مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

الأستاذ أبو زيد المقرئ الإدريسي عضو البرلمان المغربي:
آليات الأنظمة في مواجهة مشاريع الإصلاح المفروضة بالية ومتخلفة

 

 

في هذا العــدد

العراق من التحرير إلى التدمير الرئاسيات الأخيرة وتسريح المساجين حوارات أسرة التحرير
بين أبي غريب وسجون تونس نحو صياغة جديدة لعلاقة الإسلاميين بالسّلطة الحركة الإسلامية والبحث عن نقطة التوازن
الخرطوم تخطط للتخلص من الترابي العلاقات المغربية الجزائرية في اتجاه المجهول الحركة الإسلامية والإصلاح: المنظور البديل
النقد كوسيلة للارتقاء بقدرة العقل العرب بين قمع السلطة وخداع المعارضة المصالحة الوطنية في الجزائر
واقع التيار القومي العربي في تونس ما هو دور الشعوب في تحقيق طموحات أمتنا الزيتونة.. تاريخ طويل من العلم والإصلاح

 
يسعدنا أن نلتقي بالأستاذ أبو زيد المقرئ الإدريسي عضو البرلمان المغربي وأحد رموز الحركة الاسلامية المغربية في إطار حوار تجريه مجلة أقلام أون لاين في محور الإسلاميون وموضوع الإصلاح المطروح سواء أمريكيا أو أوروبيا أو عربيا.

أجرى الحوار الطيب الغيلوفي وعزالدين عبد المولى

أقلام: أستاذ أبوزيد، يرى بعض الملاحظين أن الحركة الاسلامية مستهدفة من الإصلاح عبر تغيير المناهج الدراسية وخاصة تلك التي تحمل بعدا ثقافيا أو دينيا، بينما يرى البعض الآخر أن الإسلاميين مستفيدون من هذا الاصلاح لاسيما في بعده السياسي وما يمكن أن يحدثه من انفتاح وتوسيع لقاعدة المشاركة السياسية خاصة وأن الحركة الإسلامية تمثل في أغلب الأقطار العربية أكبر قوى المعارضة، كيف تنظرون إلى هذا الموضوع؟


الإدريسي: بسم اله الرحمن الرحيم. أشكر مجلة أقلام أون لاين على إتاحتها هذه الفرصة الطيبة للتواصل مع جمهور قرائها. مشروع الإصلاح الامريكي أصلا الاوروبي تبعا العربي تظاهرا هو مشروع إصلاح أمريكي. وإذا كان كذلك تبينت خاصيتاه الرئيسيتان الثابتتان. فأي مشروع يوجه للأمة العربية الإسلامية اليوم من أمريكا ينبغي أن يفهم على أنه مشروع يهدف إلى تغييرات جذرية تسعى إلى مزيد من التمكين للأمركة أوالعولمة الأمريكية في العالم الاسلامي، وأنه يهدف إلى مزيد من شل قدرات الأمة وطاقاتها على النهوض والاستقلال، وأنه يهدف إلى التمكين للمشروع الصهيوني في المنطقة المسماة الشرق الأوسط .

