|
محمد الحمروني (*)
هو أحد أهم المساجد
حظوة وتقديرا في الديار التونسية. وقد لعب على امتداد تاريخه الطويل أدوارا
جليلة، وأشعت منه أنوار العلم والمعرفة مشرقا ومغربا، وأنجب من العلماء العظام،
من تجاوز إشعاعهم حدود تونس إلى أعماق إفريقيا. وكان لفترة طويلة قلب حاضرة تونس،
ومنه خرج الكثير من مصلحيها وعلمائها وقادتها الكبار.. إنه جامع الزيتونة الأعظم،
الذي كان من أوائل الجامعات العظمى في تاريخ الإنسانية.. وهو المنارة التي حفظت
لغة الضاد في شمال إفريقيا، وأشعت بأنوار الإسلام قرونا مديدة..
تأسيس الجامع
30 سنة تقريبا
بعد بناء جامع القيروان، أسس القائد الإسلامي الكبير الفاتح لتونس حسان ابن
النعمان جامع الزيتونة، وكان مسجدا بسيطا، قبل أن يقوم عبيد الله بن الحبحاب سنة
116 هجرية أو 114 هجرية حسب بعض المصادر الأخرى بالزيادة في بنائه وفخامته. وأعاد
بعدها إبراهيم بن احمد بن محمد، ومن بعده أخوه زيادة الله الثاني، بتجديد البناء
من أصله، وأكمل زخرفته سنة 250 هجرية، كما تشير إلى ذلك الكتابة المنقوشة بالخط
الكوفي العريض على دائرة قبة المحراب.
.. هذا ما تجمع
عليه أغلب الآراء، إلا أن الاختلاف رغم ذلك قائم بهذا الخصوص. ففي حين يذهب بعض
المؤرخين، ومنهم العلامة عبد الرحمن ن خلدون وحسن حسني عبد الوهاب إلى أن البناء
تم على يد عبيد الله بن الحبحاب سنة 116 هجرية، يذهبون إلى أن المسجد الذي بناه
الفاتح حسان، إما أن يكون قد دمر على يد الرومان، إثر سطوهم على مدينة تونس، بعد
مغادرتها من قبل ابن النعمان، وتركه حامية صغيرة عليها، وإما أنه مسجد آخر غير
الذي بناه عبيد الله ابن الحبحاب، وهو المسجد القائم إلى حد اليوم.
غير أن آخرين،
ومنهم المؤرخ التونسي بن أبي الضياف، يذهب في كتاب "الاتحاف" إلى أن المسجد الذي
بناه حسان هو عينه الذي قام ابن الحبحاب بإتمامه والزيادة في فخامته، مؤكدين بأنه
لا يعقل أن تبقى تونس من سنة 80 هجرية إلى 116، دون مسجد تقام فيه الصلاة، وحتى
إن كان المسجد الذي بناه حسان قد دمر، فإن حسان قد أعاد بناءه، إثر عودته مرة
أخرى إلى تونس وطرده للبيزنطيين منها.
إلا أن بعض
الباحثين يضيفون احتمالا آخر وهو استعمال الفاتحين الأول لدير كان موجودا بتونس،
ليصلوا فيه، بعد هدم الجامع الذي أقامه الفاتح حسان، ويستشهدون على ذك بقصة
الصومعة، التي سنتطرق إليها عند حديثنا عن المئذنة. ويفترض هؤلاء أن الفاتحين
المسلمين قد اتخذوا، في أول عهدهم بتونس، هذا الدير مكانا للعبادة، قبل أن يقوم
ابن الحبحاب ببناء المسجد فوقه. لكن هذه الفرضية لم تدعمها الحفريات، التي قامت
في الجامع.
حديث العمارة.. الزيتونة متحف للفنون القديمة
الحديث عن الفن
المعماري في جامع الزيتونة المعمور، هو حديث عن 13 قرنا من الفن المعماري بتونس..
وليس في الزيتونة تاريخ الديار التونسية، في مختلف العصور فحسب، بل فيه أيضا،
تاريخ الخط العربي، ونماذج تطوره، مجموعة في أثر واحد.
