مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

مشروطة بتوفر الإرادة السياسية وتفهم الداخل والخارج

المصالحة الوطنية في الجزائر.. حظوظها وعوائقها
في الدورة الثانية لحكم بوتفليقة

 

 

في هذا العــدد

العراق من التحرير إلى التدمير الرئاسيات الأخيرة وتسريح المساجين حوارات أسرة التحرير
بين أبي غريب وسجون تونس نحو صياغة جديدة لعلاقة الإسلاميين بالسّلطة الحركة الإسلامية والبحث عن نقطة التوازن
الخرطوم تخطط للتخلص من الترابي العلاقات المغربية الجزائرية في اتجاه المجهول الحركة الإسلامية والإصلاح: المنظور البديل
النقد كوسيلة للارتقاء بقدرة العقل العرب بين قمع السلطة وخداع المعارضة المصالحة الوطنية في الجزائر
واقع التيار القومي العربي في تونس ما هو دور الشعوب في تحقيق طموحات أمتنا الزيتونة.. تاريخ طويل من العلم والإصلاح

 
نور الدين العويديدي

رغم عودة بعض التفجيرات وأعمال الاغتيال للساحة مؤخرا، فقد عاد الحديث في الجزائر عن المصالحة الوطنية، مع إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن رغبته في إصدار عفو عام وشامل، بمناسبة احتفال الجزائر بالذكرى الخمسين لانطلاق الثورة الجزائرية، في بادرة اعتبرت مشجعة لفتح ملف المصالحة من جديد، في أجواء دولية جديدة تحض على الإصلاح السياسي، والانفتاح الديمقراطي على المعارضة وقوى المجتمع المدني، تظللها حرب دولية على "الإرهاب"، تستغلها حكومات عديدة في قمع حقوق الإنسان، من أجل التقرب من الحكومة الأمريكية الراعية الأولى للحرب على "الإرهاب".

وكان الحديث عن المصالحة قد حضر بقوة في الحملة الدعائية للانتخابات الرئاسية، التي نظمت في الجزائر، يوم 8 أبريل الماضي، وفاز فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بدورة رئاسية ثانية، بنسبة كبيرة من الأصوات المصرح بها. ويرى الكثير من المراقبين أن شعار المصالحة الذي نادى به الرئيس بوتفليقة، قد ساهم في حصوله على أصوات عدد كبير من الجزائريين التائقين لرؤية مصالحة وطنية حقيقية بين السلطة وجماعات المعارضة، السياسية والمسلحة، تطوي صفحة السنين العجاف، التي عاشتها البلاد منذ الانقلاب على نتائج الدور الأول من انتخابات العام 1991، التي فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلب مقاعدها.. مصالحة تخرج البلاد من حالة المراوحة بين السلم والحرب، وتعيد لاقتصادها المنهك الاستثمارات الضرورية لتوفير مناصب الشغل لملايين العاطلين، وتخفف من حالة الفقر المتزايدة بين الناس، مثلما تعيد الثقة للجزائريين في أنفسهم وفي دولتهم ونظامهم السياسي.

فهل تنجح الدورة الثانية من رئاسة عبد العزيز بوتفليقة في الوصول بالجزائر إلى مرحلة المصالحة؟ وأي أثر لتراجع العمل المسلح وتفكك معظم القوى السياسية الجزائرية، التي تهدد استمرار النظام، على قضية المصالحة الوطنية في بلاد المليون ونصف المليون شهيد؟.. وما هي العقبات التي تعترض السعي للتصالح؟ وهل يمكن اجتياز تلك العقبات بنجاح؟.. هذا ما يحاول هذا التحليل الإجابة عنه.

تراجع العمل المسلح

نجحت الحكومة والأجهزة الأمنية والعسكرية الجزائرية، خلال السنوات الخمس الماضية، في تقليص العمل المسلح المعارض بشكل كبير. فقد نجح الرئيس بوتفليقة، منذ مطلع دورته الرئاسية الأولى، عبر المزاوجة بين الوعود السياسية والضغوط العسكرية، في تقليل عدد المسلحين المعتصمين بالجبال. وتمكن عبر قانون الوئام المدني من إنزال الآلاف من المسلحين من رؤوس الجبال، من سائر الجماعات المسلحة. فبعد مناورات ومداورات، وإقدام وإحجام، نجح بوتفليقة في حل ما كان يعرف باسم "الجيش الإسلامي للإنقاذ"، والذي اعتبر الجناح المسلح للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكان يضم نحو 7 آلاف مسلح، وكان يعتبر القوة المسلحة المنظمة الأساسية.