الخاصية الثانية أنه مشروع محلى في سطحه وظاهره بكل المسكنات والمحسنات والمكياج المتعلق بالحريات والتجديد والإصلاح وحقوق الانسان والدخول في العصر الحديث.
وهاتان السمتان ليستا جديدتين على هذا الإصلاح ولا هما من الابتداع أو الإسقاط عليه، فقد عودتنا كل المشاريع المسماة إصلاحية أنها تحتفظ ضمن تغييرات وديكورات وشكليات بهاتين الخاصيتين. عمق استلحاقي وسطح مغر. هذه الأيام كنت أقرأ مشروع الإصلاح الذي قدم من طرف فرنسا للملك عبد العزيز المغربي منذ مائة سنة. ابتسمت وأنا أقرأ الوثائق وأقلبها كأن التاريخ يتلخص في لحظة مر عليها قرن كامل هي 1905. عندما تقرأ مشروع الاصلاح الذي فرضته فرنسا على المغرب وألزمته به وهددت باحتلاله إذا لم يقم بتطبيقه، تجد فيه إصلاح الجيش وتنظيم الشرطة وبسط الأمن. وتجد فيه تغييرا جذريا في المجال الضريبي وتعميما للتعليم وشيئا من التغطية الصحية للمواطنين وحدا أدنى من الانظباط الإداري والسياسي والدبلوماسي. ولن تجد في ذلك الوقت من النخبة البعيدة عن الفهم الحقيقي للغرب والضعيفة الوعي الاسلامي والتاريخي إلا تطبيلا وتزميرا لهذا المشروع وتنديدا بمن يعارضه بإسم الرجعية والتخلف والانغلاق وكراهية الآخر. ولن تجد من الحكام إلا ضعفا وانكماشا وترددا وخوفا على الكرسي دونما وعي بالمخاطر ولا سعيا إلى آلية جذرية لحل الاشكال بالالتحام بالجماهير والإفراج عن النخبة المصلحة المقموعة والسعي إلا طرح بديل وإنقاذ الذات.
كأننا اليوم في سنة 1905 بالنسبة للمغرب وبالنسبة لبقية العالم الاسلامي. هذا ليس جديدا والمغرب مثال فقط. لقد فرضت إصلاحات على السلطان عبد الحميد الثاني حيث تقدمت روسيا وبريطانيا وفرنسا والنمسا وألمانيا باقتراحات ومنها اقتراح بوضع دستور. والعجيب أن بريطانيا  التي فرضت عبر عملائها دستورا على السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1898 إلى اليوم ليس لها دستور، وأن إسرائيل التي تسمى واحة الديمقراطية ليس عندها دستور، في حين أن الدول العربية مطالبة كلها بتغييرات دستورية من حولها.
هذه ملاحظة أولية، فلندخل في الموضوع الآن. وثيقة الإصلاح أو مشروع الشرق الأوسط الكبير العنصر الرئيس فيها هو الخطاب التاريخي الذي ألقاه كولن باول يوم 12/12/2002 في دار التراث. والذي يعرف دار التراث ويعرف "ميلون" الذي بناها ويعرف الأموال الصهيونية التي تصب فيها ويعرف المنبر التي تمثله، منبر اليمين المسيحي المتطرف والتيار الأصولي في الحزب الجمهوري، يدرك مغزى تلك الرسالة. فاختيار كولن باول لإلقاء عرضه هذا ليس في القاهرة وليس في عمان وليس في الرباط وإنما من هناك، هو رسالة لنا جميعا أن رؤيته التي ينطلق منها وينطق بها هي رؤية دار التراث و"سكاب ميلون". لقد خصص الفرنسي الحقوقي والإعلامي والسياسي الكبير الذي لا يتهمه أحد لا بالتخلف ولا بالاسلامية، ملك الصحافة الفرنسية المشهور، اريك لوران في كتابه القيم والمتميز "عالم جورج بوش السري" خصص "لسكاب ميلون" وحكاية دار التراث فصلا كاملا بين فيه خبايا الصهيونية والتمويل الصهيوني وأن دار التراث مؤسسة عولمية لمواجهة ما تسميه اليسار في أمريكا أولا وهم الليبيراليون المعتدلون وهم عموم الديمقراطيين. ثم لمواجهة أي مشروع يريد أن ينهض في أمريكا اللاتينية وفي افريقيا  وآسيا، وحتى لمقاومة أي  سعي في  أوروبا للاستقلال عن الهيمنة الأمريكية.
ثالثا، الذي صاغ المشروع، باعتراف كولن باول في خطابه الذي استغرق ساعة كاملة ونشر في اثني عشر صفحة، الذي قاله في المقدمة أن الذي وراء وضع اللمسات الأساسية والخطوط العريضة هو كيسنجر، هذا العجوز الذي جاوز الثمانين، هذا الثعلب الديبلوماسي الماكر الذي لايخفي ولاءه الصهيوني ولا هواه الاسرائيلي ولا يهوديته المتطرفة المغلقة والذي له تاريخ في تدمير المنطقة قبل صدمة البترول وما بعد صدمة البترول. إذا أخذنا هذه المعطيات حتى قبل أن نقرأ سطرا واحدا، نحن أمام مشروع متعجرف هيمني استلحاقي يريد تسريع وتيرة التطبيع مع إسرائيل عبر فتح الجسور لها إلى العالم العربي والتمكين لانفتاحها الاقتصادي والثقافي للهيمنة على المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى الاسراع بتحقيق أوهام اليمين المسيحي المتطرف المهوس بمعركة هرمجدون ونهاية التاريخ ونزول المسيح وهدم المسجد الاقصى وبناء الهيكل. هم ينفذون أجندة خرافية ولكنها الآن تتنزل مع جورج بوش الابن تنزلا فعليا.
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة الخطاب المعسول بفسح المجال للديمقراطية والتعددية والحريات وإصلاح التعليم وعقلنة الثقافة والانخراط في العصر إلا قراءة حقيقية تليق بمن يعرف الغرب وخطاب الغرب وطبيعة المكياج الغربي في الخطاب. وهو أن وراء ذلك أهدافا لم تعد باطنية، لم تعد سرية، لم تعد مخفاة، لم تعد مواربة، أهدافا في إلحاق المنطقة بالركب الأمريكي ليس على طريق التقدم وليس على طريق اللحاق بالمستوى الحضاري للغرب و لكن عن طريق فقدان مزيد من أدوات الممانعة والمقاومة والصمود. وهذا ينطق به المضمون التفصيلي الذي قد نأتي إليه بالنسبة للمنطقة