والزيتونة من
المعالم الإسلامية القليلة، التي احتفظت بأسماء من أمر بالبناء ومن قام به،
والذين أشرفوا على الإنجاز، أو ساهموا في الترميم. وقد احتفظ بأسماء عشرة من
البنائين والمهندسين المهرة، وقع ذكر 7 منهم في النقوش الثابتة في الجامع، و3 وقع
ذكرهم في كتب التاريخ، حتى قال فيه أحمد فكري "هذا المسجد، يسجل تاريخه بنفسه، أو
كتابه في حجارته، وهو من هذه الناحية أثر فريد في العالم.. وهذه ليست مبالغة
خصوصا إذا علمنا أنه وقع إحصاء ما لا يقل عن 30 كتابة منقوشة على الحجر أو
الرخام، وأخرى على الجص والنحاس، أو مرسومة على الخشب".
وهذه الكتابة
لا تؤرخ فقط للبناء، أو عمليات الترميم، بل تؤرخ أيضا لأسلوب البناء والزخرفة.
وإذا أضفنا إلى هذا وجود 400 قطعة أثرية رومانية وقرطاجنية، كالتيجان والأعمدة
واللوحات الرخامية، التي وقعت إعادة استعمالها، يمكننا حينها القول إن جامع
الزيتونة في جانبه المعماري يمثل متحفا للفنون القديمة.
وظل هذا المعلم
طيلة 13 قرنا قلب مدينة تونس النابض، تحيط به الأسواق، وتلتقي عنده المحاور
الكبرى للمدينة العتيقة، تمتد حوله شبكة من الطرقات، التي تخترق منطقة الأسواق
المسقوفة، ويتصدرها محوران:
- الأول يمتد
من الشمال إلى الجنوب، ويمر انطلاقا من القصبة، بسوق الترك، فالعطارين، فنهج جامع
الزيتونة، لينتهي بباب البحر.
- الثاني يمتد من الشرق إلى الغرب، ليمر من نهج الباشا، ثم نهج سيدي بن عروس،
فسوق القماش، وسوق النساء، حتى نهج تربة الباي.
وسط نسيج
عمراني، لعله كان يمثل مدينة تونس عند نشأتها، بني جامع الزيتونة، لذا وجبت
ملاءمته مع ما حوله، فجاء المعلم منحرف الشكل، يمثل تقريبا معينا غير متوازي
الأضلاع في بعض جوانبه. ولكنه عموما يخضع للنمط الإسلامي، الذي بدأ منذ عهد
الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، في المدينة المنورة، وهو النمط الذي يقوم على
ظلة مسقوفة هي بيت الصلاة.. وباحة مفتوحة على السماء (الصحن أو البهو).
وبالنسبة لبيت
الصلاة، تأخذ شكلا مستطيلا، منحرف الضلوع، يوجد بها أكثر من 184 عمودا أو سارية،
تحمل تيجانا أثرية، يعتقد أنها رومانية أو قرطاجنية، وقد أدمجت بتناسق عجيب في
عمارة المسجد. ويتوسط المحرابُ الجدار الشرقي لبيت الصلاة. وقد ساد الاعتقاد لمدة
طويلة بأن المحراب الحالي هو المحراب الأصلي، حتى سنة 1989، حينما اكتشف محراب
آخر مختفيا وراء المحراب الحالي، أكثر اتساعا وارتفاعا، ومبنيا بإتقان ظاهر، لكن
لا يعرف إلى الآن متى ولماذا وقع التخلي عنه، والحال أنه لا يشكو من أي تصدع، بل
إنه منصهر تماما من حيث هندسته وأبعاده مع واجهة القبة الأغلبية التي بنيت بتاريخ
250هجرية..
أما قبة
المحراب فهي بمثابة تحفة فنية من نوعها، لأن عناصر تشكلها تمثل تطورا مهما،
مقارنة بقبة جامع القيروان، فالتجويف الأعلى، الذي هو بمثابة طاقية القبة، مظلع
الشكل، كما نلاحظ أن عقود الزوايا المجوفة قد شهدت تطورا كبيرا بالنسبة إلى
الموجود منها في القباب التي سبقتها.
وأما طريقة
البناء، التي اعتمدت في بناء المحراب، فتستعمل الحجارة الصغيرة، التي تربط بين
هياكل من الحجارة القائمة والنائمة، وهذه الطريقة تعرف بـ(الاوبوس الإفريقي)، وهي
موجودة في أماكن كثيرة من بيت الصلاة، وفي معالم أغلبية أخرى، مثل جامع عقبة
وجامع سوسة.
