|
مريم
التيجي (*)
أصبحت فصول العلاقة
بين المغرب والجزائر تشد انتباه المراقبين أكثر من أي وقت مضى، بسبب تسارع
الأحداث ودخول الطرفين في مواجهات مباشرة على أكثر من مستوى.
فعلى الصعيد الأممي
شهدت الأسابيع الأخيرة صراعا قويا بين المغرب والجزائر داخل مقر الأمم المتحدة
للضغط على بقية الأطراف الدولية قصد استصدار قرار يصب في صالح أحد الطرفين، حيث
تقدمت الجزائر بمشروع قرار داخل اللجنة الرابعة بهيئة الأمم المتحدة يرمي إلى
الدفع باتجاه إيجاد حل للصحراء الغربية خارج السيادة المغربية، مما جعل مندوب
المغرب الدائم في الأمم المتحدة محمد بنونة يخرج عما كانت تقتضيه الأعراف
الدبلوماسية في السابق ويتهم الجزائر صراحة بالتآمر، ويقول بأن الجزائر اختارت أن
تسلك داخل اللجنة الرابعة التابعة للامم المتحدة خلال مناقشة قضية الصحراء
المغربية سلوكا مسرحيا.
وأضاف الدبلوماسي
المغربي في تصريح صحفي بنيويورك عقب الجلسة المخصصة من طرف اللجنة لمناقشة ملف
الصحراء المغربية : " مع الاسف ، وكما جرى السنة الماضية ، اختارت الجزائر أن
تسلك من جديد سلوكا مسرحيا داخل اللجنة الرابعة وجرت معها بعض أتباعها ، معتقدة
أنها بذلك تستطيع الضغط على بلادنا.
وعلى الضفة الأخرى
أكد رئيس الدبلوماسية الجزائرية أن بلاده تناضل من أجل مبدأ "حق الشعوب في تقرير
المصير"، كما حفلت الصحافة الجزائرية بالتصريحات التي تكرر نفس الخطاب وتؤكد أن
الجزائر تقف مع قضية عادلة وتطالب بتصفية الاستعمار في الصحراء الغربية.
ولا تقف المعارك
المغربية الجزائرية عند أعتاب الأمم المتحدة، بل تتجاوزها لتدخل إلى الكونغرس
الأمريكي حيث لا يزال كل طرف يضخ ملايين الدولارات في جيوب عدد من أعضاء الكونجرس
الأمريكي من أجل صناعة لوبيات تدفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ قرارات معينة.
وفي الوقت الذي لا
يزال فيه الموقف الفرنسي وفيا للمغرب، ومساندا له في المحافل الدولية، فإن
الجزائر فقدت مساندة الموقف الإسباني لها بعد سقوط الحكومة اليمينية برئاسية خوسي
ماريا أثنار في الانتخابات الأخيرة التي جرت في إسبانيا في 14 مارس الماضي، في
حين ربح المغرب نقطة إضافية لصالح "قضيته الوطنية" بعد أن تغير الموقف الإسباني
بقدوم الحكومة الاشتراكية الحالية التي أعلن رئيسها خوسي لويس ثباتيرو صراحة دعمه
لحل سياسي متوافق عليه، كما صرح عدد من المسؤولين بضرورة دفع كل من المغرب
والجزائر للجلوس على طاولة المفاوضات وهو ما ترفضه الجزائر بشدة، معتبرة أنها غير
معنية بالموضوع، وأن المغرب مطالب بالتفاوض مع جبهة البوليساريو المطالبة بانفصال
الصحراء الغربية عن المغرب.
إلا أن المغرب وحسب
المتتبعين لا يمكن له أن يركن طويلا للموقف الإسباني الحالي، لأن الحزب الشعبي
اليميني لا يزال يقود حملة قوية ضد اختيارات الحزب الاشتراكي، ولا يزال الرأي
العام الإسباني يتعاطف أكثر مع المواقف الجزائرية، ولا تزال قيادات جبهة
البوليساريو تحظى بدعم خاص داخل إسبانيا، مما يجعل أي تغيير في الحكومة الإسبانية
قد يعيد العلاقات المغربية الإسبانية إلى نقطة الصفر.
وإذا كان المغرب قد
كسب خطوة إضافية بدعم الحكومة الإسبانية لمواقفه فإنه لم يضمن المساندة الأمريكية
بالكامل، لأن الولايات المتحدة الأمريكية ورغم التنازلات الكبيرة التي قدمها
المغرب، بدءا من انخراطه الكامل في الحرب الأمريكية على "الإرهاب"، ومرورا بدعمه
للمشروع الأمريكي في المنطقة، وتوقيعه لاتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة
الأمريكية فإنه لم يتلق إشارات مطمئنة من الدولة العظمى، التي لا تزال تفضل
الاستفادة من النزاع في المنطقة للحصول على أقصى ما يمكن من التنازلات من كل من
المغرب والجزائر معا.
