مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

حوارات أقلام - حوارات أقلام - حوارات أقلام - حوارات أقلام - حوارات أقلام - حوارات أقلام - حوارات

مشروع الإصلاح: من يصلح وماذا نصلح ومن أين نبدأ؟

 

 

في هذا العــدد

العراق من التحرير إلى التدمير الرئاسيات الأخيرة وتسريح المساجين حوارات أسرة التحرير
بين أبي غريب وسجون تونس نحو صياغة جديدة لعلاقة الإسلاميين بالسّلطة الحركة الإسلامية والبحث عن نقطة التوازن
الخرطوم تخطط للتخلص من الترابي العلاقات المغربية الجزائرية في اتجاه المجهول الحركة الإسلامية والإصلاح: المنظور البديل
النقد كوسيلة للارتقاء بقدرة العقل العرب بين قمع السلطة وخداع المعارضة المصالحة الوطنية في الجزائر
واقع التيار القومي العربي في تونس ما هو دور الشعوب في تحقيق طموحات أمتنا الزيتونة.. تاريخ طويل من العلم والإصلاح

تقديم الدكتور نصر محمد عارف (*)

إن موضوع الإصلاح يحتاج معالجة خاصة لأنه من القضايا التي تعتبر ملغزة ومشكلة إلى الحد البعيد وهي من القضايا ذات الحدين أو الوجهين أي من القضايا التي إن اتخذت منها موقفا مع أو ضد فأنت في كلا الحالتين مدان. فإذا أنت اتخذت منها موقفا مع فقد ينظر إليه إليك على أنك تدعو إلى تفعيل الأجندة الأمريكية وإذا اتخذت منها موقفا ضد قد ينظر إليك على أنك من دعاة  تكريس الواقع الفاسد في العالم العربي ومن ثم تصب في مصلحة الأنظمة الفاسدة. فهي من القضايا الشائكة التي تحتاج إلى درجة عالية من الدقة والتحديد

أول موضوعات تحديد هذا المصطلح تقودنا إليها اللغة وهو المعنى الأنطولوجي الخاص بالإصلاح. ولو رجعنا إٍلى اشتقاق اللغة نجد ثلاثة ألفاظ: الإصلاح يشتق منه المصلحة ويشتق منه التصالح. الإصلاح والمصلحة والتصالح ثلاثية تمثل الرمز الوراثي الخاص بقضية الإصلاح. فما لم يكن الإصلاح قائما على تحقيق مصالح التكوينات التي يظهر فيها الإصلاح سواء مصالح داخلية أو مصالح إقليمية أو مصالح فردية أو مصالح مجتمعات أو مصالح نظم، فلا بدَ أن يكون قائما على فكرة المصلحة لجميع الأطراف المدمجة في دائرة الإصلاح. ولا بدَ أن يؤدي إلى، وينطلق من مصالحة إذ يصعب أن يتحقق الإصلاح دون أن يكون هناك درجة ما من التصالح الاجتماعي

إن عدم وجود تصالح اجتماعي يعني وجود عملية فرض للإصلاح من أي طرف من الأطراف على الطرف الآخر. وكأن اللغة تقودنا إلى منظومة معرفية للإصلاح ثلاثية الأبعاد. الإصلاح يحقق مصلحة ينطلق من ويؤدي إلى تصالح. فما لم تكن هذه الثلاثية قائمة يصبح ليس إصلاحا وإنما ما اعتدنا أن نكرره وهو أن المنطقة العربية ألفت أن تكون أدوات الصلاح فيها فاسدة وأدوات الإفساد فيها صالحة فيكون إصلاحا فاسدا بالمعنى الأصحَ. وإن في التاريخ تجارب متكررة ومن يدرس تجارب مؤسسة الأوقاف وكيف أصلحت نظم الأوقاف بما أدَى إلى إفسادها وأطلق عليه إصلاح. وكيف أصلح التعليم الأزهري سنة 1961م بما أدَى إلى إفساده وحدث نفس الشيء في الزيتونة والقرويين وهكذا

