلمين في هذا النقاش تماشيا مع الأجندة الغربية.

وأما الشيوعيون السابقون في تونس الذين انقلبوا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى مناضلين من أجل "الديمقراطية وحقوق الإنسان" فقد أقدموا على تكوين "مبادرة ديمقراطية" للمشاركة في انتخابات صورية تهدف لإضفاء شرعية على النظام التونسي الذي يراد اعتماده كأنموذج لما ستكون عليه أنظمة الشرق الأوسط وشمال افريقيا. وقد تنقل بعض زعماء هذه المبادرة إلى فرنسا ليرتبوا حملتهم "الانتخابية" هناك مع أحزاب اليسار الفرنسي وكأن هذه الانتخابات هي شأن فرنسي بالدرجة الأولى. وهم لا يخجلون من هذا الأمر بل يتفاخرون به ويصدرون بيانات تتحدث عن لقاءاتهم مع مختلف المسؤولين الفرنسيين.

وهم يهدفون من وراء هذا التصرف إلى تكريس التبعية لفرنسا التي تعاني منها بلادنا منذ "الاستقلال" وذلك حتى يسهلوا على أنفسهم مهمة الحرب على الإسلام التي بقيت الثابت الوحيد عندهم بعد أن تحولوا من الشيوعية إلى "الديمقراطية".

وهاهي "المعارضة الديمقراطية" السورية واللبنانية المتكونة من الأقليات تلهث في الخفاء وفي العلن وراء الدوائر الغربية الاستعمارية لتشجيعها على الضغط على كلا البلدين ولو أدى الأمر إلى إعادة سيناريو العراق ليتخلصوا من "حزب الله" و"حماس" و"الجهاد الإسلامي" المصنفين ضمن قائمة المنظمات الإرهابية عند الإدارة الأميركية وهي المنظمات التي اكتسحت الساحة الشعبية وتصدرت المقاومة ضد المحتل الصهيوني ودافعت وتدافع بكل بسالة عن حرمة الوطن وكرامته.

وها هي بعض عناصر "المعارضة الديمقراطية" السودانية قد وقعت في فخ المخابرات الصهيونية والغربية التي جعلت منها منفذا لدخول أرض السودان وخلق فتنة بين العرب والأفارقة وهي تخطط للاستيلاء على ثروات "دارفور" ثم تقسيم البلاد إلى دويلات متناحرة.

وحتى الساحة الفلسطينية التي تمثل الجبهة المتقدمة للحرب مع العدو والقلعة الحصينة للصمود فإنها لم تسلم من محاولات بعض العناصر "الديمقراطية" المعارضة التي تطالب بالإصلاح حسبما تقتضيه الأجندة الغربية ولو أن خصوصية الساحة الفلسطينية تفرض علينا أن لا نقيم تصرفات كل الأطراف الفلسطينية بنفس المعايير التي نقيم بها الأطراف العربية الأخرى.

إن كل الندوات التي ينظمها "الديمقراطيون العرب" هنا وهناك والأعمال التي يقومون بها تهدف إلى تنفيذ "مشروع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" حسب الأجندة الغربية ولا يمكنهم إخفاء هذه الحقيقة وراء بعض الشعارات مثل "الإصلاح مطلب عربي قبل أن يكون أميركيا" أو "الإصلاح ضرورة ملحة ولا يحتمل التأجيل" وما شابه ذلك من الكلام...

فإذا كانوا مقتنعين بأن مطالب الإصلاح نابعة من الشعب قبل أن يطرحها العدو فلماذا لا يعملون على تجميع كل النخب وكل القوى الشعبية بدون إقصاء للتعمق في هذا الموضوع وبلورة مطالب واضحة ثم الضغط على السلطة لتنفيذ هذه المطالب والاستماتة في النضال من أجلها؟!

أليست لهم كرامة حتى يقبلوا ولو بمجرد الحديث مع العدو الذي يحتل أرضهم ويقتل أهلهم ويداهم بيوتهم ويهتك أعراضهم ويذل شعبهم ويسخر من عقيدتهم؟!

وإذا كانت عمالة الحكومات العربية للاستعمار وخنوعها واستسلامها لإرادة العدو وتفريطها في كرامة شعوبها تجد لها بعض التفسير (لا التبرير) في سيف المديونية المسلط على رقابها باستمرار وما ينجر عن هذا الوضع من ضغوطات اقتصادية قوية ومريرة فما الذي يجبر بعض جمعيات "المجتمع المدني" و"المعارضة الديمقراطية" على اتباع نفس السلوك تجاه الدول الغربية؟؟؟

هل يتوهمون حقا أن القوات الغربية الغازية أو المتربصة بنا تريد تحريرنا من الدكتاتورية ونشر الحرية وحقوق الإنسان في ربوعنا؟
ألم يكفهم ما يحدث كل يوم في فلسطين والعراق؟
ألم يكفهم ما رأوا وما سمعوا عن قهر المسلمين في البوسنة وكوسوفو والشيشان وأفغانستان وغيرها، أم أن شغفهم بالحضارة الغربية وتنكرهم لدينهم قد أعمى بصيرتهم!!! أليس هؤلاء الأشخاص أكثر خطرا على مستقبل الشعوب العربية من الحكومات الحالية؟ هل يصدق أي عاقل أن الأشخاص القليلين الذين يدعون تمثيل المجتمع المدني العربي ويلهثون وراء موظفي السفارات الغربية لكسب رضاهم هم قادرون على ضمان استقلال شعبهم وكرامته لو كتب لهم يوما أن يتقلدوا زمام أموره؟!
فالمثل يقول: فاقد الشيء لا يعطيه!

خلاصة

أن السلطة المستبدة و"المعارضة الديمقراطية" هما في الظاهر خصمان لكنهما في الواقع توأمان يرى كل واحد منهما نفسه في وجه الآخر. فكل واحد منهما معزول عن الشعب ولا يستطيع الانتصار على خصمه إلا بمعونة الأجنبي. والمستفيد الوحيد من هذا الوضع في النهاية هو الاستعمار لأنه يبسط نفوذه على الطرفين ويستعمل أحدهما ليضغط به على الثاني. ولهذا السبب يبدي الاستعمار حرصا شديدا على إقصاء الإسلام عن الساحة السياسية بكل الوسائل لأن تجذر

هذا الدين في أعماق الجماهير ووجدانها يجعل الحركات الإسلامية الصادقة قادرة على الاستغناء عن العون الأجنبي لممارسة الحكم ويمكنها من إرساء ديمقراطية حقيقية ويسمح للشعوب العربية باسترجاع حريتها وكرامتها لأنه لا حرية ولا كرامة في ظل القمع والتدخل الأجنبي.

وعلى كل العرب أن يكونوا يقضين ولا تغرنهم الشعارات التي تطرحها هذه المعارضة المسكونة بهاجس الخوف من الإسلام والمتشبثة بإقصاء الإسلاميين من الساحة السياسية. إنها في حقيقتها حركات هامشية تخادع الجماهير ولن يتسنى لها أن تحكم الشعب في المستقبل إلا بالحديد والنار وبالاعتماد على القوى الأجنبية ولا يمكن لها بأية حال أن تأسس الديمقراطية.


(*) كاتب وباحث تونسي
 

© Aqlamonline 2004