وتوجد إلى جانب
المحراب تحفة فنية رائعة يعود تاريخ إنشاؤها إلى سنة 250هجرية، وهي المنبر. وتذكر
نقيشة وجدت عليه بأنه تعرض سنة 979 هـجرية لأشغال ولكنها لم تغير كثيرا في بنيته.
ويحتوي المنبر على مجموعتين من اللوحات المنحوتة نحتا مخرما عميقا، على شاكلة
منبر القيروان، إلا أن منبر الزيتونة أصغر حجما، وتشبه زخارفه الزخارف الجصية
الأغلبية.
وظائف متعددة للجامع الأعظم
وقد تمت إضافة
عدة منشآت ليصبح الجامع مركبا دينيا متكاملا، يؤدي وظائف متنوعة، فضلا عن الصلاة،
مثل التدريس. ومن هذه المنشآت المكتبة، وتحتل جزء من المبنى، شرق قاعة الصلاة.
وقد أسسها السلطان أبو عثمان عام 1450م. وكذلك المنشأة المائية التي ظلت تتطور
باستمرار لتلبية الحاجات المتزايدة لرواد المسجد من الماء. وتتكون هذه المنشأة من
عدد من المواجل، التي كانت تجمع فيها مياه الأمطار، والصهاريج وقنوات المياه
والسراديب، إضافة للسقايات والأسبلة والأحواض الرومانية، التي أعيد استعمالها،
إضافة إلى بئر عميقة كانت موجودة منذ تأسيس الجامع.
وإذا نظرت من
علو ترى، كل هذه المنشآت وكأنها محفوفة بستار خارجي، وهي الجدران التي تمثل حدود
المسجد الفاصلة. هذه الجدران تكاد تكون مستقلة عن باقي البناء، ويختلف ارتفاعها
وسمكها من مكان إلى آخر. ومن ملحقات الجدار برجان: واحد بالركن الشمالي الشرقي،
وآخر بالركن الجنوبي الشرقي. وإضافة للبرجين يوجد بالجدار 20 بابا: 13 مدخلا،
إضافة إلى 7 أبواب، تمثل مداخل الأروقة والسقائف، وترى عليها بوضوح التأثيرات
الخرسانية.. ليعطي ذلك كله للمسجد مظهر القلعة، ذات الأبراج العالية، والجدران
السميكة، المبنية بحجارة سوداء غليظة، تعرف بالكذال.
أما مميزات
المئذنة من حديث العمارة فلها قصة لا بد من سردها، وهي ترتبط بقصة بناء المسجد
نفسه. فحسب ما يذكر محمد بن عثمان الحشائشي المتوفي سنة 1271 هجرية، وهو من أبناء
جامع الزيتونة، نقلا عن ابن دينار في كتابه المؤنس، فإن العرب في أول عهدهم
بإفريقية كانوا ينزلون بجوار صومعة كانت تسمى بصومعة ترشيش، ويتأنسون براهب كان
يتعبد فيها. وكان الراهب قد جعل بمحل المحراب الحالي سياجا، فسألوه عن ذلك فقال
إنه رأى نورا يتألق ليلا بتلك الجهة، فعلم أن سيكون لها شأن، فحفزها عن الحيوانات
والأقذار، فلما علم الفاتحون ذلك اتخذوا المكان مصلى، وجعلوا الصومعة محلا للنداء
والآذان للصلاة، وجعلوا المكان الذي قال الراهب إن النور كان ينبعث منه مكان
المحراب.
أما الصومعة
فقد زاد الأمير محمد باي المرادي في علوها في أواسط القرن التاسع عشر، كما تدل
على ذلك الأبيات التي كانت مرسمة في واجهة الصومعة، من جهة سوق العطارين. ليصبح
ارتفاعها 30 مترا، قبل أن يقع تجديد بنائها سنة 1312هجرية على النمط الأندلسي
المورسكي، على غرار صومعة جامع القصبة. ويقال إنه أنفق في ذلك 120 ألف فرنك،
ليصبح ارتفاعها بعد ذلك 43 مترا، على أربعة طوابق.