هذه إذا قضية، أما القضية الثانية فهي الحديث عن مرجعية الإصلاح. أي ما هي النقطة التي نبدأ الإصلاح من عندها؟ لأن الإصلاح يستلزم الاقتناع والتسليم بوجود حالة من الفساد القائم ولا بدَ من تحديد متى بدأت هذه الحالة. ما هي النقطة المرجعية للإصلاح؟ بمعنى هل يكون الإصلاح بالعودة إلى الأصول أو بالتخلي عن الأصول؟ أو الحديث عن متى ظهرت الحالة التي نوجد عليها الآن والتي نرى أنها حالة فاسدة حتَى نحدد مجال الإصلاح؟ لأن السؤال المهم جدَا هو تحديد الإطار التاريخي. هل نقوم بإصلاح الحال الذي جدَ من بعد تجربة محمد علي في مصر والبايات قي تونس والسلطان عبد الحميد في تركيا؟ أو إصلاح ما حدث بعد الاستقلال أم إصلاح ما حدث بعد ظهور الحركات الإسلامية العنيفة؟ إصلاح ماذا؟ فكل طرف من الأطراف المتحدثة عن الإصلاح يتكلم عن الإصلاح وفي ذهنه نقطة مرجعية تاريخية يريد أن يصلح الحال الذي ظهر ابتداء من تلك النقطة. لذا قبل الحديث عن الإصلاح لا بدَ أن نتحدث عن أسس الحال التي نحن عليها الآن، وهل هي حالة فساد؟ وما هي الأسس التي قامت عليها الحالة التي نوجد عليها الآن؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى هذا الفساد؟ وما هي المحطات الكبرى لتطور هذا الفساد الذي حدث في مجتمعاتنا؟ هذه نقطة في غاية الأهمية، ما لم تبث في الخطاب الإعلامي والثقافي سيكون الناس يتكلمون بحوار" الطَرشان" كل واحد يتكلم عن حقيقة في ذهنه ليست هي الحقيقة التي في ذهن الطرف الآخر

القضية الثالثة هي من سنصلح؟ هل المقصود بالإصلاح هو العالم العربي أو دولة من الدول أو منطقة من المناطق؟ هنا يتبادر إلى الذهن بصورة سريعة جدَا، لماذا طرح موضوع الشرق الأوسط الكبير؟ لأن الإصلاح يستلزم إصلاح مجموعة من الدول أو المجتمعات تشترك في أسس الفساد ومن ثمَ يمكن أن تشترك في طريقة الإصلاح. فعمّن نتكلم؟ من التعميم الخطير جدا أن نقول "العالم العربي" لأنه ليس هناك حقيقة واقعية الآن أسمها العالم العربي أو العالم الإسلامي، فهي مجموعة عوالم مختلفة. وعندما يأتي الأمر للإصلاح بالتحديد فكل واحد له حالة مختلفة عن الآخر. وهذا لا يعني أنه ليس هناك حقيقية وجدانية ومجتمعية اسمها العالم العربي والإسلامي. نحن نتكلم عن حالة مرض. يمكن أن يكون لنا أربعة اخوة مرضى غير أن مرضهم يختلف من واحد إلى آخر. فلا بدَ أن ندرس كلَ حالة على حده. في بعض الحالات نحتاج إلى إصلاح تعليمي. وفي حالات أخرى نحتاج قبل إصلاح التعليم إلى إصلاح اقتصادي. وبعض الحالات تحتاج إلى إصلاح تشريعي. فعندما يجمع مشروع الشرق الأوسط فهذا التعميم يحمل في طيَاته تحديد طريقة الإصلاح وموضوع الفساد. فعندما يتمَ جمع آسيا الوسطى مع باكستان وأفغانستان مع إيران ومع شمال إفريقيا والشرق الأوسط هذا يعني أن الإصلاح يقصد به البنية العقلية الإسلامية حتى لا تنتج عناصر إرهابية كما حدث، دون إصلاح أيَ شيء آخر. فلو أخذنا مثلا الجانب السياسي وموضوع الديمقراطية تحديدا فحالة تركيا ليست كحالة الدول العربية. ولو جئنا إلى مستوى الدخل الاقتصادي سنجد حالة دول الخليج غير حالة بقية الدول العربية. ولو جئنا إلى قضايا التشريعات نجد تونس أو مصر لديها أولويات تختلف عن غيرها من الدول. إذا ما الذي يجمع هذه الدول جميعا عندما يطرح موضوع الإصلاح، إنما هي بنية الفكر الإسلامي باعتبارها ثقافة راسخة في أذهان الناس وعقولهم. ولذلك جُمعت هذه المنطقة التي تعتبر محور التوتر ووضعت معا بما يعني أن المقصود هو القيام بإعادة الهيكلة حتى تمكن عملية بناء مجتمعات مسالمة تحقق استقرارا في بلاد النفط لمصلحة الغرب وتحقيق أمن إسرائيل

