|
حاورها الطيب الغيلوفي وعزالدين عبد المولى
أقلام:
يسعدنا
أن نرحب بك أستاذة خديجة ونشكرك على قبول هذه الدعوة للإجابة على أسئلتنا.
تتزاحم على منطقتنا منذ فترة مشاريع إصلاح، بعضها آت من أمريكا وبعضها من أروبا
وبعضها الآخر ذو طابع محلي، باعتبارك باحثة وناشطة إسلامية معروفة، كيف تنظرين
لهذه المشاريع وكيف يمكن التعاطي مع موضوع الإصلاح بشكل عام من زاوية إسلامية؟
خديجة مفيد:
بالنسبة لموضوع الإصلاح في البنية التصورية وكما تقدمه الحركات الإسلامية في إطار
الصحوة كمشروع جديد للنهضة هو في منطلقه وفي مبادئه ينطلق من رؤية تجديدية ورؤية
إصلاحية لوضعنا الراهن. ونحن من داخل الفضاء الإسلامي ومن داخل البنية الفكرية
الإسلامية نقول بأن كل الإصلاحيين بما فيهم الإسلاميين لم يفككوا إشكالات عدم
النهوض في الوطن العربي. ولذلك نجد بأن سؤال النهضة مازال منفتحا بكل أبعاده،
والأسئلة التي طرحت منذ الأفغاني ورضا وعبده مازالت مكرورة ولم تتم الإجابة عليها
ودخل شق منها في تاريخ الفكر وكأننا قمنا بحل جميع الإشكالات وحققنا النهضة على
صعيد الواقع ثم أحلنا هذه الأسئلة إلى تاريخ الفكر. في البنية التصورية مازلنا
نلاحظ كثيرا من مظاهر الركود الفكري تتمثل أساسا في أن الفكر لم يغير الواقع فيما
أصطلح عليه بـ"سكيزوفرينيا" ما بين الفكر والسلوك. لم يصل الفكر الإسلامي إلى
مرحلة يتحول فيها إلى حركة سلوكية تسائل وتتبنى مفهوم الجهاد كما ورد على لسان
الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: لقد عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد
الأكبر. الجهاد الأكبر هو تمثل المبادئ التي يحملها الإنسان والعيش وفقها. فنحن
حينما نتكلم عن الحكام مثلا نؤاخذهم على عدم تبني منهج الشورى وشيوع الدكتاتورية
وعدم التداول على السلطة. حينما نحلل هذه المظاهر وننتقدها نكون جد ديمقراطيين،
أما حينما نتناول منظومتنا الفكرية داخل بنية الحركات الإسلامية نكون دكتاتوريين
ونتبنى مقولات مثل طاعة الحكام في المنشط والمكره إلى غير ذلك. كما أن الأمور في
كثير من تنظيمات الحركات الإسلامية تنفذ دون أن تناقش. مثل هذه الأفكار أدت إلى
انتكاس البناء التنظيمي والفكري لهذه الحركات مما ولد ظاهرة تفريخ التنظيمات بحيث
نجد تنظيمات خرجت من صلبها مجموعات إما أكثر تشددا وانغلاقا أو أكثر تحللا بما
جعلها تخرج عن الإطار الفكري الأول. ونحن عند معالجتنا للقضايا الاجتماعية غالبا
ما نستدعي نماذج من التاريخ ونستحضرها، فعندما يتعلق الأمر بالمرأة مثلا سرعان ما
نلجأ إلى نماذج مثل أسماء وسمية وغيرهما، كل الأسئلة نجيب عليها من التاريخ.
فالإجابة على أسئلتنا تكمن باستمرار في التاريخ مثل كون الإسلام جاء وحرر المرأة
بعدما كانت تباع وتشترى وأننا لسنا في حاجة لمن يعطينا دروسا في تحرير المرأة
وتمكينها من حقوقها إلخ. بينما في واقعنا الاجتماعي مازلنا نجد ممارسات على صعيد
الأسرة مثلا ينفر منها الحس الإنساني مثل الضرب ومختلف أشكال الإهانة والسطو على
المرتبات. هذه المظاهر وغيرها تعيدنا إلى سؤال النهوض وتكشف لنا المسافة التي
مازلات تفصلنا عن الإجابة وعن تحقيق الإصلاح بمنظور قرآني.