سجل
حافل في ميدان التعليم
على امتداد 13
قرنا ظل جامع الزيتونة منارة للعلم والمعرفة، ومقصدا تشد إليه الرحال، من أنحاء
كثيرة من العالم العربي وإفريقيا. وقد كان لتطور طرق التدريس ومناهجه وشموله
اللغة وكل أصناف العلوم الدينية، دورا مهما في هذا الإشعاع الكبير، الذي جعل
للزيتونة مكانة لا تضاهى، وقدرا لا يرام، حتى قال فيه السراج في الحلل السندسية
(...لا عيب فيه، غير أنه غدا بين أقرانه بمرتبة الصدر.. واختص بأن يشرح لوارديه
الصدر....)
في البداية كان
الجامع مركزا للحياة السياسية والدينية، وفيه تتم مناقشة العقود التجارية. ولكن
هذا الدور ما لبث أن اضمحل تدريجيا، فاسحا المجال أمام دور أكثر أهمية، تمثل في
الدور المعرفي والعلمي، الذي اضطلع به الجامع عن جدارة. ولا يعلم بالتحديد تاريخ
جعل جامع الزيتونة محلا للتعليم، ولا تاريخ تنظيم هذا التعليم على وجه الدقة، وكل
ما هنالك هي رؤى تقريبية، ولكن الأغلب على الظن أن الدروس بدأت تعطى منذ القرن
الثالث للهجرة، ولعل ذلك تزامن مع أفول نجم جامع عقبة بالقيروان، إثر الهجوم الذي
تعرضت له المدينة، على يد قبائل رياح وبني هلال وبني سليم.
ثم أخذت العلوم
في الانتظام شيئا فشيئا، إلى أن جاءت الدولة الحفصية سنة 603 هجرية، فأخذ التعليم
حظا كبيرا، وبدأ يظهر التخصص في المواد الدراسية، ثم واصلت الصيغة النظامية
تطورها تدريجا إلى أن جاءت الدولة الحسينية، فانتشرت المدارس كالسليمانية. وأصدر
أبو العباس أحمد باشا باي، أمره الشهير لتنظيم التعليم.
وكانت هذه خطوة
هامة على طريق الإصلاح، اعتبرها فيما بعد خير الدين باشا، غير كافية فقام بتكوين
لجنة من كبار العلماء، لصياغة قانون محكم النظام، لضبط إدارة الجامع، وأحوال
المدرسين والطلبة، مع ذكر للعلوم، التي يجب أن تدرس، والكتب المعتمدة. وصدر هذا
القانون يوم 28 ذي القعدة عام 1292هجرية الموافق للسادس والعشرين من كانون أول
(ديسمبر) عام 1875م.
أما التعليم
نفسه فكان ينقسم إلى 3 مراحل: ابتدائية، وتكون بالمكتب القرآني، ويتعلم فيها
الطالب القراءة والرسم المصحفي، كما يتم في هذه المرحلة حفظ المتون مثل المرشد
المعين، وألفية ابن مالك، وبعد ختم القرآن، ينتقل التلميذ للدراسة بالجامع
الأعظم، ليدخل بذلك المرحلة المتوسطة.
وهذه المرحلة
تنقسم إلى قسمين:
- الأول ويمتد على 3 سنوات، ويدرس فيه الطالب: النحو والفقه والمنطق، إضافة إلى
مبادئ البيان وغيرها...
- الثاني ويمتد على 4 سنوات، وأهم مواد هذه المرحلة أصول الفقه، إلى جانب البلاغة
والصرف والحساب وعيرها..
وبنجاح الطالب
في هذه المرحلة، يمر إلى المرحلة العالية، والمواد التي تدرس في هذه الدرجة هي
التفسير والحديث وأصول الفقه والبلاغة والنحو، إلى جانب اللغة والآداب وعلم
الكلام.
وتسند إلى
الناجحين في كل مرحلة شهادة، وهي الأهلية، والتحصيل، والعالية، بعد أن كانت تسند
شهادة ثانوية واحدة تسمى التطويع.
هذه هي صورة
التعليم الزيتوني، التي لم تكن هي نفسها عبر تاريخ هذا الجامع. فقد عرف هذا
التعليم محاولات إصلاح مستمرة، حتى إنه يمكن اعتبار تاريخ التعليم الزيتوني هو
تاريخ محاولات إصلاح هذا التعليم.