السؤال الرابع هو إصلاح ماذا؟ إن الظاهرة الاجتماعية ظاهرة معقدة. هل نصلح السياسة أم نصلح الاقتصاد أم القوانين أم الثقافة أم التعليم أم الإعلام أم العلاقات الاجتماعية أم البنى التقليدية الموروثة من القبيلة أم غيرها. نصلح ماذا؟ وهنا نأتي إلى لماذا يثار إصلاح التعليم ابتداء؟ فهي ليست مسألة عبثية. هل التعليم هو أسَ الفساد؟ في بعض الحالات نعم وفي بعض الحالات لا. ولماذا داخل التعليم لا نصلح المواد التي تبني العقلية مثل الرياضيات والعلوم؟ لماذا يركز على التربية الإسلامية؟ ولكن لماذا هذا التعميم فيحدد الإصلاح في مجال التعليم دون سواه من المجالات ثمَ داخل التعليم يحدد التعليم الإسلامي دونا عن غيره؟ هذا الكلام لا أقدم عليه إجابة وإنما هي فقط إشارة للعقول لكي تنظر في هذا الموضوع وتحلله من هذه الأبعاد. هل نصلح التعليم بترسيخ القيم الإسلامية أم بتقويضها؟ هل بالتأصيل أم بالتغريب؟ هل بالتركيز على الهوية العربية الإسلامية أم باستبدالها بهوية تتسق مع العولمة وفكرة زوال الهويات الجزئية والفرعية واعتماد ثقافة واحدة ولغة واحدة

النقطة الخامسة هي التساؤل عن أسس عملية إصلاح التعليم. بمعنى تحديد ماهية الإصلاح. هل هو إصلاح أم تغيير أم استبدال أم إلغاء أم بناء شيء جديد؟ لأنه في كثير من الأوقات يكون الحديث عن الإصلاح غطاء لعمليات أخرى مثلما استخدم سابقا الحديث عن التحديث والتنمية والتطوير وكان المقصود منها عملية تغريب واستبدال ثقافي ومحاولة تجاوز الموروث كاملا وتبني شيء جديد أو بمعنى آخر الخروج من الهوية إلى هوية أخرى. لكن المفترض أن الإصلاح ينظر إليه في إطار الدوائر المتداخلة والحديث عن الهوية كمركز للدوائر والثقافة كمحيط لها. فالثقافة تتوسع وتتبنى أشياء جديدة ولكن دون أن يتغير المركز. فهل الإصلاح المقصود به إصلاح مع الحفاظ على مركز الدائرة أي الهوية أم إصلاح مع اتخاذ مركز آخر، بما يعني تغيير الهوية