كما إن ما يجعل
الموقف الأمريكي غير مبشر بخير بالنسبة للمغرب هو انخراط جبهة البوليساريو في
المعركة الأمريكية على "الإرهاب"، في الوقت الذي كان فيه المغرب يسعى لتوريطها
واعتبارها راعية للإرهاب في المنطقة. إذ نشرت قبل شهور /الواشنطن البوست/
الأمريكية صورة لبعض مقاتلي جبهة البوليساريو، وهو يقومون بتدريبات عسكرية تحت
القيادة الأمريكية في عمق الصحراء، للمساهمة في الحرب الأمريكية على "الإرهاب"،
كما تحدثت الصحافة المغربية في خبر لم يحض بكثير من الاهتمام رغم خطورته عن تسلل
عدد كبير من المقاتلين ومن العتاد العسكري من مخيمات تندوف بجنوب الجزائر حيث
ترابط جبهة البوليساريو في اتجاه الجنوب وبالضبط في اتجاه المناطق التي تعتبرها
الولايات المتحدة الأمريكية معقلا لتنظيم القاعدة في الصحراء.
وكانت الولايات
المتحدة الأمريكية قد وجهت صفعة للمغرب، أثناء وجود الحكومة اليمينية في إسبانيا
من خلال مجلس الأمن الدولي، حين سعت إلى الضغط على المغرب لدفعه للقبول باقتراح
المبعوث الأممي السابق الداعي إلى إعطاء الصحراويين حكما ذاتيا مدة خمس سنوات
يمرون بعدها إلى الاستقلال، وهو ما رفضه المغرب بشدة. كل هذه المؤشرات توحي إلى
أن الموقف الأمريكي لا يزال يبحث عن مصالحه الخاصة ولم تتوضح معالمه بعد.
إلا أن أقوى اللحظات
على المستوى الدولي التي طبعت قضية الصحراء الغربية هي الاحتفال الكبير الذي
أقامته الجزائر وجبهة البوليساريو، وحالة الوجوم التي سيطرة على الدبلوماسية
المغربية عقب إعلان جنوب إفريقيا اعترافها بـ"الجمهورية الصحراوية"، لأن جنوب
إفريقيا تعتبر طرفا مهما جدا داخل القارة الإفريقية، كما إنها فاعل أساسي في
مجريات الأحداث في القارة، بالنظر للقيمة التي اكتسبتها بنجاحها في إقبار النظام
العنصري السابق، تحت قيادة نيلسون مانديلا، الذي بات شخصية تحظى باحترام واسع في
العالم بأسره.
وإذا كان كل من
المغرب والجزائر يقودان حربا دبلوماسية دولية على أكثر من صعيد، فإنهما بالمقابل
تخوضان حروبا مماثلة داخل المنطقة، حيث كان قرار العاهل المغربي رفع التأشيرة على
المواطنين الجزائريين2 أثناء احتفاله بالذكرى الخامسة لاعتلائه عرش المغرب، بداية
للتصعيد المباشر بين البلدين، انتهى مؤخرا إلى بداية الحديث عن حشد القوات
العسكرية على الحدود البرية بين البلدين.
فبعد يومين من إعلان
المغرب رفع التأشيرة على مواطني الجزائر، وبعد أن كانت كل التحليلات متفائلة
تنتظر قرارا جزائريا مماثلا، يمهد لفتح الحدود البرية المغلقة منذ عام 1994، كان
عدم تلبية وزير خارجية الجزائر لدعوة من نظيره المغربي لحضور ملتقى أصيلة
الثقافي، بداية لتوقع كل الاحتمالات، تلتها عاصفة على الصفحات الأولى للصحافة
الجزائرية، التي اعتبرت قرار المغرب انفراديا لم يسبقه تشاور بين الطرفين، وأنه
جاء لابتزاز الجزائر، ودفعها لفتح الحدود التي تضرر الاقتصاد المغربي، بشكل كبير،
بعد إغلاقها.
ولم تستمر التكهنات
طويلا حتى خرج الموقف الجزائري الرسمي عن صمته، وأكد ما نشرته الصحافة الجزائرية.
ولتأكيد لغة التصعيد وجه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رسالة إلى الأمين
العام للأمم المتحدة كوفي أنان، وصف فيها المغرب بـ"البلد المحتل" لإقليم
الصحراء. وبعد أيام أرسل المغرب ما وصفه بـ"مذكرة توضيحية" للأمين العام للأمم
المتحدة، للرد على رسالة الرئيس الجزائري، عبر إيراد معطيات تاريخية تنفي عن
المغرب صفة "القوة المحتلة"، ولاتهام الجزائر بشكل مباشر بالوقوف ضد حل قضية
الصحراء الغربية.
وبين الرسائل التي
تتوجه من المغرب والجزائر في اتجاه مقر الأمم المتحدة لتبادل الاتهامات، وبين
صفحات الصحف في البلدين التي تحولت إلى ميدان لمعارك حامية الوطيس، وبين الصراع
على جذب التأييد الدولي تنتظر منطقة المغرب العربي ما ستحمله الأيام المقبلة مما
قد يعصف باستقرارها، ويظل مشروع وحدة المغرب العربي مجرد مشروع غير قابل للتحقق،
في ظل توتر الأجواء بين أقوى دولتين في المنطقة.
(*) صحافية وكاتبة مغربية
|