فبدأ من
محاولات أبي العباس أحمد باشا باي، وأمره المشار إليه آنفا، مرورا بخير الدين
التونسي، لم تتوقف محاولات الإصلاح، وتشكلت للغرض لجان عدة، أشرفت عليها عدة
شخصيات هامة في تاريخ الزيتونة والبلاد، كلجنة عام 1898 برئاسة الشيخ محمد العزيز
بوعتور، التي طالبت بإعادة تنظيم الامتحانات، وإدخال مواد جديدة كالرياضات
والتاريخ والجغرافيا. ولدعم جهود الإصلاح قام المفكر والمصلح الكبير الشيخ محمد
عبده بزيارتين لتونس، وقدم في إحداها محاضرة بعنوان "العلم وطرق التعلم"، اشتدت
بعدها المطالبة بالإصلاح، وارتفع صوت الداعين له.
وساهمت كل
القطاعات الثقافية، والنخب الفكرية، والصحف، في دعم آراء المطالبين بالإصلاح حتى
سنة 1945، حين عينت الحكومة العلامة الشهير الشيخ الطاهر بن عاشور المعرف بأفكاره
الإصلاحية، وصاحب مشروع في هذا المجال ضمنه كتابه "التعليم العربي الإسلامي:
دراسة تاريخية ورؤى إصلاحية"، فسعى إلى إنشاء عدة فروع للزيتونة داخل العاصمة
وخارجها، فقفز عددها من 6 إلى 25 فرعا سنة 1947، وأضاف تدريس المواد العلمية وعهد
بذلك إلى قدماء تلاميذ المدرسة الخلدونية، كما قام بإرسال عدد من الطلبة إلى عدد
من الجامعات في الشرق، على غرار ما نراه اليوم من بعثات تعليمية إلى الغرب،
لتتواصل بعدها المحاولات، ويتكرر تكوين اللجان، إلا أن الإصلاح في كل مرة لم يكن
ليرضي الأطراف الداعية إليه. ولعل ذلك يعود إلى تلاقي رغبة القوى الاستعمارية في
تهميش وضرب التعليم الزيتوني، ورغبة قوى محافظة من داخل الجامع نفسه، التي كانت
ترفض أي تطوير وتخاف من كل إصلاح.
أدوار تاريخية هامة.. وقلعة للنضال ورمز للهوية
ما من شك في
أهمية الأدوار، التي لعبها جامع الزيتونة في تاريخ تونس وشمال إفريقيا، فقد كان
قلعة للنضال ضد المستعمر، ورمزا لهوية البلاد. فعلى يدي أحد أبنائه وأهم رجالات
الكفاح الوطني انطلق عمل الحزب الحر الدستوري التونسي، وهو الشيخ المناضل عبد
العزيز الثعالبي، صاحب الكتاب الشهير "تونس الشهيدة"، مع زمرة من إخوانه.
وقد انخرط
الشباب الزيتوني في كل أشكال النضال سياسية كانت أم فكرية وحتى العسكرية، عبر
انخراط عدد منهم في حركة التحرير المعروفة في تونس بـ"الفلاقة"، إلا أن هذا
الجانب من تاريخ الجامع وقع طمسه بشكل كبير، حتى إنك لا تكاد تجد أي مرجع يتحدث
عنه، رغم الحركية الكبيرة، التي عرف بها طلاب الزيتونة، وانخراطهم الكبير في حركة
التحرير بكل أشكاله، وقيامهم بعدة تحركات، وسجن العديد منهم، ونفي عدد آخر، في
فترات مختلفة من رحلة الكفاح الوطني، كما حدث مثلا إثر حركة الاحتجاج، التي قام
بها الطلبة في 7 آذار (مارس) عام 1936، حين قاموا بمظاهرات انطلقت من منطقة
الملاسين. وعند وصولهم إلى ساحة الغنم اشتبكوا مع قوات الأمن الاستعمارية، التي
حاولت منع الطلبة من مواصلة مسيرتهم، فصدتهم بشكل عنيف جدا، واعتقل عشرات الطلبة،
ووقع الزج بالعشرات في سجون الاحتلال، وقامت عدة محاكمات، وأبعد العديد منهم خارج
العاصمة أو خارج البلاد جملة.