كما نجح في إنزال الآلاف من أعضاء الجماعة الإسلامية المسلحة المعروفة محليا باسم "الجيا GIA"، من الجبال، وتمكن من إقناع بعض المئات من جماعات مسلحة أخرى، منها الجماعة السلفية للدعوة والجهاد، المعروفة باستهداف العسكريين ورجال الأمن دون سواهم من المدنيين، بالتوقف عن القتال، بالرغم من بقاء الجسم الأساسي للجماعة السلفية معتصما بالجبال، مناوئا للحكومة وللمؤسسة العسكرية، في ظل حديث عن علاقة خاصة بين الجماعة وتنظيم القاعدة، الذي يقوده أسامة بن لادن.

وبنزول تلك الأعداد من المسلحين من الجبال، والتي تقدرها مصادر جزائرية غير رسمية بأكثر من 20 ألف مقاتل، تراجع كثيرا تأثير العمل المسلح المعارض، وصار بإمكان الأجهزة الأمنية والعسكرية الجزائرية التعامل مع موضوع المسلحين والعمل المسلح بكثير من الأريحية، رغم أن حركة الصعود إلى الجبال والنزول منها استمرت في الاتجاهين، ولكن بنسق أخف من السابق.

وبخصوص أعداد المسلحين الذين نزلوا من الجبال أو الذين لا يزالون فيها، تذكر وزارة الداخلية الجزائرية أن عدد المسلحين وصل في منتصف التسعينيات، وهي الفترة التي عرفت ذروة العمل المسلح المعارض، إلى 27 ألف مسلح. وهي تقول الآن إن ما بين 600 إلى 700 مسلح لا يزالون في الجبال.. وإذا قدرنا أن نحو 6 آلاف أو أكثر من ذلك بقليل من المسلحين يكونون قد قتلوا خلال هذه الفترة، التي تمتد على نحو عشر سنوات، فهذا يعني أن نحو 20 ألفا هو عدد الذين نزلوا من الجبال.

والأهم من أرقام المسلحين، بغض النظر عن التوافق أو الاختلاف بشأنها، فإنه بالدفعة التي أحدثها قانون الوئام المدني، والخلخلة، التي أحدثها في صفوف الجماعات المسلحة، وتراجع الحماسة للعمل المسلح المعارض، مع انحرافه عن الأهداف التي قام لتحقيقها، نجحت الأجهزة الحكومية في تقليل تأثير الجماعات المسلحة على نسق سير الحياة في المدن الكبرى، وخاصة العاصمة الجزائر.

وبذلك صار عمل المسلحين مقتصرا على بعض الكمائن في الطرق البعيدة عن المدن، أو بعض الهجمات على مناطق ريفية نائية، أو على معسكرات معزولة للجيش الجزائري أو لقوات الأمن، حتى ذهب بعض المحللين الجزائريين إلى اعتباره بمثابة نوع من الجريمة، التي لا يخلو منها أي مجتمع، وبإمكان الدولة والناس التعايش معها، وتحمل تكلفتها، مع العمل على محاصرتها أكثر حتى تنتهي.

تفكيك المعارضة السياسية

كما نجحت السلطة الجزائرية في تفكيك الكثير من جماعات العمل المسلح، والتقليل من أثرها على الحياة السياسية والاجتماعية في الجزائر، نجحت أيضا في تفكيك الكثير من الجماعات السياسية وحركات الاحتجاج الشعبية، وتمكنت من امتصاص تأثيرها ونفوذها على الحياة العامة في البلاد.

