مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

متى تطلق الحكومة التونسية سراح المساجين السياسيين؟

 

 

في هذا العــدد

العراق من التحرير إلى التدمير الرئاسيات الأخيرة وتسريح المساجين حوارات أسرة التحرير
بين أبي غريب وسجون تونس نحو صياغة جديدة لعلاقة الإسلاميين بالسّلطة الحركة الإسلامية والبحث عن نقطة التوازن
الخرطوم تخطط للتخلص من الترابي العلاقات المغربية الجزائرية في اتجاه المجهول الحركة الإسلامية والإصلاح: المنظور البديل
النقد كوسيلة للارتقاء بقدرة العقل العرب بين قمع السلطة وخداع المعارضة المصالحة الوطنية في الجزائر
واقع التيار القومي العربي في تونس ما هو دور الشعوب في تحقيق طموحات أمتنا الزيتونة.. تاريخ طويل من العلم والإصلاح


مثل إطلاق سراح 79 من المساجين الإسلاميين، مطلع شهر نوفمبر 2004 بادرة رأت فيها العديد من القوى السياسية التونسية مؤشرا إيجابيا على حل مشكلة جوهرية في الحياة السياسية التونسية، هي مشكلة احتجاز مئات المساجين السياسيين الإسلاميين، منذ أكثر من عقد من الزمان، في ظروف قاسية وغير إنسانية.

غير أن خطاب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بمناسبة أدائه اليمين الدستورية، في دورته الرئاسية الجديدة، التي نفى فيها وجود مساجين سياسيين في تونس، قد ألقى بظلال كثيفة من الشك، على جدية السلطة التونسية في حل هذه المشكلة، بل على وعي نظام الرئيس بن علي بهذه المشكلة أصلا، بعدما عاد مع الانتخابات الأخيرة إلى خيار الرئاسة مدى الحياة، وهو الذي أقام مشروعيته السياسية على إلغائها.

فالنفي المتكرر لوجود مساجين سياسيين في السجون التونسية، رغم إجماع مختلف القوى السياسية والحقوقية التونسية، بل وحكومات ومنظمات حقوقية كثيرة في العالم على وجودهم، بات علامة إضافية على حالة التصلب في شرايين الحكومة التونسية، التي تصر على ترديد مقولات بشأن المساجين السياسيين لا تصدقها حتى هي نفسها.

في السجون التونسية المئات من المساجين السياسيين، وإنكار وجودهم لا ينفع في شيء، والأنفع للسلطة وللبلاد الاعتراف بحقائق الواقع، والعمل على حل هذا المشكل بأقل الخسائر الممكنة للجميع. وقد جاء تثمين الإسلاميين لخطوة إطلاق سراح الدفعة المشار إليها من المساجين، واستبشارهم بالحدث، ليكشف عن استعداد الطرف الإسلامي لمد اليد للسلطة، والسعي لطي صفحة الماضي، على الأقل في أبعادها الإنسانية، في مرحلة أولى.

لكن الترديد المستمر من قبل الناطقين باسم النظام التونسي، وعلى رأسهم الرئيس ابن علي نفسه، بعدم وجود مساجين سياسيين، يضيق من باب الأمل، إن لم يغلقه، بإيجاد حل لهذه المشكلة، التي يجمع الفضاء السياسي التونسي، من يمينه إلى يساره، على أن حلها هو المقدمة الطبيعية لحل مشكلة السياسة في تونس جملة.

إن البعض يخشى أن تكون مشكلة المساجين السياسيين مجرد بضاعة تنفق منها السلطة التونسية كلما وجدت نفسها تحت الضغط، وهو ما يجعل أولئك المساجين، برغم آلامهم، وظروف إقامتهم القاسية، بمثابة رهائن، أو جزء من لعبة سياسية تدمن عليها السلطة التونسية..

فبعد كل انتخابات سيئة الإخراج، أو فشل سياسي، أو ضغط داخلي أو خارجي، تقدم السلطة التونسية على التنفيس، من خلال إطلاق سراح بعض العشرات من المساجين، وهو ما يعني أن السياسة في تونس قد فقدت بعدها الأخلاقي تماما، وتعرت عن بعدها الإنساني جملة، بالرغم من الخطاب الرسمي الذي لا يغفل عن تذكيرنا بهذه القيم والمعاني.

إطلاق سراح 79 من المساجين الإسلاميين خطوة تم تثمينها، ويجب أن تثمن باستمرار، ولكن الاكتفاء بهذه الدفعة، وإطالة أمد مأساة مئات آخرين، عشرات منهم في زنازين انفرادية، أمر لا يقبل بتاتا. وعلى السلطة التونسية أن تتجاوز خطابها الخشبي بخصوص هذه المأساة، وأن تصغي جيدا لنبض التونسيين، الذين باتوا يجمعون، بيمينهم ويسارهم، كما سلفت الإشارة، على ضرورة إنهاء هذه المظلمة، التي باتت بمثابة فضيحة للحياة السياسية التونسية.

كما عليها أن تصغي لصوت منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية، ولبعض وزارات الخارجية في العالم، بما فيها الخارجية الأمريكية، الداعم الرئيس للنظام التونسي، وللكثير من الشخصيات والنخب العربية والمسلمة، وللكثير من وسائل الإعلام المحترمة.. بأن في تونس مئات المساجين السياسيين، وأن إطلاق سراحهم هو الخطوة الأولى والمقدمة الضرورية، لإصلاح حياة سياسية تعتبر الأردأ حتى بالمقاييس العربية والإسلامية الرديئة أصلا، رغم اتخاذ تونس مقرا للمبادرة الأمريكية للإصلاح في الشرق الأوسط الكبير، ورغم الحديث التونسي الكثير الذي رافق القمة العربية الماضية عن الإصلاح..

فمتى تعرف تونس إصلاحا حقيقيا، يبدأ بإطلاق سراح المساجين السياسيين، وتطهير الحياة السياسية التونسية من جريمة الاعتقال السياسي؟ هذا ما ينتظر التونسيون أن يسمعوا بشأنه من حكومتهم، ويرجون أن يحصل ذلك قريبا.
 

© Aqlamonline 2004