أقلام: إذا كان المشروع كما تفضلتم يسعى إلى تطبيق هذه الأجندة، فكيف السبيل إلى مقاومته إسلاميا ووطنيا؟

الإدريسي: سبق لي أن قلت في كثير من محاضراتي عن العولمة إن العلاج في مواجهة العولمة هو العولمة، والعلاج في مواجهة الديمقراطية الغربية التي تقدم لنا هي الديمقراطية، والمواجهة للحرية الفوضوية التي يريدها الغرب هي الحرية. آليات الأنظمة التقليدية والقوى الرجعية المغلقة ذات الامتياز المحتكر للسلطة والثروة في مواجهة هذه المشاريع هي آليات متخلفة تقوم على الانكماش والانقباض والمناهضة اللفظية ثم الممانعة السرية المحتشمة ثم الاستسلام شيئا فشيئا. تذكرني هذه القوى بتجارب مر عليها قرن في الدولة العثمانية. في النظام المغربي تذكرني بكل الوقائع التي كانت قبل مجيء الاستعمار وقدمت إلينا في شكل إنذارات بإصلاح سريع على إيقاع الغرب أو الغزو، وقد ختمت بالغزو. ردود الأفعال هذه تشبه ردود أفعال أنواع من المحار الذي يلتصق بالحجر عندما تسعى إلى تقليعه ثم بعد ذلك يتكسر كل غشائه الصلب ويتحطم ويضيع. نحن نؤمن بأن الطريق للإفلات من القبضة الغربية ليس هو الانقباض دونها، فليس دونها إلا الحائط،  حائط التخلف والهزائم والانكسار الداخلي. الإفلات من القبضة يكون بالتقدم إلى الأمام. المطلب الأمريكي محدد في خطوة شكلية ومحدودة في الانفتاح والحرية والديمقراطية المضبوطة على إيقاع المصالح الغربية. الانطلاق إلى حرية كاملة وديمقراطية كاملة وانفتاح كامل هو السبيل للإنفلات من هذه القبضة الأمريكية. إلى الأمام وليس إلى الخلف حيث لا جدار، ولكن حيث المستقبل وحيث الحرية، حيث الكرامة، حيث المقاصد العليا للدين الاسلامي الذي قرأناه قراءة رجعية طيلة القرون الماضية ولا نريد أن نكرر التجربة لأنه حتى قبل مجيء أمريكا ومجيء الامبريالية، كانت هذه القراءة المحافظة الرجعية قد أدخلتنا عصر الانحطاط. ولن نخرج منه إلا على صفعات الاحتلال وقرقعة سلاح العدو الأوروبي الذي جاء يحتل أرضنا وينهب خيراتنا ويفتح أسواقنا لسلعه المتطورة والمتكاثرة. لا يمكن أن نحارب دعوة أمريكا الملغومة للحرية إلا بحرية حقيقية غير مشروطة والديمقراطية الامريكية بديمقراطية حقيقية كاملة والإصلاح الثقافي بما فيه تعديل برامج التعليم إلا بإصلاح حقيقي.