- فبالنسبة للجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي كانت قوة المعارضة الرئيسية للسلطة، تم إضعاف هذه القوة السياسية الكبرى، وذلك من خلال سلوك سبل عديدة لذلك، منها عمليات الاغتيال التي استهدفت العديد من قادتها، وأبرزهم المرحوم عبد القادر حشاني، الذي كان يمثل قيادة سياسية شابة وذكية وناجحة وقادرة على التواصل مع سائر قوى الطيف السياسي الجزائري. كما تم إضعاف الجبهة بفصل قياداتها العليا، عبر السجن والحصار والمراقبة الإدارية، عن قياداتها الوسطى وقواعدها، الأمر الذي تسبب في تشتت الجبهة إلى قوى وتكتلات متنافرة بعضها عن بعض، فضلا عن تشتت قواها بين جماعات الداخل والخارج، وانقسام من هم في الداخل إلى تكتلات، وانقسام من هم في الخارج أيضا إلى جماعات وقوى متباينة. ولكن بالرغم من ذلك لا تزال الجبهة من القوى السياسية المهمة في الجزائر، لكنها تحتاج إلى ظروف سياسية مناسبة، وقيادة قوية، حتى تتمكن من جمع شتاتها من جديد، واستعادة زخمها وقوتها السياسية والتنظيمية، التي ضعفت كثيرا.

- وبالنسبة للمعارضة الأمازيغية، التي مثلت خلال العام 2000 وما بعده بقليل، أهم تحدي للسلطة الجزائرية، عبر ما عرف بالربيع الأمازيغي، الذي عرفت فيه منطقة القبائل سلسلة واسعة من التظاهرات العارمة، التي كادت تتحول إلى حالة تمرد وعصيان مدني واسع، يتجاوز نطاقها منطقة القبائل إلى سائر الأراضي الجزائرية.. وبالرغم من ذلك تمكن النظام من تفكيك هذه المعارضة وإضعافها، وامتصاص المد الخطير الذي كانت تمثله. ويرى العديد من المراقبين أن المخابرات الجزائرية قد نجحت هنا أيضا في إثارة الخلافات بين قادة الحركة الأمازيغية، ومزقت صفوفهم شر تمزيق، فنشبت بينهم الخلافات والتباينات، مما قسم ظهر حركتهم. كما نجحت الاستخبارات أيضا، كما يقول المراقبون، في إثارة حالة من الخوف والتوجس لدى عرب الجزائر، وهم الأغلبية، من مطالب الأقلية الأمازيغية، من خلال إظهار أصوات شديدة التطرف في صفوفها، تطالب بالانفصال، وتحقر العرب، وتعتبرهم غزاة دخلاء عن البلاد، فضلا عن استغلال بعض الأخطاء التي وقع فيها متظاهرون بربر غاضبون اجتاحوا أطراف من العاصمة الجزائر وعاثوا فيها فسادا، مما أضعف الجانب الأخلاقي في حركة الاحتجاج الأمازيغية، وهو ما قاد لاحقا إلى الإضرار بها بقوة، وقلل من تأثيرها على الحياة السياسية الجزائرية. لكن هذه المشكلة تظل قابلة للتجدد والانفجار ثانية، مع توفر الظروف السياسية المناسبة لاشتعالها مجددا.

- ومثلما تم إضعاف الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وحركة الاحتجاج الأمازيغية، أمكن إضعاف بقية القوى السياسية الجزائرية الأخرى، من إسلامية وعلمانية، من خلال الحصار والمضايقة، أو عبر تغذية الانشقاقات والخلافات الداخلية، أو من خلال الاحتواء، عبر الإشراك في السلطة، لإطالة عمر النظام، من دون إدخال أي تعديلات حقيقية على طبيعته، وطبيعة علاقته بالشعب، مما أثر بقوة على شعبية تلك القوى في أوساط الشارع الجزائري، الذي يعاني من انتشار الفقر والبطالة والعنوسة ونقص المساكن وتراجع الخدمات الضرورية. فقد تم إخراج جبهة التحرير الوطني قبل سنوات من صفوف المعارضة، عبر الانقلاب على القيادة، التي دفعت بها للانخراط في المعارضة، ممثلة في السياسي الجزائري الشهير عبد الحميد مهري. وفي الأشهر الأخيرة تم استعادة الجبهة ثانية لبيت الطاعة، بعد أن خرجت منه مع رئيس الحكومة السابق علي بن فليس. وتم إضعاف جبهة القوى الاشتراكية، التي اختار زعيمها حسين آيت أحمد البقاء في الخارج، بسبب الوضع الأمني، بإثارة الخلافات في صفوفها، ودفع قوى أمازيغية للتمرد على مرجعيتها السياسية. وتراجع حضور حركة المجتمع الإسلامي "حمس" بسبب مشاركتها في السلطة، حتى إنها جاءت بعد حركة الإصلاح الوطني، التي يقودها الشيخ عبد الله جاب الله في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. في حين تم إضعاف حركة النهضة الإسلامية، عبر انقسامها إلى قوتين، إحداهما بقيت في إطار النهضة، وأخرى شكلت حركة الإصلاح.