القضية السادسة وهي هل هذه العملية نابعة من الذات أم مفروضة من الخارج؟ ومن الذي يحدد الإصلاح في هذا السياق؟ إن المشكلة في الوضع العربي أن النظم السياسية العربية معظمها إن لم نقل جميعها تستمدَ شرعيتها من الخارج. والنظام لا يستمر بتحقيق رضى الشعب وإنما يستمر أكثر بتحقيق رضى القوى الدولية المتحكمة في المنطقة التي يتكئ عليها ويستمدَ شرعيته منها. ومن ثمَ لابدَ من تحديد من هو الطرف الذي يدفع إلى الإصلاح؟   هل هي قوى داخلية أم خارجية؟ وعندما يتعلق الأمر بقوى خارجية لابدَ من التوقف والتساؤل عن مصلحة هذه القوى وعن الأجندة الخاصة بها؟ وما هي أهدافها من وراء تحقيق هذا الإصلاح؟ وبعد ذلك النظر فيما يقدَم. ولكن هنا يجب استدراك آخر وهو أنه في بعض الأحيان يرفض الإصلاح فقط لأنه جاء من الخارج، وهذا غير عقلاني لأنه يمكن للقوى الخارجية أن تحولنا إلى حراس للتخلف. فتلقي علينا كل القضايا التي يجب أن نطرحها، فنرفضها ونتحول بذلك إلى حرَاس لأوضاع فاسدة قائمة فقط لأننا نعارض أن يفرض علينا شيء من الخارج. القضية ليست الخارج فقط وإنما لا بدَ من فحص هذا الخارج ومصالحه. وفي هذا السياق ستكون آخر قضية هي من الذي يحدد الأجندة؟ بماذا نبدأ وبماذا ننتهي؟ وكيف نبدأ وكيف ننتهي؟ ما هي الموضوعات التي يتمَ التعامل معها؟ إلى آخره

القضية السابعة والأخيرة هي التساؤل عن من يقوم بالإصلاح؟ وهنا يسود تساؤل هل يمكن عقلا أن يقوم بالإصلاح من قام بالإفساد؟ هل يمكن أن نعهد بالإصلاح للجهات نفسها التي كانت سببا في الإفساد؟ وهذا التساؤل ليس شخصي وإنما هو سؤال منهجي في عمق عملية الإصلاح. كيف تتم عملية الإصلاح وهل يمكن عقلا أن يتحول المفسد إلى مصلح؟ أين نذهب بقول الله تعالى "إن الله لا يصلح عمل المفسدين". وهنا تصبح عملية الإصلاح في غالب الأوقات تستلزم التغيير لأنه يستحيل عقلا أن نعهد بالإصلاح لنفس الكفاءات التي تحققت على يديها حالة الفساد التي وصلنا إليها. لذلك فالحديث عن الإصلاح سيكون نظريا ولن يتحقق في الواقع. لو نظرنا إلى قضية التربية والتعليم وهي قضية أكثر خطورة فإننا نستطيع أن نقول مع قدر من التجرد، لا تصلح هذه الأمة إلا بإصلاح ما فسد به أولها قياسا على ما جاء في الأثر القائل لا تصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أوَلها. ولكن المقصود هنا ليس أولها البعيد بل القريب. يعني لن يتحقق الإصلاح في الوطن العربي إلا إذا عرفنا من أين جاء الفساد؟ فالمتابع لحركة المجتمعات العربية الفكرية والسياسية يجد أن بداية التغيير حدث على مستويين اثنين. المستوى الأول هو مستوى التعليم والمستوى الثاني هو مستوى التشريع. فأول ما أنشئ من مدارس في الوطن العربي أنشئت مدارس تقوم بهذين المهمتين. تخريج قضاه من خارج بنية القضاء الشرعي التقليدي وتخريج باحثين وعلماء ومفكرين من خارج بنية التعليم الشرعي. وكانت بدايتها في مصر سنة 1886 حيث أنشئت مدرسة دار العلوم ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى الصراع الذي كان يعرف حينذاك بمعركة العمامة والطربوش. وأنشئت بعدها بثلاث سنوات مدرسة القضاء العالي لتخريج القضاة من خارج البنية التقليدية. هذا إضافة للبعثات التعليمية إلى الخارج والتي كان نتيجتها أن أنشئ نظامان تعليميان في مصر وتونس وتركيا. نظام تعليمي ديني ونظام تعليمي علماني. فتحققت بذلك العلمانية واقعيا وأصبح للدين مجاله الخاص به وللدنيا مجالها الخاص بها.  فقد وجدت جامعات لتخريج علماء الدين وجامعات لتخريج علماء الدنيا. وفي مرحلة ثانية تمَ تهميش المنتسبين للتعليم الديني فعينوا في قضايا الدين ثم بعد ذلك حدث ما سمي بإصلاح المؤسسات الدينية بأن تمت علمنة هذه المؤسسات داخليا فأصبحت لا تضاف مواد إسلامية للجامعات الحديثة وإنما أضيفت العلوم الحديثة للجامعات التقليدية فأصبح الأزهر يخرج الطبيب والمهندس. فحدث نوع من الغزو القادم من البنية الحديثة إلى البنية التقليدية بقصد التغيير. وبتطور الزمن صار هناك حرص أن يكون المتخصص في علوم الدين أقل أقرانه عقلا وقدرة بحيث عند الاختيار يتم قبول أصحاب أقل الدرجات للدراسة في الكليات الإسلامية في حين يذهب أصحاب المؤهلات العليا إلى الاختصاصات العلمية، مما أدى إلى تآكل استمر أكثر من مائة وخمسين سنة في بنية التعليم الديني. ثمَ جاءت بعد ذلك القضية التي تمثل قمة العلمانية وهي أن تكون هناك مادة للتربية الإسلامية داخل مناهج التربية والتعليم وكأن التربية الإسلامية هي دين والدين لا علاقة له بالمواد الأخرى. وقد سقط الإسلاميون في هذا الفخَ فاصبح كل همهم أن يحافظوا على هذه المادة. ماذا حدث لهذه المادة؟ تطورت كل العلوم وبقيت كما هي جوهرها بالأساس هدف معلوماتي وليس فكري. وهي مثلا تحصر الإسلام في قرنين من الزمن وكأن الإسلام قد انتهى بعد ذلك. إنها تقدم معلومات في كثير من الأحيان تكون متناقضة أو على درجة عالية من التناقض فتعطي أحيانا نوعا من التحفيز وفي موضع آخر تعطيك نوعا من التواكل والسلبية وفي مكان تدعوك إلى نوع من الجماعية وفي مكان آخر تدعوك للفردية. وتدعوك أحينا إلى نوع من النقد والتفكير الإبداعي ثم تدفعك في أحيانا أخرى إلى نوع من التخوف والانكماش الداخلي. ففيها تناقض أصبح بعضه يهدم بعضا. كما أن هذه المادة تقدم الإسلام على أنه مجتمع رجولي ليس فيه مجال للمرأة وعندما تذكر النساء يذكر نساء النبي صلَى الله عليه وسلم وفي هذه الحالة ليس لهن فضل في أنفسهم وإنما الفضل للرسول صلَى الله عليه وسلم. ففيها إذا قدر من التناقض وهي في نفس الوقت لا تحقق الهدف