إذا كان
القرآن قد تنزل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بالتدرج وحسب المناسبات، فإنه
بالنسبة إلينا قد وصلنا مكتملا فتشكلت لدينا منظومة متكاملة. ومن الأخطاء التي
أراها في ممارسة الدعوة مثلا القول بأن نسلك منهج التدرج قياسا على التدرج الذي
أنزل الله به القرآن. هذا المنطق غير صالح لأن عندنا منظومة متكاملة فيها الرؤية
التربوية والرؤية الاقتصادية والرؤية السياسية. ينبغي أن يتم تناول القرآن في
كليته بحيث نستخرج منه برنامجا تستعمل في صياغته مختلف التخصصات العلمية والمعارف
الواقعية حتى نستطيع أن نعطي للقرآن بعدا فاعلا في المجتمع الانساني.
أقلام:
وضع المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية يحتاج إلى تطوير بصرف النظر عما
تقدمه المشاريع المطروحة، هل ثمة عقبات تحول دون إحداث هذا التطوير سواء داخل
تنظيمات الحركة الإسلامية أو في المجتمع العربي والإسلامي ككل؟
خ م:
الإصلاح دائما يحتاج إلى الزمن ويحتاج كذلك إلى الفعل في الزمن من خلال استيعاب
المنهج، وإدراك الواقع حسب الدراسة الواقعية الميدانية. فبالنسبة لواقع المرأة
على الصعيد العالمي أرى أنه واقع منتكس في الشرق كما في الغرب. الدين الوحيد
المؤهل لأن يصحح القضية الوجودية للإنسان بما في ذلك المرأة ويقدم لها معالجة
سليمة وعادلة هو الإسلام. ويمكن أن نقول إذا جاز التعبير بأن الإسلام هو دين ما
بعد العولمة، دين ما بعد الحداثة، كيف ذلك؟ نحن نعرف أن هناك مقاربتين لموضوع
المرأة قد سادتا في التاريخ الانساني، الآن أصبح مطلوبا من أي مقاربة أن يلغى
فيها البعد القطري لصالح البعد العالمي. وفي تقديري ليس هناك إلى حد الآن مقاربة
متكاملة ذات بعد إنساني يمكن أن تحقق سعادة الإنسان كما تحمله المقاربة
الإسلامية. خاصة بعد فشل كل الأنظمة سواء الاشتراكية أو الشيوعية التي سقطت أو
الليبرالية التي تغولت وتوحشت وارتكست إلى الهمجية خاصة على الطريقة التي يقدمها
النموذج الأمريكي الذي يجد امتداداته في ممارسات كانت سائدة في عصور ما قبل
التاريخ. فالإسلام هو المرشح الوحيد لتصحيح هذه الوضع.
أولى
المقاربتين السائدتين هي المقاربة التي سادت في الشرق وهي مقاربة ذكورية شلت
النصف الثاني للمجتمع، وهذا الشلل لم يؤثر على صيرورة المرأة فحسب وإنما أثر ولا
يزال يؤثر سلبا على صيرورة المجتمع بأسره. فالمرأة التي كانت كانت في البداية
ضحية لتلك الرؤية، تحولت في مرحلة ثانية إلى منتجة لهذه الرؤية بحكم أنها مربية
للذكر والأنثى معا. ولقد جنى الشرق من وراء استمرار إنتاج هذه الرؤية المتخلفة
كثيرا من الويلات على جميع المستويات.
أما
بالنسبة للغرب، ومع مجيء الثورة الصناعية وخروج المرأة إلى سوق الشغل وما نتج عن
المعاملة غير العادلة تجاهها من استغلال وهضم لحقوقها وابتزاز لها وخاصة من ناحية
الأجرة، قامت ثورة. ولأن الثورة عمل بشري، فقد ظلت تنتقل من تطرف إلى تطرف آخر
وصل قمته مع التيار النسوي الذي استمر صعوده في الغرب إلى أن صار يتحكم في صناعة
القوانين التي انقلبت في معالجتها لقضية المرأة من ظلم الرجل للمرأة إلى ظلم
المرأة للرجل والمرأة معا، وفي مرحلة متقدمة تحول ذلك إلى ظلم للمؤسسة الأسرية
فانعكس ذلك انتكاسا في نمط الوجود الاجتماعي من خلال انتكاس الوحدة القياسية التي
هي الأسرة. والآن نسمع عن مقاربة "الجندر" التي تلغي أي تمايز بين البنية
الأنثوية والبنية الذكورية، ولهذا انعكاسات ومآلات خطيرة على كينونة الانسان وعلى
التكامل بين عنصريه، ذلك التكامل المؤسس على الاختلاف الطبيعي بينهما.