أقلام: ولكن، كيف يمكن تحويل هذه الأفكار وهذه الرغبة في الإصلاح الحقيقي إلى واقع، أليس في مجتمعاتنا بحكامها ومحكوميها ممانعة لعملية الإصلاح سواء جاءت من الخارج أم نبعت من الداخل؟

الإدريسي: تحويل هذه الأفكار إلى واقع يبدأ بأن يحصل أولا توافق بين القوى الوطنية الحرة على مشروع يمثل الحد الادنى لإصلاح المجتمع وتغييره. وهذا ممكن إذا تداعى العقلاء بالإحساس بالخطر المشترك، بالتركيز على الثوابت والمشتركات، بترك الخلافات الجزئية، بنسيان الحساسيات الايديلوجية والصراعات الماضية بما في ذلك أيضا الجهات الرسمية. نحن لا نؤمن الآن بأي مشروع انقلابي يمكن أن يؤدي إلى خير. وأخجل أن أقدم إلى قراء مجلة "أقلام أون لاين" تجربة من دولة إفريقية مغرقة في التخلف ولكنها مضت بهذا الخيار إلى الأمام خطوات وصلت أفضل بكثير منا، وهي بلاد بنين المسماة داهومي والتي عندما أحس العسكري العجوز الجنرال الأحمر الماركسي الذي قاد انقلابا وحكم بطريقة ستالنية تسعة عشر سنة وذبح المسيحيين والمسلمين والوثنيين وقضى على الحريات والأحزاب، ولكن عندما رأى جدار برلين ينهار كان أفضل من تشاوسيسكو الأوروبي وأفضل من كثير من الحكام. فدعا إلى مؤتمر حقيقي وليس إلى مؤتمر صوري وأخرج المعتقلين من السجون ودعا المغتربين. هذا المؤتمر ضم خمس مائة من القيادات العسكرية والسياسية والدينية طيلة عشرة أيام في اجتماع متواصل افتتحه الرئيس واستمع فيه طيلة تسعة أيام ونصف إلى السب واللعن والشتم دون أن يعترض، ثم خرجوا بوفاق وطني وانتخبوا من بين الخمسمائة رئيسا مؤقتا كان من زعماء المعارضة الخارجة من السجن. ووضع الرجل لنفسه ضمانات فقط أن لا يذبح هو والعسكريون. وأبقى في يده لسنة انتقالية القوة العسكرية. ومضت بنين سنة 1990 أو الداهومي على هدى من الإصلاح الجزئي بدأ بانتخابات تشمل الأمة بأكملها. وطلع معارض آخر أشرس إلى الحكم خمس سنوات. ولكن الجنرال بعد سبعة عشرسنة من المذابح الستالينية كسب بهذا الاصلاح الداخلي وبهذه الديناميكية التي أنقذ بها نفسه ونظامه ووطنه في آخر لحظة، كسب احتراما فعاد بعد خمس سنوات لكي يصبح رئيسا منتخبا ومتوجا على القلوب وليس فقط على الكراسي. تجربة بلد هو تاريخ الرق والمملكة التي كانت تقود السود كلهم إلى سفن الرق إلى أمريكا الآن تقدم نموذجا مقارنة بصدام حسين الذي انهار، وأخاف أن تكون سوريا في الطريق بنفس التصلب والتخشب، والدورة بعد ذلك على إيران لكن عندها متنفس ديمقراطي لا بأس به وعلى السعودية وتونس والمغرب والجزائر وبقية البلدان. إذا لم يفطن العرب سيكررون تاريخ الصمود والممانعة المتخلفة في  وجه الآخر. آنذاك كانت أوروبا والآن أمريكا. أنا أدعو إلى أن نتبنى المفاهيم الثورية في برنامج الإصلاح الأمريكي تبنيا حقيقيا وتبنيا ذاتيا وأن نجيّرأجندتهم لصالحنا ولمصلحتنا الوطنية الداخلية بأن ننظر فعلا في مناهج التعليم ونطهرها من الكوارث والطامات والعيوب البيداغوجية. وننظر في سياساتنا العرجاء وننظر في ديمقراطيتنا المغشوشة وننظر في حرياتنا المكبوتة ونصلحها من الداخل ونقوم بمصالحة وطنية وذلك هو الطريق الوحيد لقطع السبيل على الأمريكيين. إن كان أحد مستهدفا منذ ربع قرن في بلاد المسلمين فليس أحد مستهدفا كإيران، ولكن إيران على أخطائها ومشاكلها ومعاناتها من الحرب ثماني سنوات أجلت لحد الآن الضربة القاصمة بالحد الادنى من الديمقراطية والانفتاح الوحيد الحقيقي الجزئي الموجود بين مكوناتها في ظل دولة العالم كله يرفضها والسياق التاريخي يجاوزها وهي قائمة على مرجعية دينية مرفوضة عند البعض حتى داخل المسلمين، ولها رؤية لهيكلة سياسية منبثقة من هذه المرجعية الدينية قد لا يقبلها حتى كثير من الشيعة كولاية الفقيه. ولها مشروع تراثي تاريخي تريد فيه استعادة جزء من التاريخ قد لا نوافقها عليه، ولكن كل ذلك بشيء من الحرية والديمقراطية والدينامكية واحترام المؤسسات والاحتكام إلى الجماهير. إيران تؤجل الضربة التي تترنح تحتها السعودية الآن ويختنق تحتها أهل العراق الآن ولا حول ولا قوة إلا بالله