يقول محمد إقبال رحمه الله "كان أبي يقول لي يا بني اقرأ القرآن وكأنما عليك أنزل" أما هذا النوع من التعليم فيقول لك اقرأ القرآن الذي أنزل منذ ألف وأربع مائة سنة وكأن الإسلام يغيب عن الحياة المعاصرة. إلى جانب ذلك لقد درست في مجال التنمية تجربة النمور الآسيوية فوجدت أن كوريا على سبيل المثال بدأت النهضة بإصلاح التعليم وأخطر شيء في التعليم هو إصلاح الجزء المتعلق بالثقافة لأن الثقافة هي التي تحرك الإنسان، وهي التي تفتح عقله أو تغلقه تحركه أو تقعده تدفعه للفاعلية والإنجاز أو تدفعه للتواكل وهكذا.. ماذا فعلت كوريا الجنرال ماركو شكل لجنة سماها لجنة التصفية الثقافية قامت على فرز الثقافة الذاتية والثقافة الوافدة فهناك قيم وظيفية تدفعها للمرور وقيم غير وظيفية تمنعها وقيم ذات وجهين نحولها للوجه الوظيفي. مثلا قيمة احترام الكبير قد يكون فيها نوع من الترابط الاجتماعي وقد تؤدَي إلى عدم الترقَي وعدم الإبداع. قيمة الجماعية تؤدَي إلى التماسك والاستقرار النفسي وقد تؤدَي إلى المحسوبية والوساطة والفساد، فكيف نحوَل هذه إلى تلك؟ إن التجارب تقول إن أفضل وسائل التعليم هي تحويل أي منظومة ثقافية إلى مجموعة من القيم، وهنا نجد القرآن الكريم يضع هذا بصورة واضحة لا تحتاج إلى شرح أو نقاش فتحول كل ما يتعلق  بالتربية إلى منظومة قيم. والقيم بمعناها الواسع مثل قيمة العبادة والمراقبة الإحسان إلى قيمة الإبداع والتفكير النقدي والفعالية والعمل اليدوي والنظافة والنظام إلى آخره