أما نحن
فلم نحدد بعد أي موقف تصوري لهذا الموضوع، لم نقدم بديلا أو مقاربة متكاملة لأننا
استبعدنا المرأة وغيبناها في إنتاجنا الفكري. المرأة ليست حاضرة في الصياغة
الحركية. وهذا الغياب الممنهج يؤثر على كل ما ننتجه من مشاريع للتغيير أو الإصلاح
أو غيره. ومع هذا فقد بدأ الآن تيار من النساء المسلمات يتفقه في الدين دون
وساطة. لم تعد هناك وساطة العالم أو الفقيه، فقد استوعبت المرأة مجددا البعد
الرسالي ويرجع الفضل في جزء كبير من ذلك إلى الحركة الإسلامية التي أسهمت في
إحياء التدين وإعادة الدين إلى حياة الانسان. هناك مجموعة من النساء اجتهدن
واستوعبن البعد الرسالي بنفس الدرجة التي استوعبت بها بعض القيادات الإسلامية
وأسهمن في الحركة وفي الدعوة واحتككن بالواقع فأصبح عندهن هذا البعد. وأخشى ما
أخشاه إذا لم يتح المجال لمقاربة زوجية للواقع في التصور وفي التشريع وفي
البرمجة، أخشى أن يظهر تيار نسواني إسلامي والآن هناك بعض العناصر ينادون بذلك،
ومنشأ ذلك كما تعرفون في الغرب، الآن هناك من النساء من تقول لك (je
suis feministe islamiste)
وهذا خطير
لأنه يضع المرأة دائما في مقابل الرجل. أنا عندي تصور أشتغل عليه في رسالة
دكتوراه أريد وأن يكون مشروع عمري هو المقاربة الزوجية عوض مقاربة النوع أو
المقاربة النسوية وغير ذلك. وفي اعتقادي أن هذا هو المنظور القرآني الذي لازال
غائبا كقاعدة للتجديد وكمبدإ يتأسس عليه التنظير سواء في البناء الاقتصادي أو
البناء الاجتماعي أو البناء السياسي. فلا يمكن أن تتأسس الديمقراطية وهي غائبة
داخل الأسرة، ولا يمكن أن نتحدث عن المشاركة السياسية والرأي غائب في الأسرة، ولا
يمكن أن نتحدث عن بنية اقتصادية متكاملة ونحن لم نموقع أطراف الأسرة فيها، كيف
يستفيد كل طرف، كيف يكون الإنتاج وكيف تكون التنمية. في نظام تقسيم الشغل مثلا،
تتعرض المرأة إلى ظلم واضح، وإذا لم نعط بعد الزوجية حقه بتركيز مفهوم المساواة
داخل مجتمعاتنا الشرقية التي تقلب بشكل غبي أنظمة الشغل فإن التنزيل سيكون مشوها
من خلال ذلك التقليب. تلك الأنظمة تفرض على المرأة مثلا نفس عدد ساعات العمل التي
يقوم بها الرجل في حين لا تعفي المرأة من التزاماتها الأخرى داخل البيت وداخل
الأسرة كما هو الحال مع الرجل. في الغرب، مع المساواة هناك حقوق المواطنة التي
تتمتع بها المرأة والرجل على حد سواء، وتتحمل الدولة مسؤولية توفير شروط الراحة
والسلامة للجميع أما عندنا في الشرق وفي الوطن العربي فالعبء كله يقع على عاتق
المرأة إلى درجة أن كثيرا من المستشفيات قامت بدراسات وانتهت إلى أن أغلب
الانهيارات العصبية توجد عند الموظفات بسبب تراكم الأدوار التي تقوم بها المرأة.
وهذا يتسبب كذلك في إهمال الأطفال لأنه حينما تشتغل المرأة فإن مؤسسة العمل تقول
لها إن هذه مشكلتك وليست مشكلتنا. ومن جهة ثانية فإن بعد الأمومة يلغى فيؤثر كذلك
على النسل حيث يصبح تحديد النسل عملية آلية بسبب تراجع قدرة المرأة على التحمل
وعلى الإنجاب وعلى العناية بالأطفال بشكل سليم.
من هذه الإشكالات ما
لا يمكن أن يحل في غياب نظرية متكاملة ومتوازنة تتجاوز المقابلة التي تضعها
النظريات الذكورية والنسوية التقليدية بين الرجل والمرأة، وأعتقد أن المقاربة
الزوجية التي أشتغل عليها ستسهم في حل هذه الإشكالات.