أقلام: ألا ترى أن الاستفادة من هذه المفاهيم الواردة في الوثيقة الأمريكية والتي وصفتهما بـ"الثورية" وأخذها على حقيقتها تعترضها عقبات كثيرة، فليس من اليسير أن تستوعب الأنظمة القائمة مثل هذا الحديث، كما أن خطاب الحركة الإسلامية نفسه، على الأقل في قطاع واسع منه، مازال إلى حد الآن يعارض مثل هذا الخطاب وربما يرى فيه تخليا عن الثوابت؟

الإدريسي: لنبدأ بالشق الثاني، فالإسلام علمنا النقد الذاتي. أولا في هزيمة أحد لم يشر القرآن قط إلى دور الجيش القرشي في الهزيمة ولا إلى عبقرية القائد خالد ابن الوليد وإنما أشار إلى "ما أصابك من سيئة فمن نفسك" و"أولما أصابتكم مصيبة فمن أنفسكم" لهذا دعني أبدأ من النقطة الثانية لأنها تتعلق بالنقد الذاتي.
الخطاب الاسلامي في عمومه خطاب تقليدي، فهو يصطف لاشعوريا إلى جانب خطاب الممانعة للأنظمة، خطاب الصمود والانقباض الداخلي المهزوم سلفا العاجز أن يقف سدا منيعا في وجه الهجمة الغربية. نموذج السعودية الآن وما تجر إليه جرا مثل كسيح مأخوذ من عنقه بحبل على الارض، السعودية تجر الآن جرا لتغيير برامجها، تجر جرا لإفساح المجال لمعارضين ليسو بالضرورة نظيفين أو غير مرتبطين بالغرب، تجر جرا لفتح المجال للمرأة ولكن ليس في الاتجاه الصحيح. هذا النوع من الممانعة التي عند حكامنا كمحافظين وتقليديين وخائفين على مواقع السلطة والثروة تجدها عند كثير من الحركات الاسلامية لأنها في العمق ليست حركات تجديدية، ليست حركات ثورية، ليست حركات تغييرية. حركات تحلم حلما تراثيا عتيقا ويداعب خيالها التاريخ بألوانه وصوره النمطية التي لن تتكرر أبدا، بعيدا عن رؤية الإسلام التي تتجرد عن الأشكال والذوات والاشخاص والقبائل والتواريخ وتنشد هدفا أسمى قد يتحقق بصورة معاصرة مغايرة لكل شكل تاريخي بصوره ومستحدثاته ومفرداته. ومن هنا فإن الحركة الاسلامية تعتبر في عمومها غير مؤهلة لهذه الخطوة، خطوة القفز الثوري إلى الأمام. والحركات التي قامت بالتجديد من الداخل ومارست النقد الذاتي وطورت وعيها، هذه الحركات الآن صار لها ربع قرن من الدعوة للتجديد وممارسته داخل هياكلها ولو جزئيا وفي خطاباتها وتنظيراتها، هذه الحركات لم تنتظر التحدي الغربي، لم تنتظر بوش وأوامره ووقع حوافر خيله. ولم تنتظر خطاب كولن باول ولا مشروع الشرق الأوسط الكبير. هذه حركات وعت أزمة ذاتية وقامت بتقديم اقتراحات في مجال حقوق الانسان والحريات العامة وفي مجال الديمقراطية والتعددية وفي مجال المرأة وفي مجال الحوار مع الآخر أكان الغرب أو المسيحيين أو كان القوى العلمانية والوطنية الداخلية. وهي حركات سعت أن تنفتح على الآخر وأن تنصفه وأن تسعى إليه وأن تقدم نفسها كنموذج. عندما يقول رجل مثل محمد سليم العوا إن المشروعية التاريخية التي كانت قبل مجيء الاستعمار هي مشروعية الفتح، وبالتالي الحديث عن دولة إسلامية ينبغي أن يعاد فيه النظر. الذين قاوموا الاستعمار وأرسوا قواعد الدولة الحديثة ليسو كلهم مسلمين أو إسلاميين. فالمشروعية الآن للمواطنة لأن المواطنة تأسست بحركة النضال الوطني التي قادها الشيوعي والقومي والعلماني واليهودي والنصراني في بعض بلاد المسلمين. فعندما يقال هذا الكلام كان يرفض ومازال يرفض من العديدين ومازال العديدون يتحدثون عن إلغاء الأحزاب الأخرى إذا