إن المطلوب إذا في عملية إصلاح التربية الإسلامية هو أن لا يتم تناولها تناولا موضوعيا وإنما تناول قيمي يحاول أن يبني منظومة متناسقة القيم تستطيع من خلالها أن تصبَ المعلومات التي هي موجودة أصلا ولكن كيف نقدمها، فالذي يختلف هو منهج التقديم وإن كان المحتوى واحد 

الطيب الغيلوفي:

هناك بعض الملاحظات في ما يخص إصلاح التعليم كما يراه الدكتور، ألاحظ أن هناك اتجاها إلى تبني الطرح الأمريكي الغربي والذي يرى أن التعليم كما هو الآن في البلاد الإسلامية معيق لتخريج إطارات عقلانية تعترف بالآخر، والحقيقة أن هذا الكلام قديم وهو يعبر عن نوع من الرؤية المتعالية الغربية التي تعتبر أن هذا الغرب من موقع التفوق يكتسح العالم ويكتسح الثقافات. فكل مطالبه سواء كان في المشرق أو في المغرب كان دائما أول ما يستهدفه هو نظام التعليم القديم لذلك تمت تصفية الزيتونة في تونس وغيرها من المراكز التعليمية باعتبارها تنتج أجيالا قديمة وغير عقلانية وغير منسجمة مع الواقع. وأنا رأيي أن هذا الخطاب يعاد إنتاجه الآن بنفس الطريقة خاصة مع الهجمة الأمريكية، وإن أحسست أن الدكتور في تصنيفه وتعداد المجالات التي ينبغي أن يتم التركيز عليها في عملية إصلاح التعليم كالتركيز على مسائل العقل ومسائل الاعتراف بالآخر

في رأيي إن مشاكل التربية الإسلامية أو العقبات التي تعترض التربية الإسلامية ليست من هذا القبيل. إن المشاكل التي تعاني منها التربية الإسلامية لا بدَ أن ينظر إليها من خلال المشاكل التي نعاني منها، وأول هذه المشاكل هو الاستبداد وهو الداء الذي استشرى في بلادنا واخترق حتى الثقافة، سواء الثقافة الدينية أو الثقافة الشعبية. لذلك أرى أن الذين يطالبون بالإصلاح سواء في الداخل أو في الخارج لا يعنيهم كثيرا موضوع الاستبداد حقيقة. لذلك حضور موضوع الاستبداد من خلال مشروع إصلاح التعليم كما يطرحه الدكتور يبدو ضعيفا بينما هو في الأصل المطلب الأول وثقافتنا الفقهية فيها كثير من القبول بتسلط الحاكم خوفا من الفتنة وحفاظا على الوحدة. إن الأمة لم تعد متحدة خوفا من الفتنة وحفاظا على الوحدة. إن استمرار عائق الاستبداد في دولنا يهدد وجودنا أصلا في حين أن الذين يصوغون البرامج الجديدة هذا المطلب غائب لديهم. لا هو حاضر في أجندة الخارج ولا في أجندة الداخل

النقطة الثانية تتعلق بالتركيز على مسألة الاعتراف بالآخر، في رأيي أن ثقافتنا لا تعاني من مسألة عدم الاعتراف بالآخر. فلو نظرنا إلى المشرق العربي سنجد المسيحيين بأنواعهم كما نجد الشيعي إلى جانب السني إلى جانب الدرزي. إذا المشكلة ليس مشكلة اعتراف بالآخر، فلماذا يتم التركيز على هذه المسألة بهذا الشكل؟ لأن الغربيين أصبحوا الآن يواجهون باعتبارهم مسيحيين أو نصارى أو صليبيين لذلك يتردد هذا الموضوع كثيرا في كلامهم من أجل أن يقطع هذا الحاجز الذي يمنع المسلم من قبول سيطرة الأجنبي. منطقتنا حقيقة لا يمكن المزايدة عليها في مسألة الاعتراف بالآخر

