|
نور الدين العويديدي
كشف ما جرى في مدينة الفلوجة العراقية من عدوان واسع، وقتل للمدنيين بدون حساب،
واستخدام لأسلحة محرمة دوليا،
منها غازات كيماوية وغازات أعصاب سامة، واستهداف واسع للمساكن والمساجد وبيوت
العبادة والمستشفيات، والإجهاز على الجرحى وقتلهم في المساجد، التي لجؤوا إليها
طلبا للحماية، عن روح بربرية لا نظير لها تتميز بها قوات الاحتلال الأمريكي.
 |
|
قديما
اتخذ الصليبيون
المسجد الأقصى اصطبلا لخيولهم واليوم
يتخذ الاحتلال مساجد العراق
مسرحا لعبث جنوده المصدر: لوس انجلز تايمز |
غير أن ما حصل في الفلوجة يمكن أن يحصل في أي مدينة عراقية أخرى، إذا تمسك أهلها
بالمطالبة باستقلال بلدهم، واستعادة كرامة شعبهم، وإذا غاب الإعلام عن هذه
المدينة أو تلك، بما يمثله من كابح للجيش الأمريكي في استخدام قوته الكاسحة ضد
مدنيين عزل، أو ضد مقاومين لا يملكون معشار ما يملكه الجيش الأمريكي من عتاد
وأسلحة دمار هائل، وهو ما يعني أن الاحتلال الأمريكي ينجر بسرعة من كونه احتلالا
جاء باسم التحرير، ليصبح الوجود الأمريكي في العراق وجودا متمحضا للتخريب والقتل
والتدمير، وهو تخريب وقتل وتدمير ينتقل من مدينة إلى أخرى، من الفلوجة إلى
الرمادي، ومن الرمادي إلى الموصل.. الخ، حتى يترك العراق خرابا.
- لقد جاء الاحتلال الأمريكي إلى العراق تحت لافتة تحرير العراقيين من نظام
مستبد، واعدا بنشر الديمقراطية في بلاد الرافدين، لكنه تحول الآن إلى آلة ضخمة
عمياء للتدمير. فقد ذكرت إحصائيات أولية أن قوات الاحتلال دمرت في الفلوجة في
الأسبوع الأول من الحرب الظالمة، التي شنتها على المدينة، 6 آلاف منزلا و33
مسجدا، ولم تسلم المستشفيات الأصلية والبديلة، من القصف بالطائرات، وتم قتل
العديد من الأطباء وعشرات المرضى فيها، وظلت الجثث ملقاة في قارعة الطريق تأكلها
الكلاب والجوارح، وهدمت دور على رؤوس سكانها، في ما يذكر بعصور الهمجية، التي
عرفتها البشرية، في القرون الغابرة، وظن الناس أن العالم قد ودعها دون رجعة، لكن
ها هي قوة "التحرير" الأمريكية تعيد العالم إلى تلك العصور المظلمة عن جدارة،
وتحول "تحرير" العراقيين إلى مسلسل طويل لتدمير بلادهم، وإفساد تربتهم، وقيادتهم
إلى حرب أهلية، لا قدر الله، ستكون كارثة على العراق والعراقيين وعلى المحتلين
وعلى المنطقة بأسرها.
- حمت قناة /الجزيرة/ في الربيع الماضي مدينة الفلوجة من جرائم حرب واسعة، لأن
القناة مثلت في تلك الفترة عين العالم، التي يرى بها ما كان يجري من همجية
أمريكية، الأمر الذي اضطر قوات الاحتلال، بعد أن تكاثرت جرائمها ضد المدنيين،
الذين قتلت منهم أكثر من ألف في تلك الفترة، أن تنسحب من المدينة. أما في هذه
المرة فإن قوات الاحتلال وقوات الحكومة الموالية لها قد رتبت المسرح جيدا في
الفلوجة، وأبعدت وسائل الإعلام عن المدينة، وجلبت معها إعلام الحرب، الذي
استخدمته جيدا في غزو العراق في ربيع العام 2003، وأسقطت به بغداد دون كثير عناء.
وقام إعلام الحرب بدوره كما هو مطلوب منه، مع الهجوم الحالي على الفلوجة، لكن
صمود أهل هذه المدينة الباسلة عرى قوات الاحتلال، مثلما عرى إعلام الحرب، الذي
أسقط المدينة في اليومين الأولين، متخليا بذلك عن سائر قيم الموضوعية والحياد
والنزاهة، وصار مجرد آلة من آلات الحرب، وخادما من خدام الجيوش، وهو ما يخالف على
طول الخط كل الثقافة الإعلامية الغربية، التي تزعم الحياد والموضوعية والنزاهة
والتحقيق في الادعاءات، مهما كان أصحابها، وإعطاء الفرقاء نفس المساحة من
التعبير.
- لقد صمد أهل الفلوجة أكثر مما توقع الجيش الأمريكي، وأكثر مما توقعت الأنظمة
العربية المتخاذلة، التي طالبت بالحسم السريع في الفلوجة.. وحتى لو نجحت قوات
الاحتلال في السيطرة على هذه المدينة الباسلة، وهو أمر ما يزال محل شك، فإن
المقاومة العراقية قد دخلت مع أحداث الفلوجة مرحلة غير مسبوقة، هي مرحلة
الاستعصاء، ومرحلة حرب العصابات المرهقة والبالغة التكاليف في أوساط المحتل
وأذنابه.. فإذا نجح الجيش الأمريكي في السيطرة على الفلوجة، فإنه بكل تأكيد بصدد
خسارة العراق كله، فالقوة لا تولد إلا القوة، وخصوصا إذا كانت عمياء صماء، كما
يمارسها الأمريكان، والدم لا يولد إلا الدم والفوضى و"الإرهاب". ولقد صدق الرئيس
الفرنسي جاك شيراك، حين أكد أن العراق قد بات في حال أسوأ مما كان عليه قبل
الغزو، وأن العالم صار أقل أمنا مع هذا الغزو الظالم المدمر.