وصلوا إلى السلطة، وعن إلغاء الديمقراطية لأنها مجرد ضرورة مثل الميتة للجائع أو الخمرة بالنسبة إلى العطشان، وعن قتل المرتد وعن إكراه المرأة على الحجاب. هذه الحركات الاسلامية هي التي ستلبي مطالب الأمريكان وهي ستكون الوجه الآخر لمطالب الآمريكان، لأن المراة إذا خيرت بين حريتها وحجابها ستختار الحرية والشعوب إذا خيرت بين الديمقراطية والاسلام ستختار الديمقراطية والانسان إذا خير بين الكرامة والشغل وبين التقوى والإيمان سيختار الكرامة والشغل. ينبغي ألا نضع شعوبنا المكسورة المظلومة بين هذه الخيارات الصعبة بين كرامتها وبين تدينها، بين حقها في النجاة في الدنيا وبين حقها في النجاة في الآخرة، بين عاجل ما تطلب من عيش كريم وبين آجل ما تطلب من خاتمة سعيدة، وتوحيد ما بين هاتين القراءتين وما بين هذين المصيرين في قراءة ثورية تجديدية للإسلام. طبعا دورنا كحركة إسلامية أن نبدأ بأنفسنا فنبلور هذا الخطاب وندعمه ونؤصله ونعممه ونتبادل التجارب. في المغرب الخطاب التجديدي جاءنا من قناعة داخلية، من رحم الدين الاسلامي، من أصول الفقه ومن القراءة الصحيحة لسيرة الرسول (ص) جاءنا أيضا من كتابات الترابي والغنوشي والمبدعين الشيعة في لبنان وإيران. رياح التأثير الإسلامي المتبادلة أيضا سوف تساعد في خلق هذا الجو وتتصدى بقوة للتيار السطحي والحرفي والظلامي والسلفي المتطرف والإرهابي الذي يخلط بين العنف والجهاد. هذا التيار يريد أن يقرأ الاسلام قراءة معكوسة ستسقط في المخطط الأمريكي مباشرة كما سقطت طالبان في أفغانستان. سوف يسقطون لأن الصلب يكسر دائما. إذا مهمتنا الأولى أن ننظف البيت الداخلي. أن نعيد ترتيبه ونصلح مفاهيمه ونضبط أفكاره ونقوم أولوياته. وأظن أن تيار الاعتدال والوسطية الذي يقوده الشيخ يوسف القرضاوي في عمومه وفي مآلاته يمكن أن يفضي إلى خلق قوة غالبة داخل المشروع الإسلامي في رحم الصحوة الإسلامية. وقد بدأت بعض الاشارات من الغرب تعتبر أن هذا التيار هو الخطر الحقيقي بخلاف الخطاب التمييعي الذي يركز على نماذج أبي حمزة وأبي قتادة في ويعمل على إبرازها باعتبارها الممثل الحقيقي للإسلام. لقد بدأوا يحاربون تيار المشاركة الشعبية، تيار الاعتدال والوسطية لأنه سينغرس في رحم الجماهير وسيتألف قلوب العلمانيين والوطنيين والقوميين من جديد، يفتح معهم جسورا مشتركة. ولن يصطدم مع السلطة وهي في حال من الترنح قد تحتاج إلى أي شيء تمسك به، وبالتالي يقع نوع من التصالح الداخلي. الغرب لا يريد لهذا التصالح أن يحصل لأنه يراهن ويساوم على هذا الشق الذي كان في العراق وفي أفغانستان وترك جرحا داميا مفتوحا فدخلت منه الدبابة الأمريكية. واجبنا الأول إذا هو أن نبني هذا الوفاق مع الوعي بأن ردم هذه الهوة يحتاج إلى معالجة فكرية، والمعالجة الفكرية بطبيعتها بطيئة. الإشكال يكمن في أن الإيقاع يتسارع والخطر يجري بسرعة ضوئية، والأوضاع تتلاحق يوما بعد يوم ونحن بصدد مشروع إصلاح العقول والنفوس وإخراج المسلم من سيكولوجية الانسان المقهور القائمة على رد الفعل والقراءة الظلامية للتراث والتسطيح لفهم القرآن. وأخشى ألا نوفق في تغيير  حركتنا الفكرية على إيقاع الصراع السياسي المتلاحق خاصة وأن الغرب يدرك ذلك ويسارع إلى استثمار الوضع المزري دون أن يسمح لنا بلملمة جراحنا