المسالة الثالثة تتعلق بمطالب الإصلاح وكيف ينعكس ذلك على برامج الإصلاح؟ لو نعدد الأسباب سنجدها كالآتي: أول مطلب يجب أن يعالج ثقافيا وسياسيا هو موضوع الاستبداد وغياب الشورى في منطقتنا الذي لازمها منذ أمد بعيد وهو الآن يهدد وجود منطقتنا بالكامل من خلال هذه الأنظمة المرتبطة بالخارج وهو ما جعل بلادنا مستباحة على كل المستويات. المطلب الثاني هو هذا المسلم الذي يقبل بأوضاع الاستبداد أو ما يمكن أن نعبر عنه بغياب الفعل الحضاري والذي قد يكون له بعض الأسباب المتعلقة بالخارج ولكن أكيد ثمة سبب كامن في ثقافتنا وكامن في تعليمنا. المطلب التالي في منطقتنا يتمثل في المرأة إذ أن نصف المجتمع  معزول وفاقد للأهلية وقابع خلف الأبواب فنحن في حاجة إلى إخراج هذا النصف إلى الفعل وإحضاره للمساهمة الإيجابية

علي كردي:

بداية أشكر الدكتور نصر للجهد الطيب الذي قدمه ولعل أهم ما أثير في هذا العرض هي مسألة تحويل المنظومة الثقافية إلى جملة من القيم وسوف أبين أهمية ذلك فيما بعد. أما فيما يخص مسألة الاستبداد التي أشار إليها الأستاذ الطيب في مداخلته فأعتقد أن الدكتور نصر قد تطرق إليها في عرضه وقد تساءل قائلا هل يمكن للمفسد أن يكون هو المصلح واستدل على ذلك بالقرآن، وبالتالي افترض أن تكون هناك عملية  تغيير ولا بد أن تكون سياسية ولكنها عملية داخلية. وطبعا هذا لا يتسنى إلا عندما يحصل تطور في الذهنية والذي لا يتم إلا عن طريق التعليم. النقطة الثانية تتعلق بمحاولة الغرب إيهامنا بأن التعليم الديني في البلاد الإسلامية هو الذي ينتج ظاهرة ما يسمى بالإرهاب والحقيقة أن هذه مغالطة كبرى فلو نظرنا إلى رموز التيار المتبني لخيار العنف سنجدهم في غالبهم قد تلقوا تعليما علمانيا. فمنهم المهندس ومنهم الطبيب وغيرهم، بل على العكس نجد أن من تمتع بالتعليم الديني هو اقرب إلى الوسطية والاعتدال. أما ما يدفع شباب الأمة حقيقة إلى العنف والتطرف إنما هو تطرف الآخر وقمة تطرف الآخر أن يحاول أن يفرض علينا قيمه وثقافته. وعملية إصلاح التعليم لا تخرج في الحقيقة عن هذا الإطار. لقد استطاع الغرب أن يسيطر على الأنظمة السياسية المتحكمة في العالم العربي والإسلامي بشكل لا يمكن تخيله. ولكن الشعوب قد استعصت، فلو أخذنا مثلا مصر منذ متى بدأ التطبيع مع الكيان الصهيوني؟ هل تحقق التطبيع فعلا؟ طبعا لا. والذي أعاق عملية التطبيع هو الشعب، فالحكام فعلوا أكثر مما طلب منهم ولكن الشعب امتنع. الذي يمنعه إنما هي منظومة القيم الثقافية الإسلامية لذلك فهي المستهدفة. وتعليم الأزهر على علاَته قد حافظ على حصانة المجتمع في وجه محاولات الاختراق الخارجي في حين أن غياب مؤسسة الزيتونة في تونس أحدث نوعا من الخلل في الشخصية التونسية وفي المجتمع ومكَن العلمانية من بسط نفوها على الدولة ومؤسساتها بكل يسر. إذا إصلاح التعليم من منظور غربي هي محاولة استبدال هذه القيم وتغييرها