أقلام:
موضوع المرأة في المشروع الأمريكي للإصلاح يحتل موقعا محوريا، لماذا في اعتقادك
يتم التركيز على المرأة بهذا الشكل، ألا يعود ذلك إلى موقع المرأة المحوري في
البنية الاجتماعية للمجتمعات العربية والإسلامية؟
خ م:
المشروع الأمريكي قائم على الدراسات الاستراتيجية والدراسات الاستشرافية، ولما
تأتي جحافل من الخبراء إلى الوطن العربي بدعوى أنهم يقومون بأبحاث جامعية وينفقون
ما ينفقون من الوقت والجهد، فيلاحقوا الانسان ملاحقة لصيقة يمكن أن نقول عنها
"بوليسية" وبصبر لا ينفد، إلى درجة أنك يمكن أن ترده عشرين مرة فلا يتركك ويظل
متشبثا بك إلى أن يستخلص منك ما يريد، هذا المنهج القائم على الاستشراف وعلى
النظر الاستراتيجي الذي يستعيد الفكر الاستعماري ويجدد الآليات الاستعمارية، إنما
هو أمر طبيعي بالنسبة إلى قوة عالمية أن توسع من مستعمراتها. وحيث أن الاستعمار
يتجدد، فالاستعمار المعاصر هو استعمار اقتصادي واستعمار ثقافي، لكي تمكن لاقتصادك
عليك أن تمكن للثقافة التي تؤدي إلى تمكين الاستثمار ومن ثم تمكين الاستغلال.
فالبعد الأول بعد استعماري، امتداد للنزعة الاستعمارية حيث أن القوي يسعى
باستمرار إلى توسيع دائرة نفوذه. وفي إطار الصراع بين الأقطاب الصناعية العالمية
وتراكم فائض الإنتاج الذي يدفع بالنتيجة إلى التنافس على الأسواق التقليدية
والبحث عن أسواق جديدة، هذا كله يفسر سبب التركيز على المرأة من خلال التنميط
الثقافي الذي يتأسس على البعد الفردي داخل المجتمع ويفسر لماذا التركيز على
المرأة في الشرق تحديدا. المرأة هي محور الحياة الاجتماعية التي تجتمع حولها
الأسرة وتقلل من الاستهلاك. نحن عندنا في المجتمعات العربية بنية تكافلية قوية
متأسسة على قيم الدين. وهذه التركيبة الاجتماعية لا تسمح بتمدد المؤسسات
الاقتصادية والتجارية التي تسعى لتعميم الاستهلاك وتسيع دائرة المستهلكين. زد على
ذلك أن البنية الاقتصادية الغالبة في الوطن العربية هي بنية فلاحية، ولابد من
تغيير عقلية الفلاح وإغراقه في الديون من خلال الاقتراض المتواصل الذي يدفعه
بالتدريج للتخلي عن عمله حتى ينفسح المجال أمام الاستهلاك. فالتركيز على المرأة
هو اتكاء على نقطة الضعف التي يعاني منها المجتمع العربي لخلق التباس عند المرأة،
والتركيز على نقطة الضعف هو في نفس الوقت مدخل لضرب نقاط القوة. موقع القوة
الأساسي الذي عندنا هو الموقع الاجتماعي لأن وضعنا الراهن لا يسمح لنا بأن نسهم
في العولمة الجارية بقوة اقتصادية أو تجارية أو علمية. لا نملك قوة معرفية تظاهي
ما وصل إليه الغرب في مجال تقنية المعلومات مثلا، فالشيء الوحيد الذي نملكه والذي
يمكن أن نقدمه للعالم ليستفيد منه هو الأسرة رغم ما يعتري هذا الموضوع من إشكالات
تتعلق بظلم المرأة وهضم حقوقها.. فوحدة الأسرة وتماسكها واستمرارها أمر يفتقده
الأمريكي والغربي عموما، وذلك هو عنصر القوة الذي يمكن أن نسهم به في النهضة
الانسانية. الأمريكيون لا يريدون لهذا أن يحصل، لأن فيه رفضا لعملية التنميط التي
يعملون على تكريسها في العالم عبر محو كل المظاهر التي يمكن أن تقاومها والتي تجد
أسسها في القرآن وفي قيم الإسلام مما هو مبثوث في مناهج تعمليمنا. هذه الأسس
ينبغي أن تمسح حتى يمكّن للاستراتيجية الأمريكية الخطيرة أن تتغلغل في مجتمعاتنا.
هى خطيرة جدا لأنها تركز على أجيال المستقبل من خلال إعادة صياغة برامج التعليم
وضرب مؤسسة الأسرة وتفكيك منظومة القيم التي تأسس عليها البنية الداخلية للمجتمع.
(*)
باحثة
مغربية، رئيسة جمعية الحضن النسائية وعضو حزب العدالة والتنمية المغربي
|