أي أثر على المصالحة الوطنية؟

تتباين وجهات النظر في قراءة تأثير انحسار العمل المسلح، وتراجع خطر القوى السياسية الأساسية على استمرار النظام الجزائري، على المصالحة الوطنية.

- فثمة فريق يذهب إلى القول إن تراجع الخطر على النظام من شأنه أن يدفع به إلى تسريع مسار المصالحة، باعتبار أن قادته صاروا يشعرون الآن بأن الخطر على وجودهم وعلى استمرار مؤسسات الدولة قد تراجع، وأن بوسعهم أن يقتحموا "معركة" المصالحة من موقع قوة، ويضبطوا إيقاعها بالطريقة التي تناسب مصالحهم، ومصالح البلاد والشعب الجزائري معهم، مشيرين إلى أن الرئيس بوتفليقة يطمح في دورته الرئاسية الثانية إلى أن يستغل وجوده في السلطة لتسجيل إنجاز تاريخي كبير، يذكر به في التاريخ الجزائري الحديث، وهو إنجاز المصالحة الوطنية، بعد نجاحه في التغلب على العمل المسلح، وإعادة الأمن المفقود إلى البلاد والعباد.

- وعلى النقيض من ذلك ثمة وجهة نظر أخرى يعبر عنها الكثير من الجزائريين، ويجدونها قريبة من أفهامهم، ومن قراءتهم للمشهد السياسي في بلادهم، وهي أن نجاح القوات الأمنية والعسكرية في تقليل تأثير الجماعات المسلحة، ونجاح "السياسيين" الرسميين والأجهزة الاستخبارية في إضعاف القوى السياسية المعارضة، من شأنه أن يغري العديد من قادة النظام الجزائري بالتنصل من المصالحة الوطنية، باعتبار أن ما تحقق في البلاد من أمن واستقرار نسبيين، إنما تحققا بـ"حد سيف الحجاج"، كما قال الرئيس بوتفليقة يوما، وهو ما يعفي السلطة من أي التزام سياسي تجاه خصومها. ومن هنا فإن مفهوم المصالحة، الذي يتحدث عنه الرئيس بوتفليقة يتوقف عند حد ما حصل حتى الآن من عفو عن المسلحين السابقين، والنظر لهم باعتبارهم "تائبين"، يعد العفو عنهم غاية المنى، وأقصى ما يمكن أن يعطى لهم، ومن ثم عدم شمل السياسيين والمنفيين والمعتقلين بالعفو والتصالح، وهو ما يرى فيه العديد من المراقبين عملا ناقصا لا يمكن أن يحقق الكثير للجزائر، ومن نافل القول إنه لن يخرجها من الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الأخلاقية، التي لا تزال تعاني منها.