- أثبت الجيش الأمريكي أنه جيش لا يحترم المقدسات، ولا يوقر المساجد، وأن حربه
على العراق تذكر كثيرا بما مارسه الصليبيون حين دخلوا بلاد الشام عامة وفلسطين
خاصة، حين جعلوا من المسجد الأقصى اصطبلا لخيولهم، وقتلوا عشرات الألوف من
المسلمين على أعتابه. فها هي المساجد في العراق عامة والفلوجة خاصة تقصف وتدمر من
قبل قوات الاحتلال، وها هي المصاحف تمزق، وأئمة المساجد وعلماء الدين يعتقلون،
وهاهم المدنيون اللاجؤون للمساجد طلبا للأمن والأمان يقتلون فيها.. حتى وصل الأمر
بجنود الاحتلال إلى اتخاذ مسجد الخلفاء الراشدين في مدينة الفلوجة معسكرا لهم،
يدوسون على سجاده بأحذيتهم، وينتهكون حرمته، بعد أن دمروا مناراته بقصف طائراتهم
ومدافع دباباتهم.. في تأكيد لتصريحات الرئيس الأمريكي جورج بوش بأن حربه على ما
يسميه "الإرهاب"، الذي بات في العرف الأمريكي كل ما له صلة بالإسلام والعروبة، هي
حرب صليبية، وهي حقا كذلك.
- لقد وعدت الحكومة العراقية وقوات الاحتلال من ورائها بأن يكون الهجوم الدموي
على الفلوجة والعديد من مدن غرب العراق وشماله وشرقه، مقدمة لإجراء الانتخابات
العراقية في شهر يناير من العام القادم. لكن حسابات المحتلين وأعوانهم قد خابت،
فبدلا من إجبار العراقيين على القبول بالاحتلال وأعوانه، وتشريع وجودهم، عبر
انتخابات صورية، على شاكلة ما جرى في أفغانستان، حيث صار كرزاي رئيسا منتخبا، بعد
تهيئة المسرح السياسي له بالعنف والقهر، توسعت المقاومة في العراق، وصارت العاصمة
بغداد غير آمنة، ومدن عراقية عديدة تحت قبضة المقاومين، وبات رئيس الحكومة
العراقية المؤقتة إياد علاوي غير آمن حتى في أفراد عائلته، الذين اختطف بعضهم على
يد مسلحين. وصارت الانتخابات، بعد مقاطعة 47 حزبا وهيئة سياسية واجتماعية ودينية،
عملية محفوفة بالكثير من المخاطر، فهي إن تمت ستنتج حكومة طائفية وعرقية صرفة،
وتلك الحكومة ستواجه معارضة واسعة من الأغلبية السنية، التي يجري تهميشها، بطرق
مختلفة، ورد الحكومة المنتظر على تلك المعارضة سيكون توظيف الشيعة والأكراد،
المشاركين في انتخاب الحكومة، ضد السنة، وهذه هي حقا الوصفة السحرية لحرب أهلية
قد لا تبقي ولا تذر.. حرب أهلية تطلع من صناديق الاقتراع، وتبرر نفسها بأنها ثمرة
اختيار شعبي.. وهذه قمة السخرية، حين تتبدل المفاهيم، وتصبح الديمقراطية طريقا
ملكيا للموت والدمار.
- إن العراق الذي أرادته الولايات المتحدة قاعدة للسيطرة على المنطقة، وخطوة
ضرورية في تغيير خارطتها السياسية وثقافتها ودينها، نحو خارطة وثقافة ودين تقبل
بالاحتلال، وترحب به، وتؤبد وجوده، حتى قال وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري
كيسنجر قبل الحرب على العراق، إن الحل في القدس يمر عبر بغداد، في حلم واهم من
هذا السياسي الأمريكي المصهين، بكسر شوكة العرب، وتغيير دينهم وثقافتهم، عبر
احتلال العراق، ومن ثم إجبارهم على تقديم تنازلات في قضية فلسطين.. هاهو العراق
بصدد أن يتحول إلى قاعدة، ولكن لتحرير المنطقة، ليس فحسب من سيطرة القوة
الأمريكية الغاشمة، بل ومن هيمنتها أيضا.. والفضل كل الفضل في ذلك، بعد الله
سبحانه وتعالى، للمقاومة العراقية، التي حمت عواصم العرب والمسلمين في دمشق الشام
وقاهرة المعز وطهران والرياض، من طوفان القوة الأمريكية الأعمى. وما كان للمقاومة
في العراق أن تنشأ بهذه السرعة، وأن تكبد العدو المحتل كل هذه الخسائر، وأن تورطه
في الوحل العراقي إلى الأذقان، لولا ثقافة الاستشهاد، ومنطق العزة والكرامة،
والغيرة على الدين والأوطان، التي تحاول أمريكا عبثا استهدافها، ولكن من دون
جدوى، فشعوبنا ليست هنودا حمرا، ولا يمكن لمنطق العجرفة والإجرام والقتل، اعتمادا
على التقنية الموجهة للهدم لا للبناء، والعلم الموجه للتخريب لا لفائدة
الإنسانية، أن يؤدي إلى نتيجة، وقد جرب الاستعمار السابق حظه وباء بالخسران
المبين.. وإن غدا لناظره قريب.
|