مختار بدري:

هناك جهتان تطالبان بعملية إصلاح التعليم، هناك الآخر يطلب منا إصلاح التعليم كما أننا نحن نرغب في إصلاح التعليم وكلانا يلتقي عند هدف الإصلاح. لماذا يطالبنا الآخر بإصلاح التعليم ويغفل عن غيره من المجالات؟ في تقديري يرجع ذلك إلى مجموعة من الخصائص يراها الآخر في هذه الأمة وهي خصائص جامعة للأمة. فهم لا يرغبون لنا في إصلاح سياسي تسقط به الدكتاتوريات، ولا يرغبون لنا بإصلاح سياسي تزول به هذه الحدود المفروضة، بل كل يوم نسمع عن خطط لمزيد من تقسيم أوصال هذه الأمة. وهم لا يريدون لنا إصلاحا اقتصاديا يعالج مظاهر الفقر والجشع وإنما يراد تغيير هذا القاسم المشترك الذي مازال يربط الأمة مشرقها إلى مغربها رغم حالة الاستبداد ورغم كل الأمراض. فهم يقولون إن معركتهم معنا هي معركة إيديولوجية معركة ليست مع الإرهاب وإنما مع هذا الفكر الذي يمتد ويعمل بنفس طويل فيبني المساجد والمدارس. وقد نشرت أخيرا مجلة النيويورك تايمز تقريرا للمخابرات الأمريكية يؤكد هذا المعنى فهم يعتبرون أنه ليس هناك متطرف ومعتدل في الإسلام، فالإسلام كله تطرف. لذلك نحن يجب أن ننتبه إلى بعض القضايا والتي هي من صميم ديننا، لكن المبالغة في تقديمها وتقديم برامج التربية الإسلامية على أساس أن هذا هو ديننا أمر يحتاج إلى إعادة النظر. إذا أنتم تريدون منا الاعتراف بالآخر فهذا موجود في ديننا، تريدون المسالمة فهذا أيضا موجود في ديننا. وأنا لم أسمع في تقديم الدكتور مثلا معاني أخرى يراد حذفها من برامج التعليم. نحن نريد للتعليم أن يقاوم فينا مظاهر الانبهار بالآخر ويقاوم فينا الخضوع للمستبد ويربينا على ثقافة التغيير. صحيح إن أمتنا تعيش التخلف وله أسباب في ثقافتنا وفي تقاليدنا وفي مفاهيمنا وفي تعليمنا ولكن لا أتصور بأي حال من الأحوال أن التعليم هو العنصر الأساسي في إبراز منظومة التخلف هذه. إن الإصلاح يجب أن يتجه في المقام الأول إلى موانع النهوض الحقيقية وليس إلى الاستجابة لطلب الآخر. والإصلاح الحقيقي هو الإصلاح السياسي الذي يرفع عنا الحواجز ويجعلنا أمة لديها إرادة المواجهة والقيادة وليس أمة خاضعة وتابعة

الدكتور نصرعارف:

إن كل ما أشرتم إليه تخوفات مشروعة وفي قلبي مثلها وهذه القضايا تستحق التوقف عندها لا شكَ ولكن هل هي التي كانت تحركنا في الواقع؟ هل أخذت في الاعتبار؟ القضية الأولى هي قضية من أين نبدأ الإصلاح؟ على مستوى نظري قد لا يكون التعليم أول مواطن الإصلاح كما قلت في البداية. ولكن على المستوى العملي نبدأ الإصلاح من حيث تتاح لنا الفرصة أن نبدأ. نحن الآن لا نملك أن نقضي على الاستبداد بضربة يد  واحدة، الكواكبي يقول في طبائع الاستبداد أن أخطر أنواع الاستبداد هو الاستبداد في الدين والاستبداد في المعرفة، حقيقة الأمر أن ظاهرة الاستبداد أصبحت ظاهرة اجتماعية وليست سياسية. أنا من المؤمن¡