وإلى جانب هذا
الدور النضالي كان لجامع الزيتونة دور أكبر وأهم، عبر تاريخه الطويل، فالفضل
الكبير يعود إلى جامع الزيتونة وإليه وحده فقط في المحافظة على هوية البلاد
العربية الإسلامية، حتى قال فيه الأمير شكيب أرسلان "..وإنا نكون غفلنا عن الحق
وأهملناه جانبا إذا كنا لا نقول إنه في القرون الأخيرة، لولا بقاء الأزهر والأموي
والزيتونة والقرويين، لم يكن بقى أثر من آثار اللغة العربية، فضلا عن الشريعة
الإسلامية".
من
رجالات الزيتونة
هذه الأدوار
التي لعبها الجامع كانت من خلال رجالات أسهموا بحظ كبير في إثراء الحياة الفكرية
والسياسية والاجتماعية، وصبغوا بلونهم مراحل طويلة من تاريخ هذا البلد. فالزيتونة
لم يكن عظيما بمؤسسيه ولا بتاريخه الطويل فحسب، إنما كان عظيما أيضا برجالاته،
الذين ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس، فالشيخ محمد الخضر حسين مثلا هو من أبناء جامع
الزيتونة.. به درس حتى صار من علمائه الأفذاذ، قبل أن يصبح قاض شرعي في مدينة
بنزرت (شمال العاصمة تونس)، في عام 1905، كما تولى الخطابة والتدريس بجامعها
الكبير. وفي سنة 1906، وتحت استعمار يلقي بكلكله الثقيل على البلاد، ألقى العلامة
محاضرة عن "الحرية في الإسلام" في نادي قدماء الصادقية، وهي من الأعمال الأولى
الدالة على شجاعته ووطنيته، ثم واصل التدريس بالجامع الأعظم بتونس، وعين أستاذا
بالمدرسة الصادقية، كما انتدبه الجمعية الخلدونية ليلقي دروس الآداب والإنشاء
لطلابها.
وقبل أن تصدر
عليه السلطة الاستعمارية حكما غيابيا بالإعدام، بدعوى تحريض التونسيين والمغاربة
على الثورة في ألمانيا، غادر الشيخ خضر حسين إلى الشرق، ودرس بالمدرسة السلطانية
بدمشق عام 1917، ثم تحول بعد ذلك إلى مصر في عام 1922، بوصفه لاجئا سياسيا، وهناك
تولى خطة التدريس بالأزهر الشريف، حتى سنة 1952، حين أسندت له مشيخة الأزهر..
ومن هؤلاء
الرجال أيضا الذين أنجبتهم الزيتونة نذكر الفقيه المناضل الشيخ محمد الصادق
النيفر، وقد كان من مدرسي الطبقة الأولى في الجامع الأعظم. وقد تولى الإمامة
والخطابة بجامع باب البحر، المعروف بجامع الزرارعية سنة 1905، وانتسب إلى الحزب
الحر الدستوري التونسي عند تأسيسه سنة 1920، كما انتخب عضوا بلجنته التنفيذية،
وهو أول من طالب الحكومة بإعطاء دستور تونسي. وتولى سنة 1932 منصب قاضي القضاة
بتونس، وعزل منها سنة 1939 بتأثير السلط الاستعمارية.
هذه أمثلة من
عشرات النماذج من الرجالات التي قدمتها الزيتونة، وأغلبها غني عن التعريف مثل
الشيخ عبد العزيز الثعالبي، والعلامة الشيخ الطاهر بن عاشور. وقد قال محمد بوذينة
واصفا جنازته "ولقد خرج الناس في موكب الجنازة الخاشع آلافا مؤلفة، تعبيرا عن
الحب، الذي يكنونه لرجل عمل على توطيد أركان الإسلام، في الوقت الذي كان
الاستعمار يسعى إلى انتزاع الشخصية الدينية والوطنية والثقافية من المواطن
التونسي".