- ويرى المتشائمون أنه لا يمكن الحديث عن المصالحة في الوقت، الذي يتم فيه إضعاف المعارضة السياسية ومحاصرتها وخنقها. فإذا كان إضعاف العمل المسلح مفهوم بهدف ضمان الأمن والاستقرار، فإن إضعاف المعارضة السياسية يخفي عقلية استبدادية لا تقبل المصالحة، ولا ترتضيها.. وهم يجدون في تجدد الحديث عن المصالحة أمرا لا يمكن فهمه خارج إطار الحملة الانتخابية واستتباعاتها. ويقولون إن الرئيس بوتفليقة قد رفع لواء المصالحة في العام 1999 قبل وصوله للسلطة، وعندما صار رئيسا للجزائر استفتى الجزائريين على المصالحة ونال تأييدا كاسحا في ذلك، وهاجم الاستئصاليين الرافضين للمصالحة، بل وصل به الأمر حد اتهام الجيش بنصيب من المسؤولية عن الحرب الأهلية، معتبرا انقلاب العام 1992 نوعا من العنف.. لكن ذلك سرعان ما تم تناسيه، واكتفي بوتفليقة بقانون الوئام المدني، الذي خفف الضغط على المؤسسة الأمنية والعسكرية، من دون أن يؤدي إلى مصالحة حقيقية. ويقولون إن تجدد الحديث عن المصالحة مرتبط بالانتخابات، وأن الاتجاه يسير الآن نحو تناسي المصالحة مرة أخرى، في انتظار إثارتها مجددا مع انتخابات قادمة.

- لكن المتفائلين يرون أن ما تحقق حتى الآن من تطورات سياسية وأمنية جاءت في حدود المعقول، وأن المشكلة كبيرة ومعقدة، وخيوطها متشابكة، بحيث لا يمكن حلها بين عشية وضحاها، وأن الوقت جزء من العلاج، وأنه يذكر للرئيس بوتفليقة أن وضع البلاد على طريق المصالحة، وأن ما تم تحقيقه من أمن واستقرار نسبيين هو المقدمات الضرورية لما سيتلوه من إصلاح سياسي. ويشدد هؤلاء على أن الرئيس بوتفليقة حريص على تحقيق إنجاز تاريخي، في دورته الرئاسية الحالية، وأن نجاحه في الوصول إلى المصالحة الوطنية من شأنه أن يقوي موقعه السياسي على رأس النظام الجزائري في مواجهة الجنرالات، الذين يضيقون به ذرعا، منذ اتهمهم بالمسؤولية عن أعمال العنف في البلاد، وأن أفضل وسيلة للتخلص من ضغوطهم عليه إنما يكون بالاعتصام بالمزيد من التأييد الشعبي، من خلال إقرار المصالحة الوطنية، التي ينشدها السواد الأعظم من الجزائريين.

عقبات في وجه المصالحة

بغض النظر عن تباين مواقف المتفائلين والمتشائمين تجاه إقرار المصالحة الوطنية في الجزائر، يلاحظ المراقب الحصيف أن هناك عقبات كثيرة تقف في وجه المصالحة في بلد المليون ونصف المليون شهيد.. ومن أهم تلك العقبات ما يلي:

- تأثير الظروف الدولية الحالية سلبيا على الساحة الجزائرية المحلية. فبالرغم من الحديث عن الإصلاح السياسي دوليا في المنطقة العربية، وضرورة الانفتاح على المجتمع المدني، فإن سيادة منطق الحرب على "الإرهاب" على العالم من شأنه أن يمثل عائقا مهما أمام المصالحة، وخاصة بعد اتجاه الحكومة الجزائرية والإدارة الأمريكية إلى التعامل مع موضوع الجماعات المسلحة الجزائرية باعتباره موضوع "إرهاب"، الأمر الذي اقتضى تركيز قواعد أمريكية في جنوب الجزائر، لمحاصرة امتداد نفوذ الجماعات المسلحة في الصحراء الكبرى.

- ومن العوائق أيضا وجود تيار استئصالي قوي في الجزائر في الحكومة والجيش والنخب السياسية والإعلامية. ويعد رئيس الحكومة أحمد أويحيى واحدا من ركائز التيار الاستئصالي في الجزائر، ويلعب دورا كبيرا، من داخل المؤسسة الحاكمة، في إعاقة أي توجه جاد وحقيقي نحو المصالحة الوطنية، ويجد في ذلك تأييدا كبيرا من جنرالات في المؤسسة العسكرية، ومن سياسيين في الحكم والمعارضة وفي دوائر المال والاقتصاد.

- ومن العوائق كذلك انتشار الفساد في الجزائر بشكل غير مسبوق. وقد تشكلت خلال سنوات الأزمة مافيات فساد مالي وإداري ضخمة. وتعمل هذه المافيات على استمرار وضع الأزمة، لأن الحياة الطبيعية من شأنها أن تقود إلى تفعيل المحاسبة والشفافية ومراقبة المال العام، وهذا لن يكون بالمطلق في صالح تلك العصابات الخطيرة، ذات الامتداد الدولي، التي صارت اليوم تلعب دورا سياسيا مهما في الجزائر، وباتت مؤثرة في القرارات الكبرى، ومنها قرار المصالحة الوطنية.