هذا عن الإسلاميين، أما الشق الأول المتعلق بالأنظمة فالانظمة العربية والإسلامية ليست سواء. بعض الأنظمة فيها قدر من الانفتاح والاعتدال والديناميكية، فلنبدأ بها ونسعى للتصالح معها. وأنظمة أخرى برهنت أنها غارقة في اتباع الغرب وفقدت كل مصداقية ذاتية لأنها مرهونة بالكامل ومع ذلك تجد فيها شيئا من المرونة. ليس هناك نظام مرهون للغرب مثل النظام الكويتي، دويلة صغيرة فقدت سيادتها وانتهت من الوجود في غزوة صدام الخاطئة وعادت على أسنة الحراب الأمريكية والجيش الأمريكي يملأ ذلك الفضاء الصغير ويحيطه من كل جانب ومع ذلك فإن المعارضة الإسلامية والعلمانية  تجد مع هذا النظام مرونة بحيث أن العمل الخيري الإغاثي في الكويت أكثر منه في السعودية التي لا تدين لأمريكا بوجودها. هذا مثال نبين به أن الوضع الموضوعي للأنظمة ليس هو الذي يدفعها للارتهان للغرب وضرب القوى المعارضة وإنما هي العقلية والنفسية والتركيبة الأولغارشية. نموذج آخر، لبنان أضعف حلقة في دول الطوق حول إسرائيل وأكثر أرض الله استهدافا من المخابرات الإسرائيلية، ففي لبنان على صغره أكثر من مائة ألف مخبر للموساد وأرض الجوار الملتهبة للاحتلال التي لم يهرب منها إلا منذ سنتين فقط بعد أن توالت عليه ضربات حزب الله الباسلة. وهونظام أعلى هرمه غير مسلم، نظام مسيحي وبنيته وتركيبته طائفية هشة وقد مزقته حرب أهلية مدمرة مازالت رائحة حرائقها تنبعث من السبعينات والثمانينات. ومع ذلك فإن لبنان برهن على أنه في ميزان الإرادات الأقوى رغم أنه في ميزان القوى هو الأضعف. وقدمت لبنان نموذجا في المفارقة بين ميزان القوى وميزان الإرادة. العراق كانت مليون ضعف مقارنة بلبنان، لكن في ميزان الإرادات لبنان أصر على إكرام مقاتليه على ألا يصفيهم ويجمع أسلحتهم إرضاء للأمريكان وأن يفسح لهم المجال للجهاد في الجنوب حتى حرروه باستنزاف العدو وأبى حتى بعد تحرير الجنوب وفرار الصهاينة أن ينزل الجيش إلى هناك كي لا يصطدم بالمجاهدين مادام هناك شبر إسمه مزارع شبعة وكل المؤتمرات عن فلسطين وعن الوفاق الوطني وعن الحوار المسيحي الإسلامي والقومي الإسلامي عندما تضيق بها كل العواصم العربية نذهب إلى لبنان فنجد الملاذ والاستقبال وأحيانا التغطية المعنوية والمادية وأحيانا حضور رئيس الدولة ورئيس الوزراء. لبنان قدمت نموذجا لدولة صغيرة وممزقة ومهددة من العدو ولكنها دولة صامدة في وجه الإغراءات المالية والتهديدات السياسية. وقدمت نموذجا لدولة استبقت مطالب الغرب الإصلاحية المزعومة من حرية وديمقراطية وتعددية رغم كل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها من جراء الحرب الأهلية ومن جراء تقلبات المنطقة ومن جراء الغزو الإسرائيلي.