الزيتونة في القلب
وأنت تزور
المسجد تفاجئ بغياب المراقد والمزارات والأضرحة، ولا تجد أناسا يوقدون شموعا، أو
يقبلون معالم، ولا تجد مواقد للبخور ولا أعلام ولا رايات، كما قد ترى ذلك في عدد
من المساجد الكبرى في العالم الإسلامي.. وهو ما يمكن أن يكون مدخلا للبدع
والشطحات التي تعود بك إلى أزمنة غابرة. ولعل ذلك يرجع إلى كون الزيتونة نفسها،
وعلى مدى تاريخها، كانت البوصلة، التي تقوم بتوجيه المسلمين إلى المنهج الصحيح
لهذا الدين، وهي التي كانت تقوم بعمليات التصحيح، كلما شاب المسلمين وعقيدتهم
عوج.
ولدى التونسيين
حب كبير لهذا المسجد، وتقدير عظيم له. وهو شعور تجده أحيانا يلامس حدود القداسة،
ويدفع بالمخيال الشعبي إلى نسج عدد من الروايات، لإضفاء أكبر قدر ممكن من القداسة
على أهم معلم ديني في حياتهم، كقصة الراهب، والنور الذي كان يشع من الموقع، الذي
أقيم عليه المحراب الحالي، أو كالروايات التي نقلت عن السراج من أن نوحا عليه
السلام وهو في مركبه أشار إلى موقع الجامع، وقال هناك جامع الزيتونة.
وهناك روايات
أخرى وظفت أجزاء من الجامع توظيفا دينيا ذو أبعاد غيبية حيث ادعى الفقيه الصالح
أبو الحسن المنتصر (توفي سنة 1341 هجرية) أن الخضر وهو نقيب الأولياء الصالحين،
ومن خاصيته أن بإمكانه أن يكون في أماكن متعددة في آن واحد، كان يحضر كل يوم في
المقصورة الشرقية في أول قراءة السبع، فإذا كثر الناس قام. وإنه بالركن الذي
يقابله من ناحية المشرق كثيرا ما يرى سيدي عبد القادر الجيلاني مؤسسة الطريقة
القادرية.
كما جعلوا
بالمسجد أماكن يستجاب فيها الدعاء وعددها أحد عشر موضعا، ومنها حافتا المحراب
والمحل الذي يروى به صحيح الإمام البخاري، وهو المعروف بباب الشفاء، وسارية زرقاء
من جهة الباب الشرقي، وتنسب إلى الولي الصالح سيدي محرز.. و خلوة السيد الخضر
بالصومعة..
كل هذه
الروايات قديمة نسبيا، وأغلب الذين سألناهم من أبناء الزيتونة عنها أنكروها، ولم
يؤكدوها، ولكن عندما سألناهم عن روايات أخرى حديثة نسبيا كحلقة الجن، وهي الحلقة
التي يروى أن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور كان يدرس بها الجن الإسلام، أكد البعض
صدقها، وتواتر الحديث عنها، في حين قال آخرون إن تواتر الحديث عنها قائم ولكنهم
لا يعتقدون بصدقيتها.
ونفس الشيء
قالوه أيضا حين سألناهم عن رواية أخرى تقول إنه في سنة 1813 م تقريبا وقعت ورقة
من سقف المسجد، كتب عليها قوموا إلى صلاة الجنازة فقد مات آخر جن صحابي.. ويرجع
بعض المشائخ الذين سألناهم عن ذلك هذه القصص إلى كون المخيلة الشعبية تأبى إلا أن
تحيط بهالة من القداسة كل ما له موقع روحي كبير في حياتها.
ولكن حب أهل
تونس لهذا المسجد العظيم، وتشبثهم الكبير (بعرصاته) لا يتبدى فقط من خلال ما
تنسجه المخيلة فقط، بل كان ذلط يحصل في أحيان كثيرا بطريقة عملية، من خلال تخصيص
الجامع بأغلب أوقافهم.. فمنهم من أوقف على الإمام، ومنهم من أوقف على البيت نفسه،
ومنهم من أوقف على القارئ أو المؤذن، ومنهم من أوقف على الحمام الذي يأوي إليه.
ومن الطرف ما
يروى في هذا الشان من أن الحمام هجر المسجد بعد إلغاء الأوقاف، في بداية
الاستقلال، لأنه لم يعد يجد ما يأكل، ولم يرجع إلى المسجد إلا بعد أن قام البعض
بجلب أعداد جديدة منها، وتوطينها بالمسجد، بعد توفير الطعام لها.
(*) كاتب وباحث من تونس
|