- كما إن حجم الضحايا، وضخامة المجازر والجرائم، التي ارتكبت خلال سنوات الأزمة، وحجم عدد المختفين، الذين لا يزال أهاليهم يطالبون بإلحاح بمعرفة مصيرهم، من شأنه أن يجعل الجهات ذات المصلحة في عدم فتح تلك الملفات تتخوف من المصالحة، ومما قد تقود إليه من محاسبة وفتح ملفات خطيرة، وبالتالي تقف عائقا في وجهها.

- ومن العوائق أيضا وجود نوع من التشدد في قسم من التيار الإسلامي، وخاصة بعض الأجنحة في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بحيث تبدو مطالبها أكبر مما يمكن للخصم أن يقبل به ويقدم على تحقيقه.. لكن الجدية في إظهار نية حقيقية للمصالحة سوف تجعل أولئك الإسلاميين يبدون الكثير من المرونة في مواقفهم.

- ومن العوائق الإضافية في وجه المصالحة انتشار الفقر والبطالة، وخاصة في أوساط الشباب وخريجي الجامعات، وهو ما يشكل بيئة تجعل الحركة صعبة، فالماسكون بالسلطة يخشون من أن أي تنفيس سياسي قد يخلق مجددا حالة من الفوران والثورة، التي يصعب التحكم في نتائجها. ولا ننسى أن ما حدث عقب أحداث 5 أكتوبر 1988، يشير إلى هذا، إذ قاد الانفتاح الديمقراطي، الذي عرفته البلاد، من دون أن تتهيأ له جيدا إلى تزايد مطالب الشارع الجزائري، حتى وصل الأمر إلى حد جعل قوى كثيرة في الدولة غير مستعدة للاستجابة لها، وهو ما قاد في النهاية إلى الانقلاب والأزمة الراهنة.

المصالحة ممكنة وضرورية

بالرغم من حجم العوائق الكثيرة، من الداخل والخارج، في وجه المصالحة الوطنية، فإنها تظل الخيار الوحيد المأمون والمأمول لإخراج البلاد من أزمتها، والدفع بها قدما إلى الأمام في اتجاه الإصلاح والتقدم. وفوق هذا وذلك، فإن تحقيق المصالحة أمر واقعي وممكن، إذا توفرت الإرادة السياسية، وصح العزم على السير في اتجاهها. أما التلكؤ في العمل من أجلها فإنه سيفاقم الأزمة ويفجرها مجددا ولو بعد حين. ولا يغرين، تفكيك الجماعات المسلحة، وإضعاف القوى السياسية الرئيسية، أحدا بالاطمئنان إلى السيطرة على الوضع، إلى أمد طويل، فالمجتمع الجزائري ينام على بركان هائل من الغضب والإحباط والفقر، وهو ما يمكن أن ينفجر في أية لحظة.

في المقابل فإن المصالحة الوطنية وحدها هي ما يمكن أن يسجل من إنجاز تاريخي عظيم في سجل الرئيس بوتفليقة، وهو قادر على الوصول إليها إذا أراد.. ومازال أمامه في دورته الرئاسية الثانية من الوقت متسع، وفرصة لإخراج بلاده وشعبه من أزمة طاحنة، لا يقلل من وطأتها تراجع درجة العنف في البلاد، طالما ظلت عجلة اقتصادها ومجتمعها متوقفة أو تكاد.. وطالما استمر الانتحار أو الهجرية السرية هاجس شبابها الأول، وهي التي تنتهي بالموت في أعماق البحار، أو على شواطئ الضفة الشمالية، أو بالموت المعنوي، بما هو ارتداد عن الإسلام لصالح جماعات التبشير الناشطة بكثافة في بلاد الزوايا وحفظة القرآن، وبما هو تفسخ أخلاقي غير مسبوق، وانهيار شامل في عالم العلاقات والقيم.


© Aqlamonline 2004