أرجو أن يطور الإسلاميون خطابا تحسيسيا يخاطبون به الأنظمة العربية والإسلامية المستهدفة معهم ومع الأمة كلها في جبهة واحدة. هذا الخطاب التحسيسي ليس خضوعا وليس إغراء وليس تنازلا ولكنه تصحيح للخطاب التخويفي التهديدي الذي مارسته الحركة الإسلامية. لقد أخرجت الحركة الاسلامية أسنانها فإذا بالأنظمة تخرج أسنتها ورماحها وأنيابها وأظافرها. وهذا الخطاب التحسيسي المنفعي مؤسس في القرآن الكريم. القرآن الكريم لم يخاطب الناس بمنطق الضمير فقط لأنه لا يستجيب إلا النخبة لهذا المنطق، إنما خاطب الناس بمنطق المصلحة. الله عز وجل يقول على لسان سيدنا نوح:"وأن استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا". ويقول "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" ويقول "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم". الخطاب القرآني يستعمل مصطلحات التسويق التجاري، يتكلم عن نفسه فيقول "هدى للعالمين" "وننزل من القرآن ما فيه شفاء ورحمة للمؤمنين" القرآن سوّق نفسه كمصلحة للناس في الدنيا والآخرة. الرسول (ص) الذي فهم القرآن الذي عليه أنزل كان يقول "قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب". وكان يبين للناس بركة التدين في الدنيا وفي الآخرة. وربعي ابن عامر الذي قال لرستم "ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة..." لم يقل إلى سعة الآخرة وإنما إلى سعة الدنيا والآخرة. وهذا الذي يفهمه اليهود فعندما أراد اليهود من القوى الأوž